تعتبر شبه الجزيرة الإيبيرية، من مواطن الاستقرار والحضارة، منذ أقدم العصور؛ فقد استوطنتها العديد من الشعوب، كاليونانيين والفينيقيين والقرطاجيين، قبل أن تخضع للرومان، في القرن الثاني ق.م، وتصبح أهم ولاياتهم الغربية، لعدة قرون، فيطبعونها بطابعهم الحضاري. ثم كان الفتح الإسلامي لها سنة 92هـ، بداية لعهد جديد مشرق، وتدشينًا لميلاد أمة جديدة مبدعة، هي الأمة الأندلسية، وحضارة جديدة متميزة، هي الحضارة الأندلسية، بطابعها الإسلامي، وسماتها الأندلسية الفريدة، التي لا تزال تدهش المؤرخين، حتى اليوم.

وكان العمران أحد الجوانب الحضارية، التي أولتها النهضة الإسلامية العامة بالأندلس الاهتمام. وقام العمران على أسس هندسية وفنية غاية في الدقة والذوق والأناقة ([1]). ولا يزال الفن المعماري الإسلامي بالأندلس، مرآة تعكس تاريخ المسلمين المجيد، وحضارتهم الزاهية الزاهرة. وكانت القناطر، من المنشآت المدنية، التي اهتم المسلمون بإنشائها وإصلاحها في جميع أرجاء إيبيريا، التي صار يطلق عليها اسم “الأندلس”، منذ بداية عهدهم فيها، وذلك لتسهيل عملية الانتقال بين مناطقها المختلفة، نظرًا لكثرة الأنهار، التي تخترقها من شمالها إلى جنوبها، مثل وادي دويرو، ووادي تاجه، ووادي آنه، والوادي الكبير، ووادي لكة، ووادي سليط، وغيرها.

ومن القناطر المشهور بالأندلس، في عهد المسلمين، والتي لا تزال قائمة إلى اليوم: قنطرة طليطلة، قنطرة السيف، قنطرة طلبيرة، وتقع على نهر تاجه. وقنطرة وادي الحجارة، على نهر هنارس. وقنطرة ماردة على نهر آنة. وقنطرة سرقسطة، على نهر أبرة. وقنطرة مرسية على نهر شقورة. وقنطرة استجة على نهر شنيل. وقنطرة لبلة على وادي آنة. وقنطرة رندة، على نهر لبين. وقنطرة شنيل وقنطرة بنوط على نهر شنيل بغرناطة. وقنطرة شلب على نهر أراد. وأخيرًا وليس آخرًا قنطرة قرطبة، على نهر الوادي الكبير؛ وهي أهم قناطر الأندلس وأشهرها، وهي موضوع هذا البحث.

ولوضع هذه التحفة المعمارية الخالدة، ضمن السياق التاريخي، الذي أنتجها، فسنبدأ القصة من أولها:

أولًا: نبذة عامة عن قنطرة قرطبة

قنطرة قرطبة

قنطرة قرطبة من الأعلى.

كان المسلمون عندما افتتحوا مدينة قرطبة واستقروا بها سنة 93هـ/ 712، قد وجدوا بها، آثار قنطرة حجرية، تنبئ أنها كانت قنطرة عظيمة، ورفيعة القدر، قبل انهيارها. وكانت هذه القنطرة، تربض فوق نهرها الجاري، المعروف بنهر الوادي الكبير، أو نهر بيطي، على عدة حنايا وثاق الأركان، لم يبقَ منها إلا رسوم عافية، عند الفتح. وكانت تربط مدينة قرطبة، بربضها القبلي، الواقع على الضفة الجنوبية للوادي الكبير، الذي يخترق الأندلس من الشرق إلى الغرب مائلًا نحو الجنوب، قبل أن يصب في المحيط الأطلسي.

وكانت قنطرة قرطبة: وهي المجاز الذي تتخذه السكة العظمى أو المحجة العظمى ودعامة التوسع العمراني بقرطبة نفسها ([2])، قد تهدمت، وسقطت حناياها، ومحيت أعاليها، نتيجة للعوادي، وطغيان مدود النهر، على مرّ الزمن، إذ لا أقواس بها ولا شرفات، ولم يتبقَ منها غير “أرجلها وأسافلها”. وكانت هذه القنطرة المتهدمة، كما قال صاحب (فتح الأندلس) “من تأسيس الأمم الماضية الداثرة ([3]). وقال ابن حيان: “وقيل إنه قد كانت في هذا المكان قنطرة، من بنيان الأعاجم، قبل فتح المسلمين بنحو مائتي سنة ([4])“.

أما المراجع الإسبانية، والغربية عامة، وكذلك المراجع العربية المعاصرة، التي أخذت عنها، فتقرر أن القنطرة كانت “رومانية الأصل ([5])“، أي أنها من بقايا آثار الرومان، الذين بنوها في الأزمان الغابرة، قبل الفتح الإسلامي للأندلس، بعدة قرون. ويُقال إن الإمبراطور الروماني أوغسطس المعروف بلقب قيصر الصغير (63 ق. م- 14م)، والذي يعتبر المؤسس الفعلي للإمبراطورية الرومانية، هو الذي أمر بإنشائها، في القرن الأول، قبل الميلاد ([6])، وذلك في إطار اهتمام الرومان بمدينة قرطبة، التي كانت في عهدهم عاصمة ولاية اسبانيا السفلى، المعروفة باسم بيتيكا (بيطي عند العرب).

وظلت (قنطرة قرطبة) قائمة تؤدي وظيفتها حتى أواخر أيام دولة القوط الغربيين ([7]). وتجدر الإشارة إلى أن تهدم هذه القنطرة، وقت الفتح، كان قد أخر، لبعض الوقت، عملية عبور جيش المسلمين، المكون من سبعمائة فارس، والذي أرسله طارق بن زياد، بعد انتصاره على القوط في معركة وادي لكة، لفتح قرطبة، بقيادة مغيث الغساني الملقب خطأ بـ”الرومي”. إلا أن تثلم بعض أجزاء القطاع الغربي من سور المدينة، من جهة، وشجاعة الفاتحين المسلمين وقوة عزيمتهم، من جهة أخرى، قد عوَّضتا عن ذلك.

وذلك أن مغيثًا وأصحابه، تمكنوا من عبور النهر مترجلين، في ليلة خريفية مطيرة، أغفل فيها الحراس الحراسة ليلًا، خشية على أنفسهم من المطر والبرد، ومن ثم التسلل إلى داخل قرطبة، من ثغرة فوق باب السور الجنوبي للمدينة، المواجه للقنطرة، ومن ثم اقتحام المدينة وفتحها عنوة ([8]). وكان هناك أيضًا، أيْ عند الفتح، سور منيع ضخم وعالي الارتفاع، يحيط بمدينة قرطبة. بيد أن هذا السور، والذي كان لا يزال يحتفظ بعظمته وفخامته، بشكل عام، كان آنئذٍ، منقورًا ومخربًا في بعض أجزائه الغربية، وهذا يدل على تراجع مكانة قرطبة، في العهد القوطي، عما كانت عليه في العهود السابقة، وبخاصة أنها أصبحت تابعة لطليطلة عاصمة القوط ([9]).

