إنَّ كُلَّ ما تشهدُهُ البشريةُ مِن تَطَوُّرٍ شُذُوذِيٍّ، وحضارةٍ إفساديَّةٍ مُنْحَطَّةٍ؛ لأولُ مُتَّهَمٍ فيه هو مَذهَبُ النسوِية الذي لم يَأتِ مُذ ظهر عشرينياتِ القرنِ البائدِ إلا بِشَرٍ، ولقد كان بمثابة حرب القوى الناعمة التي شنَّتها القوميَّاتُ العولميَّةُ المُشَوَّهَةُ- التي لا تجري سوى خلف النفعيَّة والمادَّةِ واللذة- على شعوبها أُولَى، ثم على أمم العوالم الأدنى هيْمَنَةً؛ لتُتْبِعَهُم سياساتها، وتُعَبِّدَهُم أنظمتها، فتستقطبهم بالأهواء؛ لأنها إذ سيطرت على الأهواء تتملكهم، وتحركهم، وتتسلَّطُ على سلوكهم وتقاريرهم، وإن مُتَّبِعًا هواه لمُلْغًى عقلُهُ، وإن ناهِمًا من صحن اللذةِ، وثامِلًا من كأس الدنيا؛ لواهمٌ ليس بمُفيقٍ ولا ياقظٍ، سَهُلَ تلوينُهُ، وتيَسَّرَت غوايَتُهُ، ومُلِّكَ عقلُهُ لأربابه يُسَخِّرونه أنى شاءوا، وأنى تزَيَّنَ لهم.

ثم من جهة أخرى يكون المُستهدَفُ الرئيسُ الأسرةَ، التي هي مَنْشَأُ الأجيال، ومراتع الرجال، ومصانع الأبطال؛ فتقضي على قوامِهَا[1]، وقوامَتِها[2]، فتَنتُج امرأةٌ أنانيَّةٌ تريد أن تنال ما يناله الرجال، وأن تتسلط على سلطاتهم، وأن تسخط على نظام الطبيعة، ثائرة على أنوثتها باسم المساواة، فتزيد حالات الطلاق في المجتمعات التي لم يزل فيها عُرْفُ الزواجُ، وأخرى دونها قد أفلحت إحلال أنظمة الزواج والأُسَرَ بما أسموه المُعايشَةَ؛ فلا أسرة، ولا عيال، إلا عيالًا مشردين، لا يعرفون نسبًا ولا أبًا، فذاك ابن أُمِّهِ منتسب للقب أبيها، وذاك ابن امرأتين، وذاك ابن ذكرَينِ من التبني، وذاك وليد رَحِمٍ مُستأجَرَةٍ، وآخرُ ابن متبرعٍ من (البنك المَنَوِيِّ) لا يُعرَفُ أصلُهُ ولا موقِعُهُ.

وبين فساد العقول، وتدمير الأصول، إني لأقول: إن كل مبتلًى بنقصانٍ في فحولته، وأُبْنَة في ذكورَتِهِ؛ لَهُوَ ضحيةُ هذا المذهبِ الآثِمِ، الذي لم يَتَنَفَّسْ لِيُظْهِرَ النِسَاءَ على الرِجَالِ، ولا لِيَخْلِقَ لهنَّ قيمةً مُنِعْنَها، ولا ليَبْعَثَ لَهُنَّ حقوقًا سَلَبَهَا مِنْهُنَّ الرجالُ؛ وإنما الهدف من ورائه قَلْبُ مَوَازِينِ البشريةِ، وتَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ الذي أقَرَّهُ في أرضِهِ، وَجَبَلَ عليهِ آدَمَ وَوَلَدَهُ، ويقلبوا على الناسِ استواءهم وفطرتَهم.

قال تعالى ناقِلًا خطاب الشيطان عن وَلَدِ آدم:

(وَقَالَ لَأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيْبًا مَفْرُوْضًا وَلَأُضِلَّنَّهُم وَلأُمَنِّيَنَّهُم– إلى قوله- وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ)[3].

وإذَنْ انتصارُ المرأةِ انتصارُ الشيطانِ؛ لا أنَّ المرأةَ مخلوقٌ أقلُّ مِنَ الرجلِ، ولا لشأنٍ في المرأة نفسها أصلًا، ولكن بِأَنَّ مَنْ استعملها، ودفعها، واستغلها، وسخَّرها في مجتمعات متهاويةٍ واهِيَةٍ تحكمها البهيمية، وأيقظ فيها صفاتٍ لا تتماشى وأنوثَتَها- تلك التي تميزها عن خلق الله طُرًّا- إنما هو فَعَلَهُ لِوَجْهِ إبلِيسَ، وإنْ كان ليتوجه بتوجيهه، ويأتمر بما يأمره، وما هو إخضاع للرجل لصفة عدائية، أو تصفية حساب تغريريَّة؛ بل إيثاقٌ للفطرة، وتأبٍّ على كلمة الله وإرادته العليا، يريد قلب الموازين الخلقيَّة، فيجعل المرأة أعلى، والرجال أدنَيْنَ، ويريدُ أن يبسُطَ هيمَنَتَهُ على تلك المجتمعات بالمرأة.

