بعد وفاة النبي ﷺ مباشرة، كان هناك اختلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فتجاوزوه بقوَّة إيمانهم وصدق نيّتهم وعزيمتهم. ومن هذه الاختلافات الصدمة التي أصابتهم بسبب وفاة رسول ﷲ ﷺ، إلى أن جمعهم ﷲ -سبحانه وتعالى- على أبي بكر الصدّيق -رضي الله عنه-، ومنها اختلافهم على موضع دفنه ﷺ، ومنها اختلافهم في تسيير جيش أسامة -رضي الله عنه-، ومنها اختلافهم في قتال مانعي الزكاة، ومنها الاختلاف في الإمامة من بعد وفاة النبي ﷺ لمن تكون؟ لقريش أم للأنصار؟ واجتماعهم في سقيفة بني ساعدة، ورجوعهم أخيرًا إلى مبايعة أبي بكر الصدّيق -رضي الله عنه-؛ حينما تبيّن لهم أنّه الحق والأولى بالاتباع.

والصحابة -وإن اختلفوا في بعض المسائل التي لو كانت عند غيرهم لأريقت في بعضها الدماء-؛ إلاّ أنّهم ما كانوا يريدون الخلاف لذاته، أو لهوى كما حصل فيما بعد عند غيرهم. فكان أغلب خلافهم حول فهم نصّ من كتاب ﷲ أو سنّة نبيه ﷺ، وهي أمور أكثرها اجتهادية، شبيهة بما كان يحصل أحيانًا في حياة رسول ﷲ ﷺ، كما حصل في أمر صلاة العصر حينما توجّهوا إلى بني قريظة([1]).

استمرّت خلافة أبي بكر الصدّيق -رضي الله عنه- سنتين وثلاثة أشهر، ثم توفّي، وترك الخلافة لعمر -رضي الله عنه-، فكانت مدّة خلافته عشر سنين، تمّ فيها فتح بلاد الشام وحمص وقنسرين وأجنادين، وبيت المقدس وتمّ فتح مصر، وإلى الشرق بلاد فارس في معركة القادسيّة العظيمة بقيادة سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه-، ثمّ فتحت خراسان، وكانت فتوحات كثيرة في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. روى البخاري من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أنّه قال: «بينما نحن جلوس عند عمر رضي الله عنه؛ قال عمر: أيّكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفّرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال عمر: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر؟ قال حذيفة: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إنّ بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال حذيفة: بل يكسر. قال عمر: إذا لا يغلق أبدًا. قال حذيفة: أجل. قالوا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، وذلك أنّي حدّثته حديثًا ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقًا فسأله فقال: من الباب؟ قال عمر.

كان هذا هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكسر الباب لما قتله أبو لؤلؤة المجوسي قبحه ﷲ -تبارك وتعالى-، حيث طعنه وهو يصلّي الفجر في النّاس طعنتين بخنجر مسموم. ولما طعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جعل الخلافة في ستة نفر. وهم: عثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد ﷲ، والزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنهم-. وقد روى البخاري قصّة الشورى في صحيحه([2]).

ويعتبر عهد الخليفة عثمان بن عفّان -رضي الله عنه-، العصر الذهبي للخلافة الراشدة؛ على الرغم من تشويهه من قبل المفترين والمضلّلين والجهلة. ففي زمنه امتدّت رقعة الإسلام امتدادًا عظيمًا. فكان عهد عثمان بن عفان مليئًا بالفتوحات، واستمرَّت عشرة أعوام، وكانت من أعظم السنوات التي تمّ خلالها نشر بساط الدولة الإسلامية، ففيها غزا معاوية -رضي الله عنه- قبرص، وكان عمر بن الخطاب قد منع الغزو عن طريق البحر، وأذن عثمان به. وفتحت أذربيجان، وأرمينيا، وكابل، وسجستان، وغيرها الكثير من البلدان. وفي خلافته كانت الغزوة العظيمة المسمّاة بذات الصواري، وأكبر توسع للإسلام والمسلمين في عهد الخلافة الراشدة.

كان أعداء الإسلام الموتورون من اليهود والنصارى والمجوس يتآمرون على الإسلام والمسلمين، وينشرون الإشاعات الكاذبة ضدّ الخليفة والولاة، ويستثمرون الأخطاء التي تصدر عن بعضهم، في تهييج العامة ضدّهم، ويزيدون عليها الكثير من الافتراءات والتزويرات. وهم يهدفون من ذلك إلى نشر الفوضى وتعميق الفرقة بين المسلمين، وذلك لتغذية غيظهم وحقدهم على الإسلام الذي قضى على شرائعهم الباطلة، وهدم نظام الحكم الإسلامي، الذي حطّم دولهم وقضى على جيوشهم. وجنّد هؤلاء الأعداء لتحقيق أهدافهم، الموتورين من الرعاع والسذّج والبُلَهاء وممّن لم يتمكّن الفهم الصحيح للإسلام من قلبه بعد، والتفَّ حولهم الحاقدون ممن أدَّبهم أو حدَّهم أو عزَّرهم الخليفة أو أحد ولاته([3]).

ونظّم هؤلاء الأعداء «جمعية سريّة» خبيثة، جعلوا أعضاءها هؤلاء الذين استجابوا لهم وجعلوا لهم أتباعًا في المدن الكبيرة، والأقاليم العديدة، وكوَّنوا شبكة اتصالات سريّة بينهم. وكان على رأس هذه الجمعية السريّة المعادية يهوديّ من يهود اليمن، ادعى الإسلام في خلافة عثمان، وزعم أنّه صار من المسلمين!! وأخذ يتحرّك في البلاد الإسلاميّة، يجنّد فيها أتباعه وجنوده، وينشئ فيها حزبه وتنظيمه!!

إنّه اليهودي «عبد ﷲ بن سبأ» المعروف بابن السوداء، لأن أمَّه كانت سوداء، ويعرف أتباعه باسم «السبئيين»، ولهم الدور الأوَّل في الخروج على عثمان بن عفّان، وبعد ذلك الخروج على عليّ، ثم قتله. عبد ﷲ بن سبأ أظهر الإسلام وأبطن إفساد المسلمين، بالوقيعة والفتن، وما فعله من الفتن يشبه ما فعله بولس اليهودي حين عذّب أتباع عيسى -عليه السلام-، ثم أعلن توبته ونصرانيته، ثمّ غالى في المسيح ودعا إلى ألوهيّته، وأنّه صلب ليخلِّص الناس من خطاياهم، فأدخل الشرك إلى النصرانية وبقيت عقيدتهم المعروفة بالضلال إلى يومنا وإلى يوم القيامة، ولولا أنّ ﷲ -عز وجل- تكفّل بحفظ دينه لضاع الحقّ ولم يبقَ شيء من قرآن ولا سنّة، بسبب ما فعله اليهودي ابن سبأ حين انتهج التشيّع لعليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

استغلّ هذا اليهودي غوغاء الأعراب، فأخذ يشيّع عندهم الأكاذيب مدِّعيًا أنَّ عثمان فعل كذا وكذا من الباطل، وكتب ابن سبأ كتبًا مزوَّرة هو ومَن ساعده، زوَّرها هذا اليهودي على لسان الزبير، وعلي، وطلحة، وعائشة، وغيرهم من أصحاب النبي. وكانوا يختمونها بأختام مزوَّرة، كلّها فيها الإنكار على عثمان والتذمّر من سياسته. ولم يكن في السابق من وسائل الاتصال ما يمكن من خلاله التوثيق والتثبيت كما هو الآن.

والمتلقّون للرسائل أعراب تأتيهم هذه الأخبار فيقبلونها ويصدِّقونها، فصدقه كثيرون من ذوي الشقاق والحقد والنفاق، وأخذوا يردّدون أباطيله، بين الناس على أنّها آراء الصحابة الكرام في عثمان. وحاصروا عثمان في بيته. روى الإمام أحمد بسند صحيح من حديث ابن عمر، أنّه دخل على عثمان، فقال عثمان: يا ابن عمر انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اِخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر: إذا خلعتها، أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان: لا. قال ابن عمر -رضي الله عنه-: فلا أرى أن تخلع قميصًا قمَّصَكَهُ ﷲ فتكون سنّة، كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم خلعوه([4]).

وكانت بعد ذلك في سنة ست وثلاثين من الهجرة، أيْ في بداية خلافة علي؛ وقعة الجمل. بدأت بعد الظهر، وانتهت قبيل مغيب الشمس من اليوم نفسه، وقتل كثير من الصحابة في هذه الوقعة. ولما انتهت المعركة أخذ علي أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وأرسلها معزَّزة مكرَّمة إلى مدينة رسول ﷲ ﷺ، كما أمره عليه الصلاة والسلام. فقد روى أحمد من حديث عليّ أنّه قال: قال رسول ﷲ ﷺ: سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال عليّ: فأنا أشقاهم يا رسول ﷲ، قال: لا، ولكن إذا كان كذلك فارددها إلى مأمنها، ففعل رضي الله عنه ما أمر به رسول ﷲ ﷺ.

أثر الفتنة في ظهور الفرق

إنّ مقتل الخليفة عثمان قد فتح بابًا من أبواب الفتنة على مصراعيه، ولم تُجدِ البيعة لعليّ في استقرار الأمور والأحوال؛ إذ إنَّه رغم البيعة لعليّ من أكثريّة المسلمين، فإنّ معاوية بن أبي سفيان؛ الذي كان واليًا على الشام على عهد عثمان، لم يذعن لبيعة علي، ولم يدخل فيها. وعلل معاوية لموقفه هذا بأنَّ عثمان قتل مظلومًا، وأنَّه يجب القصاص لقتلته، وعليّ يقول: «ادخل فيما دخل فيه النّاس وحاكمهم إنّي أحكم فيهم بالحق»([5]).