ثانيًا: حاجة المسلمين لتشييد قنطرة قرطبة

ولما كانت قرطبة تقوم كلها على سفح جبل قرطبة الجنوبي (جبل العروس)، في شمال الوادي الكبير: الذي يعتبر أكبر أودية الأندلس كلها ([10])، فقد كانت عملية الوصول إليها من الجنوب تتطلب عبور مخاضة النهر، ولما كانت مخاضة النهر، صعبة العبور، نظرًا لعرض مجرى النهر، وعمقه، فقد كان المسلمون: في أمس الحاجة إلى قنطرة متينة، يستطيعون العبور إليها من الجنوب، إلى عاصمتهم الجديدة ([11])، والتي صارت كذلك منذ مطلع ولاية الحر بن عبدالرحمن الثقفي، ثالث أمراء الأندلس، سنة 97هـ.

وهو ما يدعو إلى القول، بأن عملية إعادة تشييد قنطرة قرطبة المتهدمة، فوق ذلك الوادي، كانت مطلبًا حيويًا، لتيسير الاتصال بين العاصمة قرطبة، ونواحيها القبلية، ولربط الضفة الشمالية لنهر الوادي الكبير بضفته الجنوبية، وهذا بالنسبة لأهالي قرطبة، ولأهالي ربض شقندة خاصة، وللمسلمين عامة، تجارًا وجيوشًا وعابري سبيل وغيرهم. وذلك أنهم كانوا، ونتيجة لعدم وجودها، يجدون صعوبة كبيرة، في الاتصال والتواصل، فيما بينهم، وفي قضاء مصالحهم، فيما وراء ضفتي نهر الوادي الكبير” المعيي على السباحة ([12])“، وكذلك في الانتقال من شمال الجزيرة إلى جنوبها وبالعكس.

وكانوا يتكلفون السفن للعبور بينهما، بما كان في ذلك من مشقة عليهم، وكانت هذه المشقة، تزداد في فصل الشتاء، عندما يكون النهر شديد البرودة، وعند المطر وفيضان مياه النهر. ولا شك أن ترميم القنطرة، كان من المشاكل الأولى الملحة، على ولاة قرطبة، خاصة بعد أن أصبحت حاضرة المسلمين، بالأندلس، فقد كان من الضروري، أن ترتبط قرطبة بربضها القبلي “شقندة ” عن طريق القنطرة، بعد أن ازداد حجمها وازداد عدد سكانها بوفود مزيد من الطلائع العربية، واستقرار العرب فيها، وأصبح من الصعب على سكان الربض القبلي، العبور على المعادي لقضاء أعمالهم، في المدينة أو نواحيها الشرقية والغربية ([13]).

ولذلك، فقد كان إعادة تشييد هذه القنطرة يدخل في عداد ما يسميه الفقهاء المسلمون بـ “البناء الواجب”. وإلى جانب التفكير في إعادة تشييد القنطرة، فقد كان لا بد لولاة الأندلس، أن يفكروا، في ترميم الأجزاء الغربية المتخرّبة من الأسوار، لتحصين قرطبة، وحتى لا تصبح مدينة مفتوحة للداخلين إليها، وخاصة بعد أن أصبحت حاضرة للأندلس. ومن هنا فقد جاءت مبادرة المسلمين الفاتحين، بإعادة تشييد قنطرة قرطبة، وبناء ما تهدم من هذا السور أيضًا، وذلك في ولاية السمح بن مالك الخولاني، والذي كان عمر بن العزيز (99-101هـ)، قد اختاره واليًا للأندلس، لصلاحه، وتقواه، وخبرته ([14]).

فقدم السمح الأندلس، في رمضان 100هـ، وشرع في تنظيم أمورها المالية والإدارية، وحينئذٍ برزت لديه، فكرة إعادة تشييد قنطرة قرطبة وترميم أسوارها، وذلك انطلاقًا من مسئوليته كحاكم للأندلس نيابة عن الخليفة، لأن مثل هذه الإنشاءات الاستراتيجية، كانت موضع عناية الولاة، يقومون بذلك نيابةً عن صاحب السلطان الأكبر (الخليفة). إذ لم يكد السمح يمضي في تنظيم شئون البلاد المالية والإدارية، حتى تجمع له، خلال فترة قصيرة، مبلغ كبير من الخراج، بعد سداد مستحقات الجند، ونفقات الولاية، فرأى أن يستثمر هذا المال (الفائض)، في إعادة تشييد تلك القنطرة المتهدمة، وترميم أسوار قرطبة الغربية. وقد كان السمح منشئًا عظيمًا، وهو من القلائل من ولاة العصر الإسلامي الأول الذين أوتوا نظرًا سليمًا في مسائل الحكم والإدارة والتعمير، فقد حكم الأندلس فوق السنتين بقليل (رمضان 100 – ذي الحجة 102هـ). ولكنه نقل قرطبة خلالهما من مجرد حصن وسوق، إلى مدينة جليلة ([15]).

ثالثًا: المشكلة التي واجهت السمح بن مالك الخولاني

ولتنفيذ هذين المشروعين -أقصد إعادة تشييد قنطرة قرطبة، وإعادة ترميم الأجزاء المتخربة من أسوارها-؛ كان يتعين على السمح بن مالك، توفير الصخور الضخمة، اللازمة لعملية البناء والتشييد، لأن كلا المشروعين كان يتوقف تنفيذه على توفير كميات كبيرة من هذه الصخور، وخاصة بالنسبة لتشييد القنطرة: وكان إصلاحها أمرًا حيويًا قد يكون أولى بالاهتمام من المشروع الأول، لتيسير الاتصال بين قرطبة ونواحيها القبلية ([16]). بيد أن توفير كميات الصخور اللازمة لتنفيذ المشروعين معًا، لم يكن ممكنًا، آنذاك، إما لكون المسلمين حينئذٍ، كانوا لا يزالون حديثي عهد، بقرطبة، ولم يكونوا قد عرفوا بعد مقاطع أحجارها في جبل قرطبة، كما تذكر بعض المصادر العربية ([17])، وإما لعدم وجود محاجر، في هذه المنطقة، أصلًا، لجلب الأحجار منها، كما يفهم من مصادر عربية أخرى ([18]).

وفي رأيي أن هذين التعليلين، لرغبة السمح في بناء القنطرة من صخر السور المتهدّم، كلاهما غير منطقي، خاصة التعليل الثاني؛ فمن غير المعقول ألا يكون هناك مقاطع حجارة في منطقة قرطبة، وإلا من أين بنيت بيوت المدينة وقصورها؟ ومن أين جلبت الأحجار الضخمة لتشييد سورها القديم؟ بل من أين جلبت الأحجار لتشييد قنطرتها الصخرية السابقة؟ وفيما يتعلق بالتعليل الأول، فإن كون المسلمين كانوا حديثي عهد في قرطبة فهذا لا يبرر عدم معرفتهم بمقاطع أحجارها في جبل قرطبة، ولم يكن يعوزهم سوى السؤال عن مكانها، وكان هناك الكثير من أهل البلاد الذين يمكن أن يدلوهم عليها.