لأن المرأة في الحقِّيقة قوامُ المجتمع، وأكثرية على رجاله، ولها كلمةٌ عليهم بحق تسلط الأمومة تارة، ودلال الغريزة أخرى، وهي أسرع في الميلان إلى الهوى، وأضعف في الثبوت عنه؛ وهي أيضًا مَنْبَتُ الأجيال، وهي حصادُهُم، فإن فسدَتْ أهواءها بدعاوى التحرر الفاسدة، وحرائرية العُهْرِ الجنسي، والخلاعَةِ الجاهِرَةِ، وانتفاء حقِّ الرجل عليها من حِفظ العِرْضِ وصيانَةِ الشَرَفِ والميثاق الأوثَقِ: الزواجِ، ووَهْبِها حرِّيَةً لتشريدِ أجيالٍ تولَدُ شريدَةً بلا أُسَرٍ، أو في أُسَرٍ شاذَّةٍ تُشَذِّذُ أعْقُلُهُم، وتُمِيتُ الفطرةَ في أنفُسِهِم؛ أو تُوءَدُ وأدَ الجاهِلِيَّةِ عُتُوًّا وبَغْيًا، ثم قَتْلِ الغَيْرَةِ في نفوسِ الرجال باسم حُرِيَّتِها وحقوقِها أيضًا، وتُلَوِّثُ دواخِلَها بمسميَات كمحاربةِ التَمَلُّك الذكوري، والجهل العُذرِي؛ أي الذي يحبِسُ قيمَةَ الفتاةِ في عُذْرَتِها، ويُحَمِّلُ الرَجُلَ إثم عفَّتها لسطحيَّته البحتة.

وأيَّ عقلٍ بقيَ لتُخاطِبَ مجتمعاتٍ تفرض أنموذج الحريَّة فَرْضًا بمنظورٍ أُحاديٍّ تتناقَضُ جريرَةُ فرضِهِ مع مسمَّاه الحُرِّ، فتجدها تُبيحُ الزنا، وتعاقِبُ من ينهى عنه في الطرقات، تبيح الفحش، وتُأرْجِعُ الآبيهِ، وَليسَ الحقُّ له أن يراعي تنشِئةَ ابنته في بيئته بطقوسه التي تمليها عليه معتقداته؟ وليسَ له الحقُّ أن يتأذى؟ فأين حُرِيَّته هو؟

وصاحب العقد الاجتماعي نفسه- جان جاك روسُّو- قرر الحريَّةَ هي المسؤوليَّة، وأنْ تكونَ حرًّا يعني أن تمارسَ حقوقك بما لا يتعدَّى على حريَّات الآخرين، ولا يؤذي عقائدهم ومشاعرهم.. ولكنهم قومٌ يجهلون؛ ومثالًا على ذلك: يجعلون للشاذِّ الحقَّ في شذوذهِ حريةً له، ويهضمون حق طفلٍ يتبناه الشاذُّ والفاحِشُ به في أن ينشأ في أُسرَةٍ قويمة، أو على الأقل أن ينشأ على فطرةٍ سليمةٍ يختار بعدها كيف يكون، فيفرضون عليه واقعًا لم يختره، ويقولون حرية، وهو أعتى ظلمات الانتهاك والتعدي -كما قتلوهم أخرى بالإجهاض العمد- ويفرضون مناهجَ جنسيةٍ ومثليَّة في المدارس فرضًا لِأَدْلَجَةِ الطفلِ، ويقولون تعايُشٌ، في الوقت ذاته الذي يُجَرِّمون أيةَ تعاليمَ دينيةٍ للطفلِ، بحجةِ عدم تدليس أفكاره، وتركِ حرية الاختيار له في كِبَرِه.. مفارقات خطيرة! وازدواجيةٌ فكريةٌ لا ترد إلا من شِرِّيبٍ ساكِر!

