الذي تقاس به قوة العقائد هو قدرتها على مقاومة التحريف والتبديل، فقد تعرضت عقيدة التوحيد على اختلاف الأزمان والرسالات إلى مكائد هدفت لتحريفها وإعادة إخراجها في قوالب جديدة هي أبعد ما يكون عن إشراقها الذي نزلت به من عند رب العالمين على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وشاء الله سبحانه أن يحفظ القرآن والسنة وقيض لهما الحفظة الأمناء لنقلهم جيل عن جيل دون انقطاع، وما نراه اليوم من انحرافات آلت إليها اليهودية والنصرانية، ما هي إلا نتيجة للتبديل والتغيير الذي طال هذه العقائد، وبلغ فيها أن وقع علمنتها من الداخل _ أي إعادة إخراجها على قياس النمط العلماني للدولة القومية الحديثة _  ينزوي معها الدين في زاوية من زوايا أحد أبنية المجتمع، تتصاعد منها تراتيل خافتة بين الحين والآخر، منفصلة عن عالم الحياة والنشاط البشري، الذي لا دخل فيه لتشريعات السماء، مادام الإله خارج تلك الأبنية هو المادة.

لكن الإسلام وباعتباره الرسالة الخاتمة والبيان الأخير المخاطب للبشرية كافة، ليس بمنأى عن هذا الكيد المتمثل في محاولات تحريفه وعلمنته من الداخل بقصد إعادة ترتيب مفاهيمه على نحو يوافق الثقافة الغالبة، حتى يخضع إلى سلطانها، تحت مسميات وعناوين كثيرة أبرزها عملية تجديد الخطاب الديني، أو ما سنطلق عليه تهويد الخطاب الديني، الذي تتصاعد دعاويه في عالمنا الإسلامي اليوم، وتتكاتف جهود المحرفين فيه، فتصب كلها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن قصد أو عن غير قصد لصالح القوى المهيمنة الصهيونية الصليبية على بلادنا.

بدايات الانحراف في الديانة المسيحية

بدأت الانحرافات في المسيحية مع بولس الطرسوسي أو ما يعرف عند المسيحيين ببولس  الرسول، الذي كان يدرس في لاهوتيات الإسكندرية التي تتبنى أفكار المدرسة الأفلاطونية الحديثة، ترى هذه المدرسة  أن العالم صدر من ثلاث عناصر وهم المنشئ الأول، وثانيها العقل الذي تولد من المنشئ الأول، والعنصر الثالث هو الروح الذي صدر منها سائر الأرواح، وهذه الروح عندهم تتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل، ومن هذه الضلالات ولد التثليث في النصرانية.

بولس كان من رواد هذه المدرسة الأفلاطونية الحديثة  وكان من أشد أعداء المسيحية، وفي ظروف غامضة أصبح بولس الرسول  قطب الرحى في الديانة النصرانية، ثم نسبت إليه التحريفات التي أدخلت عليها والتي مصدرها لاهوتيات الإسكندرية، وقد أورد عديد من المؤرخين الأوروبيين  أن بولس الرسول هذا لم يعتقد الديانة النصرانية أصالة إنما جاء لينفذ أجندة المحكمة اليهودية العليا المعادية والكارهة للنصرانية، ودعم المؤرخون هذا الاتجاه بدليل أن شيوخ بولس في مدرسة الاسكندرية كانوا يهودا.

 فأحدث التحريفات التي منها صكوك الغفران والذبح للقربان و من أبرزها عقيدة التثليث، ووقع تعسف مغالطات الأفلاطونية على الديانة المسيحية، فزعم أن المنشئ الأول يسمى في الديانة النصرانية الأب، وسمى العقل في النصرانية بالابن ويقول هو عيسى ابن مريم، والروح التي صدرت منها الأرواح في الأفلاطونية الحديثة تسمى روح القدس في النصرانية، فأتى بفكرة التثليث الأب والإبن والروح القدس، وأقرت الكنيسة تحريفات بولس في اجتماعها في فينيقيا وأقرها حاكم الدولة الرومانية في تلك الفترة، ولازالت هذه الضلالات إلى اليوم تمثل محور العقيدة المسيحية، ولازالت الكنيسة إلى اليوم تواجه أسئلة المسيحيين الذين يطالبون تفسيرا واضحا لمساواة الثلاثة بالواحد، بقضية سرية هذا الأمر وعدم جواز البوح به ! يقول القديس اوغسطين: “إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه”

