لقد أضحت الحاجة ملحة بشدة للخروج من إطار التغييب المتعمد أو الساذج لحقائق الإسلام الكبرى، والالتفاف أكثر لعظم رسالة الإسلام، كما تلخصها لنا سيرة نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، وسير الصحابة -رضي الله عنهم- من بعده. إنه الجانب المسكوت عنه في حين هو محور الإسلام وقضاياه الكبرى.

فبَعد صناعة الإنسان على الإيمان، وإخراجه من الظلمات إلى النور، واستيعابه لواجباته كعبد من عباد الله، واستجابته لضرورة الاجتهاد الفردي للدخول إلى الجنة، يجب أن يدرك هذا المسلم أن الإسلام لا يُختزل في استقامته الفردية؛ بل يتحول من مرحلة الفردانية إلى الرسالية التي هي أعظم واجباته بعد الالتزام بدين الله.

وغالبًا ما تركز خطابات الدعاة على جانب الفرد، وتصحيح عقيدته، وصناعة همته، وبناء ذاته، وتبيان فروضه وأهمية العمل للآخرة، ثم تقف هذه الدعوة عند هذا الحد لا تتجرأ على التقدم خطوة نحو الدعوة لمفهوم رسالة الإسلام الكبرى. وتبقى حدود الدين في نطاق ضيّق من الممارسات الفردية، مغفلة دوره العالمي.

لكن الإسلام يطلب من الفرد التحول من مستوى قضية شخصية إلى صاحب رسالة، يوظف لأجلها جميع ما اكتسبه من إعداد فردي، وفقه في الدين. وهذا التحول هو الذي يحدث الأثر الكبير في العالم ويؤثر في مكوناته قال تعالى: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) (الأنفال: 7). وفي تفسير الإمام جرير الطبري لهذه الآية: “أي أن يظهر الإسلام. والحق حق أبدًا، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل. بكلماته أي بوعده”.

الدين أكبر!

الرسالية

فقضية الدين لا تقتصر على كيف ألتزم بالإسلام في حياتي الشخصية، عند الأكل والنوم والذهاب للمسجد وغيره من عبادات فردية؛ بل تذهب إلى إحقاق الحق وإظهاره ونصرته وفدائه قال تعالى: (تقاتلون في سبيله فتَقْتُلُون وتُقْتَلُون) (التوبة: 116) وقال سبحانه: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) (آل عمران: 140).   

فالإسلام جاء لإنشاء كيان توحيد ليحق الحق، إنه دين لا يُختزل في مساحة البيوت والمساجد بل دين عالمي يتدخل في كل تفاصيل منظومات الحياة.

الإسلام لا يقف عند حدود الفرد بتزكيته وأدائه فروض الدين، وهجره للمعاصي وإتيانه للطاعات، واتباعه للقرآن والاقتداء بنبي الله -صلى الله عليه وسلم-؛ التي هي عملية تحضير وإعداد للنفس وإقامة للذات على الإسلام الذي يؤمن به هذا الفرد ويعتقده عقيدة. إنما الدين أكبر من ذلك بكثير، إنه قضية عظمى، ينشغل برسالتها هذا الفرد، إنها قضية حكم الإسلام للحياة، وللسياسات، إنها قضية إنهاء الظلم والطغيان والبغي وإقامة العدل، كما أمر الله -سبحانه-.

ذلك أن الدين له رسالته وله قضيته الكبرى، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: 9)، فالمسلم يجب أن يؤدي رسالة الإسلام بإبلاغه وإظهاره في العالم وإقامة العدل وفق شرعة الله. قال تعالى (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى: 15).

للبيت رب يحميه!

يعتقد البعض أن قضية إبلاغ الدين ونصرته وحمل رسالته ليست من شأنه، ويكتفي بالانشغال بقضاياه الشخصية، على أنها قضية الدين الأساسية، مشابهًا في ذلك قول المشركين في مكة قبل الإسلام “للبيت رب يحميه”. لكن الإسلام يطلب منك أداء واجبك في حماية هذا البيت، بالأخذ بالأسباب لحفظه من دنس الكافرين، وإلا فإن سنة الاستبدال لك بالمرصاد.

