مؤلف كتاب “استجابات إسلامية لصرخات أندلسية” هو الدكتور/ محمد بن حسن بن عقيل بن موسى الشريف، ويتصل نسبه بآل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولد في جدة عام 1381 هـ /1961 مـ. وأسرته من المدينة المنورة. وهو داعية إسلامي، سعودي وإمام، طيار، وأستاذ جامعي، وكاتب، وباحث في التاريخ الإسلامي، ومتخصص في علوم القرآن والسنة، جمع بين عدة أعمال؛ إضافةً لكونه طيارًا مدنيًّا تمكن من إكمال الدراسة الأكاديمية الشرعية وحصل على الدكتوراه في الكتاب والسنة، وحفظ القرآن الكريم وأجيز في القراءات العشر من طريقي الشاطبية والدرة. (1)

موضوع كتاب استجابات إسلامية لصرخات أندلسية وسببه

يقول المؤلف -فرج الله عنه-: “إنه يدور حول الإجابة عن سؤال مهم ألا وهو: هل هرع أحد من الحكام لإنقاذ مسلمي الأندلس قبل السقوط وأثناءه وبعده؟ فقد كان هذا السؤال يدور في ذهني كثيرًا. وذلك أن سقوط الأندلس في براثن الصليبيين كان قد وقع زمن وجود دول إسلامية قوية؛ فقد كانت الدولة العثمانية قريبةً من أوج قوتها وعظمتها، بل إن مسلمي الأندلس كانوا قد استنجدوا بعد سقوطها بسلطان الدولة العثمانية العظيم سليمان القانوني وهو أقوى سلاطينها، فأين تلك الدول من مسلمي الأندلس؟ كان هذا سؤالًا مُهمًا عمدت إلى الإجابة عنه من خلال تأليف هذا الكتاب”.(2)

توطئة: مدخل تاريخي

استجابة لصرخات إسلامية أندلسية

المجتمع الأندلسي قبل الفتح

يتكون المجتمع الأندلسي قبل الفتح الإسلامي من عنصر القوط الغربيين الذين دخلوا محل البرابرة الجرمان من قبائل الوندال بعد غارات عديدة من جانب القوط. ولما دخل المسلمون شبه الجزيرة الإيبيرية(3) فاتحين تهاوى القوط أمام تكبيرات المجاهدين وحماس الفاتحين، ولم يستطع لُذْريق -ملكهم- أن يفعل شيئًا على الرغم من أن جيشه بلغ أربعين ألفًا على أقل التقديرات، وجعله بعض المؤرخين مئة ألف، وكان جيش المسلمين اثنى عشر ألفًا عامتهم من البربر وقائدهم طارق بن زياد ونصَرَ اللهُ عبده وهزم الأحزاب فتح الأندلس 92 هجرية.

المجتمع الجديد في الأندلس

أصبح المجتمع في الأندلس -بعد الفتح المجيد- يتكون من فئات متعددة هي:

  • العرب، وكانوا يمثلون صفوة المجتمع الأندلسي وقيادته. وكان منهم قيسيون ويمنيون وشاميون.
  • البربر وهم الذين كان لهم الدور الأكبر في الجهاد في الأندلس ينتمون إلى قبيلتي زنانة ومصمودة، وقد استقروا في المناطق الجبلية.
  • الإسبان الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، وكانوا ينحدرون من أصول عديدة منها قوط، ووندال… إلخ.
  • المستعربون، وهم الإسبان الذين يعيشون بين المسلمين ويتكلمون العربية ولكنهم كانوا محتفظين بدينهم. ولقد عوملوا معاملةً حسنةً وتمتعوا بحرية تطبيق شعائر دينهم، كما هو شأن المسلمين في معاملتهم لأهل البلاد المفتوحة.
  • اليهود الذين تمتعوا بحرية كبيرة فقدوها أيام القوط.