ولك أن تتخيل كم استحقروا عقول مريديهم حين يحملوهم على القول في كل صلواتهم : باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد، وكم هو الفرق بينها وبين الديانة الإسلامية التي تدعوا إلى إعمال  العقل ولإثارته للفهم والتدبر، وتعددت الآيات القرآنية الصريحة بذلك. 

علمنة المسيحية من الداخل، التجربة النموذج للنخب العلمانية العربية

الخطاب الديني بين التجديد والتهويد 1

كانت الموجة الثانية في العصر الحديث، إذ تعرضت أوروبا طيلة القرون الوسطى والعصر الوسيط إلى هزات داخلية كان أغلبها  ردود أفعال ضد عوامل الركود التي فرضها نظام الإقطاع وسطوة الكنيسة، الكنيسة التي كانت تحتكر الحق المطلق في التصرف في الدين المسيحي حسب الأهواء والخرافات، مقابل إضفاء صفة القداسة على الملوك المتحالفة معهم، فما لله لله وما لقيصر لقيصر، ما شرعن حالة البؤس والاستبداد والجهل داخل القارة الأوروبية وألبسها حالة من الرهبانية السلبية، كما سعت الكنيسة إلى ابتداع مختلف وسائل التخدير الفكري والمعرفي لإبقاء ظهور الشعوب عارية تحت سياط الملوك، كل هذه العوامل كان لها تأثير عكسي حين سعى الغرب إلى التحرر واللحاق بركب الحضارات العلمية حينها والتي كانت الأمة الاسلامية في مقدمتها، لذلك كانت ما سمي بحركات الإصلاح الديني مقدمة للثورة على النظام الكنسي، ولم تتوقف هذه الثورة على إصلاح ما ابتدعه الباباوات والقساوسة، بل امتد إلى سخط عام على كل ما يتعلق بالدين، بالتالي اكتست النهضة الصناعية لاحقا طابعا ماديا إلحاديا، وبقيت الكنيسة والمسيحية كمؤسسة خاضعة لعلمنة الحياة الاجتماعية ومشرعة لها.

أصول الانحراف في الفكر الإسلامي و الحرب على العقل والنقل

علم أعداء الأمة منذ فجر التاريخ أن قوة الإسلام هي في التكامل بين النقل والعقل، فسعوا إلى إيجاد طغيان لأحد الطرفين على الأخر.

الحرب على النقل:

فكانت للحرب على النقل  ثلاث محاور، أولها التشكيك في صحة النقل ومصداقيته، والثاني عبر دس أناس في أظهر المسلمين يضعون الأحاديث المكذوبة في مختلف أبواب العلوم، أما المحور الثالث فكان عبر إضعاف جانب النقل مقابل العقل، فأما المحور الأول والثاني فقد قيض الله لهذه الأمة من يحفظ بهم نقل الإسلام من قرآن وسنة وهيأ من الأسباب ما يحمي به أصول هذه الديانة، إذ تفطن العلماء مبكرا لخطورة هذا التحريف فأوجدوا علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل  اللذان يعدان من مفاخر العلوم الإسلامية بل والإنسانية، لكن المحور الثالث كان أكثر المحاور تأثيرا، بتعظيم العقل مقابل النقل، والتزام قواعد عقلية والتقيد بها ثم محاكمة النقل عليها، وهذا بارز خاصة عند المعتزلة، بالتالي أصبح النقل في مرتبة متأخرة فعمل هذا المحور الثالث ما عجز عن فعله كلا المحورين الأول والثاني.