وعليه فيمكن القول، إن المشكلة التي واجهت السمح لم تكن كامنة في عدم وجود مقاطع للصخور، في نواحي قرطبة القريبة من القنطرة، ومن السور الغربي المتخرّب، أو في عدم معرفة المسلمين لمكانها، إنما المشكلة في الواقع، كانت نابعة من الحاجة الملحة لتنفيذ المشروعين، في أقصر وقت ممكن، ودون التأثير على جهود المسلمين، التي كانت حتى ذلك الوقت لا تزال منصبة على إقرار الأمور الأمنية والإدارية، داخل الأندلس، وتوطيد نفوذ المسلمين في هذه الولاية الجديدة، من جهة، وعلى الجهاد والاسترسال في الفتوحات خارجها، من جهة أخرى.

وفي ذلك يقول السيد عبد العزيز سالم: والظاهر أن تنفيذ كلا المشروعين، كان يتوقف على توفير كميات من صخور البنيان التي يستلزم إحضارها نوعًا من الاستقرار السلمي والحضاري، وهو ما لم يكن يعرفه الفاتحون حتى ذلك الحين، إذ انصرفوا إلى تنظيم الفتح، وإلى التطلع نحو مزيد من الجهاد فيما وراء جبال ألبرت. وهكذا لم يكن يتوفر للسمح تدبير الأحجار اللازمة للمشروعين معًا، وأصبح يتعين عليه أن يرمم القنطرة من حجر السور، أو السور من حجر القنطرة ([19]). مشيرًا إلى: أن ما ترويه المصادر العربية خاصًا ببناء القنطرة من صخر السور المتهدم أمر يثير الشك في صحة هذه الروايات، لأن توفير الأحجار اللازمة لبناء القنطرة أو ترميمها، لم يكن مشكلة عويصة يواجهها العرب، فإذا كانوا قد التمسوا الأحجار من السور المتثلم بحجة أنهم كانوا حديثي عهد بمقاطع الأحجار في جبل قرطبة، فهناك، من المباني القديمة المخرّبة في قرطبة ونواحيها ما يمكن معه الإفادة من أحجارها في ترميم القنطرة والسور معا، وهو تقليد كان وما زال شائعا في المدن الإسلامية.

ومع ذلك فليس في إمكاننا التشكيك في النصوص العربية، ولا بد في الظروف الحاضرة من الأخذ بها، وفي هذه الحالة علينا أن نلتمس العذر للسمح بن مالك، في ترميمه القنطرة بأحجار السور المتخرٍّب، بالرغبة في الفراغ السريع من أعمال الترميم، لأن موقع السور المتخرٍّب، كان قريبًا من موقع القنطرة، بحيث يسهل على القائمين بالترميم، نقل الأحجار الضرورية، لذلك بسهولة، وفي ذلك، توفير للجهد والنفقات، في وقت كان المسلمون يشتغلون بالجهاد في غالة([20]).

رابعًا: عرض الخطة على الخليفة عمر بن عبد العزيز

قنطرة قرطبة

وهكذا، ونظرًا لصعوبة توفير الأحجار اللازمة لتنفيذ المشروعين، كليهما معًا (تشييد القنطرة، وترميم السور)، كان لا بدّ من التضحية، بأحد المشروعين، لصالح المشروع الآخر، أي تنفيذ أحدهما عاجلًا، باستخدام الأحجار الضخمة المتوافرة والمتخلفة منهما معًا، وفقًا لشروط المتانة المطلوبة، وتأجيل تنفيذ المشروع الآخر، إلى أقرب فرصة ممكنة. وعلى هذا، فيما يبدو، استقر رأي السمح.

ولكن، وقبل الشروع في بناء أي من هذين المرفقين الحيويين، كان لا بد له، من عرض الأمر، على الخليفة عمر بن عبد العزيز، في دمشق، ليس فقط لأن كلا المشروعين، كان على نفس الدرجة من الأهمية تقريبًا، فكان على الخليفة أن يقرر أي المشروعين له الأولوية على الآخر، وإنما أيضًا، باعتبار أن الأمر بتنفيذ مثل هذه المرافق العامة، والمشاريع الاستراتيجية الكبيرة، يدخل في نطاق اختصاصات الخليفة، بينما يقتصر دور الوالي على اقتراح الخطة، وعلى الإشراف على التنفيذ، نيابةً عنه، إضافةً إلى أن تنفيذ أي من هذين المرفقين العامين، يحتاج إلى أموال كثيرة، وهذه الأموال تؤخذ من فائض دخل الولاية من الخراج، ذلك الفائض، الذي ينبغي أن يرسل إلى بيت مال المسلمين المركزي، في عاصمة الخلافة، على اعتبار أن ذلك الفائض، هو حصة الخلافة، من خراج الولاية.

ويُعبر عدد من المؤرخين عن هذا المعنى، فيقول الحميري: قالوا وبأمر عمر بن عبدالعزيز، قام على نهر قرطبة الجسر الأعظم، الذي لا يعرف في الدنيا مثله ([21]). وقال أيضًا: وفي قرطبة كان هناك قنطرة الوادي، على نهر قرطبة، وكانت هذه القنطرة موضع أخرى قديمة، قد هدمها فيضان النهر على مر الأزمان، فأمر عمر بن عبد العزيز السمح بن مالك الخولاني، والي الأندلس ببنائها فصنعت من حجارة سور المدينة، وبنى السور باللبن، وأخرج لها خمس قرطبة ([22]).

والمهم أن السمح كتب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز: يستشيره ويُعلمه أن (أسوار) مدينة قرطبة تهدمت من ناحية غربها، و(يعلمه أيضًا أنه) كان لها، أيْ لقرطبة، جسر يُعبر عليه (بين ضفتي) نهرها ووصفه، أي الجسر، بخموله، وامتناعه من الخوض (في) الشتاء (على) العامة. (وقال السمح في رسالته تلك لعمر بن عبدالعزيز): فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت، فإن قبلي قوة على ذلك من خراجها، بعد عطايا الجند ونفقات الجهاد، وإن أحبّ صرفت صخر، ذلك السور، فبنيت جسرهم ([23]).

واتفق هذا مع ميل هذا الخليفة لتشجيع استخدام فائض الخراج في مثل هذه المصالح العامة. إلا أن تعليماته جاءت قاضية بتغليب الاعتبارات المدنية والاجتماعية، على الاعتبارات الدفاعية والعسكرية، وبالانحياز لصالح المشروع الذي يكون في تنفيذه مصلحة أكبر، لعامة المسلمين، وهو إعادة تشييد القنطرة. وكان ذلك هو نفس الرأي الذي رآه السمح لأن رواية أحمد الرازي، تذكر أنه “خاطب أمير المؤمنين بما عمله، أي في قسمة الأراضي.. ويستأذنه في بناء القنطرة من صخر السور ([24])“.

ومع ذلك، فإن عمر بن عبدالعزيز، لم يلغِ المشروع الآخر، أي إعادة ترميم سور قرطبة، فقد أمر السمح أن يعيد ترميم ما تخرّب منه، باللبن أو الآجر. وحول ذلك يقول ابن عذاري: وفي سنة 101، ورد كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السمح بن مالك بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة، بصخر السور، وبناء السور باللبن، ويأمره بإخراج خمس قرطبة فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالربض فأمر الخليفة عمر أن يتخذها مقبرة للمسلمين فتم ذلك ([25]). ويقول الرازي: فورد جواب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، بأن يجعل البطحاء التي حصلت في الخمس بقبلي قرطبة مقبرة، وأن تبنى القنطرة من صخر السور ويجبر ما تثلم منه، أي من السور، باللبن ([26]). أما صاحب (أخبار مجموعة) فيشير إلى: أن عمر بن عبد العزيز، أمر ببنيان القنطرة بصخر السور، وأن يبنى السور باللبن، إذ لا يجد له صخرًا ([27]).