العقيدة عند الفرق الإسلامية

أولًا: الخوارج (تعريفها ونشأتها)

الفرق

كل من خرج على الإمام الحقّ الذي اتفقت الجماعة عليه يسمَّى خارجيًّا؛ سواء كان الخروج في أيّام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم من التابعين بإحسان، أو الأئمّة في كل زمان. وكان أوَّل من خرج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب جماعة ممَّن كان معه في حرب صفّين، وأشدهم خروجًا عليه ومروقًا من الدين الأشعث بن قيس ومسعّر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصن الطائي([6])، حين قالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب ﷲ، وأنت تدعونا إلى السيف. وذو الخويصرة رجل من بني تميم خرج على النبي ﷺ بالقول كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أنَّه قال: «بينما نحن عند رسول ﷲ ﷺ وهو يُقَسِّمُ قِسَمًا، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول ﷲ اعدل. فقال ﷺ: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول اﷲ ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: «دعه فإنّ له أصحابًا يَحْقِرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين([7]) كما يمرق السهم من الرمية».

ويذهب ابن الجوزي إلى أنّ أول خارجي خرج في الإسلام، آفتُهُ أنَّه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنَّه لا رأي فوق رأي رسول اﷲ([8]) ﷺ، وقد كان حرقوص أحد الرؤوس التي دبّرت الفتنة، وشاركت في المؤامرة ضدّ الخليفة عثمان. أما أوَّل خروج للخوارج بالفعل فقد كان في خلافة عثمان بن عفّان، تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى، وكان أصحابها من الخوارج والشيعة([9]).

يقول ابن كثير: إنّ عبد ﷲ بن سبأ هو الذي جهَّز خوارج المصريين([10]) فخرجوا ومعهم ابن السوداء، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران المدادي. كما خرج ثوَّار البصرة وعليهم حرقوص يزيد بن قيس الأرحبي، ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم. وكان هوى المصريين في عليّ، وثوار الكوفة يرغبون في الزبير، وبينما البصريون كانوا يرون تولية طلحة.

مما يؤكد دور السبيئة الغوغاء في مقتل عثمان؛ ما رواه الطبري وابن كثير وابن الأثير في كتبهم. وبذلك يمتدّ دور اليهود في إثارة الفتنة، للتخطيط الذي خططوه في بروتوكولات حكماء صهيون، هؤلاء اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم شعب ﷲ المختار، ويعتقدون أنهم أبناء ﷲ وأحباؤه.

وقال الأشعري في مقالات الإسلاميين: إنّ نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي -رضي الله عنه- وخروجهم عليه. وهذا هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء، إذ يعرِّفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على عليّ -رضي الله عنه- بعد التحكيم.

ورغم اتخاذ الخوارج هذا الموقف العدائي من أمير المؤمنين وجماعة المسلمين؛ فإنّ الخليفة عليًّا  حاول أن يقنعهم بالرجوع إلى صوابهم، فبعث إليهم عبد ﷲ بن عبّاس ليناظرهم. وحينما سألهم ابن عبّاس عن الأسباب التي دفعت بهم إلى مفارقة معسكر الخليفة، قالوا إنَّهم نقموا عليه ثلاثة أمور:

1 – أنّه بقبول «التحكيم» قد حكّم الرجال في أمر ﷲ، الذي يقول عنه تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾، فأخطأ بهذا، وكان ينبغي أن يستمرّ في القتال، حتى يظهر حكم ﷲ([11]).

2 – أنّه قاتل أصحاب «الجمل» وقتلهم، وفي الوقت نفسه لم يَسبِهِم، ولم يأخذ غنائمهم، بل إنّه نهى عن قتل مدبّرهم، والإجهاز على جريحهم، وغنيمة أموالهم وذراريهم. وقال الخوارج: إنّه ليس في كتاب ﷲ إلا مؤمن أو كافر، فإن كان هؤلاء مؤمنين لم يحلّ قتالهم، وإن كانوا كفّارًا أبيحت دماؤهم وأموالهم.

3 – وأخيرًا فإنّ عليًا بقبوله «التحكيم» قد محا نفسه عن إمرة المؤمنين. وفي رأيهم إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنّه لأمير للكافرين([12]).

المبادئ العامّة للخوارج:

لم تكن للخوارج مبادئ عامة قرَّروها والتفُّوا حولها، بل رفعوا في بداية أمرهم شعارات حملوها وتحمَّسوا لها، وقاتلوا في سبيل تحقيقها: كقولهم «لا حكم إلا لله»، وتكفيرهم لمخاليفهم، واستباحة قتلهم وقتالهم. ومن خلال ممارساتهم تكونت للخوارج آراء عامَّة حول المشكلات التي أثاروها، أو كانوا طرفًا في إثارتها، كمشكلة الإمامة، ومشكلة مرتكب الكبيرة، والحكم عليه كفرًا وإيمانًا([13]).

عقيدة الخوارج:

1 – التكفير بالمعاصي واستحلال دماء وأموال المسلمين؛ فهم يكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويقولون هو خالد مخلّد في النار مع الكافر ويستحلِّون دماء المسلمين العاصين؟! وأخذ أموالهم.

2 – الخروج على الحُكَّام بالسيف إذا خالفوهم، كما خرجوا على عثمان وقتلوه، ثمَّ خرجوا على عليّ وقتلوه أيضًا.

3 – تكفير حُكَّام المسلمين، وتكفير كل من لم يحكم بما أنزل ﷲ. وحجّتهم في ذلك قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾([14]).

4 – كثرة الطاعة وضعف العلم وقلَّة الفقه، وظهور سيماء الصالحين عليهم وكثرة العبادة من صلاة وذكر وتلاوة وقرآن وصدق وزهد وورع، مع قلَّة البضاعة من العلم والفقه كما وصفهم رسول ﷲ ﷺ: «تحقّرون صلاتكم مع صلاتهم…».

5 – إنكار الشفاعة لأهل الكبائر، بل هم مخلدون في النَّار مع الكفَّار، وهذه المسألة تتّفق فيها الخوارج مع المعتزلة.

6 – مخالفتهم لسنّة النبي ﷺ؛ فهم لا يأخذون بالأحاديث التي تخالف ظاهر القرآن، وإن كانت من الأحاديث المتواترة.

7 – رأيهم في الإمامة يتلخَّص في أن بيتًا من بيوت العرب لا يختص بأن يكون الخليفة فيه. فليست الخلافة في قريش كما يقول غيرهم، وليست لعربي دون أعجمي، والجميع فيها سواء؛  بل يفاوضون أن يكون الخليفة غير قرشي ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحقّ، إذ لا تكون له عصبيّة تحميه، ولا عشيرة تؤويه، وعلى هذا الأساس اختاروا منهم عبد ﷲ بن وهب الراسبي، وأمَّروه عليهم وسمّوه «أمير المؤمنين» ولم يكن قرشيّا)([15]).

(وإنَّ النجدات من الخوارج يرون أنَّه لا حاجة إلى إمام إذا تمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن التناصف لا يتمّ إلا بإمام يحملهم على الحقّ فأقاموه، فإقامة الإمام في نظرهم ليست واجبة بإيجاب الشرع لها. بل تجب بحكم المصلحة والحاجة([16]). وقد التزم الخوارج في اختيار أميرهم مبدأ الشورى والحرية، وذهبوا إلى أن هذا الاختيار حقّ لعامة المسلمين، وأنَّ الخليفة يستمرّ في وظيفته ما قام العمل، وأقام الشرع، وابتعد عن الخطأ والزيغ، فإن حاد وانحرف وجب عزله أو قتله. ورغم دعوة الخوارج إلى المساواة بين العرب والعجم؛ فإننا نجد أن معظم أمرائهم كانوا من العرب.

أمَّا في رواية مسلم في كتاب الإمامة الدالّة على وجوب نصب الإمام، لأنّ البيعة واجبة في الإسلام، قال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾([17]). السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يأمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وعن ابن عمر أنّه سمع رسول ﷲ ﷺ يقول: «من خلع يدًا من طاعة لقي ﷲ يوم القيامة لا حجّة له»، ومن جميع الأحاديث الواردة في هذا التفسير والراجح عند جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء، دلَّت هذه الآية والأحاديث الواردة في شرح هذه الآية على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم، وقد قال رسول ﷲ ﷺ: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك»([18]). وفي رواية للبخاري قال رسول ﷲ ﷺ:

من أطاعني فقد أطاع اﷲ، ومن عصاني فقد عصى اﷲ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني.

وقد خالف الخوارج ذلك المبدأ الرشيد، فرأوا الخروج على أئمة المسلمين عند أتفه الأسباب، وقد فعلوا ذلك مع أمير المؤمنين عليّ، فسفكوا الدماء، وقطعوا السبل، وضيّعوا الحقوق، وسعوا في إضعاف المسلمين حتى تكالبت عليهم الأعداء. فهذا من أضرار الخروج على أمير المؤمنين عليّ. وقد خالفت الخوارج ما كان عليه جمهور المسلمين من اشتراط النسب القرشي في الإمام، وقالوا لا خصوصية لقريش فيها ولا مزية لهم عن سواهم، بل كل من صار أهلًا لها جاز توليته من دون أي نظر إلى نسبه([19]).