الحرب على العقل:

لم تكن الحرب على النقل بأقل ضراوة من التي كانت على العقل، خاصة بعد حركة الترجمة التي حدثت في عصر المأمون، سابع الخلفاء العباسيين،  لكتب الفلسفة الإغريقية واليونانية، وقد روت كتب التاريخ أن من كان يعمل في عملية الترجمة كانوا من اليهود والفرس الساكنين في قصور السلاطين، وبدأت أفكار هذه الكتب تتسلل إلى الذوق العقلي عبر  مجموعة من الفلاسفة نسبوا أنفسهم للإسلام و طبقوا انحرافات فلسفة اليونان والإغريق على العقيدة الإسلامية فأتوا بالزندقات والجدليات العقيمة، و دخلت عن طريقهم الأفكار والتناقضات العقلية، فقاموا باستجلاب عقيدة التثليث لكن بطريقة أخرى وهي عقيدة الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، الشبيهة بالقول أن الأب يحل في الابن في النصرانية ، فقالوا أن الله يحل في مخلوقاته، وكل تلك الزندقات تعالى الله عنها علوا كبيرا.

 ومن جهة أخرى ظهرت دعاوى تحقر من العلوم العقلية و غالت في رفض الاستدلال والاستنباط المضبوط بقواعد الشريعة، مما أثر سلبا في تكامل النقل والعقل، وقد بذل أعلام الإسلام الجهود الكبيرة في درء تعارض العقل والنقل. 

الانحراف المعاصر ومحاولات العلمنة

الخطاب الديني بين التجديد والتهويد 3

بعد سقوط منظومة الخلافة الإسلامية رسميا بتفكيك الإمبراطورية العثمانية، دخلت الأمة في نوع جديد وخطير من محاولات التحريف، خاصة بعد تعطيل الشريعة الاسلامية كنظام حكم، وخضوع الأمة تحت أحكام منظومة الاستعمار الوضعية العلمانية، وتولد عن ذلك غزو فكري، تلاه خضوع للثقافة الغالبة،  وهذه المرة يبرز الخطر في أن عملية العلمنة تتم من الداخل، وهذه نماذج لهذه الانحرافات:

علمنة الخطاب الديني فكريا:

تعرضت الأمة الاسلامية إلى هجوم علماني بعد فترة الاستعمار المباشر، عبر رموز تأثرت بالمنتج المادي العقلاني الغربي حد التشبع، ظهرت على إثره الدعاوى المادية من اشتراكية ورأسمالية، وحاولت إنتاج نوع من الالتفاف الشعبي حولها، لكنها فشلت في مصادمة الأمة في دينها مباشرة، ورفضتها الفطرية الجماهيرية بل أنتجت ردة فعل  أعادت نزعة التدين المتأصلة في أعماق الجذور الحضارية في الأمة الإسلامية، ما دفع الظاهرة العلمانية إلى تغيير الأساليب عبر الالتفاف على النسق الديني ومحاولة توليد العلمانية من داخله، وذلك عبر إحياء مقولات الفرق الفلسفية-الكلامية كالمعتزلة وتبني أرائهم، أو انتقاء رموز إسلامية كابن رشد والدخول من خلالهم إلى الفكر الإسلامي، ثم القيام بهدمه من الداخل، والانطلاق من تلميح ديني لتأسيس وضع علماني، أو قراءة أطروحة العلمانية الغربية بخطاب الإصلاح الديني المسيحي ثم تعسف رؤية الواقع العربي الإسلامي من خلاله، بكل ما يحمله هذا التعسف من قيود الاصطلاح الوافدة والمغالطات الفكرية، وهذا النموذج يمكن تلخيصه هذه الأيام في مؤسسة مؤمنون بلا حدود، التي تستعمل هذا الأسلوب لتوليد الخطاب العلماني من داخل الوسط الديني الاجتماعي الإسلامي، عبر تصدير النخب العلمانية المتطرفة وتوفير منابر حوارية تعمل لعلمنة المزاج الفكري.

