الأخلاق في العِلم لا تعني الأخلاق الحَسَنة فقط، إنَّما ترتكز على الأخلاق الحَسَنة والأخلاق السيِّئة. وعندما نقول “المنظومة الأخلاقيَّة في الإسلام” فإنَّنا نعني مجموعة القِيَم التي اعتبرَها الإسلام حسنةً وأمر بها، ومجموعة القِيَم التي اعتبرَها الإسلام سيِّئةً ونهى عنها. وبهذا تكتمل المنظومة؛ فلا بدَّ أنْ يعرف المُسلم الصواب ليفعله، والخطأ المحظور ليبتعد عنه. مع الاعتبار أنَّ فعل الصواب جُزءٌ منه ألا تفعل الخطأ في حد ذاته.

وعلى رأس الأخلاق السيِّئة التي نهى الإسلام عنها يتربَّع “الظلم”، والظلم خُلُق حاكِم أيْ يضمُّ تحته الكثير من السلوكيَّات التي قد يفعلها الإنسان. وذلك لأنَّه أقرب للمفهوم الفلسفيّ أو الغطاء الفكريّ الذي يشمل الكثير من السوء تحته. بل إنَّ الظُّلم في المفهوم الإسلاميّ يرتقي ليشمل كلّ فعل سوء كما سيأتي.

وقد اهتمَّ الإسلام ببيان الظلم وغيره من الأخلاقيَّات السيِّئة المُنكَرَة؛ لضبط كثير من سلوكيَّاتنا والفوضى الأخلاقيَّة العموميَّة، التي نشهد منها الكثير في يومنا هذا. وفي حالات الاضطراب المعرفيّ والأخلاقيّ -كما ابتلانا الله في زمننا- يجب أنْ يشتدَّ اهتمامُنا بمعرفة وتحرِّي المُنكَر لتجنُّبه تجنُّبًا تامًّا. فكُن دومًا حريصًا أنْ تبتعد عن المُنكَر، واعلم أنَّ علماء الإسلام قد قرَّروا أنَّ “دفع الفساد مُقدَّم على جلب الصلاح”. ولعلَّنا نطالع هذا المعنى في القادم من نصوص الشرع.

وقد اهتمَّ الإمام النووي في كتابه “رياض الصالحين” بالظلم، وعقد له بابًا -غير حديث مُتفرِّق في مواطن عديدة- “باب تحريم الظُّلم، والأمر بردِّ المَظالم”. وقبل التريُّض في الباب نتعرَّف باختصار بالغ على مفهوم الظلم.

ما هو الظُّلم؟

الظُّلم -حسب التصوُّر الإسلاميّ- هو التصرُّف على غير مُقتضى صحَّة الأمر، أعني أنَّ الإسلام قد بنى نظامًا للمُسلم في الدنيا، وقد عرَّفه له عن طريق خطابه -القرآن والسُّنَّة-، وخروج المُسلم عن هذا النظام وتصرُّفه على غير ما بنى الإسلام من رؤية هو ظلم. فيمكن أنْ أعرِّف الظُّلم بأنَّه كلُّ تصرُّف في الحياة على غير ما أمر الله.

هذا التعريف ممكن استخلاصه من تحرِّي مواطن الظُّلم في النصوص. فنجد عمومًا -وابتداءً- أنَّ القرآن قد سمَّى الكُفر والشِّرك بالله ظلمًا (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) -لقمان 13- لأنَّه خروج عن أمر الله بالإيمان به أولاً؛ ففِعلُ غيرِ هذا الأمر ظلم. ولأنَّه خروج عن أمر الله بالإيمان به مُطلقًا دون شريك؛ ففِعلُ غير هذا الأمر ظلم. وكذلك وصف القرآن العباد بأنَّه يظلمون أنفسهم أيْ يُمارسون الظلم عليها حينما يخالفون أوامر الله ويعصونه؛ حيث تقول الآية (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) -النحل 118- ولنلحظ أنَّ الظلم هنا وصف لحق بهم للمعصية، وأنَّه تسبيب لعذابهم بهذا الظلم.

والمعنى يتجلَّى أكثر في هذه الآية الكريمة (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) -البقرة 57-، فالظلم هنا هو خروج العباد عن مقتضى ما أمرهم الله به، ولنلحظ أنَّ الآيات قد وصفتْ هذا الخروج بأنَّه ظُلم، وقرَّرتْ أنَّ خروج العباد عن أمر الله ليس ظُلمًا لله -تعالى-، بل هو ظُلم لأنفسهم ينالونها به.

