إن المرابط على تلاوة القرآن والمحافظ على عبادة التدبر في آيات الله، لا ينفك يبصر سنن ربه التي انتظم وفقها هذا العالم، وسارت عليها شؤون الخلق، ولا يزال يتعرف على نواميس الكون وقوانين خالقه -سبحانه- في هذه الدنيا. فيبصر معالم طريق الحق ونهاية الظالمين وسبيل التمكين للمؤمنين. ولذلك تُعد المعرفة بـ السنن الإلهية من أهم المعارف التي على المؤمن الإحاطة بفقهها والاهتمام بدراستها.

ومن حكمة الله -سبحانه- أن جعل هذه السنن جارية، لتكون بمثابة القاعدة التي يستند لها العاملون ويحذر من عواقب إهمالها المبصرون. وكل ذلك يوصل لمعرفة العبد بربه، وتعظيم جلال شأنه -سبحانه-. قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الفتح: 23).

ومن آية لأخرى، ومن سورة لأخرى، توالت وقائع الله، وخلت المثلات! لنجني منها العبر والدروس والخلاصات التي نشاهدها تتكرر في كل حقبة ومع كل أمة. وكما جرت على الماضين ستجري على اللاحقين. كل ذلك يمضي وفق المنهج الذي قرره العليم الخبير. قال -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14).

وما أحوجنا في زمن النوازل والاستضعاف وحملات الحرب على الإسلام ومقوماته وشعائره، وارتفاع حدة الاضطهاد وشدة الحصار لكل ما هو إسلامي، إلى التذكير بسنن الله القدرية؛ قال -تعالى-: (لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النور: 46).

ومن أبصر بنور من الله، هانت عليه مشقة الطريق. والمعرفة بالسنن الإلهية نور يهدي به الله السائر في الظلمات والفتن، فلا يتيه ولا يهلك. قال -تعالى-: (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء: 26).

تعريف السنن الإلهية

“السنن الإلهية” جمع سنة الله -سبحانه وتعالى-. وعرفها الراغب فقال هي: “طريقة حكمته”.[1] أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في تعريف السنة، هي: “الْعَادَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَنْ يَفْعَلَ فِي الثَّانِي مِثْلَ مَا فَعَلَ بِنَظِيرِهِ الْأَوَّلِ”.[2] وقال الشوكاني: “والمراد بالسنن: ما سنّه الله في الأمم من وقائعه”.[3] وقال اللغويون:”وسنة الله وأحكامه وأمره ونهيه، وسن الله سنة أي بين طريقًا قويمًا. إذ سنة الله -تعالى- قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته”.[4]

قال الله تعالى:

(سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) (الإسراء: 77).

وقال سبحانه (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الفتح: 23). يفسر ابن القيم -رحمه الله- هذه الآية فيقول: “فسنته سبحانه عادته المعلومة”.[5] أي أنها عادة لله -جل جلاله- تتكرر مع الخلق ومع الأمم ومع الأزمنة واختلاف الأمكنة. إنه قانون يجري بمشيئة الله.

معرفة “السنن الإلهية” أولوية

إن سنن الله كائنة في الأفراد، وفي الأمم، وفي المسلمين وفي الكافرين. تعمل مجتمعة ولا تتخلف أو تتبدل، ويترتب عليها نتائج ثابتة كالنصر أو الهزيمة، كالسعادة أو الشقاوة، كالعز أو الذل، كالقوة أو الضعف. كالتمكين أو التشريد. كل ذلك ذكره القرآن في قصص من سبق، للاعتبار وأخذ العظة. قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ) (يوسف: 111). وقال -سبحانه-: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: 2).

ذلك أن الاعتبار يسمح بتفادي الأخطاء التي وقع فيها الماضون ويعين على إبصار معالم طريق الحق؛ للنجاة وصناعة النصر والتمكين. فهي طريق واحدة، من اتبعها نال بركات حسن الاتباع ومن أبى فلا يلومن إلا نفسه. فالسنة هي طريقة الله -جل جلاله- في معاملة خلقه، مجتمعات وأفرادـ، لذلك فهي تتعلق بفعال البشر واستجابتهم لأمر الله ودعوة أنبيائه.

إن السنن الإلهية ماضية في الكون وفي الناس وفي الأفراد في صراعات الحق مع الباطل يربطنا القرآن بتاريخها وحاضرها لنصنع المستقبل. قال البشير الإبراهيمي:”إنما نحن في عالَمِ أسبابٍ ومسبَّباتٍ، تصطرِعُ فيه سُنَنٌ ثابتةٌ لا تبديلَ فيها ولا تغييرَ”.[6]

أنواع السنن الإلهية

السنن الإلهية

تنقسم السنن الإلهية لنوعين: سنن خارقة، وسنن جارية أو معتادة.

