المسلمون مستمرون في نشر الإسلام، لم يقفوا بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- بل حملوا على عاتقهم مسئولية نشر هذا الدين وتوصيله إلى العالم بأكمله، لإخراج الناس من ذل العبودية لغير الله، للحرية بعبادة الله وحده.

وفي هذا الوقت، بالتحديد في القرن الأول بعد الهجرة بمدينة طنجة، كان هناك حاكمًا بربريًا أشقرًا يتميز بالعينين الزرقاوتين، كان وثنيًا يعبد الأصنام من دون الله تعالى، وكان هو وقومه عبيدًا لمن كانوا يحكمونهم بالسيف .. الرومان!
وصل الإسلام إلى هذا الرجل عن طريق العرب، ففتح الله قلبه، ونوَّر بصيرته، وأُعجِبَ بتعاليم هذا الدين وفكرته في الوحدانية، ثم بعد أن كان وثنيًا، أصبح همَّه وشغله الشاغل هو نشر الإسلام، وتعريف الناس أجمع به.
لقد كان هذا الرجل بعد إسلامه قائدًا وفارسًا قويًا، كان قائد جيش المسلمين تحت إمرة موسى بن نصير، فانتشر الإسلام عن طريق هذا الجيش بقيادته إلى طنجة التي توجد في أقصى بلاد المغرب، وولاه “موسى بن نصير” إمرة طنجة.
لعلَّك تتسائل: من هو؟  ولعلَّك عَلِمت..هذا هو “طارق بن زياد” القائد المسلم العظيم، فاتح الأندلس.

هل سمعت أو قرأت عن “جبل طارق” مِن قبل؟

لقد سُمِّيَ هذا الجبل باسم “جبل طارق”؛ لأن جيش المسلمين بقيادة طارق بن زياد عندما انطلقوا لفتح الأندلس نزلوا عند هذا الجبل، فكان المدخل للأندلس هو مضيق جبل طارق.
أعلمت أن الأندلس التي كانت يومًا ما مسلمة هي إسبانيا والبرتغال الآن؟ تُرى كيف أصبحت مسلمة؟ كيف فُتِحَت؟ وكيف سقطت بعد أن ظلت قرابة الـ٨٠٠ عام مسلمة؟

جهود “طارق بن زياد” في فتح الأندلس:-

لنعلم أولاً أن فكرة فتح الأندلس فكرة قديمة، فقد قال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: “إن القسطنطينية إنما تُفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان”.
عندما لم يستطع المسلمون فتح القسطنطينية بعد محاصرتها، فكان مقصده -رضي الله عنه- أن المسلمين لن يستطيعوا فتح القسطنطينية إلا بعد أن يفتحوا الأندلس أولًا.

بدأ الأمر في ولاية “موسى بن نصير”، أُرسلت سرية استكشافية إلى الأندلس لمعرفة أحوال هذه البلاد ولمعرفة أنسب موقع لنزول الجيش. ثم برسالة تسلمها “طارق بن زياد” أٌخبِرَ فيهـا بأن الخليفة الأموي “الوليد بن عبد الملك” أَذِنَ بنشر الإسلام في الأندلس، فأخذ “طارق” جيش قوامه سبعة آلاف مجاهد، واتجه للشمال في شعبان سنة ٩٢ ه‍ من سبتة عابرًا مضيق جبل طارق، ثم انتقل وجيشه إلى مكان واسع -الجزيرة الخضراء-، وهناك قابل الجيش الجنوبي للأندلس، وانتصر عليهم.

فأرسل زعيم الجيش الجنوبي “تدمير” رسالة إستغاثة إلى “لذريق” في طليطلة، لذريق حاكم الأندلس الذي قتل “غيطشة” حاكمها الأسبق واستولى على الحكم وفرض الضرائب وظلم وجار؛ فكرهه شعب الأندلس.
يقول تدمير للذريق في الرسالة:

” أدركنا يا لذريق، فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء! “

هكذا يقول مما رآه من أناس يقاتلون صباحًا ويعملون بجِدّ وفي الليل يراهم سُجّدًا رُكّعًا، لما رآه من أناس معهم كتاب يقرأون منه فتسيل أعينهم من الدمع، إنهم المسلمون، فلا عجب في ذلك.