خامسًا: تنفيذ خطة تشييد قنطرة قرطبة

وبعد استلام السمح لرسالة الخليفة، شرع من فوره في عملية التنفيذ ” فوضع يدا فبنى القنطرة في سنة إحدى ومائة ([28])“. علما بأنه” لكي يستطيع السمح بناء هذه القنطرة كان لابد أن يحبس ماء النهر، فلا يسمح للماء بالتدفق، إلا من خلال مجرى ضيق. على هذا المجرى أنشأ رحى، أي طاحونة مائية يدفع الماء عجلتها الضخمة فتدور وتطحن. أصبحت هذه الطاحونة من معالم الأندلس الإسلامي ([29])“. وقد شيِّدت القنطرة من الحجارة الضخمة المتخلفة، من القطاع الغربي المتهدّم من سور قرطبة على الأكتاف الرومانية القديمة ([30])“، للقنطرة السابقة، أي الكتل الراسية في بطن الوادي، والتي تحمل العقود: فبنيت محكمة على سبع أرجل أو أعمدة كما نسميها نحن. هذه أول مرة يبنى العرب قنطرة حجرية على نهر ([31]).

وكان القطاع المتهدم من الأسوار، لحسن الحظ، يقع في غربي المدينة، مبتدأ من جوار القنطرة، الأمر الذي سهل من عملية نقل صخوره لاستخدامها في تشييد القنطرة. ولم يذكر المؤرخون، كم المدة التي استمر فيها العمل، بيد أن عملًا ضخمًا كهذا يتطلب شهورًا عديدة، مهما بلغ حرص الوالي على سرعة إنجازه. وينسب المستشرق الإسباني كوندي، هذا العمل لعنبسة بن سحيم الكلبي أمير الأندلس بعد السمح (صفر 103- شعبان 107). ولكن: أكثر المؤرخين يقولون بأن باني جسر قرطبة، هو سلفه السمح بن مالك الخولاني، ولعل عنبسة أكمل البناء ([32]).

وهكذا لم تمضِ سوى فترة قليلة، حتى ظهرت القنطرة بحلتها الجديدة، وعادت أتم تشييدًا ومتانة، وأعظم روعة وبهاء، من أي قنطرة أخرى. ذكر ذلك، محدِّث الأندلس ابن مفرج (380هـ)، في تاريخه فقال، حين الحديث عن هذه القنطرة، “فأمر عمر بن عبد العزيز السمح بن مالك، ببنائها، فصنعت على أتم، وأعظم ما عقد عليه جسر، في معمور الأرض، من حجارة سور المدينة ([33])“.

فكان أن زهت بها قرطبة من جديد، وفرح بها المسلمون بها فرحًا عظيمًا لكونها قد سهلت عليهم عملية عبور النهر، من الجنوب إلى عاصمتهم الجديدة، والتي كانت مصدر قلق وإزعاج لهم، في الفترة الماضية. هذا علاوة على أهميتها في إعادة ربط العاصمة (قرطبة) بأرباضها القبلية، وبسائر مدن ونواحي جنوب الأندلس، وبلاد الشرق جميعًا، وقد: كانت من الجمال والبهاء بحيث كانت متنزه أهل قرطبة ومدار خيال شعراء الأندلسيين أجمعين ([34]).

وقد كان تشييد السمح لهذه القنطرة، أول وأهم الإنشاءات العمرانية، التي حفلت بها قرطبة خاصة، والأندلس عامة، في عصر الولاة. قال بعضهم لم يكن للعرب هندسة خاصة لما دخلوا قرطبة، وكانوا يعتمدون على هندسة أهل البلاد التي تغلبوا عليها ([35]). وكان ذلك، نقطة البداية لانتشار حضارة المسلمين، في البناء والعمارة، بالأندلس، تلك الحضارة الزاهية، بطابعها وطرازها العربي الإسلامي، وبخصوصيتها الفريدة المنسجمة مع البيئة الأندلسية، والتي تفوق فيها الأندلسيون، فيما بعد، وشاعت في أوروبا، وفي أرجاء الدنيا كلها.

وقد عرفت هذه القنطرة في التاريخ، باسم “قنطرة الوادي”، “قنطرة النهر”، “الجسر الأكبر أو الأعظم”، “القنطرة الكبيرة”، “القنطرة العُظْمى”، “القنطرة العتيدة”، “القنطرة التاريخية العظيمة”، كما عرفت باسم “قنطرة الدهر”، كناية عن قدمها، وبقائها على مر الدهور والأزمان.

وهي تعرف حاليًا باسم “القنطرة الرومانية”. وهذا تحريف ظاهر واعتداء سافر على الحقائق التاريخية، لأنها قنطرة أندلسية إسلامية.. وفي ذلك دليل على غمط الحقيقة عمدًا ورسميًا وعلنًا لأنها قنطرة أندلسية إسلامية ([36]).

سادسًا: اهتمام حكام الأندلس بقنطرة قرطبة

مسجد قرطبة.

ونظرًا للأهمية الكبيرة لهذه القنطرة، خاصة بالنسبة لعمران قرطبة، ولدورها الهام في تعزيز مكانتها، وربطها بروابط وثيقة بغيرها من مدن جنوب الأندلس، فضلًا عن ربط شمال الأندلس بجنوبه، بل بأقاليم الشرق جميعًا، فقد بقيت طوال العصر الإسلامي، موضع رعاية الدولة وعنايتها. حرص الأمراء والخلفاء، على تحسينها، وإصلاحها وترميمها وتجديدها، عندما تتعرض لأي عطب، بسبب السيول العظيمة غالبًا، في موسم المطر، وأحيانًا بسبب الزلازل، التي تؤدي إلى تصدعها وزعزعة بنيانها: “وكثيرًا ما كان يشتد فيضان النهر، أو يعظم السيل، فتتصدع القنطرة، أو تهدم أجزاء منها، ومن “الرصيف”، فكان الأمراء والخلفاء يأمرون بإصلاحها، وتدعيمها([37]).

وأول من أعاد ترميمها بعد السمح هو الأمير هشام الرضا (172- 180هـ)، وذلك بعد تعرضها لاختلال وتخريب جزئي سنة 162هـ، جراء فيضان السيول ومدود النهر، فقام هذا الأمير بتجديدها، وتدعيمها، وأنفق في إصلاحها أموالًا جليلة، وتولى الإشراف على العمل بنفسه، وأحكمها إلى الغاية، حتى صارت من أعظم الآثار الإسلامية بالأندلس. ومن طريف ما يروى، في هذا الصدد أن الناس قالوا يومها، تعليقًا على الاهتمام الكبير الذي أبداه الأمير الرضا بإصلاح القنطرة: إنما بناها ليجوز عليها لصيده ونزهته، فاتصل به ما قيل، فآلى على نفسه، ألا يجوز عليها إلا غازيًا، أو في مصلحة، أو في شهود جنازة([38]).