الحضارة الإسلامية في الأندلس

لقد كان الفتح الإسلامي للأندلس نعمةً عظيمةً على أوربا كلها؛ إذ أوصل المسلمون لأهل تلك البلاد النور المعنوي الباقي الخالد المتمثل في رسالة الإسلام العظيمة، وأوصلوا لهم النور الحسي المتمثل في الحضارة العظيمة التي أقاموها فأنجبت أجيالًا بارزةً من العلماء والمفكرين والمبدعين في مختلف فروع العلوم والمعارف، وقدموا للحضارة العربية الإسلامية والإنسانية العالمية إسهامات جليلةً كان لها الفضل الأكبر في نهضة أوروبا الحديثة؛ إذ فتحت لرواد تلك النهضة آفاقًا وطُرُقًا للإبداع والاختراع والابتكار.

العهود التي مرت بها الأندلس

أولًا: عهد الولاة (92هـ : 138هـ) 46 عامًا تقريبًا

وأعني به الولاة المعينين من قبل الدولة الأموية على بلاد الأندلس، وهذا العهد يمتد من الفتح الإسلامي حتى دخول عبد الرحمن الداخل للأندلس وتأسيس إمارة مستقلة سنة 138 هـ . ويمتاز هذا العهد بمحاولة التوسع في الفتوحات والجهاد والإيغال في بلاد فرنسا حتى أن المجاهدين وصلوا إلى طولوشة -أو تولوز كما تعرف اليوم- حيث قدر الله الهزيمة على المسلمين في معركة بلاط الشهداء.

ويكفي أن أربعة من ولاة الأندلس استشهدوا في فرنسا وهم: السمح بن مالك الخولاني، وعنبسة بن سحيم الكلبي، وعبد الرحمن الغافقي (قائد معركة بلاط الشهداء)، وعقبة بن الحجاج السلولي.

ثانيًا: عهد الإمارة (138هـ: 316هــ) 178 عامًا تقريبًا

ويبدأ بدخول عبد الرحمن الداخل فارًّا من العباسيين وإنشائه إمارةً هناك حتى سنة 316 هـ ـ وهي سنة إعلان الخلافة في الأندلس على يد عبد الرحمن الناصر. ميزة هذا العهد: ويمتاز هذا العهد بإقامة تنظيمات إدارية وعسكرية مُتمِّمة للعهد الذي قبله، ونمت فيه العلوم، واتسعت المعارف، وأصبحت الأندلس في هذا العهد منارةً ثقافيةً في العالم. وأيضًا في هذا العهد تأسست ممالك النصارى (ليون وقشتالة ومبارة) التي كانت لها دور كبير في تقويض الإسلام في الأندلس.

ثالثًا: عهد الخلافة (316هـ: 400هـ)

ويبدأ من إعلان عبد الرحمن الناصر الأندلس الخلافة سنة 316هـ، وانتهت بموت المستنصر 366هـ وورثته دولة العامرية؛ التي حكمت الأندلس باسم الخلافة حتى 400هـ وهو عهد ملوك الطوائف. ويمتاز هذا العهد بكثرة هجوم النورمان على سواحل الأندلس، وإنشاء كثير من المساجد العظام وبعض المدن والموانئ. ووصل النشاط العلمي إلى غاية فى هذا العهد.

رابعًا: عهد الطوائف (400 هـ : 484 هـ)

عاشت الأندلس سنوات صعبة من الفرقة والتنافس، وحاول عدد من المخلصين -حتى سنة 422 هـ- استمرار وحدته وإعادة خلافته وبذلوا في ذلك الجهود الكبيرة دون جدوى. فانتابت الأندلس حالة مريعة تبعث على الأسى، عندها بدأ قيام الطوائف حين تصدع بنيان ذلك الصرح الشامخ. وأعلن أهل قرطبة وعلى رأسهم أبو الحزم جهور بن محمد إلغاء الخلافة. وبعدها قامت مماليك أو دويلات مستقلة يحكم كلًّا منها أميرٌ مستقل عن غيره من الأمراء. وهذه الدويلات هي طليلة وبطليوس وغرناطة وقرطبة وإشبيلية سرقسطة وبلنسية.