فالإسلام بعد أن يزكيّ الأنفس ويطهرها ويرفعها بالإيمان والإسلام والإحسان، يخرج نماذج بشرية صالحة نقية نظيفة من الأدران والخطايا والانحرافات ثم يوجهها لحمل رسالة الإسلام؛ كأئمة للورى، وتلك هي حقيقة هذا الدين؛ السعي في الأرض لإعلاء كلمة الله -جل جلاله-، وحفظ دينه وحرماته. قال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج: 40). فنصْرُ الله لنا لا يكون إلا بنصرنا لدينه وشريعته، وبذل الأسباب لتحقيق ذلك. وتلك سنة الله في الأرض.

فمن يتعامل مع المقدسات الإسلامية على طريقة “للبيت رب يحميه” عليه أن يعلم أن هذه كلمات قيلت في الجاهلية قبل البعثة أما بعد البعثة فصارت هناك أمة مكلفة بالقيام بالحق والدفاع عن مقدساتها وإلا تكون قد تخلفت وقصرت واستوجبت الحساب.

مصطلح الدعوة إلى الله

الرسالية

يقول الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل عن مصطلح الدعوة إلى الله “لقد أجرمنا بحقه”؛ في إشارة إلى التقصير العظيم الذي نال من هذا الميدان. فبدل أن يتعلم الناس أن وظيفة هذا الإنسان هي أن يكون خليفة الله في أرضه، اقتصروا على حصر قضية الدين في العبادات الفردية بعيدًا عن حقائق الإسلام الكبرى. والله -سبحانه وتعالى- يقول: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).

وبذلك يكون تغييب وظيفة خلافة المسلم للأرض وحصرها في العبادات الفردية، جريمة بحق الدعوة إلى الله. فهذه عملية بتر للدعوة حتى أصبح مستساغًا جدًا للمسلم أن يعيش في سياقات مختلفة تُفرض عليه، مناقضة لما يحمله من عقيدة التوحيد، بل محاربة لها. ثم يستسلم المسلم لهذا الواقع المذلّ، ولا يعمل على إنشاء سياقه الخاص، سياق الإسلام العظيم.

فالإسلام لا يقيم الأفراد للعيش مع سياق مختلف بل للخلافة في الأرض فهو يصنع هذا السياق. وهو ما أشار إليه الشيخ حازم بحرقة شديدة حين تناول موضوع الإجرام بحق الدعوة إلى الله.

وتأهيل الأمة الإسلاميَّة لمرحلة الاستقلالية والخلافة الإسلامية واجب على الدعاة وحَمَلة العلم؛ وإعدادها لتحقيق ذلك من أولى الأوليات في زماننا، ومن صميم الالتزام بمنهج الله وشريعته وترجمة لمفهوم الرسالية في الإسلام.

التدرج في الدخول في معنى الرسالية

سلط الشيخ حازم الضوء على نقطة مهمة جدًا لفهم معنى الرسالية في الإسلام من خلال تدبر سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ألا وهي سنة التدرج بشكل تصاعدي في تحقيق هذا المعنى.

حيث انتقل الإسلام بالمسلم بين درجات متتالية لإفهامه حقيقة الدين، منذ البعثة إلى وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-. لخصها الشيخ حازم كما يلي من خلال استقراء مراحل السيرة النبوية ونزول الآيات القرآنية:

  1. درجة السياسات الشخصية.
  2. درجة السياسات العامة.
  3. درجة القوانين الآمرة.
  4. درجة الحكم لعقيدة الإسلام.
  5. درجة العالمية.
  6. درجة الجهاد في سبيل الله.

لقد تدخل الإسلام منذ بداية الدعوة في مكة في الحياة الخاصة والعامة، بما في ذلك القضايا الاجتماعية كإيقاف العادات الجاهلية من وأد البنات وامتهان النساء، كرد المظالم والحكم بين الناس بالعدل، كالهجرة، التي شكلت مشروعًا عظيمًا تغير فيه تفكير الصحابة بهجر بلدهم والانتقال لأرض أخرى بعيدة عنهم، لتأسيس حياة جديدة بالإسلام.

لقد كانت بالفعل مرحلة صياغة الأفراد للقيام بأمر هذا الدين. ذلك أن هذا الدين يقوم بالمؤمنين ويجب له أن يقوم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).

إعداد المسلم لحمل الرسالة

مع بداية الإسلام في العصر المكي، كانت أول درجة في تربية المسلمين على رسالية الإسلام تتعلق بالسياسات الشخصية؛ حيث كان الإسلام يحدث الناس بأهمية التوحيد واتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتنظيم برنامج الفرد المعيشي بالإسلام.