واستمرت العناية بهذه القنطرة العظيمة، بعد ذلك، فأصلحت ورممت مرات عديدة: ومن ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر (300-350هـ)، أمر بإصلاحها مرتين، الأولى سنة 331هـ، والثانية سنة 334هـ، وأن ولده الخليفة الحكم المستنصر أمر بتدعيمها، وتقوية أرجلها، سنة 360 هـ، وكان يراقب تلك الأعمال بنفسه ويشارك برأيه، ويستحث العمال على تعجيل إتمامها ([39]). ثم جددها الحاجب المنصور (366- 392هـ)، سنة 378هـ: وأضاف عليها تعديلات هامة ([40]) ، وتم بناؤها في سنة ونصف، وبلغت النفقة عليها مائة وأربعين ألف دينار، وعظم بها نفع القرطبيين ([41]).

وبنى المنصور قنطرة أخرى على الوادي الكبير غربي القنطرة العظمى ([42])، للتخفيف من العبء الذي كانت تتحمله هذه القنطرة، ولمواجهة الحالات الطارئة التي تنشأ عن تهدمها. وبرغم ذلك فقد ظل اسم السمح بن مالك الخولاني، هو الأكثر حضورًا، في أذهان المؤرخين العرب، عند الحديث عن هذه القنطرة، التي اعتبرها المسلمون من مفاخر قرطبة، وعملًا من أعمال البر، الذي ينبغي صيانته والحفاظ عليه، وتيسيره للناس للعبور عليه في كل وقت.

ولذلك، فعندما أغرت أهمية هذه القنطرة وكثرة الأحمال والقوافل التجارية التي كانت تمر عليها ” أحد المشتغلين بتثمير الخراج، فتقدم للأمير أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم (عبد الرحمن الأوسط) (206-238هـ)، باقتراح مفاده: “أن القنطرة التي بناها جده، على نهر قرطبة، لو رسم على الدواب والأحمال التي تعبر عليها رسما لاجتمع من ذلك مال عظيم”. فزجره الأمير وانتهره، ورد عليه موبخًا قائلًا: نحن أحوج إلى أن نحدث من أفعال البر أمثال هذه القنطرة، لا أن نمحو ما خلده آباؤنا باختراع هذا المكس القبيح، فتكون عائدته قليلة لنا، وتبقى تبعته وذكره السوء علينا، وهلا كنت نبهتنا على إصلاح المسجد المجاور لك الذي قد تداعى جداره واختل سقفه” وفرض عليه بناء هذا الجامع من ماله عقوبة له([43]). وهذه الحكاية، تكاد تلخص الأهمية الحيوية، التي لعبتها هذه القنطرة، ليس كوسيلة للعبور العادي فحسب، وإنما أيضًا كوسيلة لعبور القوافل التجارية، بين شمال الأندلس وجنوبه، وبالعكس، وما لذلك من أثر في ازدهار الحركة التجارية، في قرطبة خاصة، بالأندلس عامة.

سابعًا: قنطرة قرطبة شاهدًا سياسيًا وحضاريًا

لقد كان لتشييد قنطرة قرطبة أثر إيجابي كبير، في تطور عمران قرطبة، حاضرة الأندلس، وفي ازدهارها السياسي، والثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، في العصر الإسلامي. ذلك أن تلك القنطرة، لم تكن وسيلة للعبور السريع والآمن والفعال، فحسب، وإنما تطورت وظيفتها مع تعاقب الإصلاحات عليها وعمليات تجديدها وترميمها.

وقد ترتب عليها نشأة حي ضخم، في مقابلها على الضفة الجنوبية للوادي الكبير، أطلق عليه اسم “الربض” (ربض قنطرة قرطبة)، تمييزًا له عن الأرباض الأخرى التي كانت تحيط بقرطبة، وإبرازًا لدور القنطرة في نشأة هذا الربض، الذي صار في العقد الثامن من القرن الثاني الهجري، يعج بحشود هائلة من السكان من الفلاحين، والحرفيين، والطلاب، والفقهاء، وكان أغلبهم من المولدين (المسلمين من أهل البلاد). ثم إن هؤلاء قاموا بثورة كبرى على الأمير الحكم بن هشام (180-206هـ)، كادوا يطيحون فيها بعرشه، وكانت القنطرة شاهدًا على هذه الثورة، لأن معظم المواجهات دارت فوقها وعند أطرافها. وقد انتصر عليهم، ولكنه تعلم منها درسًا لم ينسه هو ولا أحد من أهل بيته بعده، وهو أن العدل أساس الملك ([44]). كما عرف هذا الربض أيضًا بـاسم”ربض شقندة”، نسبة لشقندة: لأنه في جانبها، في العدوة الأخرى من قرطبة، وراء الوادي، وكانت شقندة هذه قرية كبيرة، وكانت معدودة من مدينة قرطبة، وقد زادت أهميتها وتطورت تطورًا كبيرًا بسرعة، بعد إصلاح القنطرة، ونزلها الكثير من الوافدين على الأندلس من العرب والبربر.

وكان للقنطرة دور كبير في المساهمة، في حالة النمو الذي شهدته قرطبة، في الربع الأول، من القرن الثاني الهجري، أيْ قبل اندلاع الحروب الأهلية بين العرب في أواخر عهد الولاة، ثم في حالة النمو السريع واللامع خلال عهدي الإمارة والخلافة (138-399هـ)، والذي لم تشهد قرطبة نموًا مثله من قبل. وما يُقال عن نمو قرطبة ومكانتها في عهد الرومان، مجرد مبالغات مقارنة بما وصلت إليه من نمو وتطور، وما احتلته من مكانة في العهد الإسلامي، إذ لم تكن في العصور السابقة: سريرًا لسلطنة الأندلس، بل كرسيًا لخاص مملكتها، وسعدت في الإسلام، فصارت سريرًا للسلطنة العظمى الشاملة، وقطبًا للخلافة المروانية، وصارت أشبيلية وطليطلة تبعًا لها، بعدما كان الأمر بالعكس ([45]).

وقد زاد قنطرة قرطبة الحضارية أهمية، أنها لم تكن فقط وسيلة اتصال بين ضفتي نهر الوادي الكبير، وأداة لربط قرطبة بأرباضها الجنوبية، وإنما للأندلس كلها شمالها وجنوبها. أي أن فائدتها لم تكن محلية فقط وإنما عامة. وكانت عامرة بالحركة، فمنها كانت تمر إحدى الطرق القديمة، والتي كانت تأتي من الجزيرة الخضراء أو أشبيلية إلى قرطبة: وكانت هي الشارع الرئيسي الذي يقطع قرطبة من جنوبها إلى شمالها بادئًا من قنطرة الوادي ومنتهيًا إلى الباب الشمالي الأقصى، الذي عرف بباب “عبد الجبار”([46])، ثم منه إلى طليطلة، إلى سرقسطة، إلى أربونة خلف جبال البرت، ومنها إلى بلاد غالة، وإلى روما.

ويمكن القول أن قنطرة قرطبة، كانت إحدى أهم دعائم التطور العمراني لقرطبة، حاضرة الأندلس، في العصر الإسلامي، بل إنها كانت الأساس لهذا التطور، فكان وجودها ضرورة لازمة للحاضرة الأندلسية، وبدونها كانت تتعرض قرطبة للضمور والانكماش، ويتراجع عمرانها، كما يتراجع عدد سكانها، وبالتالي، تضعف أهميتها السياسية، وتنحدر مكانتها الحضارية والتجارية والثقافية، بشكل تدريجي. فإن عدم وجود القنطرة أو عدم صلاحيتها للعبور، يترتب عليه انعزال المدينة، ويحرمها من التفاعلات الأوسع مع باقي مدن الأندلس.