خامسًا: عهد المرابطين:

ويبدأ من 484هـ وينتهي بحلول الدولة الموحدية مكان المرابطين سنة 540 هـ. ويمتاز هذا العهد بكثرة النجدات للأندلس، والمعارك الحاسمة القوية لصالح المسلمين. واستمرت الحركة العلمية والفكرية في هذا العهد قويةً إلى حد كبير.

سادسًا: عهد الموحدين (540هـ:620هـ)

وهم الذين ورثوا المرابطين في الأندلس، علمًا بأن مركز المرابطين والموحدين هو المغرب الأقصى. واستمر الموحدون في هذا العهد في الجهاد ضد الفرنجة، وحدثت معارك حاسمة.

سابعًا: مملكة غرناطة

وهي التي بقيت تجاهد الصليبيين الإسبان قرابة قرنين ونصف حتى سقطت سنة 897 هـ ويمتاز هذا العهد باستنجاد أهل غرناطة ببني مرين حكام المغرب وارثي الموحدين، وحدوث عدة معارك بين المسلمين والصليبيين.

أسباب سقوط الأندلس

1- تعدد الإمارات وعداوة بعضها بعضًا: ولم تزل هذه الجزيرة منتظمةً لمالكها في سلك الانقياد والوفاق، إلى أن طما بمُترفِيْها سيل العناد والنفاق. وامتاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط رأسه، وجعله معقلًا يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره، إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعادي” كما وصفها كتاب “نفح الطِّيْب”.

2-الخلاف: وهو ما حذَّرَ منه تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) دلالة واضحة على وجوب الاجتماع، وعاقبة الخلاف على السلطة؛ حيث تعددت الخلافة وكثرت الممالك وتفرقت الكلمة، وصار في الأندلس عدة ملوك، اجتمع في الوقت أربعة يدعون بأمير المؤمنين في رقعة من الأندلس مقدار ما بينهم ثلاثون فرسخًا، وغلب على كل قطر متغلب سمي بالمأمون، ومنهم من تسمى بالمعتمد وآخر بالمتوكل. حتى قال الحسن بن رشيق:

مما يزهدني في أرض أندلس *** سماع معتصم فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

3- المعاصي والترف: ومما يدل على ذلك قول مؤرخ مجهول وهو يتحدث عن الفيضان الذي وقع بغرناطة سنة 883 هـ: “ومن وقت هذا السيل العظيم بدأ الأمير أبو الحسن (أمير غرناطة) في التقهقر والانتكاس والانتقاص؛ ذلك أنه اشتغل باللذات والانهماك في الشهوات، واللهو بالنساء والمطربات وركن إلى الراحة والحفلات”.

4- إهمال أمر الجند: ولقد قصر حكام الأندلس في هذا المجال كثيرًا، فهذا أبو الحسن أمير غرناطة قد ضيع الجند، ووزيره يضبط المغارم ويثقلها ويقطع عنهم المعروف والإحسان، حتى باع الجند ثيابهم وخيلهم وآلة حربهم وأكلوا أثمانها، وقتل كثيرًا من أهل الرأي والتدبير والرؤساء والشجعان من أهل الأندلس وحصونها. وفي معركة العقاب يذكر الذهبي -رحمه الله- أن أكبر أسباب الهزيمة غضب الجند من تأخر عطائهم.

5- تجمع جيوش الكفر على المسلمين: ففي وقعة العقاب سار ألفونسو في أقصى الممالك يستنفر عباد الصليب، فاجتمعت له جيوش ما سمع بمثلها، ونجدته فرنج الشام وعساكر قسطنطينية، وملك أرغون البرشلوني.

6- بطء نجدة المسلمين لإخوانهم: ووصولها بعد سقوط المدينة في بعض الأحيان أو أنها لا تصل على الإطلاق؛ إذ من يتصور أن تحاصر طليطلة سبع سنوات كاملة دون أن ينجدها أحد حتى تسقط، وهذه بلنسية تحاصر عشرين شهرًا حتى أكل الناس الفئران والكلاب والجيف ووصل بهم الأمر إلى أن من مات منهم أكلوه، ثم سقطت بعد ذلك. وإشبيلية سقطت بعد أعمال حربية استغرقت عدة سنوات وحصار لمدة سنة ونصف.

