القومية وأثرها في تحريف التاريخ (الطرح التاريخي الغربي المثالي)

من بعد ظهور الدول القومية الحديثة الأوروبية إثر معاهدة ويستفاليا عام 1648 م، وعلى إثر الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، تولدت الفكرة القومية التي اصطنعت حدودًا وهمية تفصل بين الدول، ومن ثمّ ضخت في ثقافة شعوبها فكرة اللغة المشتركة، فتفرعت من اللغة اللاتينية التي سادت أوروبا اللغات الأوروبية الحديثة (فرنسية وألمانية وإسبانية وغيرها، وهذه اللغات لم تكن في حقيقتها إلا مجرد لهجاتٍ من اللغة اللاتينية)، وحتى بحثت كل حكومةٍ عن مذاهب دينية خاصة تتباين فيها وتميز دولتها عن بقية الدول الأوروبية، كما في المذهب البروتستانتي وتفرعاته اللوثرية والكلفينية، فأصبحت كل دولة حديثة أوروبية قومية لها حكومتها الخاصة وحدودها الخاصة ومذهبها الخاص ولغتها الخاصة.

ومن بعد كل ذلك، لجأ أرباب الدول الجديدة إلى اصطناع تاريخٍ جديدٍ مُلفقٍ خاصٍ بها. فاعتادت المدارس التاريخية الغربية بما لديها من فلسفات أن تعرض التاريخ من منظورٍ افتخاري لبني جلدتها (أو بالأحرى قوميتها المُصطَنعة).

كانت هذه المدرسة مثالية في طرحها لتنتج خلفية تاريخيةً تدعم الشعور القومي، لتنصّ كل قومية على أن تاريخها صعودي تقدمي باتجاهٍ واحدٍ، وسينتهي بها المستقبل لتسود العالم كله، وهذا الفكر هو ما ساد عقول الألمان النازيين واليابان إبان الحرب العالمية الثانية وغيرها من الدّول لحد الآن.

غربان البلاليص أضاعوا مشيتهم (الطرح التاريخي القومي العربي المثالي)

ساد هذا النوع من الطرح في دول البلاليص ودول القومية العربية التي خرجت من رحم الدول القومية الأوروبية، فضيع مؤرخوهم هويتهم الإسلامية ليقلدوا مشية الغرب في التاريخ، فأصبحوا يلفقون تاريخًا يمجدّ شخصيات في حقيقتها لا تمت للدولة القومية العربية الحديثة بأي شيءٍ، سوى مرور تلك الشخصيات على نفس الأرض التي عاش عليها هؤلاء.

فمثلًا، القوميون المصريون يفتخرون بصلاح الدين (الكردي من تكريت في العراق) الذي كان أحد قادة البيت الزنكي (الأتابكية من التركمان) وهم في الشام، واستوزر للملك العبيدي العاضد لدين الله (والدولة العبيدية نشأتها كانت في المغرب).

ومن طرائف هؤلاء القوميين أيضًا في التناقض الفكري، افتخارهم بالمماليك (لمجرد أنهم حكموا مصر) وأصول هؤلاء بأجمعهم غير عربية (مختلف بلاد القوقاز ودول أواسط آسيا)، وقاتلوا المغول على أرضٍ هي ليست بأرض مصر (في الشّام).[1]

ونحى هذا الفكر القومي المسموم -والذي ساد المناهج الدراسية لدول البلاليص- منحى الغربيين، في اعتبار حكم الخلافة العثمانية استعمارًا، وحكم على كامل خلافةٍ إسلامية عمرها ست قرون بفساد جزءٍ من نخبها الحاكمة أواخر عهدها، كانت قد تسممت بالفكر القومي الذين هم يتشاركون معهم في طرحها.

أسلمة مشية الغراب المُضيِّع (الطرح التاريخي الإسلامي المثالي)

التاريخ

كان الردّ على هذا الطرح القومي المسموم من قبل بعض المؤرخين الإسلاميين (خاصةً فيما يخصّ الخلافة العثمانية)، هي الردّ بنفس الأسلوب المثالي ولكن من منطلق إسلامي، وهو ما يمكن تسميته بالتاريخ المثالي الإسلامي.

لقد سممتْ الدراساتِ التاريخية النبرةُ المثاليةُ في طرحها، والتي كانت تبتغي منها مواجهة حملات الطمس والتشويه لتاريخنا الإسلامي، ولكن الكثير ممّن اعتمد هذه النبرة، لم يقل أثره السيء عمّن قصد تشويهها.