أما السنن الخارقة فما خرج عن المألوف مثل تحويل النار لبرد وسلام في قصة إبراهيم -عليه السلام-، وتحويل العصا إلى حية تسعى في قصة موسى -عليه السلام-، ومثل حادثة شق القمر في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهي سنن من جنس الكرامات والمعجزات تظهر على غير العادة.

أما السنن الجارية فهي القوانين التي تحكم هذه الدنيا وتتكرر. وتنقسم لثلاثة أقسام:

  1. السنن الكونية: تتعلق بالكون وهي تحدث تلقائيًا وفق سنن التسخير الربانية ودون أن يكون للإنسان شأن فيها. كتعاقب الليل والنهار في قوله -تعالى-: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (سورة آل عمران: 27) وقوله -تعالى-: (وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) (سورة يس 37) وقوله -سبحانه-: (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس:40).

كذلك سنة الشمس والقمر قال -تعالى-: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: 40)

ثم أطوار خلق الإنسان سنة أخرى جارية قال -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون: 12 – 14).

وفي عمق الغفلة وتناسي الجماهير، يضرب الزلزال فجأة فتتصدع له القلوب والأفئدة، وتنادي باسم الله نجاة ومغفرة! نعم إن الإنسان ليطغى ولكن سنن الله في الكون تعيده دائمًا للمربع الأول: هذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة! تتبخر جميع الأحلام والأماني بهزة أرضية واحدة (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ). وسنن الله الكونية عظيمة كثيرة لا تخفى على عالم أو متدبر.

  1. السنن الاجتماعية: هي المتعلقة بتاريخ الأمم وأحوال المجتمعات سواء من جانب رقيها أو انحطاطها، وهي بحسب تعريف المتقدمين: “القوانين المطردة والثابتة التي تشكل إلى حد كبير ميكانيكية الحركة الاجتماعية وتعين على فهمها”[7] ولأهمية هذه السنن في حياة الإنسان يسلط القرآن الضوء عليها للاعتبار والتبصر في أحوال الأمم الغابرة. ولا تتصف فقط بالثبات والاستمرارية، بل أيضًا بالنسبية والتغير؛ لأن الواقع البشري ليس منضبطًا كانضباط الكون المادي. كل هذا الفهم للسنن الاجتماعية يصب في صالح ضبط المجتمع الإسلامي. مثال على ذلك سنة نصرة أولياء الله، قال -تعالى-: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (سورة يونس:62). وسنة عذاب الأعداء واستدراج الظالمين، قال -تعالى-: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، وسنن الله مع الطغاة الكافرين قال -تعالى-: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ *  أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (النحل: 45-47) وقال -سبحانه- (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) (الأعراف: 97-100). وقوله (فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (العنكبوت: 40) 
  2. السنن الفردية: هي المتعلقة بالأفراد. وهي على غرار السنن الاجتماعية. تلخص أحوال الأفراد وعواقبهم بحسب ما يصدر منهم في الحياة. مثل نهاية الطاغية قال -تعالى-: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) (النازعات: 24-26)، وقال -سبحانه-: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص: 40). وقال -تعالى-: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف: 175). والأمثلة في ذلك كثيرة.

والفعل البشري بالنسبة للظواهر الاجتماعية هو الذي تتشكل بموجبه حركة التاريخ زمانًا ومكانًا، كما أن هذه السنن تقدم تأسيسًا وبناء لواقع جديد، وتحصينًا لهذا الواقع إذا هو تأسس، وتحذيرًا للطرف الفاعل في هذا الواقع من مغبة السقوط والانهيار.[8]

الفرق بين السنن الإلهية في الكون والسنن الإلهية في الأفراد والمجتمعات

السنن الإلهية

الفرق بين السنن الكونية وبين السنن الاجتماعية والفردية، يكمن في أن الأولى، تقع بطريقة ثابتة طائعة؛ فسنة كونية كتعاقب الليل والنهار هي مستمرة إلى نهاية الدنيا وما يحدث مع الشمس والقمر، أنهما يجريان بأمر الله، وفي الآية (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: 11). وهي غير متأثرة بفعال البشر على عكس السنن الاجتماعية والفردية التي هي متشابكة ومتعلقة بجملة من الأسباب التي تتحكم في نهاياتها، فعصيان فرعون لله بإرادته استحق جزاء الظالمين.