وكأينٍ من حادثة قرأت في بريطانيا العُهرِ عن أُسَرٍ محافظة ذات خلفيات دينية مختلفة اعترضت على المنهج الجنسي المثلي الإجباري في المدارس لأولادهم، فكانت عاقبتهم (مَحْضَر عَدَمِ الحقِّ في الاعتراضِ مرةً أخرى على سياسةِ المدرسةِ) بلد الحريات! وحضارة التعددية وتنوع المذهبيات! 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويبقى الأعجبَ أن يجعلوا للآبينَ على الشاذِّينَ عقوبةً تصل إلى السجنِ لأربعِ سنوات -أقرتها إيطاليا حديثًا متأخرَةً عن الغرب الأوربي الذي سبقها قديمًا- وغرامات مالية جسيمة، كلا.. بل الأعجبُ بحقٍّ أن ينتشلوا الشذوذ من جملةِ الأمراض النفسية، ويضعوا رفضَهُ مرضًا بعنوان (رهاب المثلية)… بالمناسبة ربما تحتَّمَ عليَّ أن أستعمل كلمة المثلية دون الشذوذ، تدري لماذا؟ لأن النفس تألفها، فلا تُنَفِرُها من الفعل، والعقل يقبلها، فلا يكافحها الضمير، وهي أقرب من تُهْمَةِ التمييز، وَهِيَ هِيَ الإلباسُ والتدليسُ، وَوَالذي نفسي بيده لذلك قوله (ولَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ)..

ثُمَّتَ لم يزل العَجَبَ العُجَابَ أن يتحاجُّوا في أحقية التزويج المثلي بالكنائس وبمباركة الرب نفسه، لم يكتفِ عدوانهم وعُتُوُّهم وإفسادهم بالمجاهرة وغسل العقول وتبرير الفواحش، والعبث بِسُنَنِ الله في خلقه، بل يريدون التسلُّطَ على دينِهِ وحُكمِهِ الذي ترك للبشر حريته اعتناقه واعتقاده من رفضه.

والسؤال: إن كان العصيانُ مباحًا ويكفله لك القانون، وإن كان الدين لك اختيارًا حرًّا، وقد تحددت منهجيته جلاءً، ووُضِعَت أُسُسُهُ بيدِ خالقٍ شارِعٍ -لا أيدي بَشَرٍ- أي إنها عُلوِيَّةٌ لا وضعِيَّةٌ تقبل الحذف والتعديل، فأنزله الحّقُّ قوامًا للحياة، ووضع فيه معاييرَ يرضاها لأخلاقيات الأنام، وقال: (إما اتباعٌ وإما إعراض)؛ فلِمَ الإصرار والتصميم على تدليس الطَهُور، وتبديل أمر الله، ومحاربة كلمته، وإلباس الفطرة على الجميع، وإحلال المفاهيمِ كلها زورًا وبهتانًا ما أنزل به الله من سلطان، وتبرير المنكر ليكتسي ثياب المعروف، والدعارة لتُسدِلَ على وجهها قِناعَ العفة؟

فالعَجَبُ ليس ممن سَفَّهَ الشيطان عقولهم وتلاعب بها، حتى اعترضوا على الله، واحتجُّوا على حكمه، وطالبوه بتعديل الشريعة؛ بل إني أعجب ممن وافقوهم ممن حَسِبوا أنفسَهم لله شُركاءَ في تشريعِهِ، وخالفوا باسمِهِ تعاليمَه، وغَيَّروا باسم الدينِ دينَه، ثم قالوا هذا من عند الله، ليشتروا به عَرَضَ الحياة، ويَحْفظوا شعبيةَ مناصبهم من الانجراف أمام تيَّارات الإلحاد والعلمانية والنفعية، فأخفَوا آياتٍ وحذَفوها، وتقَوَّلوا أخرى وضعوها، وباركوا المُذنبينَ، بدلًا من دعوتهم إلى الاعتراف، وهدايتهم إلى الإنابة، فأضحَوا هُداتَهم إلى السعير، يُضِلُّونهم ليَرضَوا عنهم، وما هم إلا شياطين الإنس الملاعين ــــ في أمريكا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا وويلز واسكتلندا من مختلف المذاهب: الكاثوليكية والإنجيلية وغيرهما.

صورة لكنيسة تبارك تزويج مثليي الجنس وترفع علم الشذوذ

صورة لكنيسة تبارك تزويج مثليي الجنس وترفع علم الشذوذ

وإن هذه المسألة المطروحة آنفًا لتَطَّرِدُ مع هَرْتَلَةِ حرية الحجاب، وهزليَّة لباس المرأة التي تشغل العالم من أقصى أطراف شرقه إلى أقصى أطراف غربه، كأن هذه (الطرحة) لا تقل خطورةً عن كيم يونج وصواريخه النووية؛ فرغم أن الدُوَلَ تتركُ للمرأة حرية زِيِّها إلا أنهم يعترضون على الحكم الشرعي، والعُرفِ الديني، الذي لم يجبرهم عليه أحدٌ من الأساس، ويكأنهم يدركون كل الدراية أنهم على باطِلٍ، فيريدون إمالةَ الناس جميعًا بالتلفيق على دينهم، الذي له سلطةُ التأثير على الكثيرين منهم، ومخاطبتهم بلسان هذه السلطة السماوية، ليواطؤهم الناس على باطِلهم؛ فلا يكون إذن في أعينِ الحاضرين باطلًا، وهي بالطبع حجر عثرة في وجه خططهم الإفسادية ومعاييرهم للنسوية العُهرية، التي لا ترفع إلا المرأة العارية، ولا تحفظ حقوقًا إلا لامرأةً مُتَرَذِّلَة، تَتَّبِعُ منهجيتهم، وترى رؤاهم، وتنهَجُ خُطاهم؛ وإلا فلا حقَّ لها في الحياة نفسها، باعتبارها كائنًا رجعِيًا متخلفًا -وأحيانًا إرهابيًا- يستحق الذِلَّةَ لارتكابِهِ جريمَةَ العِفَّة تحديدًا أو- عمومًا- جريمةَ الاختلاف.