ومن أبرز قضاياه كانت قضية المال؛ فعالجها معالجة مهيبة، ليرسخ حقيقة أن قضية الإسلام ليست حب الدنيا وجمع المال والغنائم، بل أعظم من ذلك. نشاهد هذه العظمة في السور المكية التي رافقت الصحابة في مكة قبل الهجرة، قال تعالى في سورة الهمزة: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ)، وقال سبحانه في سورة العاديات: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد) أي المال، وقال جل جلاله في سورة الفجر: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)، وقال سبحانه في سورة العلق: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى). فما يملكه الإنسان إنما ليعمل به وفق شريعة ربه وخالقه -سبحانه-، قال تعالى في سورة التكاثر (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).

وبعد الهجرة تحول الأمر لتبيان رسالة الإسلام مرة أخرى مع توالي الحوادث الكبرى. يظهر ذلك جليًا في غزوة بدر؛ حيث خرج المسلمون ليغيروا على قافلة للمشركين ويأخذوا الغنائم لكن لم تكن حينها قضية الإسلام جمع الغنائم؛ إنما كانت قضيته القتال والجهاد وإحقاق الحق. فلم يعد المال غاية وهدفًا بعد الإسلام إنما وسيلة لإحقاق الحق، هنا معنى جليل للرسالية.

وهكذا بدأ الإسلام أول ما بدأ لإدخال الناس في مفهوم الرسالية بتنظيم المال وكيفية التعامل به والحقوق والواجبات المترتبة عليه، وكذلك كان دأب الرسل من قبل.

وبالتوازي مع قضايا التعاملات الشخصية؛ شدد الإسلام على عاقبة الطغيان والاعتداء نشاهد ذلك في العديد من الآيات تحذر المفسدين من مصيرهم. قال تعالى في سورة الفجر (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). وفي نفس الوقت أعطى الحق للمسلمين أن ينتصروا على من ظلمهم (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْى هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (الشورى: 39).

الفترة المكية إعداد للفترة المدنية

لقد حملت السور المكية الإشارات لكل القوانين الآمرة بشكل مبكر للتمهيد لمرحلة التمكين في الفترة المدنية؛ حيث نزلت الشريعة مفصلة في السور المدنية.

فما كان يحتاج التعجيل به من إيضاح لأصول الدين ومبادئه الأساسية والتعريف به نزلت الآيات به في العصر المكي؛ لأنها مرحلة صياغة المسلمين وإفهامهم هذا الدين، ونطاقاته وإحاطته، أما المؤجلة فكانت في العصر المدني، بعد أن أحاط المسلمون بفهم الإسلام، توسعت الأوامر لتمكين الإسلام في الأرض وبين الأمم بعد تمكينه في قلوب الأفراد.

يقول الشيخ حازم:

القرآن الذي نزل في المدينة كان أوسع وأوضح ومفصلًا أكثر لأن التفاصيل تأتي عند إمكانية التطبيق.

ولخص خلاصة تدبره للآيات المكية بتقسيمها حسب أوقات نزولها إلى ثلاثة أقسام:

  1. قسم يتحدث عن سلوكيات الأفراد وتعاملاتهم والسياسات المجتمعية.
  2. قسم يتحدث عن القوانين الآمرة والحلال والحرام.
  3. قسم يتحدث عن الحكم والجهاد وتكوين الدولة.

منهج الأنبياء من قبل

جاء الدين لينظم حياة الناس كاملة؛ حيث يشير القرآن للسياسات كلها، وكيف تحدث الأنبياء مع أقوامهم في مختلف أمور الحياة؛ باعتبار الدين سلطة أعلى ومنهج حياة لا مجرد شعائر تعبدية.

لذلك كان سؤال قوم شعيب عليه السلام له (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87).

اعترضوا على دعوة شعيب بعدم بخس الحقوق وظلم الناس في أموالهم؛ لأن الدين الرباني يحكم الاقتصاد والأموال ويمنع البغي والظلم. وتلك قضية كبرى وحقيقة عظمى يؤديها هذا الدين. قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:21).

وكذلك قال نبي الله نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) (نوح: 10-13).

وهكذا يوجه نبي الله الناس لما هو مطلوب منهم في هذه الدنيا لينالوا رضا الله وتوفيقه، وكذلك ظل القرآن يوجه أنظار المسلمين إلى ما هو مطلوب منهم خلال فترة الاستضعاف في مكة حتى تمت الهجرة، ثم انتقل بهم لما هو مطلوب منهم خلال فترة التمكين، الفترة المدنية.