وها هو لذريق يُسرِع ويجمع جيشًا قوامه مائة ألف فارس، ويتجه جنوبًا لملاقاة المسلمين. ولما علم “طارق بن زياد” بهذا الأمر ماكان منه إلا أن بعث لـ “موسى بن نصير” يطلب منه المدد بالجنود. فبعث له موسى خمسة آلاف مجاهد بقيادة “طريف بن مالك”، فلمّا وصل المدد لطارق خرج ليبحث عن موقع مناسب للحرب، فاستقر في منطقة تُسمَّى وادي برباط ولها أسماء أخرى مثل وادي لكة أو لقة.

معركة وادي لكة

التقى الجيشان في ٢٨ رمضان ٩٢ ه‍ بفارق كبير في العدد والعدة، ولكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة! ليس غريبًا على المسلمين أن ينتصروا رغم قلة عددهم، فمن يقاتل في سبيل الله أحق بالنصر ممن يقاتل في سبيل الطاغوت، ولو تفاوتوا في العدد والعدة تفاوتًا كبيرًا، انتصر المسلمون، وقُتِلَ لذريق.

واتجه بعد ذلك إلي أشبيلية ففتحها سلمًا، ثم منها إلى مدينة أستجة، وهُناك حدث قتال عنيف مع النصارى وكادوا يُهزمون ولكن صالحوا المسلمين على الجزية قبل إعلان هزيمتهم.
أصبح جيش المسلمين لا يتعدى التسعة آلاف مجاهد، وبهذا الجيش فقط، أرسل طارق السرايا التي لا يزيد عدد المجاهدين بها عن السبع مائة فارس لفتح المدن الجنوبية ( قرطبة، مالقة، غرناطة، مرسية )، وقد انطلق هو بالقوة الرئيسية شمالًا إلى طليطلة وفتحها صلحًا، واستمر حتى وصل مدينة جيان.
وكان “موسى بن نصير” قد أوصى طارق بألاَّ يتجاوز مدينة جَيَّان أو مدينة قُرطُبَة، وألا يسرع في فتح طليطلة، ولكن طارق رأى أن الطريق إليها الآن مفتوح أمامه ووجدها فرصة.

كانت مدينة طليطلة هذه هي العاصمة وهي من أحصن مدن النصارى، فهي محاطة بجبال من كل الجهات عدا الجهة الجنوبية، التي قد فُتِحَت، وغير ذلك من الأسباب التي أخذ بها طارق في فتح هذه المدينة. وبالفعل دخل طارق وجيشه المدينة ففتحها دون قتال.
ثم لم يقف طارق عند طليطلة وحسب، بل واصل الزحف إلى الشمال فاتحًا، فدخل كل من قشتالة وليون، وطارد فلول القوط حتى أسترقة. وعبر طارق الجبال ووصل وجيشه حتى بلغوا خليج على المحيط الأطلسي.
وهُنا فقط، انتهت فتوحاته.

وفي هذا الوقت كان ” بن نصير” يجهز جيش من المسلمين ليمدّ به “طارق بن زياد” في الأندلس. فلمّا وصل “موسى بن نصير” إلى “طارق بن زياد” وقد أمضى هذا الوقت وجيشه يفتحون المدن التي لم يفتحها طارق من الأندلس، أكملا الفتوحات معًا ففتحا سَرَقُسطَة وطَرَّكُونة وبَرشُلُونَة وغيرهم.
آنذاك، وصلتهما رسالة من الخليفة يأمرهما بالكف عن الفتح والعودة إلى دمشق، فغادرا الأندلس، ووصلا دمشق بعد وفاة الوليد وأصبح “سليمان بن عبد الملك” هو الخليفة.
وانقطعت أخبار “طارق بن زياد” بعدما وصل مع “موسى بن نصير” إلى الشام ولكن الراجح أنه لم يتولى عملًا بعد ذلك.

بقلم: الخنسـاء

692

الكاتب

الخنساء محمد

فتاة مُسلِمة، مهتمة بالبحثِ عن الحق، واتِّباعهِ، ونَشْرِهِ بين الناسِ؛ لِيَعُم الأرض بدلًا عن الباطل المُتفشِّي في جميع أرجَاءِ العالم.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.