وعلى أية حال لا بد أن نفرق بين دعوات حقوق المرأة، وتلك الداعية إلى المجتمع النسوي الذي تقوم فيه المرأة مقام الرجل -ويوفِّرُ لها رفاهِيَةَ الدعارة، والشذوذ، وقتل النفسِ، وخيانة الزوج، بل قهره على ذلك- وَلَقَمِينٌ قولي تقوم عليه هو ذاته -لا تقوم مقامه فحسب- فتصبح القوَّامةَ، وذات العِصمَةِ والكرامة -ثم لا تَتْرُكُ إلا جِيلًا من الذكورِ مَهْزُومًا، يَنْشَأُ في دَارِ أمٍّ مُسَيْطرَةٍ، وقَانُونٍ قَاهِرٍ لجِنسهِ، مُنَاصِرٍ للمَرْأةِ على حسابه- فيُمَارِسُ التمييزَ باسمِ مُحاربَةِ التمييزِ بين الجنسين، وتلك آفة المساواة، التي تخلُقُ التمييز الضِدِّي إذ ليست كل مساواة عدلًا، ولا كل عدل مُستدعيًا بالضرورةِ مساواةً- وينشأ عند أبٍ خائرٍ ضعيفِ الهَالةِ، انتُزِعَت منه قوامَتُهُ التي يَسَّرَهُ الخالقُ لها، ورضِيَ له بِهَا القَدَرُ، فتنحَصِرُ فحولَتُهُ في الجرائمِ الإرهابية التي تدلل على قوته، والشهوةِ التي تدلل على ذكورته، ألم تر كيف حَوَّلوا البشر -بتوجهٍ أبدَوهُ بسيطًا- إلى آلاتٍ مُصْمَتَةٍ؟ وغرائزَ مُجَسَّمَةٍ؟ تتلخَّصُ مياسِمُها في الجَسَدِ، والمادَّةِ، والمظاهرِ، وما يُحَقِّقُ اللذَّةَ.

وَدَعْنِي ثَمَّ أتساءلْ أيَّةَ حقوقٍ للمرأةِ في أنْ تَتَعَرَّى عَلَى مَرْأَى مِنَ العَالمين؟ وأيَّةَ حريةٍ لها في إتْيَانِ الفَاحِشَةِ؟ مثلَ اللَّبُؤِ اللواتي لا يستنكِفْنَ عن الأَسَدِ وأخيهِ وعَمِّهِ وابنه وصديقه طرًّا جميعًا، وكُلِّ أقوى مُنتَصِرٍ، أو بلسان بني آدم (كُلِّ أَفْحَلَ مُشْتَهَى)، ثم ما علاقةُ الحريات بقتل النفس؟ وأين حريةُ تلك النفس في الحياة؟ فقتلوها بالإجهاض تارةً، وتارة من طريقِ ذريَّةٍ مجهولةِ الأبِّ والنَسَبِ، جُعلت نِتَاجَ نَزْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَزِنًا مُوبِقٍ؟ فأين حريَّتُها الذُريَّةُ في أن تعرِفَ والِدَها؟ أو والِدَتها؟ وأين الحقوقُ من تَسَلُّطِها على الرجالِ، وخروجِها عن العُرْفِ الفِطريِّ، وعلى القالب الطبيعي الذي حددته لها الطبيعة؟ وأينَ حقوقُ الأبناءِ في أنْ تُنَشَّأ في بيئةٍ مُستقيمة؟ ثم أين الإقساطُ ودحض التمييز الجنسي مِنْ إنصافِ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ إيَّاها تَمْيِيزًا لِصَالِحِهَا دُونَ اعتبارِ المَحْقُوقِ وَالمُسْتَحِقِّ؟ ألا إن كان (خابَ قَومٌ وَلَّوا أمرَهم امرَأة) فمن بابٍ أولى خاب قوم حَطَّت عالِيهِم أسافلُ امرأة.