ويمكن القول إن هذه القنطرة كانت عنونًا لمدينة قرطبة؛ حيث إن الزائر لقرطبة، كان يستطيع أن يعرف الحال الذي هي عليه، من حال قنطرتها. بل إن هناك من يذكر أنها كانت هي الأصل في قيام قرطبة، وأنه لولاها ربما لم تكن في التاريخ مدينة مذكورة بهذا الاسم ([47]).  ولم يستطع النصارى الاستيلاء على قرطبة، إلا بعد أن فرضوا الحصار عليها وعلى قنطرتها، ومنعوا وصول المؤن والغذاء إليها من خلال هذه القنطرة، التي كانت بمثابة الرئة التي تتنفس منها قرطبة.   

ثامنًا: وصف الأدباء والمؤرخين لقنطرة قرطبة

وقد ذكر قنطرة قرطبة، وأشاد بها، العديد من شعراء الأندلس، وتغنوا بها في شعرهم، فقال ابن عطية ([48]):

بأربع فاقت الأمصار قرطبةُ ** وهُنَّ قنطرةُ الوادي وجامعهـا
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة ** والعلم أكبر شيء وهو رابعهـا

وقد تحدث عن عظمة هذه القنطرة ومتانتها وأهميتها، ودقة بنائها؛ كثير من المؤرخين والجغرافيين المسلمين. فابن مفرج، الذي عاصر فترة ازدهار قرطبة ووصولها إلى ذروة التطور في عهد الخلافة، وصفها في تاريخه، بأنها: “أتم وأعظم ما عقد عليه جسر في معمور الأرض ([49])“.

وذكر المؤرخ أحمد الرازي (344هـ)، قرطبة، فقال: “ونهرها أعظم أنهار الأندلس.. وعليه قنطرة عظيمة عجيبة البناء. بناها السمح بأمر من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وهي إحدى غرائب الأرض في الصنعة والإحكام ([50])“.

ووصفها ابن حيان (469هـ)، شيخ مؤرخي الأندلس، بـ “الجسر الأكبر، الذي ما يعرف في الدنيا مثله ([51])“. وله أيضًا في وصفها “هي أم قرطبة المرضعة، ومفضي سبلها المتشعبة، وجماع معايشها المختلفة، وقلادة جيدها المزدهية، وعليا مبانيها المعجزة ([52])“.

وذكر العذري (478ه) باب القنطرة، فقال: “ويتصل بهذا الباب، القنطرة التي هي جسر للنهر، الذي تكتنفه سواني الماء ([53])“.

ووصفها الإدريسي فقال: “ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخرًا في بنائها وإتقانها وعدد قسيها سبع عشرة قوسًا، بين القوس والقوس خمسون شبرًا، وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبرًا، وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبرًا. ولها ستائر من كل جهة تستر القامة. وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعً،ا وإذا كان السيل بلغ الماء منها إلى نحو حلوقها ([54])“.

وقال صاحب (مناهج الفكر): إن قنطرة قرطبة إحدى أعاجيب الدنيا، وطولها ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعًا، وارتفاعها ستون ذراعًا، وعدد حناياها ثماني عشرة حنية، وعدد أبراجها تسعة عشر برجًا([55]). ولكن هذه الأرقام خيالية مبالغ فيها([56])، لأن طول القنطرة لا يتعدى 300 مترًا.

ووصفها الرشاطي (542هـ) فقال حين الحديث عن نهر قرطبة: “وعليه قنطرة عظيمة حصينة، من أجل البنيان قدرًا، وأعظمه خطرًا، وهي من الجامع في قبلته، وبالقرب منه، فانتظم بها الشكل إلى الشكل، وجاءت كالفرع لذلك الأصل ([57])“.

ووصفها المرتضى الزبيدي بـ “قنطرة قرطبة العديمة النظير ([58])“.

ووصفها المقري، بـ”القنطرة التي يُضرب بها المثل بقرطبة([59])“. وقال أيضًا: “والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس وأعجبها([60])“. وقال أيضًا:

وأما القنطرة التي بقرطبة، فهي بديعة الصنعة، عجيبة المرأى، فاقت قناطر الدنيا حسنًا، وعدد قسيها سبع عشرة قوسًا، سعة كل قوس منها خمسون شبرًا، وبين كل قوسين خمسون شبرًا ([61]).

تاسعًا: قنطرة قرطبة في الوقت الحاضر

قنطرة قرطبة

ولا تزال هذه القنطرة موجودة حتى الآن، وهي شاهد حي على تاريخ المسلمين العريق، وما قدموه لهذه البلاد. وهي تحظى باهتمام مجلس المدينة والدولة الإسبانية، كونها أهم المعالم السياحية في قرطبة بعد جامع قرطبة، وقد تحدث عنها عدد من المؤرخين العرب المعاصرين، الذين زاروا قرطبة، وإن كان أكثر كلامهم حولها وصفيًا وتاريخيًا، وتكرارًا لما ذكره المؤرخون الأقدمون.

فقال السيد عبد العزيز سالم: “أما قنطرة قرطبة؛ فيبلغ طولها 223 مترًا، وتقوم على 16 عقدًا، تحملها 17 ركيزة ضخمة نصف أسطوانية تتوجها من أعلى كسوة نصف مخروطية، ويغطي القنطرة اليوم كسوة من الملاط، كسيت به سنة 1912، أخفى معالمها الأثرية التي سجلتها الصور القديمة، والدراسات التي أجراها الأستاذ جومث مورينو، وتوصل إلى رؤية نظام البناء فيها قبل أن تكسى بالملاط. ويذكر الأستاذان جومث مورينو وتوريس بلباس أن الجزء الذي يقع قريبًا من برج القلعة الحرة، كان أقل أجزاء القنطرة تعرضًا للأضرار الناشئة عن مدود النهر، ولذلك فما يزال يحتفظ بعقوده الرومانية القديمة فيما بين العقدين الثاني والثالث، مع جزء من هذا العقد الأخير ([62]). (الملاط: هو الجص أو الطين المخلوط بالتبن).

وقال المؤرخ الأثري أحمد فكري: “وكان يصل المدينة العتيقة بالربض القبلي وشقندة قنطرة عظيمة أقيمت فوق نهر الوادي الكبير، أنشئت فيما يقال في عهد الأمبراطور الروماني أغسطس في القرن الأول قبل الميلاد. وكانت هذه القنطرة منهارة عند الفتح الإسلامي؛ فعمَّرها وجدد بناءها السمح سنة 101هـ. وقد حرص الأمراء والخلفاء منذ ذلك التاريخ على إصلاحها ورمها وتجديدها، فقد كانت أهميتها كبيرة بالنسبة لعمران قرطبة. وما زالت هذه القنطرة قائمة إلى اليوم، ويبلغ طولها 223 مترًا، وعرض سطحها قريبًا من ثمانية أمتار، وارتفاع عقودها فوق الأرجل قريبًا من خمسة عشر مترًا، وعلى الهيئة التي وصفها بها المؤرخون والرحالة العرب ([63]).  