لقد حمل الرسل الرسالة لأقوامهم لتتدخل في كل منظومات حياتهم، قال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (هود: 84 – 86).

وكذلك هود عليه السلام قال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود: 52) وفي سورة الشعراء قال (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون) (الشعراء: 128- 131) ربط الطاعة لله بالرزق، وربط السياسات العامة بالدين. وهكذا يربط القرآن اتباع أمر الله بكل سياسات الحكم وحياة الناس.

ثم لوط عليه السلام أنكر الشذوذ الجنسي فقال (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) (الشعراء: 165-166). وموسى -عليه السلام- واجه أعتى جبابرة الأرض في ذلك الزمان، قال تعالى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء:10).

ولا تخلو قصة من قصص الأنبياء من ذلك التدخل في تفاصيل السياسة والحكم وحياة الناس، لتكون كلها على سياق التوحيد لله -سبحانه وتعالى-. ولذلك يحمل الدين كل النظم التي تقوم عليها حياة الأفراد وسياسات المجتمع وسلطان الدولة والتشريع في الأمة. ويحمل كل ما يناسب اختلاف الأزمنة والأمكنة؛ لأنها شريعة ربانية جُعلت لخلافة الإنسان في الأرض.

وهي نفس الحقائق الكبرى للدين، حملها الرسل من قبل. قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام: 90).

وكذلك كان الحال مع نبي الله محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث رافق القرآن المسلمين ليدلهم على ما عليهم فعله منذ كانوا مستضعفين حتى الهجرة، ثم إقامة الدولة بعدما رسمت حدود الدين في العقلية المسلمة. 

سبيل المهتدين لمن حمل صفاتهم

الرسالية

وقد طرح القرآن قضايا البغي والفساد والانحراف الاجتماعي وغيرها من سبل الضلال ونهى عنها وحذّر من عقاب الله لمن سلك نهجها؛ لينأى المسلم بنفسه عنها ويسير في سبيل المهتدين. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (يونس: 13). وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96).

ودل القرآن الناس على سبيل النجاة من العذاب الذي يصيب المعرضين عن الهدى مقدمًا صفات هؤلاء المهتدين في مواقع شتى من القرآن الكريم. قال تعالى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) (المعارج: 22 – 27).

ولهؤلاء المستجيبين لأمر الله، صفات عديدة ذكرها القرآن في آيات عديدة؛ لتؤكد جميعها على أن السبيل للنجاة هو التزام شرعة الله ونبذ كل شرعة غيرها. وهذه حقيقة كبرى من حقائق الإسلام.

ثم لا يمكن ادعاء الإسلام دون الاتصاف بصفات المسلمين والاحتكام لشرعة الله التي ارتضى لعباده. فهذه نقطة فاصلة بين مزاعم الادعاء وحقيقة الاعتقاد.

فالإسلام منظومة متكاملة تضم الإيمان بالله وطاعته وعبادته والحياة العامة والسياسة والحكم وكل تفصيل مهم. لذلك يقدم القرآن القوانين والقواعد الإرشادية لحركة المجتمع، والآيات في ذلك كثيرة. قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18) كما يقدم القرآن التفاصيل المهمة لحالات العصيان لله واتباع الهوى والتعامل الجشع مع شريعة الله، قال تعالى: (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (النور: 49).

وسبيل المهتدين سبيل واحد وجناحان، إخلاص واتباع؛ فإن اختلَّ أحد الجناحين انحرَف السبيل، وظهرت البدعة وتحقق الضلال وفي الحديث: “من عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ”؛ رواه مسلم.

سلطان الإسلام لا البشر

إن الإسلام دين جاء ليقود الناس من الظلمات إلى النور، ليخرجهم من الجاهلية للريادة، ليقوّم أخلاقهم وسلوكياتهم وثقافاتهم وأعمالهم بمقتضى رسالة الإسلام العظيمة. وقدم لأجل ذلك كل ما ينشأ الأفراد مستعدين للخلافة. ولذلك جميع الأنبياء كانت رسالتهم واحدة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، قال تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).