وَمِنْ ثَمَّ- قَوْمُ- تَنْتُجُ أجيالٌ ضعيفةُ الهُوِيَّة الذكوريَّةِ إزاء المرأةِ التي سَلَّطَتها الحداثةُ؛ ذاك الكيان الظاهِرُ المنتصرُ، الذي صوَّرَهُ الإعلامُ إلهًا، وأسَّست حريتهم الأحزاب التي تدعو لحقِّهِ في صفةِ الألوهية؛ أي يتصف الإله باللفظةِ المؤنثَّةِ، مثل (اللاتِ) عند العرب.. ألم أقل هي جاهليَّة؟ ولِتعلموا أن الله قد أعزَّنا عليهم، وطوَّرَنا فوقَهم، وأسمانا بالحضارة الحَقَّةِ في عقولنا إن اتبعنا دينه إيمانًا، ثم في مجتمعاتنا إن أنفذنا شريعته في واقعنا، وأنهم قومٌ متخلِّفَةٌ عقولهم، وإن تقدَّمت شِعابُهُم وبلدانهم؛ فالهَرِمُ يضعُفُ، ويَجْهَلُ، ويَهِينُ؛ من بعد قوةٍ، وعلمٍ، وعِزةٍ؛ وكذلك الحضارات كلما هَرِمَت تَهَاوَت، وعادت بعد أوج عُلُوِّها إلى السفاهةِ والحُمْقِ المُدَلِّلَيْنِ على قُرْبِ أُفُولِها.

أقول: بل ادعائِهِ إلهًا -بالفعل- في آخر تطورٍ لذلك، تحت شعار (المرأةَ إلهًا Woman is God) من بعد الأول (الربُّ امرأةٌ God is a woman)، فرسموه بطلًا هزمَ كلَّ الصعائبِ وغَادَرَ العَقَبَاتِ جَمِيعها إلى ما يُصِيبُ هَوَاهُ.

ثم أيُّ انبهارٍ بعد بذاك الجنسِ المهزومِ؟ الذي يُظهِرُهُ الإعلامُ وتُصَوِّرُهُ السينما رَجُلًا يَحْذَرُ غضبَ امرأَتِه، أو يَتَوَدَّدُ إلى حبيبَتِهِ ويُذِلُّ لها عُنُقَه، أو تَعسِفُ به مُديرَتُهُ فيَدِينُ لها، وسط صُوَرٍ تجعل من أولاء العواهر أربابًا، وتشبههنَّ بالـ (سوبر هيرو) ومنهم من تضربه الزوجة، ومنهم من تطرده من داره.

وناهيك عن الموادِّ الغربية، لديك السينما المصرية، وحاليًا الدراما السعودية، التي ترسم لمجتمع النسوية في ردائه الجديد، ثم لا أراك مستهينًا باللقطاتِ الكوميدية الساخرة؛ فإن كلَّ فكرةٍ تَرُوْجُ يُمَهَّدُ لها أُولَى في مشاهد التهكم وأدوارٍ ثانوية، ثم تتخلل أدوارًا محورية لا تقوم إلا عليها الروايةُ، ثم بطولة تعاطفية تنسخ العقول، وتُحْلِلُ محلَّها الفجورَ.

ذلك، وتنشأ أجيالٌ منبهرةٌ بدور المرأةِ، ربَّةِ المجتمع الجديد، وآبيةٌ دورَ الرجلِ: من جهةٍ أنَّهُ مهزومٌ، أو من جهةٍ أنَّه كان الشريرَ الذي تَغَلَّبَتْ عليهِ المرأةُ المَلائكِيَّةُ الطاهرَةُ البريئةُ؛ فيحبُّ أن يُمَثِّلَ دورها تارةً فيما يُسْمونه التناغُمُ الجِنْدَرِي (أي شعورُ الشخصِ عن هُوِيَّتِه الجنسية -بغض الطرفِ عن صفاته الجسدية- ودوره الذي يريد أن يمارسه ويحاكيه في المجتمع) ولأن كلَّ ما يُخَزَّنَ في لاوَعْيِ المَرْءِ يَخْتَزِلُهُ العقلُ في الجِنْسِ ويُسْقِطُهُ على ممارستهِ ـــ تظهر حالات المُتَنَسْوِنينَ أو ما يصطلحون عليه بالـ (Lady Boy) ثم تارةً أخرى يظلُّ ذَكَرًا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ تابِعٌ، كالنماذجِ التي تَعَرَّضْنَا لها، ثم تارةً ثالثةً يكونُ رجلًا متخاذلًا إمَّعةً، يُرْهِبُهُ كيان الأُنثى ويرتعب من علاقته بالمرأةِ فيما اعْتَرَفَ عليهِ علمُ النفسِ بفوبيا العلاقات، أو فوبيا المرأة تحديدًا.