من سمات الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث

بدأت سمات الخوارج ونزعاتهم تظهر بين طوائف من أبناء المسلمين اليوم، بأشكال ومظاهر مختلفة من جماعات وأفراد ودعوات وحركات واتجاهات، وشعارات، ومناهج، وأساليب ومواقف وتصرّفات، ونزعات فرديّة وجماعيّة، ونحو ذلك من أمور تنذر بخطر، وتنبئ عن بدايات ظهور البذور العقديّة والفكريّة والسلوكيّة للخوارج.

ومن هذه السمات والمظاهر: التشدّد في الدين على النفس والتعسير على الآخرين، والتعالم والتعالي والغرور، وتصدُّر الأحداث، وقلّة الصبر، وضعف الحكمة، والاستبداد بالرأي وتجهيل الآخرين، والطعن في العلماء وسوء الظنّ بهم، وتحقيرهم، والتنفير منهم، والحدّة في التعامل مع الآخرين، وصعوبة مدّ جسور التفاهم معهم، وقابلية الانشطار والتفرّق وسهولة اتهام الآخرين، وصعوبة التجمّع والتوحّد، والتكفير، وغير ذلك من مظاهر الغلو([20]).

دعواهم أن زعيمهم «المهدي المنتظر»([21])

تدّعي “جماعة التكفير والهجرة” أنَّها جماعة آخر الزمان، وحكموا على من عداهم بالكفر، وأنّ زعيمهم هو «المهدي المنتظر»، وعلى يديه سيتمّ انتصار الإسلام وظهوره على سائر الأديان. ونتيجة لدعواهم أنّهم جماعة آخر الزمان، ذهبت جماعة التكفير والهجرة إلى أنّ قائدهم «شكري مصطفى» وهو مهديّ هذه الأمّة المنتظر، ولن تستطيع السلطة قتله، وسوف يذهب كل جهد تبذله في هذا السبيل أدراج الرياح؛ لأنّ ﷲ سوف يحفظه، ليجاهد اليهود والنصارى، ويرفع رايات النصر في كل صقع من أصقاع العالم الفسيح، ويظهر اﷲ به دينه على كافة الأديان والملل، ويُمكّن له في الأرض ما شاء أن يُمِكّن.

وقد اهتمت جماعة التكفير والهجرة بقضيّة «المهدي المنتظر»، واحتلت حيّزًا واسعًا في رسائلهم، وفصَّلوا القول عن الفترة التي تسبق ظهور المسيح عليه السلام، وفيها يظهر المهدي، وتدور معركة فاصلة بين الدجّال وعيسى -عليه السلام- تنتهي بمقتل الدجّال، كما تحدثوا عن خروج يأجوج ومأجوج. ويبدو من رسائلهم أنّهم يعتقدون أنّه لا أمل في إصلاح الأمَّة إلا على يد «جماعة المسلمين» ومهديها المنتظر، ولكن هذا لن يكون إلاّ بعد تدمير الكافرين، أي بعد حروب مدمّرة بين القوّتين العظيميين يهلك فيها النّاس، ويدمّر فيها السلاح الحديث من قنابل ذريّة وصواريخ ولا يبقى إلا السلاح الفطريّ القديم من سيوف وحراب وخيول تكون عدّة للمسلمين، فتتحقّق سنَّة ﷲ في الأرض([22]).

ثانيًا: الشيعة (تعريفها ونشأتها)([23])

نشأة الفرق الإسلامية

تعريفها في اللغة: قال الزجّاج الشيعة هم أتباع الرجل وأنصاره، وقيل القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض، فهُم شيع. وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليًّا وأهل بيته -رضوان ﷲ عليهم أجمعين-. حتى صار لهم اسمًا خاصًّا فإذا قيل: فلان من الشيعة، عرف أنَّه منهم([24]). وفي الاصطلاح: التشيُّع محبّة عليّ وتقديمه على الصحابة، فمن قدّمه على أبي بكر وعمر غالى في تشيّعه ويطلق عليه شيعيّ، فإن أضاف إلى ذلك السبّ أو التصريح بالبغض؛ فغالى في الرفض، وإن اعتقد الرجعة في الدنيا فأشد في الغلو فهو رافضيّ.

نشأة الشيعة

قاد عبد ﷲ بن سبأ مكيدة دبَّرها كي يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، وقد انتهت هذه المكيدة بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفّان. قام هذا اليهودي الخبيث، بدعوة من اغترَّ به من عوامّ المسلمين إلى بعض المبادئ اليهودية، وغلَّف دعوته هذه بالتظاهر بحبّ أهل البيت والدعوة إلى ولايتهم، والبراءة من أعدائهم، فاغترّ به جماعة ممَّن لم يتمكَّن الإسلام في قلوبهم، من الأعراب وحديثي العهد بالإسلام، حتى غدوا فرقة دينيّة تخالف في عقيدتها العقيدة الإسلامية، وتستمدّ أفكارها ومبادئها من الديانة اليهوديّة.

فانتسبت هذه الفرقة إلى مؤسِّسها ومبتدعها ابن سبأ. فأطلق عليها علماء الفرق اسم السبئيَّة. ومن السبئية استمدّت الرافضة عقيدتها وأصولها. فتأثّرت بتلك المبادئ اليهوديّة المغلَّفة التي دعا إليها ابن سبأ. وكان يقول في يوشع بن نون إنَّه وصيّ موسى -عليه السلام-، مثل ما قال في عليّ. وهو أوَّل من أظهر القول بالغرض لإمامة عليّ، ومنه تشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أنّ عليًّا حيّ لم يقتل، وفيه الجزء الإلهيّ، ولا يجوز أن يُستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، وأنَّه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأها عدلًا كما ملئت جورًا.

وإنّما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد وفاة عليّ، واجتمعت عليه جماعة. وهم أوّل فرقة قالت بالتوقّف والغيبة والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد عليّ([25]). وبذلك جعلوا وصيّة عليّ من ﷲ، وصّى بها رسوله ﷺ. وقد كتب هذا الكليني في كتابه «الكافي في الأصول» وهو من أهم كتب الحديث عند الشيعة، وتتلمذ الكليني على شيخه القمّي، وقد أورد في الكافي كثيرًا من الروايات التفسيرية، وذكر معظمها في كتاب الحجة من الكافي، الذي خصصه للاحتجاج لعقيدة الشيعة في الإمامة والوصاية والولاية، والنص على إمامة عليّ بن أبي طالب، والأئمّة من ذرّيته في القرآن، وفي حديث رسول ﷲ ﷺ.

ولما تلقَّى العلم على علماء الشيعة في الريّ وقُم، توجه إلى بغداد. وصار يعلّم الشيعة فيها، حتى انتهت إليه رئاسة فقهاء الشيعة الإمامية، وبقي في بغداد يعلّم ويؤلّف إلى أن توفّي فيها سنة 329هـ. وقد طلب منه تلاميذه تأليف كتاب معتمد في الحديث، يكون أصلًا من أصول الحديث عند الشيعة، ويكون كافيًا لهم، يكتفون به عن غيره. فاستجاب لهم وألّف كتاب «الكافي في الأصول»، استغرق تأليفه عشرين سنة؛ حيث اعتنى به الكليني عناية خاصة، وسجَّل فيه أصح الروايات الحديثية -حسب أصول الحديث عند الشيعة- التي تخالف أصول الحديث عند أهل السنّة، ونقل رواياته الحديثية مسندة عن كبار الأئمة المعصومين عند الشيعة، مثل: علي بن أبي طالب، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد الباقر بن علي، وجعفر الصادق بن محمد، وموسى الكاظم بن جعفر. وبلغ مجموع الروايات الحديثيّة في الكافي مع المكرر منها 16199، وهو رقم كبير([26]).

لقد تفرَّق الشيعة فرقًا شتّى([27])، ولم يبقَ من هذه الفرق اليوم إلا الإسماعيليّة والزيديّة والاثنا عشرية. وأخطرها على الإسلام والمسلمين هم الشيعة الاثنا عشريّة، فهُم أشهر الفرق وأخطرها، وهم المعروفون باسم الشيعة اليوم، وشخصيّاتهم مشهورة في العالم، كما أنهم أكثر الفرق عددًا، ومنتشرون في كثير من البلدان.

ولذلك فإنّ دراسة الشيعة تكاد تنصبّ على هذه الفرقة من فرقهم، وقد سُمُّوا باسم الشيعة الاثنى عشريَّة، لاعتقادهم بإمامة اثني عشر إمامًا بعد رسول ﷲ ﷺ، ويسمّون أيضًا بالشيعة الإمامية والجعفرية([28]).

أهم مبادئ الشيعة الإمامية

تتّفق الشيعة الإمامية مع أهل السنّة وسائر المسلمين في وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإقامة الشعائر الدينية من صلاة وصيام وزكاة وحج على الخلاف في الفروع في بعض المسائل. واللافت أنّ الشيعة الإمامية تتميّز عن غيرها ببعض المبادئ والمعتقدات التي تميّزها وتفصل بينها وبين باقي المسلمين.

وأهم هذه المبادئ والمعتقدات التي تفرّدوا بها:

  • الإمامة.
  • العصمة.
  • الغيبة.
  • التقية.

أولًا: الإمامة:

وباختصار شديد هم يرون أنّ الإمامة من أصول الدين، لا يتمّ الإيمان إلا بالاعتقاد بها. ويعتبرون أنّ الإمامة من أصول الدين كالنبوّة لطف من ﷲ؛ فلا بد أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين. وله ما للنبي من الولاية العامّة على النّاس لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم. ويرون «أنّ الإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضًا نصب الإمام بعد الرسول([29]).