فتهاون المُسلم في الصلاة ظلمٌ يُوقعه على نفسه، والتخاذل عن نصرة الحق ظلمٌ، وعدم تأدية العمل المنوط به ظلمٌ. وبالعموم في مجال المُعاملات أخذُ كلّ ما لا حقَّ لك فيه ظلم يُعرِّف الحديث قائلاً:

مَن اقتطع حقَّ امرئ مُسلم بيمينه فقد أوجَبَ الله له النار، وحرَّم عليه الجنَّة. فقال رجل: وإنْ كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: وإنْ كان قضيبًا من أراك.

فمهما صغُر هذا المقدار المأخوذ من الغير -حتى إنْ كان قطعة خشب تُشبه السِّواك- فهو ظلم كما عرَّفنا الحديث.

فليس الأمر بالمِقدار إنَّما هو “بالخروج عن الحق”؛ ولعلَّ النصوص السابقة تُوجِّه نظرنا إلى هذا المِعيار. فالأصل أنْ تؤدِّي لكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه:

  • تؤدِّي لله حقَّه بالإيمان به وحده لا شريك له، وتؤدِّي له حقَّه في العبادات المفروضة عليك وفيما أمرك بالتعامُل به في الدنيا.
  • وتؤدِّي للعباد حقوقهم المفروضة لهم كما أمرك الله ورسم طريقك. فلا تبخس أحدًا حقَّه، والحقُّ هنا لا يعني المال -كما يتبادر الفهم-، بل كلّ حقّ ماديّ أو معنويّ.

ولعلَّك تلحظ أيضًا أنَّ واجبك في حفاظك على هذه الحقوق يتحوَّل إلى حقّ لك هو واجب عند غيرك يُؤدَّى إليك. وهكذا يصنع الإسلام المُجتمع. وهنا نكرِّر التذكير أنَّ الظلم في الإسلام هو رأس كلّ شرّ؛ لأنَّ الشارع اعتبر كلّ مُخالفة ظُلمًا للنفس أو للغير. والإسلام يريد مُسلمًا يفهم ويطبِّق القانون الذهبيّ الذي أدرجه الإمام في الباب: “المُسلم مَن سلِمَ المسلمون من لسانه ويده. والمُهاجر مَنْ هاجَرَ ما نهى الله عنه”.

تحريم الأدلَّة للظُّلم

الظلم

وأدلَّة تحريم الظُّلم بالغة الكثرة. منها في الحديث القدسيّ “يا عبادي إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّمًا فلا تظالموا” أيْ لا تتعاملوا بالظلم ولا تدخلوه بينكم. ولعلَّ سؤالاً يُطرح: كيف يكون الظلم محرَّمًا على الله؟ والجواب أنَّ التقرير في الحديث يثبت ذلك، ومزيد من الاطلاع على آيات القرآن يوضِّح المقصود. تقول الآيات (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) -النساء 40-، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) -الكهف 49-، (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) -الإسراء 71-. فكما ترى المقصود أنَّ جميع حقِّ عملك في الدنيا -صالحه وطالحه- سيكون لديك مُحضَرًا يوم القيامة؛ فاعملْ لذلك يا عبد الله الصالح.

وانظر إلى نصّ الحديث إذ يقول:

اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة.

ثمَّ تأمَّل في نهي الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- “اتَّقوا الظلم”؛ فإنَّه نهي ناصح أمين يعلم كيف هو الظلم، ثمَّ تأمَّل كيف تكون هذه “الظُّلمات”؟ أعاذنا الله منها، ثمَّ ارهَبْ يا عبد الله، فما أتى هذا التشبيه إلا كيْ تُدخل على نفسك الرهبة من الظلم وكيْ تبتعد عنه ابتعادَك عن المرض المُهلك.

وينقل الإمام حديثًا جاء فيه “فإنَّ دماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكم حرام؛ كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا. وستلقَون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم. ألا فلا ترجعوا بعدي كُفَّارًا يضرب بعضُكم رقاب بعض”. وتأمَّل تحريم الدماء بين المُسلمين، ثمَّ انظر إلى وصف الحديث “فلا ترجعوا بعدي كُفَّارًا” مِمَّا يدلُّ على أنَّ سيل هذه الدماء بغير حقّ كُفر وعودة إلى ما قبل الإسلام، إلى جاهليَّة الخَلق والأخلاق.

ويحذِّر حديث آخر أنَّ جميع الحقوق سوف تأتي يوم القيامة لتُؤدَّى. يقول: “لتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة”. فاحذر يومًا ستأتي الحقوق مُعلَّقةً في رقبة المُخالف لأمر ربِّه الظالم لنفسه ولغيره.