ولذاك لا أعجَبُ إذ قرأت مقالة إيطالية لكاتبها (Walter Siti) يَسُوقُ فيها رسالةً راسِخَةَ الجَلاءِ- أَرْفَقَ بها هذه الصورةَ-  تقول:

«لم تزل نَسَوِيَّةُ المرأةِ تُخِيفُنِي -يريد صِفَتَها النسائية المؤنثة- حتى لئن كان لا يُغَشَّى لِباسَها نساءٌ -يريد المُتَأَنِّثِينَ من الذُكْرَانِ- لذا تروعني الانسيابية الجنسانية؛ إذ تشعرني أنوثةً منتشرةً ومُهَيْمِنَةً -أو مُنْتَصِرَةً- تمامًا مِثْلَمَا يحدُثُ للسَحَّاقَاتِ العَكْسُ مِنْ ذلك؛ إذ يَجِدْنَ هَيْمَنَةَ الذكورِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لا يَرْغَبْنَ هُنَّ فِي ذَلك

وقد أطلعني صديق يشتغل بالطب النفسي أن أغلب حالات اضرابات الميول الجنسية التي يتعاطى معها هي حالاتٌ لذكورٍ إما تشَوَّهَت لديهم صورةُ الأب -وبالتالي الرجل- في علاقته بالزوج والبنين، وإما عانَوا غيابه تزامُنًا مع وجودِ أمٍّ مُتَسَلِّطةٍ، وإما كان موجودًا غائبًا؛ لضعفه، وهيمنتها.

والحاصلُ أنهم يهربون من قهرِ العلاقةِ مع المرأةِ من جهةٍ -أو بلفظ أوضح (ضعف الرجل)- ويتشبهون بها تعاطفًا أو انبهارًا بانتصارِها المُحْرَزِ وتسلُطِّها في بيئاتِهم الاجتماعيَّةِ من جهةٍ أخرى؛ وذلك يُحدِثُ لهم نوعًا من المازوخية، فيتقبلون دورَ الأدنى، ويستقبلون الإذعان والتعنيفَ والمهانةَ مُرَحِّبينَ؛ لأنها تشفي في نفوسِهم جراحًا، أو تملأ فراغًا.

وأولاكم منهم ممن يَحُضُرُ فيهم الأبُ بصورةٍ وحشيَّةٍ متسلطةٍ عليهم فهم أميلُ إلى السادية؛ ودافعهم في ذلك كره الرجل أيضًا، وعقابُ جنسه بالانتقام، تعويضًا على أغيارِهِمُ الأقرانِ، الذينَ يَلْتَذُّونَ بانكِسَارِهِم لدَيْهِم، وتجبُّرهم عليهم.  

لقد سلب ذاك الاتجاه من المرأة كاملَ أنوثَتِها، فأصبحت مَسْخًا -كمُسُوخِ المِثْليَةِ المُدَّعَاةِ- يتركها لِسَرَابِيلِ الرِجَالِ وسراويلهم، وَلُفَافَاتِ تَبْغِهِم، وبَرَاجِيْلِهِم، وَسِبَابَاتِهِم وعِرَاكَاتِهم وَسْطَ الطُرُقَاتِ والشَوَارِعِ من غير حياء، وامْتِطَاءِ الدَرَّاجَاتِ النارِيةِ، وارتِيَادِ المَحَافِلِ الليليَّةِ، وطَلَبِ الرجالِ، حتى مُغَازَلَتِهم، ومُرَاوَدَتِهم، وعَرْضِ أنفُسِهِنَّ؛ وإن انسلاخَ الحياءِ ليس أنوثةً، ولو تَدَلَّت الأثداءُ، وبرزتِ الأعجازُ، وتعرَّتِ الأجساد، فإن اللؤلؤةَ تستُرُها صَدَفَةٌ فلا يقرَبُها إلا حقيقٌ بنَيْلِها، وإن القمامةَ تبقى مكشوفة لكل دعسوقةٍ وذبابةٍ أرادت إليها؛ ألا وإن موت الفطرة ليس بِحُرِّيةٍ ولو اجتمعت على ابن آدمَ ألوانُ اللذَّاتِ بلا رِقابَةٍ ولا زَجْرٍ.

وإني لأقولُ لمجتمعاتنا: مَكَانَكُم! وايمُ اللهِ لَأقْضِيَنَّ قبلَ أن ترضى مجتمعاتنا ذلكَ، ولَأُقتَلَنَّ أو تُخْرَسَ هذه الألسِنَةُ، فإن أولاكم لا يدعون داعيًا إلا معروفٍ إلا لَيُنكرونَ هم عليه إنكارَهُ مُنكَرَهُم، وما أشبَهَ الليلة بالبارحة في قولهم

(أَخْرِجُوْا آلَ لُوْطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)

فإن قلتُ فلا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار! إنهم قوم ذهبت عقولُهُم، وتلاعَبَت بهم الشياطينُ تَتَغَادَاهُم، فاسْتَزَلَّتْهُم بِذُنُوبِهِم واسْتَخْفَفَتْهُم، ولقد حَقَّ عليهم قولُهُ: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلَّا قَلِيْلًا)[4].. أما والله لقد احْتَنَكَهُم وأَتْبَعَهُم، وإنه لَيُوحِي إلى أوليائه، ويجمعُ حِزْبَهُ ليكونوا من أصحابِ السَعِيرِ؛ يَعْقِلُ رِقابَهُم ويسحبُهُم منها وَرَاءَه، فإلى النار مصيرهم ومثواهم.