وكذلك حال الأمم الكافرة التي أبت الاستقامة كما أمر الله سبحانه، فسنة الله فيها العقاب. وسنة النيل من الظالم، قهرية آنية. قال -تعالى-: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) (الطلاق: 9). ولكن إن وجد المصلحون توقفت سنة الإهلاك قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: 117).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: “وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وليست هي السنن المتعلقة بأمور الطبيعة، كسنته في الشمس والقمر، والكواكب، وغير ذلك من العادات”.[9]

ولا يعني هذا أن السنن الكونية لا يحصل فيها الأمر الخارق ولا تشذ عن القاعدة، بل إن شاء الله يقع ذلك على غير العادة، كما حبس الله -سبحانه- الشمس على “يوشع” في فتح بيت المقدس، وكما أحيا الموتى لعيسى، وكما أنبع الماء من الصخرة، ومن أصابع محمد ﷺ.

لقد شرع الله -سبحانه- لعباده تكاليف ربط بها الجزاء، وبحسب الالتزام يكون الاستخلاف، وبحسب المخالفة يكون العذاب. لذلك فإن السنن الاجتماعية والفردية متعلقة بأمر الله -سبحانه- ونهيه، ووعده ووعيده، لينظر كيف يعملون.

ومع أنه يمكننا الجزم بأن الشمس ستشرق، وكذلك الجزم بميعاد إشراقها ومغيبها، فإننا وإن كنا نجزم بيقين بزوال حكم أو سلطان ظالم مجرم إلا أننا لا نستطيع تحديد وقت زواله على وجه الدقة كما نفعل مع مواعيد الشمس.

سمات وخصائص السنن الإلهية

تتصف السنن الإلهية بسمات وخصائص، فـ:

–   السنن الإلهية قدر الله، لا تتبدل ولا تتغير قال الله -تعالى-: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43). إنها قدر الله السابق وأمره النافذ قال -تعالى-: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب: 38).

–   ترتبط السنن الإلهية بأسبابها: أي أنها مرتبطة بعللها، إن وجدت هذه العلل وجدت هذه السنن وإن عدمت هذه العلل عدمت هذه السنن. من ذلك سنة النصر، فنصر الله لأوليائه كائن لا محالة إن هم التزموا بأمر ربهم. هذه سنة إلهية متعلقة بأفعال البشر الاختيارية، إن حققوا شروط النصر نالوا شرف الفوز به، فإن لم يحققوا هذه الشروط حرموا هذا النصر، وللإحسان جزاء الإحسان، وللمعصية عقاب المعصية. قال -تعالى-: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43).

–   تتسم السنن الإلهية بالاطراد، فلا تتخلف، إذا تحققت شروطها، وانتفت موانعها، لابد أن تقع. قال ابن تيمية -رحمه الله-: “والرب -تبارك وتعالى- في الحقيقة لا ينقض عادته التي هي سنته، التي قال فيها: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الفتح: 23) وقال: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: 43). ويضيف: “(والسنن) و(أسنان المشط) ونحو ذلك بلفظ (السنة) يدل على التماثل، فإنه سبحانه إذا لايفوت بين المتماثلين. وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل، وهذا هو القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحتمية في الخلق والأمر، وأنه -سبحانه- يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين، كما دل القرآن على هذا في مواضع كقوله -تعالى-: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)”.[10]

–   تتسم السنن الإلهية بالعموم: بمعنى: أنها تسري على الجميع دون محاباة ولا تمييز، فهي لا تُحابي أحدًا حتى أعلى الناس قدرًا. قال -تعالى-: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) (النساء: 123). وفي تفسير ابن كثير لهذه الآية، قال: “الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئًا حصلت له دعواه، وليس كل من قال: إنه هو المحق، سُمع قوله بمجرد ذلك… فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه، على ألسنة رسله الكرام. ولهذا قال بعده (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) (النساء: 123)، كقوله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) (الزلزلة: 7 – 8)”[11]. وهي لا تفرق بين المسلم والكافر، فحتى الصحابة ذكرهم القرآن حين تنازعوا وفشلوا، ووصفهم بأن منهم من يريد الدنيا لأجل الغنائم، فكانت النتيجة الهزيمة، قال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 165).

محصلة ثبات السنن الإلهية

السنن الإلهية

ومحصلة ثبات السنن اطمئنان النفوس وسكونها وهذا يفيد المؤمنين الطائعين، وفيه العظة للمخالفين العاصين؛ فهم يشاهدون مصير المخالف لأمر الله أنه واقع لا محالة. فقد قدمت السنن المقياس الثابت والمتين، مما يوجب الاعتبار والالتزام. وبذلك تقدم لنا السنن فائدة كبيرة من الناحية النفسية وكذلك الدعوية، فهي بمثابة دليل المؤمن في مسيرة الحياة، تعينه في اتخاذ قراراته وفي تحديد الأسباب التي يحقق بها التوفيق. وفي ذلك أداء حق العبودية لله -سبحانه-؛ إذ هو يعلق كل أمر بمشيئة الله ويرجو رحمته، وفي ذلك عبادة التوكل، فهو يعقل ثم يتوكل على ربه.