فلذلك، يقولون إنَّ الإمامة لا تكون إلا بالنصّ من ﷲ على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس. بل من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

والأئمة الاثنا عشر الذين قالوا بوجوب ولايتهم هم:

  • عليّ بن أبي طالب.
  • المرتضى، أبو الحسن بن عليّ (الزكيّ) (2 – 50 هـ).
  • أبو عبد ﷲ الحسين بن عليّ (سيّد الشهداء) (3 – 61 هـ).
  • أبو محمد عليّ بن الحسين (زين العابدين) (38 – 95 هـ).
  • أبو جعفر محمد بن عليّ (الباقر) (83 – 114 هـ).
  • أبو عبداﷲ جعفر بن محمد (الصادق) (83 – 148 هـ).
  • أبو إبراهيم موسى بن جعفر (الكاظم) (128 – 183).
  • أبو الحسن علي بن موسى (الرضا) (148 – 203 هـ).
  • أبو جعفر محمد بن عليّ (الجوّاد) (195 – 220 هـ).
  • أبو الحسن علي بن محمد (الهادي) (212 – 254 هــ).
  • أبو محمد الحسن بن عليّ (العسكري) (232 – 260 هـ).
  • أبو القاسم محمد بن الحسن (المهدي) (256 – ؟؟؟).

وإن الاعتقاد بإمامة هؤلاء الأئمة الاثني عشر من آل البيت هو اعتقاد جازم؛ بل هو من أصول مذهبهم وأن المهدي هو الإمام الثاني عشر تحديدًا.

ويأتي محمد التيجاني([30]) السماوي التونسي على ذكر المهدي في كتابه المشهور والمعتمد لديهم الإمامية الاثني عشرية «لأكون مع الصادقين»: فيقول إن الشيعة والسنَّة متفقون على أن رسول ﷲ ﷺ بشَّرَ بالمهدي، وأعلم أصحابه أنّه سيظهره ﷲ في آخر الزمان، وقد أخرج المهدي عليه السلام كلٌّ من الشيعة والسنّة في صحاحهم ومسانيدهم. ويستشهد على ظهور المهدي عند السنّة بالأحاديث الصحيحة. وهي التالية:

جاء في سنن داود([31]) قال رسول ﷲ ﷺ: «لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل ﷲ ذلك اليوم حتَى يبعث رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلَئَت ظلمًا وجورًا».

وجاء في سنن ابن ماجه([32]) قال رسول ﷲ ﷺ: «إنّا أهل بيت اختار ﷲ لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً شديدًا وتطريدًا، حتّى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينتصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطًا كما ملأُوها جورًا». وقال ابن ماجه في سننه([33]): «المهدي منّا أهل البيت يصلحه ﷲ في ليلة»، «المهدي من ولد فاطمة».

وقال رسول ﷲ ﷺ([34]): «يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلا فتسع، فتنعم فيه أمتي نعمة لم تنعموا مثلها قطّ، تؤتي أُكُلها، ولا تدّخر منه شيئًا، يومئذٍ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ».

وجاء في صحيح الترمذي([35]): قال رسول ﷲ ﷺ: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحدٌ لطوّل اﷲ ذلك اليوم حتّى يلي». وقال رسول ﷲ ﷺ: «لا تذهبُ الدنيا حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه([36]) قال: حدَّثنا ابن بكير، حدّثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أنّ أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول ﷲ ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟».

ويقول علي الكوراني([37]) في كتاب عصر الظهور: فالاعتقاد بأن المهدي المولود -عليه السلام- هو الإمام الثاني عشر، وأنّه حي غائب جزء من مذهبنا وبدونه لا يكون المسلم شيعيًا اثني عشريًا. ألا إنه يعتقد بأن الفرق بين أهل السنة والشيعة في أمر المهدي هو متمحور فقط حول شخصه حيث يقول: (يتصور البعض أن عقيدة المهدي المنتظر عقيدة خاصة بالشيعة، بينما هي عند السنّة أصليةٌ كأصالتها عند الشيعة، لا فرق بين الجميع في ثبوت البشارة عن النبي ﷺ بالمهدي المنتظر (عليه السلام) ولا في مهمّته العالمية، ولا في شخصيّته المقدسة المتميّزة، ولا في علامات ظهوره ومَعالم ثورته. وقد يكون الفرق الوحيد بشأنها أننا نحن الشيعة نعتقد بأنه هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام) المولود سنة 255هـ. وأن ﷲ تعالى مدَّ في عمره كما مدَّ في عمر الخضر (عليه السلام) فهو حي غائب حتى يأذن ﷲ له بالظهور. بينما يرى غالبية علماء السنة أنه لم يثبت أنه مولودٌ وغائب، بل سوف يولد ويحقّق ما بشّر به النبي ﷺ.

ويقول: «كامل سليمان»([38]) في كتابه يوم الخلاص في ظل القائم المهدي عليه السلام، في وصف المهدي: مما لا شك فيه أنه هو ذلك المولود من صلب إمامنا العسكري الذي يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في كبد الجو. يدل على تعيينه بالذات الحديث الثابت الدال على أن الأرض لا تخلو من إمام معصوم، ومضيفًا يقول: «إن إمام زماننا المعصوم مولود وموجود بشهادة المؤلف والمخالف، وأن الأمة -إذاً- متّفقة على وجوده، ومتّفقة -ضمنًا- على عدم وجود غيره». ويخلص إلى أن جميع الفرق الإسلامية متّفقة على أن مهديًّا يَظْهَرُ في آخر الزمان، من ولد فاطمة، لم يخالف أحد إلا في تعيينه ذاته لا بصفاته. وأنه مغيب وسبب غيبته هو تقدير من اﷲ عز وجل لأنه حكيم.

وقد سطّر الكليني([39]) في كتابه أصول الكافي عن الإمام المغيب، وعن الأئمة الاثني عشر، وأفرد باب في الأئمة -عليهم السلام- أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البيَّنة -عليهم السلام- [والرحمة والرضوان]. فقال:… يا أبا عبيدة إنه لم يمنع ما أعطي داود أن أعطي سليمان، ثمّ قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد عليه السلام حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل البيَّنة. «سمعت أبا عبد ﷲ عليه السلام يقول: لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود ولا يسأل بينة، يعطي كل نفس حقها». وقال في حديث آخر: ما منزلة الأئمة؟ قال: كمنزلة ذي القرنين وكمنزلة يوشع وكمنزلة آصف صاحب سليمان، قال: فبما تحكمون؟ قال: بحكم ﷲ وحكم آل داود وحكم محمد ﷺ وآله ويتلقانا به الروح القدس».

ثانيًا: العصمة

العصمة عند الإمامية هي المبادئ الأوليّة في كيانهم العقدي؛ حيث يعتقدون أنّ الإمام كالنبي يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدًا وسهوًا. كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطأ والنسيان؛ لأنّ الأئمة حفظة الشرع والقوَّامون عليه حالهم في ذلك حال النبي([40]). روى الكليني عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد ﷲ يقول: السمع والطاعة أبواب الخير، السامع المطيع لا حجّة عليه، والسامع العاصي لا حجة له، وإمام المسلمين تمّت حجته واحتجاجه يوم يلقى ﷲ سبحانه وتعالى، لأنّ ﷲ يقول ﴿يوم ندعوا كل أناس بإمامهم﴾ ([41]).

ثالثًا: الغيبة

وتعتبر الغيبة من العقائد الأساسية عندهم، وذلك لأنّهم يرون أن الزمان لا يخلو من حجّة ﷲ عقلًا وشرعًا، فيترتّب على ذلك أنّ الإمام الثاني عشر، وهو المهدي صاحب الزمان -كما يدّعون- غاب عن الأبصار بعد سنة 265 هـ بأمر من ﷲ، وسيخرج في آخر الزمان عندما يأذن ﷲ له بالخروج، قال أبو بصير لأبي عبد ﷲ: ما معنى قوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا﴾ ([42]) قال: ما يوعدون هو خروج القائم، عند ذلك سيعلمون بعدما ينزل بهم من عند ﷲ على يد قائمه، من هو شرّ مكانًا عند القائم، ومن هو أضعف جندًا([43]). ويؤمن الشيعة أنّ ﷲ ادّخر عنده القائم، وسينزله في آخر الزمان بعد انتشار الفساد، وسيملأ الأرض نورًا وعدلًا، وسيكون استمرارًا للأئمة المعصومين.

رابعًا: التقية

روى الكليني في باب «التقيّة» عن أبي عبد ﷲ جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾([44])، قال الحسنة التقيّة والسيّئة الإذاعة. التقيّة عند الشيعة جزء أساسي في الدين، ولقد نقل الكليني قول أبي عبد ﷲ: «إنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة، ولا دين له لمن لا تقيّة له([45]). ولذلك حملت الرواية الآتية التي نحن بصددها على التقية، فالحسنة في الآية هي التقيّة، والسيّئة فيها هي الإذاعة والإعلان! بمعنى أنّه إذا أخفى الإمام أو بعض أتباعه ما عندهم من أفكار وآراء، وأظهروا عكسها، فقد جاءوا بالحسنات، وإذا كان بعضهم واضحين، وأعلنوا ما يؤمنون به فقد جاءوا بالسيئات.

ثالثًا: المعتزلة (تعريفها ونشأتها)

نشأة الفرق الإسلامية

المعتزلة اسم يطلق على تلك الفرقة التي ظهرت في الإسلام، في أوائل القرن الثاني على يد واصل بن عطاء، وسلكت منهجًا عقليًّا صرفًا في بحث العقائد، وقررت أنّ المعارف كلّها عقليَّة حصولًا، ووجوبًا قبل الشرع، وبعده. وهم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل، والتمييز، والاستنباط على من خالفهم.