ألا والله لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.. وأنَّ أولئك ليدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة، وأنَّه ما من دعوةٍ أحَقُّ مِنَ الإسلامِ تدعو إلى حقوقِ المرأةِ، ولسنا نُنَاهِضُها، ولكنَّ ما يُرَوِّجُونَ إليهِ سُمٌّ في عَسَلٍ، إنهم قومٌ يُجيدونَ تلاعُبَ الألفاظِ وإلبَاسَ الحَقِّ بالباطلِ، يُغَيِّرُونَ العنوانَ لتتغيرِ الدَالَّةِ، وإنَّ الفَحوَى وَاحدِة، والمُرادُ أحَدٌ، فالتعري تحَضُّرٌ، والأرْدِيَةُ تَخَلُّفٌ عندهم، والإلحادُ تنويرٌ، والدينُ جهالةٌ ولو اتَّفقَ والعلمَ الذي جعله الله على شرائعِهِ آيةً؛ والحقُّ أن العُرْيَ هو الرجْعِيَّةُ الحَقَّةُ، أمَا ترى أنَّ البَشَرَ لم يَكُنْ لَهُمْ لِبَاسٌ إلَّا الشَجَرَ فَكَانَت الحضاراتُ كُلَّمَا تَقَدَّمَت وَقَامَت تشْتَدُّ شَوْكَتُها صَنَعَت اللِبَاسَ السَاتِرَ؟

حتى جاء أُلَالِكَ فأعادوا البشريةَ -باسمِ الحضارةِ- إلى العُرْيِ والخَلاعَة، ولَذاك أمرُ الشيطانِ وَدَعْوَتُه، واسمعْ قولَهُ: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا)، وإنهم ليَدَّعونَ الزِنَا والعَنَتَ حُرِيَّةً، وهو حيوانيَّةٌ غَرَائِزِيَّةٌ، لَاغِيَةٌ للعقلِ، سالبةٌ للإنسانيةِ التي تجعلُ قيمةً للآدَمِيِّ على سِوَاهُ، وَتُحَقِّقُ له عِمَارَةَ الكَونِ وَخِلافَةَ الأرضِ.

إن العودةَ إلى قواعدِ الشرعِ، وتَحقيقَ أوَامِرِهِ، والانتهاءَ بزواجِرِهِ، وإنفاذَ تشريعاتِهِ؛ لَهُوَ الفلاحُ الفَلَاحُ، والربَاحُ الصُرَاحُ، وإن دَعْوَاهُم لزُورٌ وَبُطْلانٌ، وإنْ تهدِفْ فَلِنَشْرِ الإباحِيَّةِ وَالفُحْشِ، وإنها واللهِ لأبْعَدُ ما يكونُ عن حقوقِ المرأةِ، أما ترى أنهم يَتَّجِرونَ فيها؟ ويجعلونها سِلْعَةً تُبَاعُ وتُشتَرى؟ ويصنعونَ بها دَعَايَاهُم، ويستعملونها أدَاةً إلى مادِّيَّةِ نواياهم، ويُرَوِّجُونَ بَهِا لِأَنْظِمَتِهِم الفاسدةِ؛ فيستقطبوا الجموعَ، وإنْ هم اخْتَلَبوا امرأةً فقد مَلَكوا من ورائها عشرةَ نَفَرٍ رِجالًا، ويُسَخِّرونها هَدَفًا لتِجَارَاتِهِم الكاسِدَةِ: عارِيَةً على زُجَاجَةِ خَمْرٍ، وأخرى على (بوستر) دعائي لفيلمٍ سينمائيٍّ يُحَقِّقُ مِئينَ الملياراتِ من الأرباحِ، وقُبُلَاتٍ وإيحاءاتٍ وشهواتٍ يُتَاجِرُونَ بها على الناسِ؛ لِيُضِلُّوهُم عن سبيل الله، ولِيَسرِقُوا أموالهم في بَاطِلٍ وَمُحَرَّمٍ، يحكمونهم بالغِواية، ويُدينونهم بالهوى، ويُتْبِعونَهم بالشهواتِ والغَرَائِزِ البَهِيْمِيةِ، التي أَلْغَت عنهم الكَرَامَةَ الآدمية، وأذهَبَت عنهم فَضِيلَةَ العَقْلِ، وأرْجَسَت الفِطْرَةِ، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)، وما يَتَذَكَّرُ إلا أولوا الألبَاب، وإلى اللهِ المَآب.