ثم إن هذه السنن الاجتماعية والفردية هي في الأصل مرتبطة بالجزاء والعقاب، فكان عقاب قوم نوح وصالح وهود وفرعون، لتكذيبهم المرسلين وطغيانهم في الأرض. وما من فساد يظهر في الأرض إلا خلفه فعال البشر، قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41).

ومثال ذلك الربا، يقول الله -تعالى- لمن يخالفون أمره فيها ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: 279). ثم قرن وقف العقاب بالعودة لأمر الله فقال -سبحانه-: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ). وكذلك الكفار إن تابوا وأصلحوا، قال -تعالى-: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ) (الأنفال: 38).

وسنن الله في الأرض أكبر من كل التنظيرات والتخطيطات قال -تعالى-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21). 

حكم معرفة السنن الإلهية

يعتبر العلم بالسنن الإلهية من فروض الكفايات؛ والأصل بالمؤمن أن يتدبر كتاب الله ويتأمل سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ويبذل الجهد في تعلم دين الله والتفقه فيه قدر الاستطاعة. ومن ذلك يمكنه استشراف المستقبل بالاعتماد على هذه السنن العظيمة. قال -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: 89).

والمعرفة بالسنن الإلهية جزء من العلم بالقرآن والدين. وهي تقرب معاني الشريعة، وتقدم مقياسًا للفرد كما للمجتمع ودليلًا دائمًا. كما أنها تقدم التفسيرات لما نشاهده في حياتنا، وهنا يظهر الفرق بين من يعيش معاني القرآن والسنن الإلهية، وبين من يهجر القرآن وفهم هذه السنن عند النوازل والحروب والظلمات. وشتان بين من يرى بنور الإيمان والقرآن فيبصر سنن الله في المشاهد وبين التائه الضائع الذي يتخبط في حظ تحليلاته.

وفهم السنن يساعدنا في فهم واقعنا ووضع خطط التغيير لحالنا. ويزداد معها الإيمان كلما عاينا حكمة الله -سبحانه- في هذه الدنيا، قال -تعالى-: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49). (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2). وعندما يستشعر المؤمن انتظام هذه الدنيا وفق قانون الله -سبحانه- يزداد عزة وطمأنينة فلا ينهار لأنه يثق بأن وعد الله حق. ومن هنا يظهر فضل اليقين! ويظهر سر من أسرار الإقبال على الآخرة. والمسابقة في الله. وهي في نفس الوقت ذخيرة صبر وثبات.

ومن يتدبر هذه السنن يمتلك دليلًا للأخطاء التي يجب اجتنابها في حياته والأسباب الموجبة لرضوان الله وتوفيقه، ويبصر نهاية المتخلف عن أمر الله، وعدل الله فيه. فسنن الله لا تحابي أحدًا ولا تفرق بين أحد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: “وإنَّما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم، لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها. فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين. ثُمَّ قال (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة، كنحو ما يذكر في الحروب من السيرة المكذوبة “.

وحاجة المسلمين لفهم هذه السنن وفقهها، وحسن التعامل معها عظيمة في زماننا؛ لتحقيق نهضة واعدة وتغيير لازم، وللتخلص من التفكير العبثي والفوضوي والبدعي الذي أورث الناس التواكل والخمول والقعود عن أداء واجبات الدين، ولقطع الطريق أمام هدر الطاقات المسلمة في التفسيرات الكاذبة الخاطئة للظواهر الاجتماعية والخروج من مستنقع الركود والجمود والاحتجاج بالقضاء والقدر لتعطيل قانون السببية تعطيلًا مهلكًا.

ومن يتأمل سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهدي صحابته -رضي الله عنهم- من بعده يبصر ذلك العلم العظيم بسنن الله في الأرض. يظهر ذلك في أقوالهم وأعمالهم وتقريراتهم. فالمسلمون الذين يرجون النصر والتمكين عليهم العمل على جمع أسباب هذا الفضل وهذا الشرف، ثم جمع الأسباب لحفظه!

هل يثاب المتدبر في السنن الإلهية؟

السنن الإلهية

قال الله -تعالى-: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: 69). وقال -سبحانه-: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام: 11). نشاهد الأمر من الله تعالى بالسير والنظر والتدبر والاعتبار ولا شك أن طاعة الله فيها أجر. وهذا باب ثواب يغفل عنه الناس، فيحصرون الثواب في العبادات والحلال والحرام، لكن التدبر والتفكر والسير في سبيل ذلك من أبواب الثواب أيضًا.