علمنة الخطاب الديني سياسيا:

عند اندلاع الصحوة الاسلامية بعيد خروج الاحتلال المباشر عسكريا وبداية تشكل حركات تسعى إلى إعادة الحياة وفق منهج الإسلام وشريعته، بدأت معها عملية تصحيح المفاهيم المشوهة، حتى تعرف الأمة دينها على صورته الشاملة، المستوفية لكل مجالات النشاط البشري، فكان من الطبيعي أن يتصادم الإسلام بالمناهج الغربية والأنظمة المهيمنة على الحياة الاجتماعية، وأن يثير هذا سخط الأطروحات العلمانية المتأسسة على منظومة قيمية قوامها المادة، يستعبد فيها البشر البشر، ويشرع فيها البشر قوانين للبشر، والتي تسترق فيها الجماهير عبر شيوع النهم الاستهلاكي، فكان بديهيا أن يحدث التدافع بدخول السرديات الإسلامية الكبرى ميدان معركة التغيير، لكنه و بعد فترة الثمانينات، ظهر  تيار حداثي تأويلي متصالح مع الحضارة الغربية على يد الغنوشي والترابي، والعمل على إيجاد أرضية للتطبيع و التوافق مع الثقافة الغالبة على حساب السرديات الاسلامية الكبرى، بالتالي إلباس الاسلام لباس الديمقراطية والليبرالية، وإلغاء الثوابت الدينية للدخول داخل جسد النظام العالمي.

 فتحولت جهود هذا التيار نحو شرعنة النظم الغربية وأسلمة صفوف الاحتلال، وتغطية كل ذلك بفتاوى أمريكية، ما جعلهم أحد أوراق أمريكا في المنطقة، وقد تم استغلالهم إثر الثورات العربية لتمرير إسلام أمريكي يسلب الشعوب حيويتها وانبعاثها نحو التغيير ويكبلها في أطروحة غربية تحت لافتة إسلامية، كما أخذت هذه العملية بعدا مؤسساتيا، نذكر منها نموذج مركز دراسات الإسلام والديمقراطية الذي يعمل على تلبيس المفاهيم وتقديم أطروحة انهزامية متخاذلة أمام المطالب الأمريكية في المنطقة، وإلباس السياسات الأمريكية لباس الإسلام، عبر تطويع نظام الوحي الإسلامي داخل القالب الديمقراطي الغربي، وتسخير قواعد الأحزاب للترويج لهذا الفكر، تحت مظلة العمل داخل المجتمع المدني، حتى يتواصل الاستنزاف العقدي، كمقدمة لبقاء حالة الهيمنة الاقتصادية.

علمنة الخطاب الديني عبر أنسنته:

كثيرا ما يقع خاصة في الشاشات العربية تداول فكرة الأنسنة كبديل للدين ذو التكاليف والالتزامات، بالتالي يصدر خطاب جذاب يعجن الدين ليوافق شهوات الإنسان، على اعتبار الإنسان مركز الوجود الكوني، والوحي تابع له لا الإنسان تابع للوحي، وهذه الفكرة هي التي أدت إلى تدمير المعتقد النصراني في الغرب وتحويل الدين لمجرد تابع، فالإنسان بهذا التصور هو مصدر كل شيئ، بالتالي تنشأ  الدعوى لما عبروا عنه بإعادة اكتشاف النص الديني خارج الضوابط الشرعية لفتح الوحي وتأويله نحو أنسنة دينية تؤدي إلى ما يسمى بوحدة الأديان، وإسقاط الضوابط الشرعية الفارقة بين رسالة الإسلام وبقية العقائد المنحرفة والمحرفة، ثم توسيع مفهوم الإيمان ليشمل كل هذه العقائد، فيتميع داخل هذا التيار مفهوم الانتماء الواضح والولاء والبراء، ويصور مفهوم الحرية خارج الالتزام الديني كنوع من الحريات الفردية التي لا دخل للشعائر فيها، لتلتقي هذه الدعوى بمفاهيم الحضارة الغربية الاستهلاكية فتدفع إلى فكرة تحقيق الذات عبر لاهوت النجاح في إطار قيم الحداثة الغربية، وتركز هذه الدعوى على الترويج للروحانيات بغض النظر عن مصدرها. وبما أن التدين تجربة فردية غير منضبطة، وتعتني أساسا بالإشباع الروحي، يدخل فيها طقوس التأمل البوذية و الهندوسية والنيرفانا والتطهر الداخلي بفكرة الخلاص الفردي، المنفصل عن حقيقة الدين، بناء على أنه ليس هناك فروق بين الأديان، ويمكن اعتبار عدنان ابراهيم أحد نماذج أنسنة الخطاب الديني ومن نحى نحوه من دعاة راند.