الظلم سبب في منع دخول الجنَّة على أفضل الأعمال

الظلم

وفي حديث أدرجه الإمام أتى فيه أنَّ النبيّ يُحدِّث أصحابه عن الجهاد “فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله تُكفِّر عنِّي خطاياي؟ (تُكفِّر عائدة على القِتلة في سبيل الله، فهو لا يخاطب الرسول أنْ يُكفِّر كما قد يتوهَّم الناظر المُتعجِّل). فقال له رسول الله: “نعم إنْ قُتلتَ في سبيل الله وأنت صابر، مُحتسب، مُقبل غير مُدبر”. ثمَّ قال الرسول: كيف قلتَ؟ (يطلب منه إعادة السؤال). قال: أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله أتكفِّر عنِّي خطاياي؟ فقال رسول الله: نعم وأنتَ صابر، مُحتسِب، مُقبل غير مُدبر؛ إلا الدَّيْن فإنَّ جبريل قال لي ذلك”.

فقد استرجع الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- السؤالَ من الرجل ليُعلِمَه ويُعلِمَ أُمَّته أنَّ الظلم في الحقوق مانع من دخول الجنَّة، وأنَّ دخولك الجنَّة موقوف عليها. ونصَّ منها على الديون التي قد يتأخَّر عنها المائت حتى يدركه الموت.

أبسط الظلم سبب في النار وإن كان

فتخيل أنْ تفعل صوابًا، ثمَّ تهوي بك كلمة ظلم أو فعل ظلم في النار -العياذ بالله من النار-. ولا بُدَّ أنْ نتنبَّه وأنْ نحذر من غضب الله قبل النار؛ فإنَّ النار هي عقاب أُخرويّ أمَّا غضب الله فسارٍ في الدينا والآخرة. ولا شكَّ أنَّ الله -تعالى- الذي حرَّم الظُّلم على نفسه سيُجانب فاعل الظلم، ويمنع عنه معيَّته، ويُدنيه من طريق الشرّ الذي اختاره. فاستبرِئْ لنفسك وذمَّتك من هذه الوباءات المُهلكة يا عبد الله الصالح؛ ولا تطمعْ في عَرَض من الدنيا، أنت على يقين تعلم أنَّك تاركه.

وفي هذا السياق يُطالعنا حديث تقشعِّر له الأبدان. فلمَّا كان يوم خَيْبَر؛ أقبل نفرٌ من أصحاب النبيّ. فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مرُّوا على رجل. فقالوا: فلان شهيد. فقال النبيّ: “كلا، إنَّي رأيته في النار، في بُردَة غلَّها -أو عباءة-“. ولعلَّ الحديث يتعاضد مع الحديث السابق الذي كان فيه الدَّين سببًا في الحرمان من الجنَّة، فهذا رجل جاهَدَ في سبيل الله -تعالى- حتى قُتل، ثمَّ يُخبر الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن إدخاله النار- في ظُلمٍ ظلَمَ به غيره.

وكي تتمَّ الاستفادة نعلم من هذا الحديث تكامُليَّة البناء الأخلاقيّ في الإسلام؛ فليس نظر الإسلام مُوجَّهًا نحو فعل مُفرَد إنَّما نحو “حياة قويمة صالحة”، حياة الاستقامة التي دلَّتْ عليها المصادر بمجموعها.

مقدار حساب الظلم في العقوبة

الظلم

ومعروف أنَّ الله يحاسب عباده على أصغر الأفعال (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) -الزلزلة 8،7-. لكنْ ثبت في الحديث نصٌّ مخصوص للظلم: “مَن ظلم قيْدَ شِبرٍ من الأرض طُوِّقَه من سبع أرضين”. ونستفيد من الحديث أنَّ أقلَّ مقدار من الظلم مُعتَبَر في العقوبة -وليس أدلّ على ذلك من الحديث السابق-، وأنَّ أقلَّ الظُّلم مُهلِك هلاكًا مُبينًا كما في الصورة.

دعوة الحديث لسرعة الرجوع عن الظلم

ولهذه الخطورة البالغة للظلم -خاصةً في حقوق الغير- أمر الحديث بسرعة التخلُّص من هذا البلاء. يقول:

مَن كانت عنده مَظلَمَة لأخيه -من عِرضِه أو من شيءٍ- فليتحلَّلْه منه اليومَ قبل أنْ لا يكون دينار ولا درهم.

ونلحظ أنَّ الظلم ليس مالاً فقط، بل من العِرض أيْ من أنْ ينال أحدُهم أخاه غِيبةً بالسوء، وهو ما يُسمَّى “الحقوق الأدبيَّة”. ثمَّ يكمل الحديث ليُبيِّن كيف سيُحاسب المؤمن عن ظلمه يوم القيامة: “إنْ كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مَظلَمَته، وإنْ لمْ يكُنْ له حسناتٌ أُخذ من سيِّئات صاحبه فحُمِلَ عليه”.

