ترتكز الأمم والحضارات في وجودها على دعائمها المكوّنة لشخصيّتها التاريخيّة، هذه الدعائم المأسّسة على مجموعة القيم والمفاهيم التي تتحرّك الحضارات وتتفاعل مع الواقع على ضوئها، وكلّما كانت مجموعة القيم والمفاهيم متأصّلة على ثوابت راسخة من جهة وقادرة على مجاراة التغيّرات الطارئة من جهة ثانية، وكلّما كانت مكتسبة لصفات النشاط والحياة والحركة، كلّما قطعت الأمّة الحاملة لها أشواطًا من المجد في التاريخ، وكلّما كانت المفاهيم مشوّهة ومترهّلة، كلما حملت الأمّة المتمثلة بها إلى الارتكاس في حضيض الحضارات، والتبعيّة بالتالي إلى غيرها من الأمم، وما التبعيّة العسكريّة والاقتصاديّة إلّا نتيجة للتبعيّة في عالم القيم والمفاهيم.

تكتسب كلّ أمّة من مجموع قيمها ومفاهيمها ما يسمى ذاتها الحضاريّة، التي تميّزها عن غيرها، وتتحقّق هذه الذات كلّما تحقّقت هذه المفاهيم، وما التحرّر من الاحتلال إلّا مسافة العمل على استعادة الذات الحضاريّة لكلّ أمّة وتحقيقها في أرض الواقع، والخروج من النموذج المهيمن على مجموع القيم الذاتيّة ثمّ ضخّ الدماء في شرايين قلبها النابض، بالتالي يصبح التحرّك والنشاط وفق هذه القيم من أكثر ما يهدّد أي قوّة غاصبة، ما يفسّر عمل الأمم في تدافعها على تشويه أو إلغاء أو استبدال الذات الحضاريّة المحلّيّة للأمم المغلوبة، بذوات غريبة عن شخصيّتها التاريخيّة، لإبقاء حالة من الاستلاب الحضاري.

ما هي الذات الحضاريّة للأمّة الإسلاميّة؟ وكيف فقدت حيويّتها؟ وكيف يمكن إعادة اكتشاف ذاتنا؟ ما هي العقبات في طريقنا إلى ذلك؟

العودة إلى الذات الحضارية

العودة إلى الذات هي إعادة اكتشاف المنظومة القيميّة الذاتيّة النابعة عن ثقافة وهويّة هذه الشعوب، ومن المعلوم أنّه على طول التاريخ، بقي المحرّك الأساسي لأمّتنا والحافظ لهويتها هو دينها الإسلام، إذ يمثّل الدين الأصل الذي تنبعث منه كلّ القيم والمفاهيم على اختلاف الأزمنة، وحتّى مع انعدام الأسباب المادّية وبقاء المفاهيم الذاتيّة سليمة، حافظت الأمّة على استعلائها وحياتها وحركتها بين الأمم، ثم نحتاج بعد إعادة اكتشافنا لذاتنا الحضاريّة إلى عمليّة بناء أنظمة سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة مختلفة عن ما أنتجته المنظومة القيميّة الغربيّة دون إهمال ما أبدعه الإنسان من علوم تفيدنا في طريقنا هذا.

وإنّ هذه العمليّة تحتاج إلى إرادة الشعوب لتحقيق قفزة حضاريّة كاملة والتعبير عن رفضها للمنظومة القيميّة المهيمنة التي خلّفها الغرب في بلادنا، تعبيرًا كاملًا عن رفضها ورفض كلّ قيمها ومنتجاتها، وبالتالي تجاوز جميع النخب السياسيّة والرموز الممثّلة لها والتي تُكسِبها شرعيّة في أرض الواقع وتقدّمها لشعوبنا على أنّها هي الحل، وقد أثبت الحراك السياسي لهذه النخب خاصّة بعد الربيع العربي أنّ أي منها لا يمكنه الاعتراض على المحدّدات الاستراتيجيّة التي حدّدها الأعداء، وأنّهم عاجزون عجزًا كاملًا عن تقديم حلول للخروج من منظومة الاستعمار والهيمنة.