والقرآن لم يترك شأنًا لم يتناوله من العبادات الفردية والجماعية إلى الأخلاق والآداب والسلوكيات إلى الدعوة والثقافة إلى الاقتصاد والمال، إلى الحرب والشؤون العسكرية، إلى القضاء والحكم،  إلى كل منظومات الحياة. وما شرع للأنبياء قبل نبينا -صلى الله عليه وسلم- هو شرع لنا ما لم يذكر في شرعنا ما يخالفه. قال تعالى: (ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام:38)

التكليف في الإسلام

لفت الإسلام أنظار المسلمين إلى أنهم مكلفون بالحكم بشريعة الله، وأن الإسلام ليس رهبانية للعبادة فقط؛ بل يجب أن يحكم الإسلام البلاد، ويدير سياساتها وسلطاتها الحاكمة، لتكون كلمة الله هي العليا. وليقيم جميع النظم على نسق واحد، هو شرعة الله -جل جلاله-. قال تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران: 83).

وقد أدرك ذلك الصحابة مبكرًا، وهذا أمر نقرأه بين ثنايا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونتعلمه من مواقف الصحابة العظيمة. ففي بيعة العقبة الثانية، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري -رضي الله عنه-: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود..

لقد أبصر الصحابي رسالة الإسلام العظيمة التي سيحملونها بالبيعة، وذكرهم أنه ليس مجرد دين يقيمه الفرد في نفسه بل يقيمه في أمته ويدخل به في صراع مع باقي الأمم جميعًا.

يقول الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل:”الإسلام ليس إنشاء أفراد موحدين في كيان بعيد عن التوحيد وإنما إنشاء كيان موحد، وفيه الإسلام يحكم البلاد والعباد”.

الإسلام يقاوم الاستضعاف

الرسالية

قال تعالى:

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: 8).

سنّ الإسلام الهجرة مبكرًا منذ العصر المكي، وفي ذلك مقاومة للاستضعاف وخلاص من أغلاله، للقيام بمهمة الدين. وفي الآيات يشهد الله للمهاجرين بصدق الإيمان ويعدهم بعظيم الفضل والأجر، قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (النحل: 41). وقال سبحانه: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران: 195).

ولاشك أن الهجرة بحد ذاتها تعكس الرسالية في الإسلام، برفض الخنوع للاضطهاد والحث على الحركة والعمل في سبيل الله.

عالمية الإسلام

منذ بزغ فجر الإسلام كان يهيئ المسلمين للعالمية؛ فلم يقف الأمر على مجرد دولة محلية داخل مكة أو المدينة أو الجزيرة العربية فحسب، بل كانت الإشارات واضحة لدولة تسود العالم كله. قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158) وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: 9).

وقد أدرك ذلك ملك الروم هرقل حيث قال لأبي سفيان بعدما سألة عدة أسئلة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “فإن كان ما تقول حقًّا، فسيَملِكُ موضعَ قدميَّ هاتَينِ، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخلُص إليه لتجشَّمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلت عن قدميه”.

ويظهر ذلك من خلال بشرى النبي لسراقة بسواري كسرى. قال أبو بكر البيهقي في “دلائل النبوة”: “… أن عمر بن الخطاب أتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم. قال: فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يديه، فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد لله، سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم، أعرابي من بني مدلج وذكر الحديث (حديث البشرى).

قال الشافعي -رحمه الله-: “وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه كأني بك قد لبست سواري كسرى”. ويكفينا من ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها” رواه مسلم.

وما رواه الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، إلا أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذلًّا يُذِلُّ الله به الكفر).[1]

ولم يقف الأمر على البشريات فقد طرح القرآن قضايا عالمية وصراعًا عالميًا وتحدث عن العقائد الأخرى لليهود والنصارى وغيرهم، وسلط الضوء حتى على صراعاتهم بينهم وعلاقتها بالإسلام. قال تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم: 1-5).

كما تضمنت الشريعة فقهًا خاصًا للتعامل مع الملل الكافرة وقوانين في معاملة الذمي والمعاهد والمحارب، وكذلك الأسرى وشؤون الحرب واعتنت بالسياسة العالمية مبكرًا منذ كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يراسل ملوك الأرض.

ذروة سنام الإسلام

قال تعالى: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون) (الأنفال: 60).