بما صوروه من وجود أجيالٍ ملائكية في القرون المتأخرة، لا تقل خيريتهم عن خيرية القرون الثلاثة الأولى (التي لم تخلُ أصلًا من الأخطاء والذنوب ومن نزوات البشر). يأتي أحدهم في برنامج حواري ليصرح بصريح الكلمة والعبارة بل والجملة ويصف التاريخ الإسلامي بأنّه “عقيدةٌ” وأنّه “مقدسٌ”! وأنّه يترحم على الحجاج مثل ما يترحم على سعيد بن جبير![2]

تكفيك هذه التوصيفات حتى تتوقع كيفية تناولهم للتاريخ الإسلامي بمقص جماليٍ لا يظهرون لك منه إلا ما يرفعون لك به المعنويات من جميل الأخبار، بل ومنهم من يعطونك وصفاتٍ سهلةً لكيفية نهوض الأمة بكلّ أريحية، يدعمون بها توجهات واختيارات حركية لأحزابٍ إسلامية ينتمون لها فكريًا، حتى يسبح المطلعون على هذه السيمفونية التاريخية ببحار من الأوهام والمثاليات والطوباويات. لكن يبقى أول ما يصدم هؤلاء الواقعُ، وأظهر ما ظهر ذلك إبان ربيع الثورات العربية.

إنّ وصف أحدهم بالتاريخ بأنّه عقيدة لم يأتِ عبثًا، “فهو يخلط بين تاريخ الإسلام، وبين تاريخ المسلمين، والإسلام هو دين رب العالمين وكله عدلٌ وخير، أما المسلمون بشرٌ وفهمهم للإسلام قد يكون منقوصًا أو مغلوطًا فتصدر منهم أفعالًا غير سليمة”.

ويجب أن نؤكد على أن كتابة التاريخ الإسلامي يجب أن تبتعد عن أن تنتج تاريخًا افتخاريًا (مثاليًا)، فهذا غير مفيد.[3]

لقد كان هذا الأسلوب المثالي في الطرح له الأثر في تسميم فكر العاملين للإسلام، وظهرتْ نتائجه أظهر ما يكون من الخواء الفكري لدى القيادات الإسلامية إبان الربيع العربي، من عدم اتعاظهم حق الموعظة من دروس التاريخ والتكرار المضحك المبكي لأخطاء من سلفهم، وسهولة دغدغة عواطف الشباب وتخديرهم ودفعهم للعمل الطائش غير المحسوب دون مراجعةٍ أو حساباتٍ واقعية.

ويعلّق محمد إلهامي على هذا الأثر قائلًا: “عبر التفتيش في أسباب هذه المسيرة الإخوانية وصلت إلى نتيجة أن الإخوان أنفسهم لم يقرأوا تاريخهم، وأما ما كتبوه من تاريخ فقد كان مناقبيًا فضائليًا مهتمًا بإبراز الحسنات ودس السيئات وطمس التجارب، وأفضل ما كتب في تاريخ الاخوان تفصيلا للتجربة وتركيزا على دروسها كان من أناس لم يعودوا من الإخوان”.

ويقول أيضاً: “ومن المؤسف أن القراءة التاريخية الإسلامية ما زالت في طور الولادة. وجنينها حتى الآن مهيض ضعيف وأحب أن أقول إنه مشوه أيضًا، ولا بد من علاجات جراحية قاسية ليستعيد الأمل في الحياة.” و”ثمة دعاة يستخدمون التاريخ في نصرة أفكارهم لا في استخلاص الدروس منه لتصحيح أفكارهم، وهو يشبه قول القائل: يعتقد ثم يستدل”.[4]

محاولة تصحيح قراءة التاريخ الإسلامي (الطرح التاريخي الإسلامي الواقعي)

التاريخ

في مقابل هذا التيار أشبه ما يمكن أن نسميه تيار الواقعية في قراءة التاريخ الإسلامي، وهذا التيار الحديث الذي ظهر ثورةً على الكتابات المثالية في أخذ التاريخ، وكل فلسفة في قراءة العلوم لا بد ما دام بشريًا أن يصيب ويخطئ، فعلى الرغم من حسنات هذا التيار وقدرته على استخلاص الفوائد الحقيقية من التاريخ، إلا أنّه لم يخلُ من خطء الاستغراق في تبرير براغماتية الأحداث التاريخية والمصيبة يقعون في خطءٍ لا يقل جرمًا، فالاستغراق في هذا الطرح برر به بعضهم كل الاختيارات غير السليمة شرعًا تحت ذريعة الواقعية، بل وهو هذا ما تقوم به كثير من الحركات الإسلامية اليوم، فيأتيك أحدهم بقوله؛ لسنا بأفضل من صلاح الدين الذي انتمى إلى البلاط الفاطمي! ولا بأفضل من خلفاء بني أمية أو العباس أو عثمان الذين اقتتلوا فيما بينهم. وبهذا الطرح المُبرر، برر بعضهم الاقتتال فيما بينهم، في الساحات الجهادية متعدّدة الفصائل.