7- مراوغة الإسبان لحكام المسلمين وأخذهم إياهم بالحيلة والخداع والمكر، وغفلة المسلمين شعوبًا وحكامًا عما يراد بهم. ومن استقرأ التاريخ المنصوصة وأخبار الملوك المقصوصة علم أن النصارى لم يدركوا في المسلمين ثارًا، ولم يخرجوا من الجزيرة منازل وديارًا، إلا بعد تمكنهم لأسباب الخلاف، واجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين، وتضريبهم بالمكر والخداع بين ملوك الجزيرة، وتحريضهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن الكبيرة. كما ذكر صاحب “نفح الطيب”.

8- ضعف عقيدة الولاء والبراء عند كثير من حكام المسلمين. وهناك أمثلة تخرج عن حد الحصر منها: أراد ملك طليطلة المأمون أن يستنجد بالفرنجة على تملك مدائن الأندلس فكاتَبَ طاغيتهم أن تعالَ في مائة فارس والملتقى في مكان كذا. فسار في مائتين وأقبل الطاغية في ستة آلاف وجعلهم كمينًا له. وقال: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فأحيطوا بنا. فلما اجتمع الملكان أحاط بهم الجيش، فندم المأمون وحار، فقال الفرنجي: يا يحيى (وهو اسم المأمون)، وحق الإنجيل كنت أظنك عاقلًا، وأنت أحمق، جئت إلي وسلمت مهجتك بلا عهد ولا عقد، فلا نجوت مني حتى تعطيني ما أطلب. قال: فاقتصد، فسمى له حصونًا قرر عليه مالًا في كل سنة، ورجع ذليلًا مخذولًا، وذلك بما قدمت يداه”.

صور لسقوط بعض المدن الأندلسية

1- بعد أخذ النصارى طليطلة شرعوا في تغيير الجامع إلى كنيسة بعد شهرين مع أن نصوص تسليم المدينة قد نص فيها على “أن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع”. ولما ذهب النصارى إلى الجامع لم يجدوا فيه إلا الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، وبين يديه أحد تلامذته يقرأ. فكلما قالوا له: عجِّلْ، أشار هو إلى تلميذه بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولاتهيب، فسجد به واقترب، وبكى عليه مليًّا وانتحب. والنصارى يعظمونه شأنه ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد.

2- وبعد سقوط غرناطة يحدثنا التاريخ عن هذا المشهد: صعد الكاردينال إلى أحد الأبراج بالقصر (قصر الحمراء) ونصب فوقه صليبًا كبيرًا من فضة ولواء الملكية المسيحية. وما إن بصرت الملكة الصليب منصوبًا فوق قصر الحمراء حتى انحنت نحو الأرض واقفةً على ركبتيها وهي تصلي وتوجه الشكر إلى ربها. أثار المشهد الحماس في نفوس أعضاء حاشيتها فعكفوا يرتلون الأناشيد الدينية. عند ذلك بدأ فيرديناند وبعض عِلية القوم وأعيانهم، يزحفون نحو غرناطة، ولما دخلوا تقدم نحوه أبو عبد الله (ملك غرناطة) مُمتطيًا جواده، فلما دنا من فرناندو تهيَّأ للنزول عن صهوته ليقدم التحية إلى الملك النصراني لكن هذا الأخير أومأ إليه ألا يفعل، شفقةً عليه، فقبَّل أبو عبد الله -مع ذلك- ذراع فيرديناند اليمنى وقدم إليه مفاتيح القصر.