لقد أقام الله هذا العالم على سنن ربانية تمثل القانون الذي تنتظم وفقه الحياة، فبعد إخراج المسلم الملتزم وإعداده لحمل رسالة الإسلام وإحاطته بأبعادها وحقائقها الكبرى وعالميتها، يسعى هذا المسلم في تحقيق ذلك عن طريق الجد والعمل، لا الكسل والاهمال؛ لأن التمكين ليس منحة أو كرامة لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بلا عمل واجتهاد في سبيل تحقيقه، بل بالجهاد في سبيل الله.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء: 77)

فالجهاد في سبيل الله من ثوابت الدين ومن عزماته بل هو رأس سنام الإسلام. قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال: 39)، وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: 75).

ولفظ “الجهاد” شغل عدادًا لافتًا من الآيات والسور في القرآن الكريم، خاصة في القرآن المدني، لما يترتب على إقامة الجهاد من تحقيق مقاصد الشريعة إيجادًا وحفظًا. 

ولا بد من جهاد مع عظم رسالة الإسلام وحجم أعدائه. لذلك قال ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: “والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه، ثم دنا من رسول الله فقبل رأسه..”.

فالتكذيب والإيذاء والإخراج والقتال هي ما كان ينتظر نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ودعوته، ولا يزال هذا حالها إلى أن ينصرها الله. ولذلك كان المشركون من قريش يعدون العدة للحرب بعد الهجرة لعلمهم أن دين الإسلام سيسود إن استقل، فشرع الله الجهاد لحفظ هذا الدين ولإبلاغ رسالته ولإقامة العدل في الأرض.

ومن يتأمل رد الأنصار عند بيعة العقبة يدرك بعد نظرهم ودرايتهم بعظم ما هم مقبلون عليه من مناجزة الأعداء من الأمم والحضارات الأخرى، فبعد أن تم الاتفاق على شروط البيعة ولم يكن للإسلام شوكة حينها. قام رجلان من الرعيل للتأكيد على خطورة المسؤولية بعد عقد هذه البيعة، قال ابن إسحاق: “لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نَضْلَة: هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهَكَتْ أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلًا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: “الجنة” قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.

فكان الثمن معلوما لديهم إنه التضحية والفداء ومصيبة في الأموال وقتل الأشراف! قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142).

(وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)

الرسالية

لقد حمل القرآن كل تفصيل مهم لريادة الإسلام وسيادته، ومن يتأمل في أسماء سور القرآن يجد أن مجرد قراءة الفهرس تقدم تصورًا عامًا للدين كله؛ إنه دين يحكم الثقافات والبلاد وينظم حياة البشر وليس العبادات فقط.

  • فمنه سور تتحدث عن المواقع الجغرافية، كـسور: الحجر، وسبأ، والطور والكهف والأحقاف.
  • ومنه سور تتحدث عن العالمية كسور: الأنبياء وإبراهيم وهود ويوسف.
  • ومنه سور تتحدث عن العالمية من بعد آخر كسور: الإسراء والناس والبلد والروم.
  • ومنه سور تتحدث عن الكونيات كسور: الشمس والقمر والنجم والطارق والبروج والمرسلات.
  • ومنه سور تتحدث عن أوقات اليوم كسور: الفجر والضحى والعصر والليل.
  • ومنه سور تتحدث عن المخلوقات الأخرى كسور: العاديات والفيل والنحل والجن والعنكبوت والأنعام والنمل.
  • ومنه سور تتحدث عن حياة الناس العامة وتعاملاتهم كسور: المطففين والماعون والتكاثر.
  • ومنه سور تنظم العلاقات الاجتماعية كسور: النساء، والنور والحجرات.
  • ومنه سور تنظم الأطعمة ومصادرها، كسور: المائدة والأنعام.
  • ومنه سور تنظم الحرب مع الأعداء والميدان العسكري، كالتوبة والأنفال.
  • وسورة تتحدث عن خلق الإنسان، كسورة العلق.
  • وسورة تتحدث عن سياسة الشورى كسورة الشورى.

والتدبر لا يزال ملهمًا، بحسب ما يفتح الله على عبده.

خذ الكتاب بقوة

مما يبرز أهمية قيم الإسلام الرسالية العظيمة، رد فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع عدد ليس بقليل من الناس الذين قبلوا دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عقيدة، ولكنهم رفضوها رسالة. فبعض القبائل اشترطت لإسلامها أن يؤول الحكم لها بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرض -صلى الله عليه وسلم- إسلامها.

فلا يمكن الاشتراط في الإسلام، أو الأخذ الجزئي للدين؛ إنما هو الإسلام كاملًا، بجهاده، بفروضه، بأحكامه، بكل تفاصيله. فمَن علق إسلامه على ألا جهاد فيه، أو رفض أن يحكم الإسلام الاقتصاد وحركة الأموال، أو رفض الهجرة أو أي شعيرة وحكم من الإسلام، رفض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إسلامه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: (208.

