بعد نزول الوحي على سيدنا -محمد صلى الله عليه وسلم-، بدأ الإسلام ينتشر في شتَّى أصقاع المعمورة بعدة طرق؛ سواء كان عن طريق الفتوحات التي قادها القادة المسلمون، أو عن طريق الدعوة، أو عن طريق التجار المسلمين، الذين جابوا مشارق الأرض ومغاربها، وكان لهم دور بارز في نشر الإسلام. حيث إن قسمًا منهم أقام فترة طويلة في البلدان التي قصدها من أجل التجارة، وتزوجوا من نساء تلك المناطق وتعرفوا على لغة وعادات وتقاليد الشعوب القاطنة فيها. وهذا ما ساعدهم في نشر الدعوة.

وكان التاجر المسلم معروفًا بصدقه وأمانته وأخلاقه الطيبة السمحة، وكان هؤلاء التجار يدركون أهمية تطبيق تعاليم الدين الإسلامي في تجارتهم لكي يكون ما يكسبونه خاليًا من جميع أنواع المحرمات؛ فلا يقربون الربا أبدًا، وإذا عقدوا اتفاقًا مع أحد لا يخلفون به أبدًا حتى إن جاءه ربح أكبر. وكان تجار تلك البلاد يحبذون التعامل مع التجار المسلمين لما لمسوه منهم من صدق في التعامل وأمانة. وكان لذلك كله دور بارز في المساعدة بنشر الإسلام في المناطق التي حلَّ بها التجار.

الصفات التي يتمتع بها التجار المسلمون

الصدق والأمانة

لقد أمر الله -تعالى- المسلمين بالصدق، وحرم عليهم الكذب والإخلال بالعقود في كل معاملة يقومون بها. حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، وقال الله -تعالى- أيضًا: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وهناك الكثير من المواضع في القرآن الكريم التي تحث على الصدق والأمانة؛ لما لهاتين الصفتين من أهمية كبرى. ويجب على المسلمين التحلي بهما في كل معاملاتهم اليومية، سواء مع أهل بيتهم أم مع بقية الناس.

وقد اتصف التجار المسلمون بشكل عام بما أمر الله به من الالتزام بالصدق والأمانة لما لهما من أثر كبير بزرع الثقة بينهم وبين من يقومون بمعاملتهم في بلاد المسلمين أو بلاد غير المسلمين؛ متخذين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوة لهم. حيث كان قومه يطلقون عليه لقب الصادق الأمين، وهناك العديد من الأحاديث التي تحث على الصدق والأمانة. نذكر من بين هذه الأحاديث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) ، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (أربعٌ إذا كنَّ فيكَ فلا عَليكَ ما فاتَكَ منَ الدُّنيا: حفظُ أمانةٍ، وَصِدْقُ حديثٍ، وحُسنُ خَليقةٍ، وعفَّةٌ في طعمةٍ).

ومن خلال حث الإسلام وورود ذكر الصدق والأمانة في الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ نستنتج أهمية هاتين الصفتين ورغبة التجار المسلمين بالتحلي بهما. ومن مظاهر تحلي التجار بهاتين الصفتين أن التجار المسلمين كانوا إذا همَّوا ببيع أي سلعة كانوا يبينون كل العيوب التي توجد بها لمن يريد شراءها، وإذا أعطوا وعدًا لشخص ببيعه سلعة ما أوفوا بعهدهم ولم يُخلفوا به حتى إن جاءهم سعر أعلى من السعر الذي عاهدوا عليه؛ لأنهم كانوا يدركون أن الإخلال بالعقد هو من صفات المنافقين.

إذًا نجد أن الصدق والأمانة هما صفتان متلازمتان؛ فمن يتوفر فيه الصدق تتوفر فيه الأمانة والعكس صحيح. وهاتان الصفتان كانتا موجودتين عند أغلب التجار المسلمين، ومن خلالهما استطاعوا الوصول إلى قلوب غير المسلمين الذين أحبوا هذا الدين وبدأوا يدخلون لما رأوا فيه من صدق وأمانة وتسامح، وعدم تفرقة بين الأجناس والألوان وبين الكبير والصغير والغني والفقير.