لن يصلح آخر هذه الأمة فكرٌ مثاليٌ حالمٌ بعيدٌ عن الواقع يدّعي الملائكية بالبشر، ولا فكرٌ براغماتيٌ تبريريٌ يبرر شيطنتهم، بل بما أصلح أولها، فميزان الشرع هو الأقوم.

نماذج لا شرقية ولا غربية في تاريخنا الإسلامي

التاريخ

الدكتور تقي الدين الندوي عالم من علماء الهند متخصص في الحديث النبوي الشريف وعلومه.

ليست النزاهة والموضوعية في نقل الأخبار والرواية التاريخية بالبدعة على جهود علماء المسلمين الأقدمين، وهم برأيي أنزه بكثيرٍ ممّن انتسب اليوم للمؤرخين “الإسلاميين”، كيف لا وقد نشأ على يدهم -بفضلٍ من الله- علم طبقات الرجال وعلم الجرح والتعديل، وهل كانت السنة النبوية والدين سيُحفظان لولا جهود هؤلاء الرجال -من بعد فضل الله- في نقد الرواة وتصنيف الكتب في إثبات عدالة الثبت منهم وفضح الكذبة منهم؟

يقول الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي في إيضاحه لمنهج المحدثين في الجرح والتعديل: “إن أئمة الحديث بحثوا عن الرواة وكانوا يبتنون أحوالهم وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لوجه الله تعالى، ولا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة (عكس منهج المثاليين)… ولا يبالون بما يصيبهم من مكروه بسبب هذه المصارحة لرضا الله تعالى ولصون أمانة الإسلام.

بل وصل الحال أن أصحاب تراجم الرجال لا يجاملون أحدًا ولا أهلوهم في النقد والجرح، فقيل “أن ابن المديني سئُل عن أبيه فقال: سلوا عنه غيري، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: هو الدين: إنه ضعيف. وقال أبو داود صاحب السنن ابني عبد الله كذاب! وقال الذهبي في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه.[5]

واشتهر العلامة الذهبي فيما درجه من أسلوب في تسطير كتابه الشهير أعلام النبلاء، وعدّه البعض من التناقض والاضطراب، وهو في الحقيقة عين الموضوعية والعدل في الكلام لدى نقد الرجال، خاصة مع إيراد كتابه لمختلف المشارب من الشخصيات المروية، من حكام وأمراء وعلماء وقواد.

وقد يجمع في السطر الواحد من ترجمة الفرد مثالبه ومكارمه في آن واحد، ومن أمثلة ذلك قوله في ترجمة هشام بن الحكم (10/543): “المتكلم البارع هشام بن الحكم الكوفي، الرافضي، المشبِّه، المعثِّر، وله نظر، وجدل، وتواليف كثيرة”. فوصفه بالبراعة في علم الكلام والجدل والتأليف، ومع ذلك وصفه بالمعثر، لما وقع فيه من بدعة التشبيه.

وقد وضح رحمه الله في سياق كلامه معنى وصفه بـ “المعثر”، وذلك في ترجمة ابن خراش، الذي كان حافظًا للحديث، ولكنه يقع في الصحابة الكرام ومثالب الشيخين، فقال فيه الذهبي (13/510): “الحافظ، الناقد، البارع … معثر مخذول، كان علمه وبالًا، وسعيه ضلالًا نعوذ بالله من الشقاء”.

فالعثار عنده هو العلم الذي لم يؤد إلى خشية الله، ولم يهد إلى السنن الأقوم في الاعتقاد أو العمل. ونحو قوله في ترجمة صدقة بن الحسين الحداد (المتوفى سنة 573 هـ): “العلامة.. الفرضي المتكلم ، المتهم في دينه”، فهو هنا قد فرق بين علم الرجل ودينه، وأعطى لكل ناحية تقويمًا خاصًا. ومن ذلك قوله في ترجمة الشهاب السهروردي (المقتول سنة 587 هـ): “العلامة الفيلسوف. من كان يتوقد ذكاء، إلا أنه قليل الدين”. [6]

461

المصادر
الكاتب

أحمد سالم

مترجم وصيدلاني

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.