وعلى خطاه -صلى الله عليه وسلم- سار خليفته وصاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- من بعده. فقد أعلن الحرب على كل من ارتد من العرب ومنع الزكاة، بالرغم من أعدادهم الكبير، ولا تزال كلماته الشهيرة كالسيف يبرق في فضاء التاريخ ومدرسة للبطولة وعزة الإسلام: “لو منعوني عِقالا لجاهدتُهم عليه”، “إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي؟!”، “أينقص وأنا حي؟ “، “والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف في يدي، ولو لم يبق في القرى غيري”.

قال الحافظ علي بن المديني: “إِن الله -عز وجل- أعزَّ هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث؛ أَبو بكر الصديق يوم الردة، وأَحمد بن حنبل يوم المحنة”.[2]

لماذا الحرب على الإسلام؟

لأن الإسلام دين كامل بكل منظوماته جاء بنظامه الرباني الراسخ المستقل ليكون هو الحاكم لا المحكوم، ولأنه يرفض أن يجعل الإنسان فوق حكم الله، ويحكم بعدل يغيظ الطغاة، ويجمع الناس على عبادة الله -سبحانه-، مما يغيظ شياطين الجن والإنس.

لأن الإسلام دين لا يخضع لأعدائه ولا يتاجر بمبادئه، ولا يقبل إلا العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

إن الإسلام دين لا يقبل أن يبقى حبيس جدران المسجد والبيت؛ بل ينطلق شامخًا لحكم منظومات الحياة كافة، والسياسات كلها، وإقامة سلطان العقيدة على الجميع. فإن بلغ ارتقت به الأمة لأعلى مراتب العطاء البشري وسبقت كل الأمم.

إنه الدين الذي يقضي على الجهل والظلم والطغيان ويقيم العدل بين الناس كافة، وهو دين يعد الإنسان إعدادًا عظيمًا؛ بالعبادات الفردية التي تؤهله لحمل قضية ورسالة الإسلام ويهزم أعداءه وعوامل الانحطاط، كما كانت دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإقامة رسالة الإسلام وإقامة هدفه وأبعاده في سياقها وعلى خط سيرها. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30).

يحاربونه لأنه الحق وهم الباطل، ولأنهم يخشون أن يفضح خوارهم وإفلاس أنظمتهم ونظم حكمهم الظالمة الفاسدة وبالأخص أن يحرر المسلمين من قبضة هيمنتهم.

ويحارب أعداء الإسلام هذا الدين؛ لأنهم يدركون أن الأمة المسلمة تحمل بفضله المقومات لتحقيق الصعود الإسلامي الباهر، كما أشار لذلك المستشرق البريطاني هاملتون جب حين قال: “إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بصورة مذهلة تدعو إلى الدهشة، فهي تنفجر انفجارًا مفاجئًا قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعوهم إلى الاسترابة في أمرها، فالحركات الإسلامية لا ينقصها إلا وجود الزعامة، لا ينقصها إلا ظهور صلاح الدين جديد”.[3]

وكذلك المستشرق البريطاني مونتجومري وات الذي كتب في جريدة “التايمز” اللندنية، في آذار من عام 1968م: “إِذَا وُجِدَ القَائِدُ المُنَاسِبُ، الذِي يَتَكَلَّمُ الكَلاَمَ المُنَاسِبَ عَنْ الإِسْلاَمِ، فَإِنَّ مِنَ المُمْكِنِ لِهَذَا الدِّينِ أَنْ يَظْهَرَ كَإِحْدَى القُوَى السِّيَاسِيَّةِ العُظْمَى فِي العَالَمِ مَرَّةً أُخْرَى”.[4]

لذلك يجب كسر أغلال هيمنة الكافرين على المسلمين، وإقامة حكم الإسلام وخلافة المسلمين في العالم، بتضافر جهود جميع العاملين لتحقيق هذا الهدف الرسالي العظيم.

الخلافة في الأرض

الرسالية

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).

إن المسلم لا يعيش ذليلًا تحت سياقات تحارب الإسلام، كالشيوعية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية، كقوانين الشرق الكافر والغرب الكافر! بل يقيم سياقه الخاص ونظامه السائد ويدعو إليه دعوة فاعلة وصانعة ومحركة. وهذا هو جوهر الدين.