وقال عنان: “وتقع القنطرة الأندلسية القديمة تجاه المسجد الجامع من الناحية الجنوبية، وهي رومانية الأصل، جددها المسلمون أيام السمح بن مالك، أمير الأندلس، وجددت بعد ذلك غير مرة، وهي قائمة على ستة عشر عقدًا، وفي نهايتها الجنوبية تمثال مرتفع للقديس رافائيل حامي المدينة، وهي تربط قرطبة بضاحيتها المسماة “حي الروح القدس”. وما زالت هذه القنطرة تحتفظ بكثير من معالمها الأندلسية ([64]).

وقال حسين مؤنس، حين الحديث عن قرطبة وضاحيتها الجنوبية: “وبين قرطبة وضاحيتها تلك لا تزال تقوم القنطرة العربية المشهورة. كانت تسمى قنطرة الوادي. أصلها “كوبري” روماني، وقد أصلحها وجددها العرب مرارًا. كانت على أيامهم منتزهًا يخرج إليها الناس بعد الظهر. هنا كان ملتقى الأدباء والشعراء ([65]).

وقال الحجي أثناء زيارته لقرطبة: “اتجهنا صوب هذه القنطرة التاريخية العظيمة التي تحدث عنها العديد من المؤرخين والجغرافيين المسلمين، كما تغنى بها الشعراء؛ باعتبارها واحدة من مفاخر قرطبة. سرنا نخطو فوق القنطرة، حتى وصلنا طرفها الآخر، فعبرنا النهر، نتذاكر بعض ما نعرفه عن هذه القنطرة التي نرى فيها صدق ودقة أوصاف الجغرافيين المسلمين لها أمثال الإدريسي، الذي زار قرطبة وكتب عنها وعن مسجدها وقنطرتها فاعتبرها من أعظم آثار الأندلس وأعجبها، وهي حقًا كذلك، حيث لا زالت منذ أن أقامها السمح بن مالك الخولاني، منذ ما يقرب من 13 قرنًا، وعلى هذا النهر الفياض، الذي يبلغ ماؤه أحيانًا أعناق أقواسها السبعة عشر رغم ارتفاعها، وإن كانت قد رممت وأصلحت غير مرة، فهي تعتبر من أقدم المآثر الأندلسية الباقية، فهي باهرة ([66]).

وقال الرحالة العبودي، عند حديثه عن الوادي الكبير: “والقنطرة التي على مجرى هذا النهر تعتمد على أعمدة ضخمة من الحجارة، تجمع بينها من الأعلى أقواس حجرية أيضًا. وإنه لمن العجب أن تبقى هذه القنطرة طيلة القرون مع أنه لم يكن توجد مادة كالأسمنت تجمع ما بينها. ولذلك نوه المؤرخون بهذه القنطرة وعدوها من المنشآت الهندسية التي ينبغي أن ينوه بها ([67]).

الخاتمة وأهم النتائج

تلك إذن هي قصة قنطرة قرطبة، ونخلص منها إلى ما يلي:

  1. أن تشييد قنطرة قرطبة، كان أول عمل عمراني يقوم به المسلمون بعد فتح الأندلس، ليس في قرطبة وحدها فحسب، وإنما في سائر أنحاء شبه الجزيرة الأندلسية، وهي العمل المعماري الوحيد، الذي قام به المسلمون في عصر الولاة (ذو الحجة سنة 95 – ذو الحجة سنة 138ه)، وذلك حين كانت الأندلس لا تزال ولاية تابعة للخلافة الأموية، بدمشق. بل إن هذه القنطرة، كانت أول قنطرة يقيمها المسلمون على نهر في التاريخ الإسلامي كله.
  2. أن قنطرة قرطبة، كانت هي التي علت القناطر فخرًا في بنائها وإتقانها وعظمتها، وهي القنطرة التي يُضرب بها المثل، في الدقةٍ والإحكام؛ فهي باهرة، وهي سيدة قناطر الأندلس كلها، وهي الجسر الأكبر، الذي يعتبر أتم وأعظم جسر بني في معمور الأرض من الحجارة، والذي ما يعرف في الدنيا مثله. وفي الحق أن قنطرة قرطبة آية من آيات فن العمارة، وأن وصف المؤرخين والرحالة لها لمَثَلًا حيًا وبرهانًا ساطعًا على ما بلغته هذه القنطرة من إتقان وبهاء.
  3. أن قنطرة قرطبة تعتبر أقدم المآثر الأندلسية الباقية، في قرطبة، حتى اليوم، حيث إن أكثر المعالم والمنشآت الإسلامية، قد زالت أو أزيلت، بعد سقوط المدينة في 27 شوال 633هـ، نتيجة لتعصب الإسبان الكاثوليك، عدا الجامع الأعظم، وهذه القنطرة؛ وهما أهم ما تمتاز به قرطبة حاليًا، بل تكاد قرطبة اليوم، تخلو من أي معلم آخر، عدا هذين المعلمين، وبدونهما فإن قرطبة لا تساوي شيئًا. وإن كان المسجد قد تم تحويله إلى كنيسة، وتعرض لكثير من التغيير والتبديل.
  4. أن قنطرة قرطبة كانت إحدى أهم دعائم التطور العمراني لمدينة قرطبة، حاضرة الأندلس. وبدونها كانت تضمر قرطبة، ويتراجع عمرانها، وتضعف أهميتها ومكانتها السياسية والحضارية والتجارية والثقافية بشكل تدريجي، وأنها كانت بالغة الأهمية في السلم والحرب، ليس فقط كوسيلة اتصال بين ضفتي نهر الوادي الكبير، ولربط قرطبة بأرباضها الجنوبية، وإنما للأندلس كلها شمالها وجنوبها.
  5. أن قنطرة قرطبة، كانت أحد ثلاثة معالم عمرانية بارزة، تفوقت بها قرطبة حاضرة الأندلس، على غيرها من المدن، وتلك المعالم هي الجامع الأعظم، والزهراء، و”القنطرة”، إلى جانب عنصر رابع غير مادي، وهو العلم، وذلك إلى ما قبل منتصف القرن الخامس الهجري، أي إلى منتصف عصر ملوك الطوائف؛ حيث تراجعت مكانة مدينة قرطبة في هذا العهد، بسبب ما مرت به من فتن بين العرب والبربر والصقالبة، في أواخر دولة بني أمية.

179

المصادر
الكاتب

أحمد الظرافي

بكالوريوس محاسبة جامعة صنعاء، وعضو جمعية المحاسبين القانونيين اليمنيين. باحث في التاريخ الإسلامي السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي. كاتب في مجلة البيان السعودية، وموقع مأرب برس، وغيرهما. ومدوّن في مدونات الجزيرة نت. مهتم بصورة خاصة بتاريخ الإسلام في الأندلس وجنوب فرنسا.