تجنب المعاملات المشبوهة

 التجار المسلمين

لقد شجع ديننا الإسلامي على الكسب الحلال من التجارة وفق الطرق المباحة، وحرَّم بنفس الوقت الكسب عن طريق المعاملات المشبوهة التي تتناقض مع مبادئ الإسلام؛ سواء عن طريق الربا أو الكذب أو الغش أو الغبن، وما شابه تلك المعاملات. وكان القرآن الكريم حاضرًا دومًا في تنبيه المسلمين لمثل هذه المعاملات؛ خاصةً الربا فنجد الكثير من الآيات التي تحرم الربا أو الاقتراب من التعامل به.

ومن هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

وهناك الكثير من المواطن الأخرى في القرآن التي تتحدث عن هذا الأمر. وقد حذرنا سيدنا -صلى الله عليه وسلم- من التعامل بالربا. ومن الأحاديث النبوية نذكر: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: (لعَن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه)، وقال: (هم سواءٌ)، وقال رسول الله:

اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.

ونظرًا لكثرة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فقد التزم التجار المسلمون بتجنب الربا وابتعدوا عنه أو عن كل عمل قد يوصل إليه؛ لما له من أضرار كبيرة تضر بالمجتمع من كل النواحي وتؤدي إلى الكراهية والبغض بين البشر، ولما فيه من ظلم، ولأنه يحول العلاقة بين البشر إلى علاقة مادية بحتة ويُجرد الإنسان من كل إنسانيته.

وإذا ما انطلقنا بالمعاملات المشبوهة بعيدًا عن الربا؛ فنجد أن من صفات التاجر المسلم عدم الغُبن والغش. فكان التجار المسلمون عندما يهمون ببيع أي سلعة يُظهرون كل عيوبها مهما كانت صغيرة ليتبين لمن يريد يشتري العيوب التي فيها، وأيضًا ابتعد التجار المسلمون عن بيع الأشياء المحرمة وذلك بسبب الضرر الذي تلحقه. وكذلك ابتعدوا عن الأشياء المباحة إذا كان عندهم علم بأنه سيتم استخدامها بصناعة أشياء محرمة.

طبعًا عند التزام التجار المسلمين بمبادئ الدين الإسلامي، وابتعادهم عن كل ما نهى عنه استطاعوا تقريب الناس منهم واستطاعوا كسب ثقتهم؛ فنجد أن الكثير منهم دخلوا إلى الإسلام لما أحبوه من صفات التجار المسلمين.

عدم الاحتكار

كان التجار في القديم يقومون باحتكار البضائع في بعض المواسم ويحبسونها عن الناس من أجل استغلالهم لحاجتهم إليها، وبعد فترة من الزمن ترتفع أسعارها بشكل كبير فيقومون بطرحها في السوق وبذلك يربحون الكثير من الأموال. وعندما جاء الدين الإسلامي حارب هذه الظاهرة ونهى عن الاحتكار؛ لما له من أضرار كبيرة على المجتمع من كل النواحي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ)، وقال أيضًا -صلى الله عليه وسلم-:

من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ الله منه.

وانطلاقًا من حث الإسلام على عدم الاحتكار نجد أن التجار المسلمون حاربوا الاحتكار، وكان للرقابة  الذاتية ورقابة الحكام دور كبير بذلك. وقد ظهرت الرقابة على الأسواق في عهد النبوة لمنع وقوع الغش في البضائع. ولاشك أن هذه الرقابة استمرت في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-، ولكن التوسع الكبير في التجارة وتنظيم الأسواق أدى إلى الحاجة للرقابة الشاملة على التجارة والأسواق.

وكثيرًا ما تجول سيدنا عمر -رضي الله عنه- بنفسه في الأسواق واطلع على أساليب التعامل، ومنع المخالفات الشرعية؛ سواء بالغش في السلع، أو بيع سلعة محرمة، أو الإضرار بالآخرين من الباعة بعدم التزام سعر السوق، أو احتكار البضائع، أو القيام بالسمسرة بتلقي البدو وشراء ما معهم دون أن يعلموا سعر السوق، أو القيام بالبيع قبل أن تكون السلعة بيد البائع ، وهذه الإجراءات كلها تطبيق للسنة النبوية.