وهو ما أدركه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فسابقوا في سبيل إعلاء كلمة الله والتضحية بالنفس والنفيس ضد أمم الكفر جميعًا، وتمكنوا من دعوة الناس للإسلام ونشر رسالة هذا الدين في جميع أصقاع الأرض. ولا عجب أن دخل الناس في دين الله أفواجًا من خلال الفتوحات وحركة الدعاة والتجار على امتداد محور التاريخ حيث كانت الخلافة حصنًا حصينُا ومركز حضارة ومنارة هداية.

وحين نعلم أنه لم يُدفن في مكة والمدينة من المئة ألف صحابي الذين شهدوا حجة الوداع مع النبي ﷺ إلا بضع آلاف فقط، أما أغلب الصحابة فقد دفنوا في مشارق الأرض ومغاربها؛ فلا بد أن يكون السفر والترحال والحركة لنشر هذا الدين والذود عنه وحفظه للفرد والجماعة هو من علو الهمة وعظمها لمن حمل الفهم الصحيح لرسالة الإسلام.

قال ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الفروسية: “جمع الصحابة -رضي الله عنهم- إلى فروسية الخيل، فروسية الإيمان واليقين والتنافس في الشهادة وبذل نفوسهم في محبة الله ومرضاته فلم تصمد أمامهم أمة من الأمم، ولم يحاربوا أمة إلا قهروها”.

وقدر هذه الأمة الخلافة والتمكين، كما جاء عند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-، قال: كنا جلوسًا في المسجد، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد، أتحفَظُ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأمراء. فقال حذيفة: أنا أحفَظ خُطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “تكون النُّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا جَبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكَت”.[5]

إن الوعد المذكور بالتمكين والخلاف، يتحقَّق فقط إذا أقامت الأمة التوحيد والإيمان الحق، وعملت بشريعة ربها لا أعدائها. فالتمكين والاستخلاف لا يتحقق إلا بطاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وتحقيق رسالية الإسلام. وفي الحديث الصحيح:

لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يَضرُّهم من خذَلهم حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك. (رواه مسلم وغيره).

الخاتمة

في المرحلة المكية ركز القرآن على ترسيخ المبادئ والقيم الإسلامية، بلا تقديم التفاصيل لطرق التطبيق؛ لأن الواقع لم يكن مهيأ بعد لإنزالها، ثم استمر القرآن في تهيئة النفوس لمرحلة التمكين حتى تستجيب للتفاصيل كاملة في حياتها التي تنتظم بكل أركانها على الإسلام وشريعة الرحمن.

ومن عظمة هذا الدين أنه قدم الركائز الأساسية لكل ما يتعلق بحياة الإنسان من العقيدة إلى السياسات العامة والأمور الاجتماعية والسلطان والدعوة والإصلاح والإعداد والقوة والحياة الآخرة. ولكل باب فقهه وتفاصيل قضاياه. الصالح لكل زمان ومكان. فكان بمثابة الأساس لكل دولة إسلامية ولكل أمة إسلامية ولكل حضارة إسلامية.

فالعقيدة تنتج استراتيجية للعمل على إعلاء كلمة الله، وترجمة ذلك تعني أنه لا يكفي أن تحمل هذه العقيدة في قلبك أو أن تنعكس على جوارحك وأقوالك وسلوكياتك؛ بل يجب أن تمضي كل اجتهاداتك وعطاءاتك ومشاريعك في اتجاه تحقيق الخلافة في الأرض لإعلاء كلمة الله -سبحانه-. قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)..

ومن هنا فمجاهدة الباطل وأهله، والتحرر من المحتل والمهيمن، وإعداد الأمَّة وجيل النصر والتمكين واجب المرحلة الأول، لا يجوز التخلف عن السعي له بكل مُتاح ومُباح. يحدو المسلمين في ذلك سنن الله الشرعية التي قضى الله ألا يتحقق النصر والتمكين إلا بها.

ولأنها مهمة جادة عظيمة الشأن، فإن رسالة هذا الدين لا تقوم على أكتاف المترخصين، بل على أكتاف أصحاب العزيمة. فلله در أصحاب العزيمة.

462

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (في جزأين) وصناعة الهمة).

التعليقات

  • طه أحمد منذ شهر واحد

    اللهم ردنا الي دينك مرداً جميلاً ،

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.