نشأت المعتزلة على يد واصل بن عطاء، وهو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، نشأت هذه الطائفة متأثرة بشتى الاتجاهات الفلسفيّة، وأصبحت فرقة كبيرة تفرّعت عن الجهميّة([46]) في معظم الآراء، منها قوله لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه؛ لأنّ ذلك يقتضي تشبيهًا. والمعتزلة يسمّون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقّبون بالقدريّة حيث تتلخّص عقائدهم في الآتي:

  • نفي رؤية المؤمنين ﷲ يوم القيامة، وجاءت في ذلك روايات بلغت حدّ التواتر.
  • إنكار شفاعة رسول ﷲ ﷺ للمذنبين، وردّوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين.
  • جحدوا عذاب القبر، ونفوا أن الكفار في قبورهم يعذّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون.
  • قالوا القرآن مخلوق نظير قول إخوانهم من المشركين الذين قالوا ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ ([47]) فزعموا أنّ القرآن كقول البشر.
  • أثبتوا أن العباد يخلقون الشرّ، نظير قول المجوس الذين قالوا بوجود خالقين أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشرّ. وزعمت القدريّة أن ﷲ يخلق الخير وأنّ الشيطان يخلق الشرّ.
  • زعموا أن ﷲ -سبحانه وتعالى- يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافًا لما أجمع عليه المسلمون من أنّ ما شاء ﷲ كان وما لم يشأ لم يكن، وردّوا قوله ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما﴾ ([48]). فأخبرنا أنّا لا نشاء إلا وقد شاء ﷲ، ولهذا سمّاهم رسول ﷲ ﷺ «مجوس هذه الأمّة».
  • زعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة ﷲ، وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون ﷲ.
  • يكذّبون بعذاب القبر والحوض، ولا يرون الصلاة خلف أحد من القبلة والجمعة إلاّ من كان على هواهم، ويزعمون أن أعمال العباد ليست في اللوح المحفوظ.
  • قنّطوا النّاس من رحمة ﷲ، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنّار والخلود فيها، خلافًا لقول ﷲ ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ([49]).
  • نفوا صفات ﷲ سبحانه وتعالى وأنكروا وجودها ([50]).

وقد قال أبو الحسين الخيّاط (300 هـ)، في كتابه الانتصار، وليس أحد يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا جمعت هذه الأصول فهو معتزلي([51]).

لقد ذكر قاضي القضاة عبدالجبّار بن أحمد (415هـ) في كتابه شرح الأصول الخمسة مفصّلة حول الأصول التي يجتمع حولها سائر المعتزلة، والتي لا يوصف المتكلّم بأنه معتزلي إلا إذا قال بها واعتنقها، وآمن بها، ودافع عنها([52]). أمّا في الأصل الخامس وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأصل فيه باب في الإمامة، وقد اتصل بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّ أكثر ما يدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم بها إلا الأئمّة. وجملة ذلك أن معرفة الإمام واجب كان أو لم يكن، وإنّما المراد إذا كان ظاهرًا يدعو إلى نفسه، واعتبر أن الحاجة إلى الإمام لتنفيذ الأحكام الشرعية، نحو إقامة الحدّ، وسدّ الثغور وتجييش الجيوش والغزو، وتعديل الشهود وما يجري هذا المجرى.

أمّا في صفات الإمام؛ يقول: اعلم أنّ الإمام يجب أن يكون من منصب مخصوص خلاف ما يحكى عن طائفة من الخوارج، ولا يكفي هذا القدر حتى يكون فاطميًّا، ثم لا يجب أن يكون حسنيًّا أو حسينيًّا، بل الذي لا بد منه أن يكون من أحد الباطنيين، ويجب أن يكون مبرّزًا في العلم مجتهدًا ولا خلاف فيه. وإنما اختلفوا في القاضي، وليس له أن يكون حافظًا لكتب الفقهاء وترتيب أبوابها، بل إذا كان يمكنه المراجعة إلى العلماء وترجيح بعض أقوال بعضهم على بعض كفى، غير أنّه لا يكون على هذا الوصف حتى يعلم شيئًا من اللغة ليمكنه النظر في كتاب ﷲ تعالى، ومعرفة ما أراده بخطابه وما لم يرده، وأن يكون عالمًا بتوحيد ﷲ تعالى وعدله، وما يجوز على ﷲ تعالى، من الصفات وما لا يجوز، وما يجب له من الصفات وما لا يجب، ويكون عالمًا بنبوّة محمد ﷺ، ولا بدّ أن يكون ورعًا شديدًا، يوثَق بقوله ويُؤمن منه ويُعتمد عليه، وأن يكون ذا بأس وشدة وقوة قلب وثبات في الأمور.

وقد أثبتوا أنّ تعيين الإمام بعد النبي ﷺ هو عليّ بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين، ثم زيد بن علي، ثم من سار بسيرتهم، وعند البعض منهم أنّ الإمام بعد رسول ﷲ ﷺ، هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ -رضي الله عنهم-، ثم من اختارته الأمّة وعقدت له، ممن تخلّق بأخلاقهم وسار بسيرتهم، ولهذا تراهم يعتقدون إمامة عمر بن عبدالعزيز لمّا سلك طريقهم. وقال أيضًا: اعلم أنّ من مذهبنا أنّ الزمان لا يخلو من إمام، ولسنا نعني به أنّه لا بد من إمام متصرّف، فالمعلوم أنّه ليس يجوز خلوّ الزمان ممّن يصلح للإمامة.

وقد عقد في هذا الفصل الخلاف بين الإمام الذي يعتبره الإمامية الاثني عشرية والإمام المعين من قبل المعتزلة إلى أنّه إذا ثبت أنّه الأفضل في الشرع، فإنّ المتقدمين من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ أفضل الناس بعد رسول ﷲ ﷺ، أبو بكر وعمر ثم عثمان ثم عليّ -رضي الله عنهم أجمعين-، إلا أنّ واصل بن عطاء فإنّه يفضل عليّ بن أبي طالب على عثمان -رضي الله عنهما-؛ فلذلك سمّوه شيعيًا.

لقد وقع المسلمون أو فئات منهم في التغيير والتبديل؛ فابتدأوا أوًّلًا بالتلقّي والأخذ عن غير المسلمين حتى أحدثوا البدع والأهواء، ثم سار الانحراف خطوات حتى تفرَّعت الفرق وفرَّخت في الأمّة، ثمّ اختلطت الأهواء والبدع، وتأثر بعضهم ببعض وكان أوضح أنموذج لهذا التأثر والتأثير؛ هو تأثر الفرق المبتدعة كالمعتزلة وافتنانهم بها، بل تأثر بها بعض أهل السنّة وتأثروا بمنهجهم العقلي.

وكان هذا لأسباب منها، نصرة بعض السلاطين لمذهب المعتزلة وحمل النّاس عليه، وتتلمذ بعض أرباب الفرق على أيدي شيوخ المعتزلة، واهتمام رجال المعتزلة بالدعوة إلى مذهبهم ونشره، وقدرة كبار المعتزلة الكلاميّة وفصاحتهم اللسانيّة، ونسبة المعتزلة مذهبهم إلى الحقّ، ورفع المعتزلة بعض الشعارات البرّاقة أو نسبتها إليهم، منها انفرادهم بحلّ المسائل العقديّة التي أشكلت على المسلمين، وادعاؤهم أنّهم وحدهم الذين يدافعون عن الدين الإسلامي، والأهم في هذه الشعارات، شعار الحريّة الإنسانيّة «حريّة الفعل، وحرية الفكر». ظهر المعتزلة في العصر الأموي، فلم يجدوا من الأمويين معارضة؛ لأنّهم لم يثيروا شغبًا عليهم ولا حربًا، إذ إنّهم كانوا فرقة لا عمل لها إلا الفكر وقرع الحجّة ووزن الأمور بمقاييسها الصحيحة، ومع أنّ الأمويين لم يعارضوهم فإنّهم أيضًا لم يعاونوهم([53]).

ولمّا جاءت الدولة العباسيّة وقد طمّ سيل الإلحاد والزندقة، ووجد خلفاؤها في المعتزلة سيفًا مسلولًا على الزنادقة، لم يفلّوه بل شجّعوهم على الاستمرار في نهجهم، فلمَّا جاء المأمون، (وقد كان يعتبر نفسه من علماء المعتزلة) شايعهم وقرّبهم وأدناهم، وجعل منهم حجّابه ووزراءه، وكان يعقد المناظرات بينهم وبين الفقهاء لينتهوا إلى رأي متفق، واستمر على ذلك حتى إذا كانت سنة 218 هـ؛ وهي السنة التي توفي فيها.

انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد بالأذى الشديد بل أنزله بالفعل، وذلك برأي وتدبير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأنّها لسقطة ما كان لمثل المأمون أن يرضى بأن تقع بعهده، فقد كانت فيه المحاولة بالقوَّة لحمل الفقهاء والمحدّثين على رأي المعتزلة، وما كانت قوَّة الحكم لنصر الآراء وحمل النّاس على غير ما يعتقدون. لقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بأنّ القرآن مخلوق، وتحمّل بعض الفقهاء العنت والإرهاق والسجن الطويل، واستمرّت تلك الفتنة إلى عصر المعتصم والواثق من بعده([54]).