وهناك الكثير الكثير من الصفات التي يتصف بها التجار المسلمون والتي لا يتسع المجال لذكرها الآن في بحثي هذا. لكن هذه الصفات كان لها الدور الأكبر في ترغيب المجتمعات التي تعاملت مع التجار المسلمين بالدخول بالدين الإسلامي فكان التجار هم حاملي لواء الدعوة عن طريق أخلاقهم الحسنة.

دور التجار المسلمين في نشر الإسلام في قارة أفريقيا

 التجار المسلمين

دور التجار المسلمين في نشر الدين الإسلامي في جنوب وشرق أفريقيا

لقد انتشر الدين الإسلامي بشتى أصقاع المعمورة بالعديد من الطرق والوسائل. ومن هذه الوسائل كان للتجار المسلمين الدور الأبرز وخاصة في وسط وشرق قارة أفريقيا؛ والتي كان يفصلها عن مركز الإسلام في مدينة مكة وبعد ذلك المدينة المنورة البحر الأحمر. وهذا الأمر أدى إلى وجود علاقات تجارية بين هذه المناطق لحاجتها إلى بعضها.

وفي أيام البعثة النبوية كانت علاقة مكة مع الحبشة علاقة وطيدة، وكان تجار قريش على صلة دائمة وعلاقات طيبة مع هذه البلاد وعلى معرفة أحوالها؛ الأمر الذي جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يفكر أول ما يفكر في الحبشة حين اضطر إلى أن يشير على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليها ووجدوا فيها ملجأ وحماية، في حسن استقبال هؤلاء المهاجرين ورعايتهم، وفي إرسال قريش سفارة قابلت النجاشي وفاوضته في رد هؤلاء المهاجرين، وهذا الأمر يدل على وجود علاقات طيبة بين الطرفين.

ولا بد أن صلة مكة التجارية بالجنوب قد ازدادت بعد قفل طريقها الشمالي إلى الشام بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يثرب ودخوله في صراع مع قريش. 

وكان لمصداقية التجار المسلمين وحسن تعاملهم وتطبيقهم لمبادئ الدين الإسلامي دور بارز في التقرب الكبير من سكان أفريقيا. فبدأ الكثير منهم يدخلون في الدين الإسلامي؛ لما رأوه من التجار من حسن أخلاق ومصداقية. وفي نفس الوقت وصل البلاغ إلى أقاليم العالم بواسطة الرسائل والوفود وحركة التجار، وانتشار أخبار الإسلام والمسلمين، بما فيها من مزايا ومحاسن.

ومن الجزيرة العربية بدأ انطلاق الفاتحين؛ ففتحوا بلاد الشام ومصر، التي مثّلت نقطة الانطلاق لنشر الإسلام شرقًا وغربًا. ومن مصر تحرك المسلمون بإسلامهم في موجات متتابعة إلى جهات ثلاث، بواسطة الدعاة والفاتحين، فمن مصر اتجهت الانطلاقة الأولى للشمال الإفريقي، وتمَّ فتحه، فدخلت ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في الإسلام.

ومن الشمال الإفريقي امتدَّ الإسلام إلى الأندلس والبرتغال وجنوب فرنسا، ومن مصر أيضًا كانت الانطلاقة الثانية إلى الجنوب، وتمَّ فتح بلاد النوبة والسودان وتشاد، ووقفت عند حدود الصحراء الكبرى. ومن مصر كذلك كانت الانطلاقة الثالثة إلى الشمال؛ حيث ركب المسلمون البحر الأبيض، وفتحوا أهم جزره مثل تكريت وصقلية، وغيرها، وباستقرار الإسلام في السودان صار السودان مركزًا رئيسيًّا للدعاة والعلماء بالنسبة لأفريقيا. وقد ساهم عرب الجزيرة في مساعدة السودانيين في إيصال الإسلام إلى شرق أفريقيا، فركبوا البحر الأحمر إلى قارة أفريقيا، وتمكنوا مع السودانيين والأحباش في نشر الإسلام في أوغندا وكينيا وزيمبابوي ومقديشيو وجزر القمر وتنزانيا وغيرها.

