شيخ الإسلام وعلامة الزمان فريد الإسلام ووحيد عصره تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الدمشقي الذي نذر وقته ونفسه وحياته كلها لله يجاهد في سبيل الله بالقول والقلم والنفس والمال، نذر حياته كلها لله تعالى علمًا وتعلمًا وتعليمًا وجهادًا ونشرًا للحق والدفاع عنه ودحضًا للباطل وبيانًا لعواره وزيفه.

نشأته وتاريخه

ولد في حران سنة 661 هجرية وانتقل منها وهو ابن السابعة مع أسرته فرارًا من التتار إلى دمشق لا يحملون من متاع غير الكتب، نشأ نشأة علمية في بيت علم وتعلم، وكان منذ صغره شغوفًا بالعلم والقراءة مجدًا في التحصيل لا يؤثر على الاشتغال بالعلم لذة ولا يؤثر أن يضيع منه لحظه.

وهبه الله سرعة في الحفظ استثمرها في طلب العلم فقد أحكم أصول الفقه وحفظ القرآن وقرأ العربية وتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وحاز السبق في التفسير، هذا كله وهو ابن بضع عشرة سنة. كان ليسأل في باب من أبواب العلم فيظن السائل أنه أعلم أهل زمانه في هذا الباب وأنه قد لا يفقه شيئًا في أي باب آخر من سعة إدراكه وإتقانه له.

ولم يك يبلغ العشرين حتى كان يجلس للتدريس والخطبة والفتية، ويحضر مجلسه كبار العلماء والفقهاء والقضاة ينهلون من بحر علمه وسعة اطلاعه. وامتاز بالشجاعة فكانت له هذه الصفة نعم المعين في جهاده فقد كان من أشجع الناس وأقواهم قلبًا وكان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، لا يخاف فالله لومة لائم، وكان الشيخ إذا حضر مع عسكر المسلمين جهادًا كان بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم يشجعهم ويبشرهم ويعدهم بالنصر والظفر والغنيمة.

جاء في فترة كثرت فيها البدع والخرافات والمناهج العوجاء حتى أصبح المؤمن الموحد فيها غريبًا محاربًا طريدًا مثل الفترة التي نعيشها الآن والله المستعان فما أحوج فترتنا لمثل ابن تيمية.

مؤلفاته

لقد عجز معاصروه وتلاميذه عن حصر مؤلفاته فقيل أنها بلغت الألف ويزيد وتوزعت بين البلدان حيث لم يزر بلدًا إلا وله فيه مؤلفات، والمطلع على مؤلفات الشيخ يلحظ أن أغلبها في مسائل الأصول والعقائد والرد على أهل البدع وقد بين الشيخ سبب ذلك لتلميذه عندما سأله عن ذلك طالبًا منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الافتاء فقال:

“الفروع أمرها قريب ومن قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود… وغيرهم من أهل البدع، قد تجاذبوا فيها بأزمَّة الضلال، وبان لي أنَّ كثيرًا منهم إنَّما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العليَّة على كلِّ دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلَّ أن سمعت أو رأيت مُعرضًا عن الكتاب والسُّنَّة، مقبلًا على مقالاتهم إلا وقد تزندق، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده، فلما رأيت الأمر على ذلك بانَ لي: أنَّه يجب على كلِّ من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف دلائلهم، ذبَّاً عن الملة الحنيفية والسُّنَّة الصحيحة الجلية”.

ولذلك سعى ابن تيمية سعيًا دؤوبًا لتطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعداوتهم، ولولا من يُقيضه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يُفسدون القلوب ابتداءً.

وهذا النصُّ المبارك قد حوى فوائد عظيمة منها:

أولاً: أن هذا الإمام كان يحمل همَّ الدفاع عن حياض هذا الدين، وتُقلقه تلك البراعم الخبيثة التي يزرعها المبتدعة بين أمة الإسلام، فلم يقف عاجزًا مكتوف اليدين، بل شمَّر عن ساعد الجد يدفع مكرهم وكيدهم بالدلائل العلمية والحجج البرهانية.