لقد كان للمعتزلة التأثير الكبير على الخوارج والشيعة الإماميّة وعقيدة علماء العصر الحديث. حيث إنّ الخوارج عند أوائل ظهورهم، لم يتّخذوا التأويل في نصوص الصفات والقدر ونحوها، وإنّما كان التركيز على نصوص الحكم بغير ما أنزل ﷲ، ونصوص الوعيد، ونصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال شيخ الإسلام -رحمه ﷲ- عن الخوارج: «ولم يعرف فيهم الكلام وتأويل الصفات إلا بعد ظهور المعتزلة. وعمّ تأثير المعتزلة على الإمامية الاثني عشرية، حيث هي أكبر فرق الشيعة حتى هذا العصر، ويمثلون عشرة بالمائة من مجموع المسلمين اليوم([55]).

أمّا تأثرهم بالاعتزال؛ فالناظر إلى عقائد الشيعة التي نشأت في أوَّل الأمر، يلحظ أنَّه لم يكن عندهم من البدع إلا التشيُّع لآل البيت، وما ترتّب عليه من قولهم بإمامة عليّ بعد الرسول ﷺ ثمّ أبنائه من بعده، وما ترتّب على ذلك التشيّع أيضًا من إغلاظ القول على الصحابة -رضي الله عنهم-. وفي المقابل ازدياد الغلو في آل البيت، وقد كان أوَّل مَن عرف بالتشبّه بالمعتزلة هو هشام بن حكم، ومن علماء الشيعة المتأثرين بالمعتزلة في عصر هشام بن حكم، هشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبدالرحمن القمّي. وهذه القضية القول بالتعطيل إنّما هو دخيل عليهم، وأنّهم أخذوه كما هو عن المعتزلة. لقد بدأ تغيير مذهب الإمامية الاثني عشرية، وتأثره بمذهب المعتزلة في أواخر المائة الثالثة، فكان من أهم الاستدلال على مسائل العقيدة هو الاحتجاج بالعقل وتقديمه على النقل.

لقد أخذ الإمامية من المعتزلة أوَّلًا تعريفهم للعقل الذي يوجب النظر والاستدلال، وقسَّموه إلى ثلاثة أقسام: أوَّلها العلم بأصول الأدلّة، وثانيها ما لا يتمّ العلم بهذه الأصول إلا معه. وثالثها: ما لا يتمّ الغرض المطلوب إلا معه. وهذا تعريف المعتزلة للعقل أيضًا([56]). وهذا العلم لدى الإمامية الاثني عشرية، استغلّوه في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشرية، أو الطعن في مخالفيهم وتكفيرهم، واعتبار أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، كما ذكرها في أصول الكافي للكليني.

أمّا الأمر الثاني فهو رد الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، فهم لا يعتبرون في السنّة إلا ما صحّ لهم من طرق أهل البيت عن جدّهم، والسنّة لديهم هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، والمعصوم عندهم هو النبي ﷺ والأئمّة من آل البيت. وبذلك نجد أنّ المعتزلة هي أوّل فرقة صاغت في الإسلام مذهبًا عقليًا محضًا، وجعلت له قواعد عرفت فيما بعد بعلم الكلام، وأنّ المعتزلة تأثروا بعقائد السابقين عليها من الفرق، فاستفادت التعطيل من الجهمية، ونفي القدر من القدرية، وحكم مرتكب الكبيرة من الخوارج، إلا أنّها صاغت تلك العقائد بطرق عقلية غيّرت فيها، وألبستها قناعًا حاولت من خلاله إخفاء الغلو الذي ظهر عند تلك الفرق في تلك العقائد.

وإنّ أعظم ظاهرة لاتصالات الفرق ببعضها، وتأثير بعضهم في بعض، هو اتصال الفرق بالمعتزلة وتأثرهم بها، فإنّها لم تسلم فرقة من فرق المسلمين المبتدعة تقريبًا من التأثر بالمعتزلة، سواء في الاعتقاد أو في المناهج. ومن أهم تلك الأسباب هو نصرة بعض السلاطين([57]) لمذهب المعتزلة وحمل النّاس عليه، وتتلمذ المبتدعة على أيدي شيوخ المعتزلة، واهتمام المعتزلة بالدعوة إلى مذهبهم ونشره، والفصاحة والبلاغة والكلام الذي برز في كثير من شخصيات المعتزلة، ونسبة المعتزلة مذهبهم إلى الكتاب والسنّة وإلى الصحابة وكبار التابعين، وكذلك رفع المعتزلة بعض الشعارات البرّاقة التي تعلي من مكانتهم وتجلب الأنظار إليهم.

ومن ذلك انبراؤهم لحل المسائل العقدية التي أشكلت على المسلمين، وهي المسائل العقدية التي وقع فيها الخلاف بين المبتدعة حقيقة، كحُكم مرتكب الكبيرة، وحكم المتقاتلين من الصحابة، ومسألة الإمامة ودعواهم الدفاع عن الإسلام، ثم رفعهم بعض الشعارات التي تستميل قلوب أهل الأهواء مثل شعار «حرية العقل والفعل»، وهي شعارات برَّاقة عند من يطلب مثل هذه الأمور، فهذه الأسباب كان لها دور كبير في تعلّق أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين بالمعتزلة.

العقيدة عند علماء العصر الحديث

أولًا: الأشاعرة([58])

نشأة الفرق الإسلامية

تعريفهم:

هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، وهو أحد علماء القرن الثالث، وتنسب إليه الأشعرية. ولد في البصرة سنة 250 هـ -وقيل سنة 270 هـ-، وتوفي سنة 324 هـ. في هذه الفترة اشتدّت حملة المعتزلة على الفقهاء والمحدّثين، ولم يسلم من حملتهم فقيه معروف أو محدّث مشهور، فكرههم النّاس وصاحب ذكرهم البلاء والمحن، حتى نسي النّاس خيرهم، فنسوا دفاعهم عن الإسلام وبلاءَهم فيه، وتصديهم للزنادقة وأهل الأهواء، نسوا هذا كلّه ولم يذكروا لهم إلا إغراءهم الخلفاء بامتحان كل إمام تقيّ، ومحدّث مهدي.

ولما جاء المتوكّل وأبعدهم عن حظيرته، وأدنى خصومهم، وفكّ قيود العلماء، تجرّد لمنازلتهم جماعة من الفقهاء، ومن نهج نهج أهل السنّة في دراسة العقائد. فبعض العلماء الذين أجادوا طريقة المعتزلة في المجادلة لم يأخذوا بآرائهم؛ فجادلوهم بلسان غضب، ومن ورائهم العامة يؤيّدونهم. وبعض الخاصة يرافقونهم والخلفاء يناصرونهم. حتى ظهر أبو الحسن الأشعري، ظهر بالبصرة، تخرّج على المعتزلة في علم الكلام وتتلمذ على شيخهم في عصره أبي علي الجبائي، وكان لفصاحته ولسنّه يتولَّى الجدل نائبًا عن شيخه، ولم يزل أبو الحسن يتزعّم المعتزلة في عصره أربعين سنة([59]).

أمّا المرحلة الثانية التي ثار فيها أبو الحسن الأشعري على مذهب الاعتزال الذي كان يدافع عنه؛ فكانت بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يومًا، يفكّر ويدرس ويستخير ﷲ  حتى اطمأنت نفسه، وأعلن البراءة من الاعتزال وخطّ لنفسه منهجًا جديدًا يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظنّ أنّه يُتفق مع أحكام العقل، وفيها اتّبع طريقة عبد ﷲ بن سعيد بن كلاّب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل: الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، السمع، البصر، الكلام. أمّا الصفات الخبريّة كالوجه واليدين والقدم والساق فتأوّلها على ما ظنّ أنّها تتّفق مع أحكام العقل، وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها([60]).

المرحلة الثالثة: إثبات الصفات جميعها لله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل. وفي هذه المرحلة كتب كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» الذي عبّر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم. الذي كان يحمل لواءه الإمام أحمد بن حنبل، ولم يقتصر على ذلك. بل خلّف مكتبة كبيرة في الدّفاع عن السنّة وشرح العقيدة تقدر بثمانية وستين مؤلفًا، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي على جنازته: «اليوم مات ناصر السنّة»([61]).

بعد وفاة أبو الحسن الأشعري، وعلى يد أئمة المذهب وواضعي أصوله وأركانه؛ أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور، تعدّدت فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في أصول المذهب وعقائده. وما ذلك إلا لأنّ المذهب لم يُبْنَ في البداية على منهج مؤصَّل، واضحة أصوله الاعتقادية، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية؛ بل تذبذبت مواقفهم واجتهاداتهم بين مواقف مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على المعتزلة. من أبرز مظاهر ذلك التطوّر: القرب من أهل الكلام والاعتزال، والدخول في التصّوف، والتصاق المذهب الأشعري به.

من أبرز أئمة المذهب([62]).

القاضي أبو بكر الباقلاني (328 – 402 هـ)

هو محمد بن الطيّب أبن محمد بن جعفر، من كبار علماء الكلام، هذّب بحوث الأشعري، وتكلّم في مقدّمات البراهين العقلية للتوحيد، وغالى فيها كثيرًا، إذ لم ترد هذه المقدّمات في كتاب ولا سنّة. ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤوّلة. وذلك في كتابه: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل. ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها. وجهه عضد الدولة سفيرًا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه: إعجاز القرآن، الإنصاف، مناقب الأئمة، دقائق الكلام، الملل والنحل، الاستبصار، تمهيد الأوائل، كشف أسرار الباطنية.