وهكذا وصل الإسلام إلى كل إفريقيا في القرن الأول لظهور الإسلام ما عدا جنوب أفريقيا، فقد وصلها الإسلام متأخرًا مع المهاجرين المسلمين، الذين جاءوا من الهند وبلاد المغرب وأفريقيا.

ومن شرق أفريقيا توجه التجار المسلمون إلى الجنوب الأفريقي. وبالفعل كانوا على قدر المسؤولية التي أُنيطت بهم في حمل لواء الدعوة في هذه المنطقة الجديدة، ونتيجة لإقامة التجار المسلمين في تلك المناطق فترةً طويلةً؛ فقد حدث تزاوج بينهم وبين نساء تلك المناطق ونتج عن هذا التزاوج تقارب بين الطرفين. وبدأ الأفارقة يأخذون من ثقافة التجار المسلمين وبدأوا يتعلمون اللغة العربية بعد دخولهم في الإسلام، وبدأ عدد المسلمين يزداد يومًا بعد يوم في شرق وجنوب القارة السمراء.

دور التجار المسلمين في نشر الدين الإسلامي في غرب أفريقيا

رأينا كيف انتشر الإسلام بجهود التجار المسلمين في شرق قارة أفريقيا وجنوبها. وبعد كل هذه الجهود كان لا بد للتجار من القيام بدورهم بنشر الإسلام والدعوة الإسلامية إلى غرب قارة أفريقيا؛ حيث يوجد الظلم والاستبداد والتعالي الذي يمارسه من كان يحكمون تلك المناطق، كانوا يعاملون الأفارقة على أنهم عبيد فيسرقون ثرواتهم ويجعلونهم يعملون عندهم بقوت يومهم.

ولقد لعبت التجارة دورًا مهمًا في نشر الإسلام والثقافة العربية في غرب أفريقيا. فكانت أخلاق التجار المسلمين وما عرف عنهم من الأمانة والنظافة وحسن الخلق سببًا في دخول الكثير من الأفارقة في الإسلام. وكان بعض التجار يجمع بين التجارة والعلم؛ فكانوا ينشؤون حلقات تعليم القرآن. ومن القبائل التي لعبت دورًا هامًا في التجارة عبر الصحراء قبائل صنهاجة فكان لهم دور هام في نشر الإسلام في غرب إفريقيا وأنشأوا مراكز تجارية والتي صارت مصدر إشعاع ديني وثقافي.

كما كان التجار المسلمون يتزوجون من نساء تلك المناطق نتيجة بقائهم مدة طويلة هناك فحدث تقارب ثقافي اجتماعي أدى إلى دخول الكثير منهم في الدين الإسلامي. وبدأ التجار يفتتحون المدارس ويعلمون أبناء تلك المناطق ويقومون بإيفاد المتفوقين منهم للدراسة في المراكز العلمية المرموقة، كما كان المسلمون لا يميزون بين أبيض وأسود أو بين غني وفقير وهذا ما كان يفتقده سكان تلك المناطق نتيجة ما عانوه من ظلم واستعباد قبل وصول الإسلام إليهم، كما أن البعثات التبشيرية التي كانت ترسلها قارة أوروبا كانت تتعالى على الشعوب هناك ويعاملونهم معاملة فوقية وسيئة.

كل هذه الأسباب دفعت الأفارقة إلى التقرب من المسلمين وإعلان إسلامهم لما رأوه من تعاليم هذا الدين من التسامح وعدم التفرقة والمصداقة.

وهكذا نرى الدور الكبير الذي لعبته التجارة والتجار المسلمون في قارة أفريقيا في نشر الإسلام وتخليص الشعب الأفريقي من الظلم الذي كان سائدًا في تلك المناطق، قبل وصول الإسلام إليها. والسبب في ذلك يعود لأمور بسيطة وهي الالتزام بتعاليم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف.