قال ابن القيم في “إعلام الموقعين”: “أمر الله -تعالى- فيه بالسير في الأرض سواء كان سيرًا حسيًا على الأقدام، أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما، وهو الصواب”. يقول ابن القيم: “فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك”.[12] 

تداخل السنن الإلهية وترابطها مع بعضها

تتداخل السنة مع بعضها البعض، مثال على ذلك، سنة أخذ الظالم، وسنة إمهال الظالم واستدراجه، هذه سنن مترابطة؛ فما أن يبلغ الطاغية مستوى معينًا من الطغيان والظلم إلا وأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وقصم ظهره عبرة لمن بعده. قال -تعالى-: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) (آل عمران: 178). فكل شيء بقدر معين يختاره الله -سبحانه- لحكمة يعلمها. وبذلك ترتبط سنة الأخذ والعقاب مع سنة الإملاء والاستدراج.

ثم لماذا الإمهال؟ لأن في ذلك سننًا أخرى عظيمة منها: تمحيص للمؤمنين وابتلاء لهم، واصطفاء للشهداء، وتعليم الناس حقارة الدنيا وفنائها، فيخرج حبها من قلوبهم، ويفرون إلى الله بوقع البلاء وتسلط الظالم. ويعجلون التوبة ويستشعرون العبودية لله وحده لا شريك له. ولذلك قد يزداد الإمهال مع ازدياد الإجرام  حتى يأتي وعد الله بالأخذ (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء: 17).

وهي سنة في الأمم الظالمة قال -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (الإسراء: 58).

السنن الإلهية في الأحاديث النبوية

تزخر السنة بالعديد من الأحاديث التي تؤكد على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تعليم المسلمين سنن الله في الأرض، منها ما تناول سنن الله في خلق الكون وتدبير أمره. ومنها التي تناول أحوال الأمم السابقة وسنن الله تعالى فيهم. 

في الحديث، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مثَلِي ومثلُ الأنبياءِ من قبلِي كمثلِ رجلٍ بنَى بنيانًا فأحسنَهُ وأجملَهُ. إلَّا موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ من زواياهُ. فجعلَ النَّاسُ يطوفونَ به ويَعجبونَ له ويقولونَ: هلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنةُ! قال فأنا اللَّبِنَةُ. وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ. وفي روايةٍ: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مثَلي ومثَلُ النَّبيِّينَ. فذكرَ نحوَهُ ” (رواه مسلم)

 وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “أُعطيتُ خمسًا، لم يُعطَهنَّ أحدٌ قَبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شهرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أُمَّتي أدرَكَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ، وأُحِلَّتْ لي المغانمُ ولم تَحِلَّ لأحدٍ قَبلي، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصةً، وبُعِثتُ إلى الناسِ عامةً ” (رواه البخاري).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:”لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم”. قلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمَنْ ” (رواه البخاري).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِيَّاكُمْ والفُحْشَ والتَّفَحُّشَ، فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الفَاحِشَ والمتفحش، وإِيَّاكُمْ والظُّلْمَ؛ فإنَّهُ هو الظُّلُماتُ يومَ القيامةِ، وإِيَّاكُمْ والشُّحَّ، فإنَّهُ دعا من كان قبلَكُمْ فَسَفَكُوا دِماءَهُمْ، ودعا مَنْ كان قبلَكُمْ فَقَطَّعُوا أَرْحامَهُمْ، ودعا مَنْ كان قبلَكُمْ فَاسْتَحَلُّوا حُرُماتِهمْ” (صحيح الترغيب).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّهُ سمع رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: “ما نهيتُكم عنهُ فاجتنبوهُ. وما أمرتكم بهِ فافعلوا منهُ ما استطعتم. فإنما أهلكَ الذين من قبلكم كثرةَ مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم”. وفي روايةٍ: عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: “ذروني ما تركتُكم”. وفي حديثِ همامٍ “ما تركتم. فإنما هلكَ من قبلكم” ثم ذكروا نحوَه (رواه مسلم).

وعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنَّ قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميةِ التي سرقَت. فقالوا: من يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامةُ، حِبُّ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فكلمه أسامةُ. فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “أَتشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللهِ؟”، ثم قام فاختطب فقال:”أيها الناسُ! إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيفُ، أقاموا عليه الحَدَّ. وايمُ اللهِ! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقَتْ لقطعتُ يدَها”. (رواه مسلم). 

نماذج عن السنن الإلهية

مدائن صالح كانت تعرف قديماً بمدينة الحِجْر، ورد ذكر الحجر في القرآن على أنها موطن قوم ثمود، الذين استجابوا لدعوة نبي الله صالح، ثم ارتدُّوا عن دينهم وعقروا الناقة التي أرسلها الله لهم آية فأهلكهم بالصيحة.

العديد من السنن نتعلمها من القرآن الكريم. من ذلك:

سنة الله في إهلاك الكافرين والمنافقين

لله سنن في الكافرين وسنن في المنافقين، يخضع لها الجميع، قال -تعالى-: (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) (الأحزاب: 60). وقال -تعالى-: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران: 12). وقال -تعالى-: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم: 13)، وقال (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام: 11)، وقال: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) (الروم: 42).