لا تكُن مُفلِسًا

سأل الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الحديث الشهير: “أتدرون ما المُفلس؟ (أيْ ما حاله؛ لأنَّ ما لغير العاقل). قالوا: المُفلِس فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال: إنَّ المُفلس من أُمَّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ. ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دَمَ هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإنْ فنِيَتْ حسناتُه قبل أنْ يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهُم فطُرِحتْ عليه، ثمَّ طُرِح في النار”.

وإدراج الإمام لهذا الحديث في الباب زيادة في الإعلام أنَّ كلَّ مُخالفة ظلم، وكذلك بيان لتقديم حقوق العباد في المُحاسبة، وأنَّها مُوقِفة للأعمال الصالحة يوم القيامة، وأنَّها مُدخِلة للنار.

ظلم القائم على السلطان

ولعلَّ البعض يتساءل: مقال طويل يتحدَّث عن الظلم ولا حديث فيه عن الحُكَّام أو المسئولين؟ والإجابة تجدها في النصوص السابقة نفسها. فإذا ما دخل النارَ عبدٌ قُتِلَ في سبيل الله بسبب عباءة؛ فما بالنا بمَن أكل بمال المُسلمين وشبع، وأتخم نفسه بجوع الآخرين، وعاش منتصرًا على جُثث إخوانه، وأخرج أعمالاً من الإفك تلاحق دين الله بالسوء، وتتهم الأبرياء بما لمْ يفعلوا؟!

إنَّ مجموع النصوص السابقة وإنْ صرَّحت إلى قليل الظُّلم بالعذاب فإنَّها تشير إلى كثيره بأعاظم المهالك. ولنُقرِّر ما قرَّره علماء المُسلمين أنَّ مقدار المسئوليَّة يزيد العقوبة. فإنَّ آخذ العباءة ليس مسئولاً إلا عن نفسه، وآخذ أموال الخلائق وقاتلهم مسئول عن نفسه وعن كلّ نفس أخذ حقَّها.

وإنَّني في مقام تذكُّر الظالمين أورد ما أورده الإمام في الباب من حديث جاء فيه:

مَن استعملناه منكم على عمل، فكَتَمَنَا مِخْيطًا فما فوقه كان غُلُولاً يأتي به يوم القيامة.

وفي الحديث نفسه يكمل: “مَن استعملناه على عمل فليَجِئْ بقليلِهِ وكثيرِهِ. فما أُوتي منه أَخَذَ وما نُهي عنه انتهى”.

وينقل لنا حديث آخر خبر رجل استعمله النبيُّ على الصدقة وجَمْعِها -وفي نصوص تُطلق الصدقة والمقصود منها الزكاة-. فلمَّا قدم قال: هذا لكُم، وهذا أُهدِيَ إليَّ. “فقال رسول الله على المِنبَر، فحمد الله وأثنى عليه. ثمَّ قال: أمَّا بعد؛ فإنِّي أستعمل الرجل منكم على العمل مِمَّا ولَّاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هديَّة أُهديَتْ إليَّ .. أفلا جلس في بيت أبيه وأمِّه حتى تأتيه إنْ كان صادقًا. والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقِّه إلا لقِيَ الله -تعالى- يحمله يوم القيام”.

ولنلحظ أنَّ الرجل لمْ يرتَشِ بل أخذ هدية من أحدهم، لكنَّ النبيّ قصد أنَّ سبب هذه الهديَّة هو تولِّي هذا الرجُل مسئوليَّة الزكاة وجمعها. وأنَّ النبيّ لمْ يكتفِ بالتنبيه عليه في السِّرّ، بل قام على المنبر وخطب في العموم ليُنبِّه إلى أنَّها مسئوليَّة عامَّة وليست خاصَّة، طالما تولَّى فيها شخص عملاً للعموم.

وكذا أورد الإمام حديث “إنَّ رجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ فلهُم النار يومَ القيامة”. وفي مجال الدماء نتذكَّر الحديث الوارد الذي جاء فيه “ألا فلا ترجعوا بعدي كُفَّارًا يضرب بعضُكم رقاب بعض”. وإنْ ضاق بنا سلطان الظالم فلنتذكَّر هذا الحديث “إنَّ الله ليُملي للظالم، فإذا أخذه لمْ يفلِتْه”، ثمَّ قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) -هود 102”.

هذا ونورد أنَّ الظالم الفاجر يعرف نفسه جيدًا، ويدرك أنَّه ظالم جبَّار أثيم، ويخاف دعوة المظلوم. وفي الحديث:

واتَّقِ دعوة المَظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب.

فاللهُمَّ أبعدنا عن كلّ ظلم، وفارِقْ بيننا وبين مَن كتبتَه ظالمًا، وأهلِكْ الظالمِيْنَ بظُلمهم وطغيانهم.

444

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.