دور التجار المسلمين في نشر الإسلام في قارة آسيا

 التجار المسلمين

دور التجار المسلمين في نشر الدين الإسلامي في الهند والصين

مثلما انتشر الدين الإسلامي في قارة أفريقيا والذي كان للتجار دور بارز بذلك نجد أن الإسلام انتشر أيضًا في قارة آسيا التي تعد أكبر قارات العالم مساحةً؛ حيث إن منطقة شبه الجزيرة العربية كانت مركزًا هامًا للقوافل التجارية بحكم موقعها المميز.

توجه التجار المسلمون باتجاه الهند التي كانت على علاقات تجارية طيبة مع شبه الجزيرة العربية بحكم غناها بموارد التجارة وبدأوا يمارسون دورهم الدعوي الذي كان مشابهًا لدورهم في باقي المناطق؛ حيث المصداقية وعدم الغُبن وعدم الكذب والوفاء بالعهود والمواثيق فتقربوا من سكان تلك المناطق في الهند والصين.

وبدأ السكان هناك يدخلون في الدين الإسلامي طواعيةً دون إجبار، والآن نتساءل مع من يرى أن الإسلام انتشر بالسيف، كيف وصل الإسلام إلى هذه المناطق البعيدة نسبيًا عن مركز  دولة الإسلام في شبه الجزيرة العربية؟ ومن خلال البحث نجد أن السيف لم يكن هو العامل الأساسي بنشر الإسلام، بل إنه وصل بواسطة تجار اتقد الإيمان في قلوبهم، فكانوا مع تجارتهم دعاة إلى الإسلام، دعاة بالكلمة الطيبة وبالعمل الذي هو دعوة ناطقة، فالصدق والأمانة والوفاء والمحبة كلها دعوة بطريقة عملية إلى دين الإسلام.

ولا بد أن أشير إشارة سريعة إلى دور التجار المسلمين في نشر الإسلام فقد عمل التجار المسلمون على نشر الدعوة الإسلامية بين أهل البلاد التي رحلوا إليها بالحكمة والموعظة الحسنة والسلوك الطيب والتعامل الحسن والتودد إلى أهل البلاد. وقد دخل كثير من الناس في الإسلام عن طريق التجار المسلمين، فعرفت تركستان الشرقية في الصين الإسلام عن طريق التجار المسلمين فانتشر الإسلام بين الصينيين وقد وصل التجار المسلمون إلى بلدان جنوب شرق آسيا كماليزيا والفلبين وغيرها. وكان التجار المسلمون وراء وصول الإسلام إلى جزر المالديف التي تقع في الجنوب الغربي من سريلانكا. ودخل الإسلام فيتنام أيضًا عن طريق التجار المسلمين.

وبعد هذا العرض الموجز جدًا نرى أن أخلاق التجار المسلمين وحسن تعاملهم مع الناس كان له أكبر الأثر في انتشار الإسلام في مناطق شاسعة من العالم.

دور التجار المسلمين في نشر الدين الإسلامي في إندونيسيا وماليزيا 

تابع الدين الإسلامي انتشاره في قارة آسيا حتى وصل إلى كل الدول فيها، وكان للتجار أيضًا دور بارز بذلك، حتى وصل إلى أندونيسيا التي تعتبر اليوم من أكبر الدول الإسلامية. حيث إن الدعاة الأولين كان بعضهم من التجار وأن أول المناطق التي دخلها هي السواحلة الأندونيسية، ونزل التجار المسلمون أيضًا في جزيرة سومطرة ثم انتقلوا إلى بقية الجزر الأخرى جامعين بين التجارة والتبشير بدينهم. وقد ساعدهم في مهمتهم هذه سرعة تكيفهم، حيث تعلموا لغة وعادات وتقاليد أهل البلاد وصاهروهم وصادقوا ولاتهم.

وكان للتجار المسلمين نصيب في التوجه إلى ماليزيا للمساهمة بممارسة دورهم الدعوي ونشر الدين الإسلامي. حيث إنهم استطاعوا تخليص السكان هناك من العديد من العادات السيئة الوثنية التي كانت سائدة في تلك البلاد، وبدأوا يدخلون بالدين الإسلامي. وفي نهاية القرن الثالث عشر الميلادي تقريبًا؛ حيث بدأ التجار المسلمون في جنوب الهند في التوافد على أرخبيل الملايو، كانوا تجارًا مختلفين أكثر سماحةً وأكثر أخلاقًا وأكثر تمسكًا بكلمة الشرف التي هي رأس مال التاجر. وقد أثرت هذه الصفات كثيرًا في السكان المحليين مما دفعهم للدخول في دين الإسلام إعجابًا بأخلاق هؤلاء التجار.