محاولات إصلاحية

قد يسأل سائل: ألم يكن هناك دعاة لدين الله تعالى يحذرون الحكام المسلمين من الخلاف وينبهونهم إلى ما سيحل بهم من العقاب؟ والجواب: بلى كان هناك دعاة إلى الاجتماع والاتحاد مثل أبو الوليد الباجي، وأبو الحزم جهور بن محمد بن جهور، وابن حزم، والإلبيري، والعسال الطليطلي، وابن عبد البر. كلهم شاركوا في جهود الإنقاذ والدعوة إلى الاتحاد والحذر من الخطر القائم، شاركوا بشعرهم وكتاباتهم ودروسهم.

نداءات الاستغاثة

أولًا: استغاثة بأهل المغرب الأوسط والأقصى

كان حكام المغرب قد تلقوا عدة استغاثات من الأندلسيين، فكانوا إزاءها ثلاثة أصناف:

الأول: صنف من الحكام استغيث بهم فضربوا أروع الأمثلة في الاستجابة، مثل يوسف بن تاشفين، وأبي الحسن المريني وأولاده (صاحب فاس)، وأبي زكريا بن أبي حفص (صاحب تونس).

وصنف تلقى الاستغاثة ولم يجب، وهي قليلة لكنها مؤثرة. يقول أحد المؤرخين المجهولين: “إن إخواننا المسلمين من أهل عدوة المغرب بعثنا إليهم فلم يأتنا أحد منهم، ولا عرج على نصرتنا وإغاثتنا، وعدونا قد بنى علينا وسكن وهو يزداد قوةً ونحن نزداد ضعفًا، والمدد يأتيه من بلاده ونحن لا مدد لنا”. ولعل ملوك الغرب لم يستجيبوا لبعض الاستغاثات نتيجة للمجاعات الهائلة التي طرقت المغرب في تلك الفترة.

وصنف ثالث خانوا وإن كانوا نزرًا يسيرًا، فقد استغاث الموريسكيون بالمأمون ظنًّا منهم أنه مسلم ينصر المسلمين ويعينهم، ففضح سرهم عند سلطان النصارى. وكذلك خيانته بتسليم مدينة العرائش المغربية إلى الإسبان سنة 1610 مقابل 200 ألف دوكا. ووصل به الأمر في الأخير إلى أن أسرى المسلمين كانوا يفرون من طنجة (وكانت بيد النصارى) فيُعيدهم إليها.

ثانيًا: استغاثة مماليك وسلاطين مصر والشام والحجاز

وصلت استغاثة الأندلسيين صاحب مصر واعتذر عن المساعدة المادية (سنة 745هـ). وحاول بعد ذلك السلطان المملوكي الأشرف أن ينجد أهل غرناطة لكن لم يتمكن.

ثالثًا: استغاثة سلاطين العثمانيين

ولقد جاءت نداءات الاستغاثات معبرةً عن وضع الأندلسيين غاية التعبير، فمما وصل إلى الدولة العثمانية من الاستغاثات:

وصل إلى السلطان بايزيد هذه الرسالة: “الحضرة العَليَّة وصل الله سعادتها، وأعلى كلمتها، ومهد أقطارها… ومما ورد فيها:

عسى تنظروا فينا وفيما أصابنا *** لعل إله العرش يأتي برحمة

فقولك مسموع وأمرك نافذ *** وما قلت من شيء يكون بسرعة

ودين النصارى أصله تحت حكمكم *** ومن ثم يأتيهم إلى كل كَوْرَة

فبالله يا مولاي منوا بفضلكم *** علينا برأي أو كلام بحجَّة

فأنتم أولو الأفضال والمجد والعلا *** وغوث عباد الله في كل آفة

ولكن السلطان “بايزيد” -رحمه الله- كان يعاني من المشاكل الداخلية والخارجية؛ مما منعه من إرسال المساعدات المطلوبة.