وما من ظالم وطاغية وكافر إلا كانت نهايتهم واحدة، قال -تعالى-: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 45) ، فسنن الله فيهم ثابتة ومصيرهم الخزي والعذاب. وهي سنة لا تتخلف في الأفراد كما في المجتمعات.

سنة النصر والتمكين

وفي مثل حال المسلمين اليوم وما يعتريهم من ضعف وتكالب الأمم عليهم، وحرب على الإسلام حتى شعائره، واضطهاد ومطاردة لأمم مسلمة برمتها، فإن المعرفة بسنة النصر وأسبابها تختصر لنا الطريق لرسم الخطط لتحقيقه. وهي سنة تستوجب اليقين والصبر. قال -تعالى-: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (الأنبياء: 37). (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: 47).

ومما لا يجب الغفلة عنه أن وقوع السنن قد يطول مع عمر الأمة الواحدة، لذلك لا يجب أن تفتر الهمم بحجة أن السنة لم تقع بعد، لأن كل مجهود في سبيل تحقيقها، تكاملي تراكمي (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)، وفي الأثناء تبقى العديد من السنن جارية كسنة التمحيص والابتلاء والاصطفاء وهلاك الظالمين والمنافقين. وقد وعد الله عباده المجاهدين المستقيمين على أمره بالنصر فقال (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا  * سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا) (الفتح :22).

وقد تقع سنة الإهلاك بعذاب من الله أو بعذاب على أيدي المؤمنين قال -تعالى-: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) (التوبة: 52). وكفى بها عزا وبشارة قول الله -تعالى-: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات 171 – 173). وقوله -تعالى-: “…. وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

سنة الابتلاء والتمحيص

ويُبتلى الناس على قدر إيمانهم، ليكشف للناس الصادق من الكاذب، قال -تعالى-: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين) (العنكبوت: 1-3). وقال -سبحانه- (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 179).

فسنة الابتلاء والتمحيص ماضية ليميز الله الخبيث من الطيب، قال -تعالى-: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران: 154) وقال -سبحانه-: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال: 37).

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الناسُ على قدْرِ دينِهم، فمن ثَخُنَ دينُه اشْتدَّ بلاؤُه، ومن ضعُف دينُه ضَعُف بلاؤه، وإنَّ الرجلَ لَيُصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ. (صحيح الجامع).

وقال ابن القيم في الفوائد: “سأل رجل الشافعيَّ فقال: يا أبا عبدالله، أيما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى؛ فإنَّ الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلمَّا صبَروا مكَّنهم، فلا يظن أحَد أن يخلص من الألَم ألبتة”.

سنة المداولة

السنن الإلهية

وهي سنة مُداوَلة الأيام، كما قال -تعالى-: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140) فيداول الله الأيام بين الناس، بارّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. وهي سنة يعرفها العرب منذ أيام الجاهلية لذلك قال أبو سفيان يوم أحد عند الجبل: “يوم بيوم، والأيام دول، والحرب سجال”. وحين يأخذ المسلمون بأسباب النصر كان لهم ذلك. إن سنة التداول والتعاقب جارية، فالعسر يعقبه يُسر، والهزيمة يعقبها نصر، والاضطهاد يعقبه تمكين، والظلم يعقبه عدل، كما يريد الله -سبحانه- ويشاء. قال -تعالى-: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران 140 – 141).

سنن الله في الترف والمترفين

قال -تعالى-: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى: 27). ولا يزال التاريخ يعلمنا والدراسات التاريخية تتفق على أن من أسباب زوال الدول وانهيارها انغماسها في الترف والشهوات قال -تعالى-: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16).

سنة سلب النِّعم بالذنوب

قال -تعالى-: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:53 ) أي أنَّ سلب النعم وزواله مقترن بتبدل أحوال الناس للأسوأ، وبسبب الذنوب والمعاصي. قال بعض السلف: “إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي”.

سنة المدافعة

إنها سنة المدافعة في الصراع الدائم بين الحق والباطل، والنزاع المستمر بين الأخيار والأشرار. قال -تعالى-: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:251) وقال -تعالى-: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40). وقال -تعالى-: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17). وقال -جل جلاله-: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60).

سنة الاستدراج والإملاء للظالم والأخذ بغتة

والله يمهل الظالم لميعاد عذابه لكنه لا يهمله، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102).وقال -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ (المائدة: 13) وقوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام:44). عن مجاهد: “أخذناهم بغتة”، قال: فجأة آمنين.

سنة الاختلاف

قال -سبحانه وتعالى-:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118).