أبو إسحاق الشيرازي([63]) (293 – 476 هـ)

وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزأبادي الشيرازي، العلامة المناظر. ولد في فيروز أباد بفارس، وانتقل إلى شيراز، ثم البصرة، ومنها إلى بغداد سنة 415 هـ. وظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام، فكان مرجعًا للطلاب ومفتيًا للأمَّة في عصره، وقد اشتهر بقوّة الحجّة في الجدل والمناظرة. بنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظاميّة على شاطئ دجلة، فكان يدرّس فيها ويديرها. من مصنفاته: التنبيه والمهذب في الفقه، والتبصرة في أصول الشافعية، وطبقات الفقهاء، واللمع في أصول الفقه وشرحه، والملخص، والمعونة في الجدل.

أبو حامد الغزالي([64]) (450 – 505 هـ)

وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي. ولد في الطابران، قصبة طوس خراسان، وتوفي بها. رحل إلى نيسابور ثم بغداد، ثم الحجاز، فبلاد الشام، فمصر ثم عاد إلى بلدته. خالف الغزالي الأشعري في بعض الآراء، وخاصّة فيما يتعلّق بالمقدمات العقليّة في الاستدلال، وذمّ علم الكلام وبيّن أدلته أنها لا تفيد اليقين كما في كتبه المنقذ من الضلال، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة، وحرّم الخوض فيه فقال: «لو تركنا المداهنة لصرّحنا بأنّ الخوض في هذا العلم حرام». اتجه نحو التصوّف، واعتقد أنّه الطريق الوحيد للمعرفة. وعاد في آخر حياته إلى السنّة من خلال دراسة صحيح البخاري.

من علماء الأشاعرة الآخرين أبو اسحاق الاسفراييني توفي عام 418 هـ، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني 419 – 478 هـ، والفخر الرازي 544 – 606 هـ، ومن علماء الأشاعرة أبو علي الدقاق النيسابوري المتوفي سنة 405 هـ، والحاكم النيسابوري أبو عبد ﷲ محمد ابن البيع، المتوفي سنة 405 هـ، ومحمد بن فورك الأصبهاني، المتوفي سنة 406هـ([65]).

مصدر التلقّي عند الأشاعرة

  • الكتاب والسنّة على مقتضى قواعد علم الكلام؛ ولذلك فإنّهم يقدّمون العقل على النقل عند التعارض، صرّح بذلك الرازي في القانون الكلّي للمذهب.
  • عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة؛ لأنّها لا تفيد العلم اليقيني، ولا مانع من الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر منها يجب تأويله. ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون المفضّلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي ﷺ يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام، كما أرسل معاذًا إلى أهل اليمن، ولقوله ﷺ: «نضّر ﷲ امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها كما سمعها …»، وحديث تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلّة.
  • مذهب طائفة منهم، وهم صوفيّتهم، كالغزالي والجامي في تقديم الكشف والذوق على النص، وتأويل النص ليوافقه. ويسمّون هذا «بالعلم اللدنّي» جريًا على قاعدة الصوفية «حدثني قلبي عن ربّي». كما وضح ذلك في الرسالة اللدنيّة من مجموع القصور العوالي، وكبرى اليقينيّات لمحمد سعيد رمضان البوطي. ولا يخفى ما في هذا من البطلان والمخالفة لمنهج أهل السنّة والجماعة، وإلا فما هي الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب([66]).

يقسّم الأشاعرة أصول العقيدة؛ بحسب مصدر التلقّي، إلى ثلاثة أقسام:

  • قسم مصدره العقل وحده، وهو معظم الأبواب. ومنه باب الصفات ولهذا يسمّون الصفات التي تثبت بالعقل «عقليّة»، وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على الوحي عندهم.
  • أمّا ما عدا ذلك من صفات خبريّة دلّ الكتاب والسنّة عليها، فإنّهم يؤولونها.
  • قسم مصدره العقل والنقل معًا كالرؤية، على خلاف بينهم فيها.
  • قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيّات ذات المغيبات من أمور الآخرة، كعذاب القبر والصراط والميزان. وهو مما لا يحكم العقل باستحالته؛ فالحاصل أنهم في صفات ﷲ جعلوا العقل حاكمًا، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلًا، وفي الرؤية جعلوه مساويًا. أمّا في مذهب أهل السنّة والجماعة فلا منافاة بين العقل والنقل أصلًا، ولا تقديم للعقل في جانب وإهماله في جانب آخر، وإنما يبدأ بتقديم النقل على العقل.

خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود ﷲ، ووافقوا الفلاسفة والمتكلّمين في الاستدلال على وجود ﷲ تعالى بقولهم: إنّ الكون حادث ولا بد له من محدث قديم، وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وإثبات أنّه ليس بجوهر ولا جسم ولا في جهة ولا في مكان. وقد رتّبوا على ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر. مثل: إنكارهم صفات الرضا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم العالم، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق.

التوحيد عند الأشاعرة([67]): هو نفي التثنية والتعدد بالذات، ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة، أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة. وفي ذلك يقولون: إنّ ﷲ واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له. ولذلك فسّروا الإله بأنّه الخالق أو القادر على الاختراع، وأنكروا صفات الوجه واليدين والعين لأنّها تدلّ على التركيب والأجزاء عندهم. وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنّة والجماعة من سلف الأمّة ومن تبعهم. وهناك أيضًا العديد من الأمور التي خالف الأشاعرة فيها أهل السنة والجماعة.

أمّا ما وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة فهو:

  • الإيمان بأحوال البرزخ، وأمور الآخرة من الحشر والنشر، والميزان، والصراط، والشفاعة، والجنّة والنّار؛ لأنّها من الأمور الممكنة التي أقر بها الصادق المصدوق ﷺ، وأيدتها نصوص الكتاب والسنّة، وبذلك جعلوها من النصوص السمعيّة.
  • كما وافقوهم في الصحابة على ترتيب خلافتهم، وأنّ ما وقع بينهم كان خطأ وعن اجتهاد منهم، ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم، لأنّ الطعن فيهم إمّا كفر، أو بدعة، أو فسق كما يرون الخلافة في قريش، وتجوز الصلاة خلف كل برّ وفاجر، ولا يجوز الخروج على أئمة الجور، بالإضافة إلى موافقة أهل السنّة في أمور العبادات والمعاملات.
  • فضلًا عن تصدي الأشعري للمعتزلة ومحاجّتهم بنفس أسلوبهم الكلامي ليقطع شبهاتهم ويرد حجتهم عليهم، تصدى أيضًا للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية، والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة.
  • والأشعري في كتاب الإبانة([68]) عن أصول الديانة هو آخر ما ألَّف من الكتب على أصح الأقوال، رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات وعدم التأويل.

انتشر المذهب الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعري العقيدة، وصاحب الكلمة النافذة في الدولة السلجوقية، ولذلك أصبحت العقيدة الأشعرية شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة. وزاد في انتشارها وقوّتها مدرسة بغداد النظاميّة، ومدرسة نيسابور النظاميّة، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامي وقتها، كما تبنّى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت سلطان الموحّدين، ونور الدين زنكي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، بالإضافة إلى اعتماد جمهرة من العلماء عليه، وبخاصّة فقهاء الشافعيّة والمالكيّة المتأخرين. ولذلك انتشر المذهب في العالم الإسلامي كلّه، ولا يزال المذهب الأشعري سائدًا في أكثر البلاد الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعدّدة.

يتضح مما سبق أنّ الأشاعرة فرقة كلامية إسلامية تنسب إلى أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية، التي خرج فيها على المعتزلة ودعا فيها إلى التمسك بالكتاب والسنّة، على طريقة ابن كلاب. وهي تثبت بالعقل الصفات العقلية السبع فقط ﷲ تعالى، (الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، واختلفوا في صفة البقاء، أمّا الصفات الاختيارية والمتعلقة بالمشيئة من الرضا والغضب والفرح والنزول فقد نفوها، بينما يؤولون الصفات الخبرية ﷲ.

مع العلم أنّ عقيدة الأشاعرة تنسب إلى عقيدة أهل السنّة والجماعة بالمعنى العام في مقابل الشيعة، وأنّ الأشاعرة، وبخاصة أشاعرة العراق الأوائل أمثال أبو الحسن الأشعري، والباهلي، وابن مجاهد، والباقلاني وغيرهم؛ أقرب إلى السنّة والحق من الفلاسفة والمعتزلة، بل ومن أشاعرة خراسان كأبي بكر بن فورك وغيره، وإنّهم ليحمدوا على مواقفهم في الدفاع عن السنّة والحق في وجه الباطنية والرافضة والفلاسفة، كما لهم جهدهم المحمود في هتك أستار الباطنية وكشف أسرارهم، بل وكان لهم جهادهم المشكور في كسر سورة المعتزلة والجهمية، إلا أنّه ينبغي عليهم وقد تبينت الأمور في هذا الزمان أن يتخلّصوا من مخالفتهم، ويلحقوا بأهل السنّة، وما ذلك على ﷲ بعزيز.

ثانيًا: المدرسة العقلية

نشأة الفرق الإسلامية

استمرت فتنة الاعتزال إلى عهد المتوكّل الذي تولى الخلافة سنة 232هـ، فرفعت الفتنة في عهده. وعلى الرغم من انحسار النفوذ السياسي للمعتزلة بعد وصول المتوكّل للخلافة، وانقراضها فيما بعد من حيث التسمية والأشخاص، وانقراض كثير من فرق البدع والضلالة؛ إلا أن مقولاتهم ورثتها الفرق الكلامية التي جاءت بعدهم، ودعت إليها تحت أسماء جديدة([69]).

ولم تزل علومهم العقلية المجردة عن النصوص في خمود إلى قيام جماعة من الفلاسفة كالفارابي وابن رشد والكندي وأمثالهم على أنقاض المعتزلة([70]). ولم يكن في نهاية دولة الاعتزال نهاية للتقدم العلمي في العالم الإسلامي؛ بل إن العلم لم يزل في توسعه ونموه، فشمل الطب والحكمة والكيمياء والرياضيات والعمارة وغير ذلك، فازدهرت العلوم وأينعت.