ثانياً: أنَّ من فقه هذا الإمام الجليل -رحمه الله تعالى- ترتيبه للأولويات ترتيبًا شرعيًا، وذلك بالبدء بالأهم فالمهم، فليس من الحكمة الاشتغال بالمفضول دون الفاضل.

ثالثاً: أنَّه حرص على القيام بسدِّ ثغرة لم يقم بها غيره في زمانه على الوجه الذي تبرأ به الذمة، وترك ثغرة أخرى -على الرغم من أهميتها- لقيام غيره بسدها، وهذا هو عين الحكمة والعقل.

قال عنه تلميذه الإمام البزار في معرض كلامه عن شيخ الإسلام: “اتفق كل ذي عقل على أنه ممن عنى نبينا بقوله: “إن الله يبعث على رأس كل مائه سنة من يجدد لهذه الأمة دينها”; فلقد أحيا الله به ما كان قد درس من شرائع الدين وجعله حجة على أهل عصره أجمعين والحمد الله رب العالمين”.

سجنه

وفي رحلته لتبيان الحق وكشف الزيف قوبل بالعداء من كثير من أهل زمانه وخاصة طلبة العلم والمعدودين من القضاة والعلماء بل وسعى بعضهم للوشاية به عند الأمراء حتى لأنه قضى فترة من عمره مسجونًا فقد سجن سبع مرات ليس لشيء إلا لأنه صدح بالحق ولم يخش في الله لومة لائم.

وأصبحت مقولته نبراساً لكل أسير حُبس أو أُوذي دون كلمة الحق فهو القائل:

ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، إن قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة.

ولقد استغل فترة سجنه في التأليف والدرس ومن أحد مؤلفاته كتاب في إصلاح السجون أرسله إلى ابن قلاوون شرح فيها حقوق السجين وواجبات الدولة نحوه وأثرت رسالته في السلطان الذي طبق عددًا من الإصلاحات المقترحة، منها تعليم السجناء بعض المهن وتهيئة اندماجهم بالمجتمع والإنفاق عليهم ورعايتهم صحيًا، وتخفيف المحكوميات بحسن السلوك.

قال عنه الذهبي: “وهو أعظم من أن يصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه، ومحنه وتنقلاته، تحتمل أن ترصع في مجلدتين”.

ابتلي الشيخ بمحن كثيرة لم تخل فترة حياته منها ولم يكد يخرج من واحدة ألا وابتلى بأُخرى وكذا هي حياة الحر الذي عرف أهمية الكلمة ولم تثنه المخاوف والتهديدات عن الجهر بكلمة الحق وإعلاء منهج الله والتمسك بالصواب ودحض الكذب والباطل وبيان عواره وزيفه، وما ابتلي رحمه الله بمحنة إلا وخرج منها منتصرًا ويصبح بسببها أكثر قبولًا ومحبة ويتضح للناس بها الحق أكثر مما كان من قبل ولذلك كان يشير في كل محنه إلى أن في ذلك خيرًا كثيرًا.

وفاته

توفي شيخ الإسلام سنة 728 هجرية وهو ابن 67 عامًا محبوسًا في قلعة دمشق وكان يوم وفاته يومًا مشهودًا فلم يبق أحد في دمشق إلا وحضر للصلاة عليه وأغلقت الأسواق وخرج الأمراء والوزراء والأعيان والفقهاء والعلماء والشيوخ والنساء والاطفال لتشييعه ولم يتغلب أحد من غالب الناس.

قال ابن حجر: “ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرجل إلا ما نبّه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لمّا مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدًا، شهدها مئات الألوف، ولكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد بل أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته.”

2814

المصادر
الكاتب

آلاء محمود

كن شخصاً إذا أتوا من بعده يقولون مر وهذا الأثر

التعليقات

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.