وهكذا نرى الدور الكبير الذي يلعبه التجار المسلمون في نشر الدين الإسلامي في قارة أسيا. وهذا الكلام يدحض روايات وكتابات وادعاءات أعداء الإسلام أن الإسلام انتشر بالسيف فقط. ومما يدحض ذلك ما قاله المستشرق غوستاف لوبون: إنهم يتصفون بروح الصدق والشرف على العموم، وإن من يتقلد منهم بعض مناصب الدولة يحترمه الأهل ويحبونه، وإن من يتعاطى التجارة منهم يتمتع بالسمعة الطيبة، وإنهم يؤتون الصدقات كما يأمر الدين، وإن الناظر إليهم يُخيل إليه أنهم يؤلفون أسرة كبيرة واحدة يشد بعضها أزر بعض.

الخاتمة

إن القارئ لهذا البحث سيتوصل إلى قناعة تامة منقطعة النظير إلى الأفكار التالية:

1 – تمتع التجار المسلمين بالعديد من الصفات التي تعد من مبادئ الدين الإسلامي؛ فنجد المصداقية في التعامل وعدم الكذب والغُبن والأمانة والابتعاد عن كل الأمور المشبوهة من ربا وغيره في ديننا الإسلامي، وكذلك الأمر في عدم الإخلال بالعهود والمواثيق.

2 – لم يكن هدف التجار المسلمين الربح فقط بل كانوا يعتبرون أنفسهم حملةً للواء الدعوة الإسلامية؛ وهذا ما أدى إلى إسراع نجاح دورهم الدعوي.

3 – بساطة الشعب في قارة أفريقيا وآسيا وتذمره من الظلم الذي كان سائدًا قبل وصول المسلمين إلى تلك المناطق؛ حيث إنهم كانوا يُعاملون كعبيد وأنهم مواطنون من درجة ثالثة فلما جاء الإسلام ساوى بين الأبيض والأسود وبين الغني والفقير فأحب السكان هذا الدين ودخلوا فيه أفواجًا.

4 – تسابق التجار المسلمون في دعم الدعوة بكل ما لديهم من طاقات مادية وغيرها فنجد أنهم فتحوا المراكز التعليمية.

5 – الدور الكبير الذي لعبه التجار المسلمون في نشر الإسلام في قارتي آسيا وأفريقيا، من خلال العديد من الوسائل التي كانت تعكس مدى التزام هؤلاء التجار بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والذي رأى فيها سكان تلك المناطق أنها هي المخلص الحقيقي لهم مما يعيشون فيه من بؤس وظلم.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • السنة النبوية.
  • أكرم بن ضياء العمري، عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين، ط1، مكتبة العبيكان، الرياض، 2009.
  • أحمد إبراهيم الشريف، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، دار الفكر العربي، بيروت، د.ت.
  • مجموعة من المؤلفين، أصول الدعوة وطرقها، جامعة المدينة العالمية، د.ت.
  • مجموعة من المؤلفين، موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام، ط1، دار إيلاف، 2015م.
  • حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، فقه التاجر المسلم، ط1، دار الطيب للطباعة والنشر، بيت المقدس، 2005م.
  • محمد ضياء شهاب، الإسلام في أندونيسيا، ط1، الدار السعودية، السعودية، 1977.
  • غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي، القاهرة.
  • مقال لمحمد المنسي قنديل، مجلة العربي، العدد 435، 2/1995.

2031

المصادر
الكاتب

عبدالله ياسين شيخ أوغلو

باحث في التاريخ الإسلامي، فخورٌ به، شغوف بالبحث العلمي، موضوعي وغير منحاز، مدركٌ لأهمية فهم التاريخ للتخطيط للمستقبل؛ لأن التاريخ يعيده الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.