ترجّل الفارس عن جواده، أستاذ التاريخ الإسلامي، الأندلسي العتيق الدكتور عبد الرحمن الحجي المؤلف والمحاضر والعلم الأندلسي، شيخ مؤرخي الأندلس العراقي الأصيل.

المولد ودرب العلم

عبد الرحمن الحجي

الدكتور المؤرخ عبد الرحمن الحجي.

في عام 1935 أطل على العالم المؤرخ العراقي الدكتور عبد الرحمن الحجي في مدينة المقدادية في أرض الرافدين العراق، درس في مدينته الدراسة الأساسية ثم انتقل للقاهرة -صفر اليدين- محاولًا دراسة التاريخ، فوصل لكلية دار العلوم في جامعة القاهرة ليبدأ المسيرة بتعلم العربية وآدابها والدارسات الإسلامية، والتي فتحت أمامه باب دراسة التاريخ الإسلامي.

لاقى الكثير من الصعوبات في أثناء دراسته حيث كان مضطرًا للعمل أثناء الدراسة في منطقة بعيدة عن الجامعة في التدريس لطلبة الابتدائية.

واستمر في طلب العلم بين الجامعات فانتقل إلى جامعة عين شمس ليدرس في كلية التربية، دبلومًا عامًا في التربية وعلم النفس. وعاد إلى موطنه الأصلي المرتبط في ذهنه طيلة دراسته وهو الأندلس، ذهب ليبدأ الدارسات العليا في جامعة مدريد في علم الساميّات ضمن كلية الفلسفة والآداب الخاصة بها.

ثم انتقل ليعمل على بناء أطروحة الدكتوراه الخاصة به في إحدى أرقى جامعات العالم كامبريدج في بريطانيا عام 1966م ومن عجيب ما فيها عودته لمصادر بلغات متعددة بلغت 12 لغة، واستمر بالعمل عليها 5 سنوات مستمرة بتفرغ كامل بعنوان “العَلاقات الدبلوماسية الأندلسية مع أوروبا الغربية خلال المُدَّة الأُموية”، ونال درجة الأستاذية من جامعته الأم بغداد عام 1979م.

النتاج العلمي

ترك لنا الدكتور عبد الرحمن الحجي من العلم ما جعله مؤرخًا قديرًا ذا مكانة كبيرة في الوسط الإسلامي، فمن العمل في الوسط الأكاديمي وحتى التأليف والتحقيق:

التدريس

درّس في العديد من الجامعات التاريخ فكان نبراسًا من العلم ينتقل بين الجامعات موجّهًا الطلبة لدراسة تاريخهم الإسلامي العريق وخاصة الأندلسي، فقد درس في جامعة بغداد، الرياض، الكويت، صنعاء، والإمارات…  ليدور الخليج العربي تعليمًا وتدريسًا.

مؤلفات عبد الرحمن الحجي

عبد الرحمن الحجي

تعددت مؤلفاته كتابة وتحقيقًا حتى جاوزت العشرين كتابًا، واختص الأندلس بأكثر مؤلفاته، فمنها ما اختص بعلاقات الأندلس الدبلوماسية مع أوروبا:

  •         العَلاقات الدبلوماسية الأندلسية مع أوروبا الغربية خلال المُدَّة الأُموية -رسالة الدكتوراه الخاصة به-.
  •         العَلاقات الدبلوماسية بين الأندلس وبيزنطة.

وكتب عن ثقافة الأندلسيين وشعرهم فألّف:

  •         أندلسيات -على جزئين-.
  •         مع الأندلس لقاء ودعاء.
  •         ابن زيدون السفير الوسيط.
  •         تاريخ الموسيقى الأندلسية: أصولها، تطورها، أثرها على الموسيقى الأوروبية.
  •         شعر العلماء في الأندلس.

ولم يهمل تخليد تاريخ الحضارة العريقة في الأندلس فكان من مؤلفاته:

  •         الحضارة الإسلامية في الأندلـس: أسسها، ميادينها، تأثيرها على الحضارة الأوروبية.
  •         هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة (ظروفها وآثارها).
  •         أضواء على الحضارة والتراث.
  •         التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غَرناطة.
  •         جغرافية الأندلس وأوروبا.

وكان قد ترك متسعًا في كتاباته عن التاريخ الإسلامي وأهميته والسيرة النبوية:

  •         تاريخنا من يكتبه؟
  •         السيرة النبوية: منهجية دراستها واستعراض أحداثها.
  •         الإشارات والبشارات النبوية.
  •         نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي.
  •         دولة المدينة المنورة.

عشقه للأندلس

عبد الرحمن الحجي

يكتب الدكتور عبد الرحمن الحجي في مقدمة كتابه التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غَرناطة تحية: “إلى كل أهل الأندلس الذين شاركوا مجاهدين وعملوا محتسبين، في أي ميدان، لبناء تاريخه الإسلامي الوضيء، وإقامة حضارته السنية الطهور، فلعل هذا السفر يوفر له صورة.”