كيف فقدت الذات الحضارية حيويتها

معالم على طريق العودة إلى الذات الحضارية 1

عبر مراحل تاريخيّة متلاحقة، وقع التفريط في المنظومة القيميّة المحرّكة للذات الحضاريّة الإسلاميّة، من ذلك ما حدث تحت تأثير صدمة الانبهار الحضاري التي عاشها بعض الرموز، فقادوا في ما بعد عمليّة استجلاب القيم الغربيّة مكان الإسلاميّة، ومنها ما كان بفعل رموز دكتاتوريّة تبنّت بدايةً المنظومة الغربيّة كحلّ للخروج من الأزمة التي عاشتها الأمّة، وأرغمت المجتمعات على إعادة التشكّل وفق النسق الغربي، ومنها ما حدث خلال عمل الاستعمار طوال مكوثه في بلادنا على إعادة ترتيب سلّم الأولويّات بالتالي المفاهيم المؤسّسة لكافّة نشاطات الأمّة، وتكوين نخب محليّة متشبّعة بالتغريب ثمّ تمكينها بعد خروج الاحتلال العسكري المباشر، لتُواصِل هي ما بدأه الاستعمار، في حراسة بقاء هيمنة منظومته الغربية على الأمّة، فحدث بين الشعوب والمفاهيم والواقع ما يسمى بـ الفصام النكد، أي وجود شعوب مسلمة غير قادرة على الحياة وفق مجموعة قيم الإسلام في الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ والثقافيّ، لقد بقيت الأمّة لسنين معزولة عن حركتها الذاتيّة بفقدها للقلب الحضاري الدافع والمرتكز التحرّريّ الأساسيّ.

الأطروحات الموجودة في عالمنا الإسلامي

إذا حاولنا تعداد الأطروحات الموجودة في أمّتنا فسنجد أطروحتين أساسيتين، هما الأطروحة القوميّة والأطروحة الإسلاميّة، أمّا الأطروحة القوميّة فقد سقطت وراء الستار منذ الهزائم التي تلقاها عبد الناصر وانهارت كمنظومة قادرة على الحياة، وبقي انهيارها متواصلًا في الخفاء حتّى جاءت الثورات العربية التي كانت في جوهرها خروجًا عن هذه الأطروحة القوميّة وإعلانًا لموتها لا في عالم الأفكار فقط، بل في عالم الواقع، لما تحمله من تناقضات ذاتيّة، وقد أنتجت لنا أعتى سفّاكي الدماء المستعدّين لإبادة هذه الشعوب مقابل بقاء العروش، واستجلاب كلّ الملل المنحرفة وتمكينها على بلاد المسلمين.

أمّا الأطروحة الاسلاميّة فقد أثبتت الأحداث أنّها المحرّك الحقيقي لشعوب الأمّة، ورغم عقود الهدم العلمانيّ والقوميّ والركام الذي ران على قلبها، إلّا أنّها بقيت حيّة دافئة تحت الرماد، فكانت الدافع الأساسيّ للتحرّر، لكنّنا لا نقصد بالأطروحة الإسلاميّة هنا ما يسمى بتيار الإسلام السياسيّ،

فقد أثبت الواقع أنّ هذه النخب لازالت في عالم مفاهيمها، محصورة داخل المنظومة الغربيّة، داخل قوالب الأحزاب والمنافسة الانتخابيّة واعتبار الإسلام مجرّد برنامج سياسيّ لا منهاج للحياة، ولا ترى التحرّك إلّا من داخل المنظومة الغربيّة وحسب قيمها.

بل وقع أسلمة المنظومة الغربيّة للأسف، هذا وإن كانت هذه القيم مصادمة للإسلام من جهة، ومصادمة حتّى لمصلحة الشعوب وحقّها في التحرّر واسترجاع ثرواتها المنهوبة وتحرّرها العسكريّ والسياسيّ وحتّى التعليمي.

فحينما سُئلت هذه الأحزاب عن الشريعة أجابوا بالديمقراطيّة، وحين سئلوا عن الاستقلال أجابوا باحترام المعاهدات الاستعماريّة، وعندما سُئلوا عن الثروات أجابوا بقروض البنوك الدوليّة ومزيد من الارتهان لقوى الهيمنة، وحين سئلوا عن الأمّة، أجابوا بأطروحة القوميّة، بالتالي سقطت أحزاب الإسلام السياسي في عالم المفاهيم والقيم، كمقدمة لسقوطها في أرض الواقع، ولعلّ إعلان سقوطها سيتأخر كما حدث للأطروحة القوميّة.