أيضًا أرسلوا رسالةً طويلةً إلى السلطان “سليمان القانوني” يطلبون منه إعادة تعيين خير الدين بارباروس والي الجزائر عليها -لنجدته الأندلسيين كثيرًا-. ومما جاء فيها: “فإن عبيدك الفقراء المساكين المنقطعين بجزيرة الخضراء رافعون شكواهم وما يلاقون من بلواهم، باكون متضرعون مستنصرون بعناية مولانا السلطان دام عزه ونصره لما أصابهم من أعداء الدين وطغاة المشركين، وما هم فيه مكايدة الكفار ومقاساة التضييق والإضرار، وتحريقهم إيانا بالنار، وخذلنا جيراننا وإخواننا ببلاد المغرب من أهل الإيمان”. ودامت اتصالات الأندلسيين بآل عثمان منذ 891ـ إلى سنة 1023هـ .

وسائل نجدة العثمانيين للأندلسيين

1- محاولة استرداد ما أخذه الإسبان من مدن الساحل الإفريقي: إذ إنهم تمكنوا من احتلال أجزاء ساحلية لا بأس بها من المغرب والجزائر مثل سبتة ومليلة في المغرب، واستطاعوا احتلال مدن المرسى الكبير ووهران وبجاية ومستغانم وتلمسان في الجزائر وطرابلس الغرب. ولقد قام بهذه المهمة القائد المسلم الشجاع خير الدين باربروس وأخوه عَرُّوج اللذين عُيِّنا من قبل الدولة العثمانية.

2- القيام بحمالات بحرية ضد إسبانيا منطلقة من سواحل الجزائر: كما فعل ذلك ممثل الدولة العثمانية في الجزائر “القلج علي” مع المسلمين الأندلسيين المعتصمين بجبال البُشرات، وكان ذلك مطلع 977 هــ.

3- القيام بعملية إنقاذ الأندلسيين بنقلهم إلى سواحل المغرب: ولقد تمكن خير الدين باربروس (والي الجزائر من قبل العثمانيين) خلال سبع سنوات أن يواجه 36 بارجةً إلى سواحل الإسبانية لنقل سبعين ألف مُوريسكيّ. وقد عاملت الدولة العثمانية الأندلسيين معاملة الرعايا العثمانيين ومنحتهم امتيازات خاصة تعويضًا لهم.

4- قام السلاطين العثمانيون بتطمين المُوريسكيين بأنهم معهم ويشعرون بما يجري عليهم. وليس أدل على ذلك في هذه الرسالة: “إنه على ضوء أمر شريفي إلى بيلرباي الجزائر فيقوم هذا الأخير على تقديم جميع المساعدات والإعانات إليكم. وذلك لما أظهرتُمُوه من هِمَّة إسلامية، وغيرة في الدفاع على الدين وعدم ترككم له”.

5- حرصُ العثمانيين على عدم اتحاد أوروبا ضد الأندلسيين أو غيرهم من المسلمين. فبذلوا الجهود الدبلوماسية وأقاموا علاقات مع فرنسا لإذكاء عداوتها ضد إسبانيا.

هذه كانت بعض الخطوات التي قام بها العثمانيون لمساعدة مسلمي الأندلس. وقد لخَّص بعض الباحثين أسباب عدم تمكن الدولة العثمانية من استرجاع الاندلس ومنها:

  • بُعد المسافة بين العثمانيين والأندلسيين.
  • تضييق الحصار الصليبي على غرناطة؛ باعتبارها الحلقة الأخيرة في سلسلة السيادة الإسلامية.
  • عدم اكتمال خبرة العثمانيين البحرية.
  • توتر علاقات العثمانيين بدولة المماليك قلَّصَ فرص التعاون لإنقاذ الأندلس.
  • انشغال العثمانيين بمجابهة عدد كبير من الأعداء في قارات متعددة.

وفي الختام أورد المؤلف دعاءه أن يتقبل شهداء الأندلس، وأن يعيد ذلك الفردوس المفقود، وأن ينصر سبحانه المستضعفين في الأرض من المؤمنين، ويقيض لهم من يسمع صرخاتهم واستغاثاتهم إنه سبحانه سميع مجيب.

236

المصادر
الكاتب

سيد محمد حسن

إذا أدرت فهم الحاضر فادرس الماضي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.