يعتبر كتابه هذا شاهدًا له إلى يوم القيامة عن حبه لأرض الرمان الأندلس، فقد لخّص فيه تاريخ الأندلس الطويل والضارب مئات السنين في التاريخ، في ما يقرب من 600 صفحة تناول فيها التاريخ بدءًا من وضع أوروبا قبل الفتح الإسلامي للأندلس ومن ثم الفتح المبارك للأندلس على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير، ويتطرق إلى استقرار البلاد وتنظيم صفوفها واعتناق الإسبان للإسلام في عهد الولاة، وينتقل إلى أبرز أحداث عهد الإمارة ونشوء الدويلات الإسبانية شمال الأندلس ويتحدث عن السياسة الخارجية للأندلس على شقيها مع العالم الإسلامي والعالم غير الإسلامي.

ويكمل في كتابه -الذي يعتبر مرجعًا لمن أراد قراءة تاريخ الأندلس– في عهد الخلافة وعهد الطوائف والصراعات بين الإخوة على ملك بات يزول ويفلت من أيديهم، ويتطرق للحركة العلمية في الأندلس الناتجة عن الحضارة الإسلامية هناك ويعبر الدكتور عبد الرحمن الحجي عن العلاقة الوطيدة بين الحضارة الإسلامية في الأندلس وبين قيام النهضة الغربية الحديثة فيقول:

 لولاَ الإسلاَم لمَا قامَت الأندلُس ولولاَ الأندَلُس لمَا قامَت الحضَارة الغربيَّة الحَديثة.

وتابع مبحرًا في كتابه عن الانتعاش الأول والثاني للأندلس على يدي المرابطين والموحدين، ويختم في الصفحات المئة الأخيرة تاريخًا طويلًا بمملكة غرناطة الحمراء “الاندلس الصغرى” ومحنة المسلمين بعد السقوط ومحاكم التفتيش التي ما تركت مسلم موحدًا يجهر بإسلامه على أرض شبه الجزيرة الإيبيرية.

ومن عجيب حبه للأندلس وحضارتها اهتمامه بأدق التفاصيل المتعلقة بذلك التاريخ فتجد مثلًا كتابه أيضًا يذكر الصناعات المدنية في الأندلس في عهد المرابطين فينقل عن الإدريسي حديثه عن مدينة المرية: “ومدينة المرية كانت في أيام الملثم مدينة الإسلام، وكان بها من كل الصناعات غربية، وذلك أنه كان بها من طراز الحرير 800 طراز، يعمل بها الحلل والديباج والسقلاطون والأصبهاني والجرجاني، والستور المكللة والثياب المعينة، والخمر والعتابي، والمعاجر وصنوف أنواع الحرير، وكانت المرية قبل الآن يصنع بها من صنوف الآلات والحديد، إلى سائر الصناعات، ما لا يحد ولا يُكيف”.

آخر ما غرّد به:

ويذكر عن أهمية العلم لبناء الأندلس فيقول:

كان تعليمُ المجتمع الأندلسي يقومُ أولاً على العلم الشرعي وقِوامُهُ القرآنُ الكريم، ثم بعده يأتي التخصُّص مهما كان ميدانُه، يقول المَقّري في ذلك: وقراءةُ القرآن بالسَّبْع وروايةُ الحديث عندهم رفيعةٌ، وللفقهِ رونَقٌ ووَجاهةٌ.

ويقول في تبيان رؤيته للعالم الإسلامي: “العالم الإسلامي واحد متوحد، حتى حين تنقطع أجزاء منه عن باقيه، سياسيًا أو إداريًا، فليست هذه سبب توحده، بل الإسلام عقيدة وعبادة، تشريعًا ووجهة، هو الموحد المتفرد دومًا. إنه عالم واحد في كل أحواله وفي بنية سكانه الإنسانية وأحواله الاجتماعية والعمرانية وغيرها، من مظاهر الحياة الكثيرة المتجددة، في عين المضمار والطريق النيّر والمسلك الخيّر.”

وفاته

عبد الرحمن الحجي

توفي -رحمه الله- في مدريد بتاريخ 18.01.2021 في موطنه الذي عاش طيلة حياته يكتب ويؤلف ويحاضر -في الجامعات- عنه الأندلس، عشقه الذي عاش عليه وتوفي عليه، إثر أزمة قلبية عن عمر ناهز الـ 86 عامًا مليئًا بالإنجازات والمؤلفات والتعليم والتدريس.

رحم الله من قال:

رب همة.. أحيت أمة بإذن الله.

وقد قال رحمه الله: “أزعم أن معرفة التاريخ الإسلامي من أكبر الروافد في فهم الإسلام نفسه، قرآنًا وسنةً وسيرة، لأنه هو التطبيق العملي للإسلام.” رحمه الله كان همةً في التأريخ وتنقية تاريخنا من ما شابه من الغث، ليعطينا السمين على طبق من ذهب بأيد إسلامية موثوقة لا بأيد غربية هدّامة لتاريخنا، تريد تشويهه وتزويره لتسلب منا هويتنا التاريخية الإسلامية.

1210

المصادر
الكاتب

قصي أبو يوسف

شامي المنشأ مقدسي الهوى تركي المسكن، أكتب في النهضة وما دلّ إليها من سبيل، غايتي أن يرضى الله عني.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.