كُتِبَ هذا المقال في الأصل تعليقًا على هذه القصيدة بعنوان النسوية:

نسوية سلبت خلافة ماجدٍ   حتى غدا الأنجالُ في تخنيثِ
مستعبَدًا يرضى اتقاءَ عذابِها   غضبى.. فمثنى غيرَ ذي تثليثِ[5]
وتألَّهت كيما تبدَّلُ ما قضى   في الخلقِ بالتضليلِ والتحديثِ[6]
وتزعَّمَت كلَّ الأمورِ بعُريها   لمَّا ألانَ اللَّبْؤُ هامَ ليوثِ
فتبدَّلوا بالفضلِ كلَّ رذيلةٍ   وتَبَرَّأوا من ذمةِ الموروثِ[7]
حتى كأن «اللهَ» لفظٌ زائفٌ   وكأن أحمدَ ليس بالمبعوثِ
بل زانَ باسمِ الله قُبحُ رذالةٍ   واستحلَلَ الرُهبانُ كلَّ خبيثِ[8]
بينَ التهَتُّكِ والتَرَجُّلِ نِسوَةٌ   بينَ المُتَبَّعِ أفْحُلٌ وأنيثِ[9]
هي تعتلي وأُخَيُّ جنسكَ يُعتَلى   واهًا لقلبٍ بالهوانِ حَثِيثِ
يا راكبًا أعْجَازَهُنَّ كفى كفى   سَلِّمْ لعصرِكَ وانبطحْ لوَرِيثِ
كلُّ المفاسد زُيِّنَت وتَعَنْوَنَتْ   بحروفِ زورٍ لم تَحِقْ بمَكِيثِ[10]
والناسُ بين مُصَفِّقٍ ومُكَاتِمٍ   والدينُ في سُوقِ الورى كَبَغِيثِ[11]
نَشَرَ المُغِيرَةُ- إنْ دعوتَ- مُفَنِّدًا   ويُبكِّتُ السَمْعَانُ طَيفَ حديثِ[12]
عِفُّوا عن الأخلاقِ إنَّ دُعَاتَها الـ   أرداْ ووارِثَها أشحُّ وَرِيثِ[13]
فالحقَّ تَجْنُبُهُ المَدَائنُ كُلُّها   والشرُّ فيها مثلُ صَيْبِ غَؤوثِ[14]
كبشٌ حليقُ العِهْنِ فيهِ عُجُوفَةٌ   والفُحشٌ مِدْرَارٌ كضَرْعِ رغوثِ[15]
من يبتغي قَيْدَ الديانةِ كافرٌ   بالعصرِ ذو حِجْرٍ- فُدِيتَ- رثِيثِ[16]
أعْلَى الأنامِ فُوَيْجِرٌ وَفُوَيْسِقٌ   أدْنَاهُمُ أتْقَى بِقَدْرِ دَمِيْثِ[17]
عَجَبِي مِنَ الكفارِ فيهِ غرابَةٌ   أما العجابُ فمؤمنٍ دَيُّوثِ
أيُّ البلايا واقع بعد الذي   شهد الفؤادُ بكاثرٍ وأثيثِ
أوَكلما قَدُمَ الزمانُ تجَهَّلوا؟   لم يقضِ عُبَّدُ هَابلٍ ويَغُوثِ[18]
هل ينظرون سوى غَمامٍ ممطرٍ   نيرانَ تعذيبٍ فغيرُ مُغِيثِ
والهالكونَ- وليس يَهْلِكُ هُلْكَهم-   عَمَرُوا فلم يُنْجِ الفَنَا بِمُكُوثِ
ولقد أثاروا ما أثاروا والزما   نُ شواهِدٌ أحقابُهُ بحُدُوثِ
أو يومَ يقدُمُ والملائكُ ربُّهم   وتسعَّرتْ سَقَرٌ لكُلِّ غَثِيثِ[19]
يومٌ تقومُ الناسُ فيه سريعةً   مثلَ الفَراشِ- لحَشْرِها- المبثوثِ
هو ذاك دهرٌ يُرتمى فوق الكُرَى   فَيُقَالُ: وَيْحَكَ وَادِعِي بِلُبُوثِ[20]

615

المصادر
الكاتب

أحمد محمود القاضي

أحمد بن محمود القاضي المصريُّ الهاشميُّ القُرَشيُّ: كاتب وشاعر ومترجم، حائزٌ إجازة الألسن- جامعة عَين شمس- أكتب في مجالات الأدب، والفكر، والفلسفة، والنقد الاجتماعي، وتستهويني الكتابات السردية الذاتية الصادقة. أرسم بالكلمات شِعرًا صادق التجرِبة، أعشق اللغة العربية الثقيلة الراقية، وأذهب في ذلك مذهب المحافظين، لي أربعة كتب وديوانان.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.