قال قتادة: “لجعلهم مسلمين كلهم”، وقوله (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) (هود: 119)، فلا يزال الناس مختلفين في الشرائع والأديان. وهذا لا يعني ترك العمل على جمع الناس حول الإسلام، كتكليف، قال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف: 164).

سنة التغيير

قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11). وهذه الآية هي قاعدة التغيير التي يقوم عليها حركة التغيير للفرد كما للمجتمع. بحسبما تقدم أيديهم، فإن كان خيرًا تغير حالهم للأحسن وإن كان شرًا تغير حالهم للأسوأ. فإن التغيير من الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن القعود إلى العمل، يستوجب تغيير الحال من الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العزة، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الاستضعاف إلى التمكين.

وهكذا يكون الإنسان مركز حركة التغيير في التاريخ لذلك كلّف بالخلافة في الأرض. قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96) وقال -سبحانه-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: 66)، (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) (الجن: 94). فمادة التغيير الأولى هي هذا الإنسان.

سنة الاستخلاف

قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).

وكما أن هناك أسبابًا لتحقيق الاستخلاف هناك أيضًا أسباب لزوال هذا الاستخلاف؛ كترك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال -تعالى-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: 78-79). وظهور الفساد في البلاد مؤذن بزوال الاستخلاف، قال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الأنفال: 53).

والعاقبة للمتقين قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: 55). وقال -تعالى-: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج: 41). فكان للتمكين موجباته من إقامة شريعة الله في الأرض فإن لم تُقم كانت سنة الاستبدال.

ولا بد من التنبيه أن التمكين لا يعني الخيرية بحد ذاته، قال -تعالى-: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء: 20). وهذا يعني أن التمكين في الدنيا ليس في ذاته مقياسًا للخيرية، ولذلك تمكن الكفار إلا أن المؤمنين مطالبون بالتمكين وحفظ أسبابه لمدافعة الكفار. ذلك أن العاقبة لهم بإذن الله قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105).

سنة الحفظ

تكفل الله سبحانه بحفظ القرآن، وفي ذلك دليل على بقاء أمة القرآن. قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، ولذلك في أحاديث آخر الزمان رفع الكتاب يعني تلاشي هذه الأمة، كما في سنن ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليُسرى على كتاب الله -عز وجل- في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثًا.[13]

ويدخل في سنة الحفظ قول الله -تعالى-: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) (الرعد:11). ويذكرنا ذلك بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أبي العباس عبد الله بن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقال: “يا غلام، إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعـوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصحف”؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

سنة التدرج

نشاهد سنة التدرج في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف أبلغ رسالة الله، وفي حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: “….. إنما نَزَلَ أوَّلَ ما نزَلَ منه سورةٌ مِن المُفَصَّلِ، فيها ذكرُ الجنةِ والنارِ، حتى إذا ثابَ الناسُ إلى الإسلامِ نزَلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزَلَ أوَّلَ شيءٍ لا تشربوا الخمرَ لَقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نزَل: لا تَزْنُوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبدًا، لقد نزَلَ بمكةَ على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وإني لجاريةٌ ألعَبُ: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وما نزَلَتْ سورةُ البقرةِ والنساءِ إلا وأنا عندَه ” (رواه البخاري).

سنة حتمية التصادم

لا يمكن التعايش بين الحق والباطل فحتمية المصادمة سنة من سنن الله في الأرض. قال -تعالى-: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: 217). وقال -جل جلاله-: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 20) وقال -سبحانه- (قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة: 100).

وقال -تعالى-: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) (التوبة: 24) وقال -سبحانه- (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍۢ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) (المجادلة: 22). وفي أحاديث آخر الزمان كذلك تأكيد على أن المواجهة والتصادم كائنة لا محالة إلى نهاية الدنيا.

سنة الصبر

قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 42- 43)، وقال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10). وقد بُشّر أولو العزم من الرسل والأنبياء والصالحين ثم الأمثل فالأمثل لصبرهم بعظيم المكانة في الدارين.

قال -تعالى-:

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24).

يقول في ذلك ابن القيم: “يا مخنَّثَ العزم أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقداد بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم تزهو أنت باللهو واللعب؟”.

سنة الأجل

قال -تعالى-: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) (الرعد: 38). كل شيء له أجله ولا يقع إلا بمشيئة الله -سبحانه- قال -تعالى-: ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (الرعد: 39) وقال ابن عمر: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت. ولهذا أوصى الله عباده بالصبر، قال -تعالى-: (خُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) (الأنبياء: 37).

وقال -عز وجل-: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (الأحقاف: 35). وقال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة 214).

سنّة الاصطفاء

قال الله -تعالى-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 139- 140). وقال -تعالى-: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: 34). وقال -سبحانه-: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص 5 – 6).