لذلك يبدو واضحًا أنّ الصراع لا يمكن أن يخاض إلّا بأمّة، وبرسالة تستطيع أن تتجاوز الحدود وتخاطب وجدان الشعوب الإسلاميّة وتتجاوز الخلافات الأيديولوجيّة والقوميّة والعشائريّة، رسالة تنطلق من الذات الحضاريّة للأمّة، وتعمل وفق قيمها ومفاهيمها في أرض الواقع بجهد أممي وخطاب يصل إلى كافّة الشعوب أينما كانوا، والتفكير بمنطق الأمّة خارج خطوط الطول والعرض هو ما تتعطّش له الشعوب، وهو ما يمكنه أن يشحذ الهمم ويوحّد الغايات لعودة الذات الحضاريّة الإسلاميّة إلى الريادة من جديد.

عقبات على طريق العودة إلى الذات الحضارية

قد سبق الإشارة أنّ قوى الهيمنة والاستعمار تعلم جيدًا خطورة عودة الأمّة لذاتها الحضاريّة والتمكّن من الحركة وفق منظومتها القيميّة، لذلك عملوا لا على إلغاء هذه المنظومة من واقع الحياة فقط، بل حتّى إلى نصب العقبات أمام إمكانيّة العودة إليها، سنذكر فيما يلي عدد من هذه العقبات:

منظومة الاستبداد المحلي

معالم على طريق العودة إلى الذات الحضارية 3

يعمل على حراسة فرض القيم الغربيّة في بلادنا منظومة استبداد محلية، والتي تأسّست على أنقاض الاحتلال المباشر، لتواصل هي العمل على ضمان بقاء النموذج الحضاريّ لعدوّنا جاثمًا على صدور هذه الشعوب، وبما أنّ القيم الغربيّة تتحوّل إلى قوانين ودساتير ومؤسّسات وأجهزة، تركّز النظم العربيّة على تسخير كلّ ما تحتها من نفوذ لمنع وصول القيم الذاتيّة إلى تحريك الشعوب، وبما أنّ الإسلام هو جوهر المنظومة المحليّة، تركّز النظم العربيّة على إجهاض حركات التحرّر النابعة من قيم الوحي، وتمتدّ هذه المعركة حتى لتصل إلى صراع الأفكار، بين ما تسخّره الأنظمة من أدوات لتحريف المفاهيم وبين أفكار الحرّيّة.

غياب الروح الحضارية في التعليم الرسمي

لإلغاء المفاهيم الإسلاميّة من واقع المسلمين، كان لابد من إلغائها بدايةً من عالم أفكارهم، لهذا يتولى تشكيل عالم أفكار المسلمين اليوم في التعليم برامج تربويّة تأتي من اليونسكو محدّدة المعالم، أي أنّ أعداءنا هم من يحدّدون المستوى الفكريّ للنشء، تعمل هذه البرامج على تقديم وجبات تعليميّة مغيّبة، وتزاحم اللغة العربيّة لغة أجنبية أخرى، خاصّة في بدايات تشكّل المَلَكات العقليّة، وفي أحيان يقع تقدير هذه اللغات أكثر من لغة الذات الحضاريّة الأصليّة، فيكبر الجيل فاقد للثقة في ذاته منكسر أمام لغات الحضارات الأخرى، لا يملك نظرة خاصّة للكون والحياة، وفاقد للمعيار والمقياس الذي يقيس به ما حوله، فهو إمّا يُلقَّن مشاكل حضارته دون أن يعرف طرق معالجتها، وإمّا أن يُلقَّن طرق المعالجة في الغرب فلا تنطبق على واقعه، وبالتالي ينشأ منقادًا لما يمليه الغير، ما يؤسّس فيه قابلية الاستعمار، كما ترتكز المنظومة التعليميّة في العالم العربي على تكريس العنصريّة القوميّة، عبر إعادة ترتيب سلم الولاء والبراء وصرفه إلى القطريّة والتفرقة.

تشويه الذات الحضارية

فإذا ما همّ جيل من الأجيال إلى خوض غمار رحلة العودة إلى الذات، وجد في طريقه ركام من التشويه التاريخيّ والبحوث الاستشراقيّة التي قدّمت رؤية حضاريّة منطلقة من تفكير غربيّ، ومغالاة في طمس معالم الشخصيّة التاريخيّة وتصويرها تصويرًا منفرًا يكون سبب لصناعة مركّب نقص حول التراث والتاريخ، بالتالي يرفع جدار فاصل بين الذاكرة التاريخيّة وبين الأجيال المتعطّشة للعودة إلى ذاتها ثمّ الانطلاق منها من جديد.

تحصل عملية التشويه هذه إمّا عن طريق اجترار رأي التغريب في تاريخنا، أو عن طريق الإنتاج الإعلاميّ الذي يقدّم رؤية خاصّة عن التاريخ وشخصيّاته، أو بعدم التطرّق إلى موكب البطولات الممتدّ في عمق تاريخنا حتّى لا يثير هذا حماس اللاحق بالاقتداء بأسلافه واقتباس شعلة الحماسة من قصص المجد.