التعليقات

  • حفيد الغافقي منذ أسبوعين

    الحمدلله، وصلت العاصمة مدريد، حيث بداية الرحلة الأندلسية. وصلت بعد تعب شديد، تعب السفر الطويل والإرهاق و قلة النوم وقتها اكملت ٢٦ ساعة دون نوم، الطقس أيضًا كان شديد البرودة فدرجة الحرارة كانت أربع درجات. لكن الحماس أقوى من أي شيء آخر. بعد الراحة ليلة واحدة في مدريد انطلقنا مع بداية اليوم إلى جوهرة العالم و عاصمة الخلافة الأموية في الأندلس،قرطبة. الطريق ممتع جدًا بكل تفاصيله بامتداد الأشجار في كل اتجاه و تنوع الطبيعة، بجمال الأجواء و الأهم الحماس لرؤية قرطبة. وصلت قرطبة . شعور عظيم احسسته أن أكون في نفس المدينة التي قرأت عنها كثيرًا و هي المدينة التي عاش و مات فيها صقر قريش حيث أسس دولته العظيمة. في طرقاتها سار الحاجب المنصور طالبًا متطلعًا للوصول إلى أعلى المراتب. مدينة العلم و العلماء، قرطبة أعظم مدن زمانها. من الأسوار الغربية لقرطبة كان دخولي، من هذا الباب. دخلت و أنا أكاد اطير من السعادة و جمال الشعور . لحظتها أنا متأكد أنني الأكثر سعادة في العالم لأني عبرت باب الجوز إلى قرطبة حاضرة الخلافة الأموية. السير في طرقات قرطبة بحد ذاته متعة لا توصف، جمال الطرق و الأزقة و البيوت. يزداد هذا الجمال عندما تظهر بين البيوت منارة جامع قرطبة، و كأنها تناديني أن أسرِع فـ جوهرة قرطبة تنتظرك. عالم من الجمال و كأني في حُلم . اكملت المسير بين أزقة قرطبة مستمتع بجمالها و السعادة تغمرني إلى أن قادتني إلى المكان الذي وقفت فيه متأملًا مدهوشًا لا أستطيع الكلام..! هنا جامع قرطبة. الوقوف أمام أسوار هذا الجامع يشعرك بضخامته و هيبته، هذا هو الجامع الجامعة حيث دروس العلماء. شعور لا يمكن وصفه حقًا..! اكملت سيري عبر طريق المحجة العظمى متجهًا إلى قنطرة قرطبة، عيني تارة تستمتع بمشاهدة أسوار جامع قرطبة على يساري و عقلي يتخيل قصور أمراء بني أمية في المنطقة على يميني . مشيت فوق قنطرة قرطبة و أنا استشعر الحوادث التاريخية العظيمة. هذه القنطرة التي جددها السمح بن مالك بأمر من الخليفة عمر بن عبدالعزيز، هذه القنطرة التي عبرت عليها الجيوش الإسلامية، هذه القنطرة التي مشى عليها الخلفاء و الأمراء و العلماء. كم من حكاية وحادثة عاشتها هذه القنطرة. قرطبة جميلة بكل تفاصيلها بأزقتها وطرقاتها وأبوابها ومبانيها، فعينك لا تتوقف عن مشاهدة الجمال و الاستمتاع به. قرطبة ليلًا مدينة مختلفة..! . حالة من السكون و الهدوء الجميل . صعدت فوق أحد المباني فكان أمامي هذا المنظر الخيالي . جامع قرطبة بمنارته الشامخة . حينها أحسست وكأني في رواية ملحمية تاريخية يحاول فيها الروائي وصف مشهد عظيم. بعد جولة مسائية جميلة جلست على ضفة نهر الوادي الكبير و أمامي القنطرة وقرطبة وجامعها. أحاديث جميلة نستذكر فيها أحداث قرطبة التاريخية، قصص الأمراء و القادة و العلماء، جلسة تُحفر بالذاكرة. عيني لا تمل من مشاهدة هذه المناظر . بعد هذه الجلسة الجميلة التي لم احس بها ببرد و لا تعب و أنما بمزيد سعادة و طمأنينة رجعنا عبر القنطرة باتجاه قرطبة حيث نسكن فغدًا يوم جميل. اليوم الثاني في قرطبة كان يوم خاص، يوم انتظرته كثيرًا، إنه يوم زيارة جامع قرطبة. هذا الجامع الذي اسمع به منذ كُنت طفلًا في المرحلة الابتدائية في مادة التاريخ و هأنذا واقفًا أمامه مستعدًا لدخوله. دخلت جامع قرطبة برجلي اليمنى و مشاعري عظيمة و عيناي تتسابقان لمشاهدة مرافقه و تفاصيله. شعور من الدهشة و السعادة عظيمين. أخيرًا دخلت جامع قرطبة. هنا فناء الجامع فناء البرتقال، هنا حيث كان المسلمون يسيرون بتنوعهم بين طالب علم يحمل كتبه و يحاول اللحاق بدرس شيخه و بين تاجر و أديب و قائد و أمير. و كأني اتخيلهم أمامي، مشاعر لا يمكن وصفها. هذ هو الباب الذي نقلني عبر الزمان، إلى قرطبة الأمويين، قرطبة عبدالرحمن الداخل و الحكم المستنصر بالله. دخولي من هذا الباب قادني إلى داخل الجامع و هي لحظة أقل ما أقول عنها أنها لحظة مهيبة. و من الملفت أنهم طلبوا مني نزع أي غطاء على الرأس! فسّرتها أنه فعل يقصد به احترام المكان. لحظة دخولي، حقًا لحظة عظيمة . جمال الأقواس و الزخارف، هيبة المكان و ضخامته. لحظة تأمل و صمت. هنا التوسعة الأضخم للجامع، توسعة الحاجب المنصور. هذا الجامع الذي كان بنائه بأمر من عبدالرحمن الداخل سنة ١٧٠هـ، هنا كانت تؤخذ بيعة الأمير أو الخليفة الجديد، هنا حيث حلقات الدروس العلمية. في هذا الجامع تُعلن عظائم الأمور و الحوادث من هنا يُعلن إنطلاق الجيوش الإسلامية و يعلن نصرها. وقفت أمام هذه التحفة الفنية المعمارية العظيمة متأملًا، عالم من الجمال و الفخامة تسرق العقل. محراب الحكم المستنصر بالله. أمر ببنائه رحمه الله و سخر له أعظم الخبراء فخرجوا لنا بتحفة خلّدها التاريخ. و أنا واقف أمام المحراب تخيلت الأمام يردد بصوت مرتفع (استووا اعتدلوا)، لحظة عظيمة. إن زيارة جامع قرطبة تركت في نفسي أثرًا لا يزول. خرجت و قد زاد احترامي و تقديري لأولئك الرجال الذين بذلوا الغالي و النفيس لبناءه و التفنن بعمارته، من خلفاء و أمراء و قادة و علماء بنوه حسيًا و معنويًا بذكر الله و تعليم الناس أمور دينهم و دنياهم. خرجت و قد تركت جزء من روحي هناك. إلى أعظم مدن زمانها، إلى هيبة الملك و قوة السلطان. إلى المدينة التي استغرق بنائها أربعين سنة. و التي قدّرت نفقة البناء ٣٠٠ ألف دينار سنويًا. حيث جلب لها أصناف الرخام من كل مكان: ألمرية، قرطاجنة، الشام، القسطنطينية. حيث بلغت السواري فقط ٤٣٢٤ سارية. المدينة الأسطورة، تارة تظهر من بين الأشجار و تختفي تارة، عيني تتطلع و قلبي يخفق حماسًا. حرص صاحبها على جلب أعظم المهندسين و الصناع في العالم و خصوصًا من بغداد و القسطنطينية. كان يعمل كل يوم عشرة آلاف عامل و يستخدمون من الدواب ألف و خمس مئة.
    سلسلة تغريدات لزائر عربي مسلم لقرطبة.
    https://twitter.com/warqh_A/status/1470433280356986880

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.