وهكذا يصطفي الله من عباده من يشاء، بعد الابتلاء والتمحيص، ويرتقي بذلك الأزكى نفسًا، والأصلب عودًا، يصطفيهم لحمل أمانة الدين والاستعمال في الدنيا لإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالته، ثم لينالوا بصدقهم شرف مرتبة الصديقين والشهداء والصالحين.

سنة الموت والهلاك الذي كتبه الله على الخلق

قال -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ( الأنبياء:35)، وهو قدر الله الذي لا مناص منه. وقد أهلك الموت أممًا سابقة ولا يزال تعدد الأسباب والموت واحد، قال -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (النحل: 112 و113)، وقال: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت: 40).

سنة الاستبدال

إن سنة الاستبدال بالمرصاد لكل من نكص على عقبيه وكل ضال ومرتد، قال -تعالى-: (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) (التوبة :39). وقوله -سبحانه- (أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد: 38). وقال -سبحانه- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).

سنة بقاء الخير والحق في الأمة

قال -تعالى-: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ( البقرة : 143). والوسط الخيار والأجود. وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: (كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للناس) قال: “خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السّلاسل في أعناقهم، حتّى يدخلوا في الإسلام”.[14]

وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمرُ الله وهم ظاهرون” (صحيح البخاري). وفي الحديث عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:”لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك”. متفق عليه.

وهذا يدل على استمرار طائفة أهل الحق يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، حتى يأتي أمر الله لا تأخذهم في الله لومة لائم. ومن ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد أمر دينها. (حديث صحيح).

فهذه الأمة كتب لها النصر والتمكين، قال -تعالى-: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء: 141). وفي الحديث عن ثوبان -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها. وأُعطيت الكنزين الأحمر والأسود. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها (أو قال: من بين أقطارها )، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا”. (رواه مسلم). وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-:”بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الآخرة من نصيب” (حديث صحيح الإسناد).

ومن الصعب أن نجمع في هذا المقام جميع السنن الإلهية، فلا يزال هناك العديد من السنن لم نذكرها منها: سنة التكامل وسنة التوازن وسنة التربية وسنة البركة وسنة المعية والتوفيق والصدق، وغيرها من سنن جليلة حري بالمسلم أن يتدبرها من خلال القرآن والسنة وميراث السلف الصالح. 

كيف نستخلص السنن الإلهية؟

نستخلصها من أصول الدين:

من القرآن الكريم حيث يجتمع العلم كله والنور كله. وقد عرض القرآن السنن الإلهية بأعظم أسلوب وأبلغه، لذلك فهو مصدر لا ينضب لاستخلاص السنن والانتفاع بها.

من السنة النبوية المصدر الثاني لاستخلاص السنن، يعلمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك من خلال القصص، وضرب الأمثال، وأحاديث الفتن وأشراط الساعة والنبوءات، وكل ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- من ميراث النبوة.

من هدي الصحابة -رضي الله عنهم- والسلف الصالح: نجد في درر الصحابة الكثير من الحكم التي تشير للسنن الإلهية، فقد كانوا على علم ووعي واسعين بهذه السنن. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- عن  عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما مات: “مات تسعة أعشار العلم، فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟! فقال: لم أرد علم الفتيا والأحكام، إنما أريد العلم بالله تعالى”.

من قراءة التاريخ ودراسته: كما وصل لذلك ابن خلدون؛ حيث خرج بقانون من السنن الإلهية التي تحكم التاريخ وتسمح بفهمه. واتفق الدارسون لهذا التاريخ أنه لا يسير بالصدفة ولا عبثًا؛ إنما تحكمه نواميس. وكل حدث في التاريخ لا يحدث اعتباطًا إنما يرتبط بمسببات وعلل. قال ابن خلدون في مقدمته عن التاريخ: “وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق”.

وفي الختام، معرفة السنن دليل نجاة

إن القرآن العظيم يعيد المسلمين إلى سنن الله في الأرض؛ ليدركوا الأصول التي تجري وفقها الأمور. فهي لا تمضي جزافًا، وبين يديهم نظام ثابت يسمح لهم باستشراف طريق السير باجتهاد ومثابرة لا بتسويف واتكالية نكدة؛ لكونهم مسلمين فقد استحقوا وعد الله الحق. وما فائدة لقب “مسلمين” بدون أداء واجباتهم التي تجلب النصر والتمكين، من طاعة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

قال -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: 16). ولا تزال آيات الله حاضرة لتذكرنا بسنن الله حين الغفلة، قال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53). ولا يليق بالمسلمين أن يتخلفوا عن هذه السنن قال -تعالى-: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

والحمد لله أن سنن الله ماضية، ليحق الحق ويبطل الباطل ويقضي أمرًا كان مفعولًا.

1087

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.