وبينما كان العالم الإسلامي في أوج حضارته؛ كان العالم النصراني في أوربا يتخبّط في ظلمات الجهل. فقد سيطرت الكنيسة فيه على العقول وحظرت على أتباعها ممارسة كثير من العلوم فسيطرت على العلماء واحتكرت العلم واحتفظت لنفسها بحق تفسير ظواهر الحياة، ولم تكن تتردد في الإعدام والحرق والتعذيب تحت آلات أُعدَّت له في محاكم التفتيش لكل من يجرؤ على مخالفتها من علماء الطبيعة والكيمياء والفلك وغير ذلك حتى لا يضيع سلطانها وهيبتها من النفوس.

كان هذا حال الشرق وحال الغرب ولكن الأمر لم يدم على هذا؛ فقد أثار البابا جريجوري السابع الحرب الصليبية الأولى وعندما تحرك الصليبيون لم تكن هناك جهة إسلامية موحدة في الشرق؛ الذي كان يعاني عهدئذ التفكّك والانقسام، فواصلوا زحفهم حتى القدس، واستولوا عليها سنة 492هـ – 1099م. ثم لم تزل الحروب الصليبيّة على العالم الإسلامي تتتالى.

وكانت من نتيجة هذه الحملات الصليبيّة أن نقلت الحضارة الإسلامية إلى بلادهم؛ فاستولى الأوروبيون على الكتب العلمية في شتّى العلوم والمعارف، وأقبلوا عليها دراسة وتجربة وتنمية ووقفت الكنيسة موقفها، فأحرقت كثيرًا من العلماء وأعدمت الكثير. لكن هذا لم يمنع العلماء من الظهور بمظهر الاستشهاد في الدفاع عن مبادئهم وآرائهم حتى الموت مما أتاح الفرصة لدعاة التحرّر الفكري من سلطان الكنيسة؛ فهدّموا الكنيسة وهدّموا الدين معها. وانتهى ذلك الصراع الطويل بانتصار دعاة التحرر والحد من سلطان الكنيسة وحصره فانكمش نفوذ البابا، ولم يعد يجاوز طقوس التعميد والصلاة والزواج. وبذلك تحقق فصل الدين عن الدولة.

في تلك الفترة كان العلم في حالة انكماش في الشرق، وتمدّد ونمو في الغرب. واستمرّ الأمر على هذا الحال. أضف إلى ذلك ما عاناه العالم الإسلامي من حروب أنهكته وحطّمته بعد الحروب الصليبية هجمات المغول وسقوط الدولة العباسية على أيديهم، وقتلهم الكثير من العلماء ورميهم للكتب العلمية في نهر دجلة حتى صار ماؤه أزرق ثلاثة أيام.

كما يذكر المؤرّخون أدقَّ هذه الأمور وغيرَها إلى ضعف العالم الإسلامي، وانتقال الحضارة العلمية إلى أوربا التي وجهت طاقتها وعنايتها إلى الاهتمام بالعلوم ونشرها. ثم مرّ العالم الإسلامي بعد هذه الحروب التي أنهكته، فتداعى عليه الأعداء كما تتداعى الأكلة على قصعتها فأكلوا وشربوا، حتى أصبح جسمًا بلا روح أو كاد بل أصبح غثاء كغثاء السيل.

وأمست البلاد الإسلامية تحت سيطرة الدول الأوربية التي استغلّت خيراتها ونعمت بثرواتها واستيقظ العالم على أزيز الطائرات ودويّ المدافع وضجيج المصانع؛ فانبهر بتلك الحضارة وبادر إلى السؤال عن أسبابها. ولم يفت على الاستعمار إعداد الجواب لمثل هذا السؤال؛ فقد أقصِي أصحاب الثقافة الدينيّة عن ميادين الإصلاح، وحصر وظائفه في المساجد التي قل روادها عمومًا، وأصبحت الوظائف الحكوميّة وأدوات التوجيه الاجتماعيّ في أيدي الثقافة الأوربية الذين نشأوا في أحضان الاستعمار وتشبعوا بثقافته؛ فسيطروا على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية. فضلًا عن جهود الاستعمار الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة؛ وأوهموا الناس أن حالة العالم الإسلامي تشبه حالة أوربا في العصور الوسطى، ولن ينهض إلا بما نهضت به أوربا من فصل السلطة الدينيّة عن سلطة المدنية. وبذلك يتحقّق له ما تحقّق للأوروبيين.

وهال الأمر علماء المسلمين، وذهبوا للردّ على تلك الأفكار مذاهب شتى. وحاولت فئة منهم التوفيق بين الدين والعلم وبيّنت للناس أن الدين الإسلامي الحقّ لا يحارب العلم ولا ينافي العقل، وأنه دين العقل والحرية والفكر. وذهبت تبيّن للناس ذلك المنهج وتقييم الدين الإسلامي على العقل -الذي لا يقرّ أرباب الثقافة الغربية غيره حكمًا-، وبينت أن ليس في الإسلام ما لا يقرّه العقل، وحاولت أن تفسر القرآن الكريم على هذا المنهج وهذا الأساس. وكان لهذه المدرسة العقلية رجال، كان لهم نشاط واسع في نشر هذه الثقافة ومكافحة الاستعمار ومقاومة الهجوم على الدين والقضاء عليه في التخلف الحضاري.

وكان من رجال هذه المدرسة المؤسسين([71]) لها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وتلاميذه محمد مصطفى المراغي ومحمد رشيد رضا وغير هؤلاء كثير. وسميت نهضتهم هذه بالنهضة الإصلاحية. وكان لهذه المدرسة آراء كثيرة تخالف رأي السلف وشطحات ما كانوا ليقعوا فيها لولا مبالغتهم الشديدة في تحكيم العقل في كل أمور الدين، حتى جاوزوا الحقّ والصواب([72]).

لقد سيطرت على عقولهم شعارات ومبادئ لإقامة المجتمع اليهوديّ على أنقاضها؛ وهي مبادئ الحريّة والمساواة والعدل. وقد ساعدت مؤسسات أقامها اليهود لنشر هذه الأفكار الهدامة كنوادي الروتاري، والليونز؛ وهي مؤسسات ماسونية تنتشر في العالم كله لامتصاص طاقاته وثرواته واجتذاب عالية القوم فيه للاستفادة منهم. وقد سرت عدوى «التحرر» و«العقلانية» وأمثالهما في البلاد الإسلامية نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في أواخر العهد العثماني، عن طريق البعثات التعليمية وغيرها. ومن تلامذتهم جمال الدين الأفغاني، وقد اشتهر بأنه الرائد الأول لدعوة «الجامعة الإسلامية»، خلافًا للحقيقة، ورغم الدور الذي قام به العديد من المفكّرين الذين ينتمون إلى مدرسته الفكريّة والسياسيّة، ودون إغفال الأثر الذي أحدثته «العروة الوثقى» في باريس وأوربا تجاه فكر «الجامعة الإسلامية»([73]).

فمدرسة جمال الدين الأفغاني أو الإيراني المتوفى سنة 1314هـ، وتلميذه محمد عبده هي تقديم العقل على النقل، وإيثار منهج الاعتزال عن منهج ﷲ؛ حيث أنكر -المتبعين للمدرسة العقلية- الغيبيات والمعجزات؛ لأنها أمور لا تقع غالبًا تحت الحس، ولا تخضع للمألوف العقل البشري ولا تجري على السنن المعتادة. حيث يقول القرطبي:

أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن، ودلّ إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة ديانتهم، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص من الكتاب والسنة على إثباتهم([74]).

وقد حفلت كتب التاريخ والتفسير بذكر العديد من التأويلات لست بصدد الحديث عنها، ولكن ما يهمنا هنا هو الردّ على موقفهم بالنسبة إلى: أحاديث الآحاد هل تقبل في أمور العقيدة، وطعنهم بأحاديث المهدي في مدرسة الأفغاني، ومحمد عبده، والشيخ رشيد رضا([75]).

حجية خبر الآحاد: تعتبر المدرسة العقلية أن خبر الآحاد ظنّيّ الثبوت وليس بقطعيّ الثبوت، ويقول أبو رثّة: قال محمد عبده.

هل تقبل في أمور العقيدة: أن المسلمين ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن، وإن الإسلام الصحيح هو ما كان عليه الصدر الأول قبل ظهور الفتن. وألَّا يمكن لهذه الأمة أن تقوم إلا بالروح التي كانت في القرن الأول وهو «القرآن». ولذلك ردوا أحاديث أشراط الساعة الثابتة بأحاديث الآحاد، مثل خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام. وفتح بابًا لتلاميذه والمتأثرين بمدرسته لرد عشرات الأحاديث التي تنبئ عن بعض الغيبيات، علمًا أن كثيرًا منها بلغ حد التواتر، فقد أنكروا أحاديث المهدي، وأنكروا خروج الدجال وزعموا أنه رمز للخرافات والدجل والقبائح، وفسروا الدابة التي تخرج آخر الزمان، بأنها الجراثيم الخطرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل([76]).

218

المصادر
الكاتب

د. شيرين لبيب خورشيد

الكاتبة لأدب الأطفال والحاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة الإمام الأوزاعي في لبنان في فن الإرشاد التربوي تحت عنوان ”القيم الأخلاقية في كتب التربية الإسلامية في الحلقة الثانية في التعليم الأساسي في لبنان” .

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.