تبرير الركون لحضارة الاستعمار

فإذا ما تحرّر الجيل من ثغرات التعليم الموجَّه وسطوة تشويه الذات، يعترضه نماذج من الذين يرفعون شعار العودة إلى الذات، لكن ينتقون من موروث الأمّة العزيز ما يثبّطون به خطوات العاملين على التحرّر، وذلك بتعبيد الناس للملوك عبر الغلوّ في طاعة عملاء الاستعمار، أو بثّ السلبيّة عبر الخطاب الانهزاميّ والرضوخ للمتغلّب، أو عبر الانقياد السياسيّ للنموذج الغربيّ الاستعماريّ والمصادم لذاتنا الحضاريّة، ما يفقد الجيل حماسة العمل وشعلة الحركة نحو التغييّر والتحرّر خارج المسارات التي حدّدها الأعداء.

الساجدون على أعتاب الحضارة الغالبة

ومن أخطر ما يهدّد عودة الجيل إلى ذاته، تلك النخب العلمانيّة الموزّعة والمتمركزة في منابر التأثير في عالمنا الإسلاميّ، فهم يقومون بتمجيد الحضارة الغالبة على حساب التراث والدين، يقودون هذه الأجيال نحو الهزيمة الحضاريّة في ميادين المنافسة، وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمّة من الأمم، إذ تهدّد حصونها من الداخل، ويقع الدعوة إلى قيم عدوّها من أبناء جلدتها ومن خلال مؤسّساتها الرسميّة، ويستهدف في المقام الأوّل الدين، بوصفه المكوّن الأساسي لشخصيّتنا التاريخيّة، وقد قطع الاستعمار أشواط كبيرة باستخدامه لهذه النخب.

التوصيف الخاطئ للتغيير

كان عمل النبي عليه الصلاة والسلام طيلة الفترة المكّية بين الصحابة على إعادة ترتيب المفاهيم، وتأسيس عالم أفكار مستقل عن عالم أفكار الجاهليّة وعن أولويّاتها وقيمها، عالم أفكار قوامه التوحيد النقيّ والخالص من الخرافات والأوهام، فكان بناء الفرد سليمَ التصوّر الملتحم بالجماعة الحاملة لهذا التصوّر من أوّل ما تأسّست عليه الحركة بهذا الدين، وبعد بنائها بالمفاهيم الصحيحة، استطاع المسلمون في مدّة وجيزة مقارعة أكبر الحضارات المادّية في ذلك الزمن حضارة الروم وفارس، ورغم تفوّق هذه الحضارات على المسلمين بما لا يقارن في عالم الأشياء والمادّة، لكنّهم لم يصمدوا أمام قوّة القيم المحرّكة لأمواج المسلمين. وتهاوت حصونهم بسرعة.

لهذا فإنّ عالم الأشياء وإن كان مهمًّا إلّا أنّه مؤخّرٌ على عالم الأفكار والمفاهيم، فكل تغيير يعتمد على منطق استجلاب التقنيّات الحديثة والصناعات الكبرى، وإن كان هذا مهمًّا للغاية، دون تحديد الثقافة التي سينطلق منها، والمفاهيم العاملة بهذه الاشياء في أرض الواقع، وتحرير الوعي من حالة الارتهان المفاهيميّ، هو تغيير واهن سيزيد في حالة التبعية للحضارات المادّيّة.

إنّ الصراع مهما كان ظاهره ملتبس، إلّا أنّ جوهره هو صراع حضارات، ولا ينبغي أن تغفل الأمّة عن ذاتها الحضاريّة وعن العمل إلى العودة إلى تفعيلها في واقع الحياة، لأنّها بغير ذلك ستبقى أسيرة لمسارات الوهم التي نصبها أعدائها، وبغير ذلك ستبقى تتخبّط من مهيمن حضاري إلى مهيمن آخر، طالما لم تكتسب شخصيّتها التاريخيّة عوامل اليقظة والحركة والحياة، ورحم الله الإمام مالك الذي قال: لن يصلح آخر هذه الأمّة إلّا بما صلح به أوّلها.

242

الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

التعليقات

  • عبدالله منذ شهر واحد

    مقال متميز ويدخل الى عمق المشكلات بعيدا عن الظواهر الاعلامية والكلامية للتغيير…
    بارك الله فيكم ونفع بكم

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.