علمنة الخطاب الديني عبر تسكينه:

أفضت نتائج البحوث الأمريكية الخاصة بأساليب اختراق العالم الإسلامي على ضرورة دعم تيارات بعينها، لتوافق هذا الدعم والانتشار مع المصالح الأمريكية، وكان من بين هذه التيارات غلاة الصوفية وغلاة الطاعة أو المداخلة، ويعتبر حصر الخطاب الديني في زاوية محددة ثم التزام عدم تناول بقية الجوانب، يعتبر هذا بذاته أحد أساليب توليد دين علماني  معتزل في جوانب محددة لا يتجاوزها لغيرها.

أما التصوف فقد كان محل اهتمام كبير لدارسي الإسلام، للولوج عن طريقه إلى إنتاج خطاب ديني مسكن للجماهير، مع التركيز على إنشاء رغبة انسحابية تتجنب الاحتكاك مع الواقع وتلغي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبر تفسير الزهد باعتزال معارك التغيير، كتب دانيال بايبس سنة 2003 ” الغرب يسعى إلى مصالحة التصوف الإسلامي ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة ” ، وقد حدث هذا فعلا فقد قام الكونغرس والمؤسسات الأمريكية بدعم حركات إحياء التراث الصوفي في مختلف البلدان العربية كخلفية وطنية، وتصديره كنموذج للإسلام الرسمي وأحد أشكال دين الملك الذي يغدق عليه ويعتني به الرؤساء ومسؤولي الدولة والمنظمات العالمية، بل يشارك السفير الأمريكي في مولد السيد البدوي سنة 2007 وقابل هناك شيخ مشايخ الصوفية، وكذلك في المغرب حضر السفير الأمريكي وزوجته احتفال صوفي في مدينة الرباط أقامه شيخ الطريقة البوتشيشية.

لقي هذا التيار دعما كبيرا من عسكر مصر والإمارات والسعودية، فقد وقع تأسيس مؤسسة طابة الإماراتية التي يضم مجلسها الاستشاري علي الجفري الذي يتم تصديره على المنابر الإعلامية بنشاط كبير، ويضم كذلك علي جمعة و عبد الله بن بيه وغيرهم،  ومن أهداف هذه المؤسسة تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، كما تعمل على دعم الدكتاتوريات العسكرية و العوائل المالكة، في مقابل بث خطاب التسكين والتدجين وقبول الواقع وطاعة ولي الأمر. وتخذيل الثورات العربية.

ومن الجهة الأخرى يوجد الخطاب المدخلي الجامي، الذي يمثل أحد أعمدة الطغيان، بشرعنته لكل جرائم الملوك و الفراعنة ولي أعناق النصوص الدينية وفرش الفتاوى أمامهم على بساط فقهي في طريقهم إلى سفك دماء الجماهير واعتقال العلماء الربانيين وتبرير التعذيب في السجون وانتهاك الحرمات، وتسليم البلدان وثروات المسلمين إلى الغاصبين، في المقابل تتصاعد أصواتهم للطعن في كل نفس حر وكل دعوة لاستعادة الكرامة وكل رموز المقاومة، حتى إذا ثارت الشعوب على غاصبيها، خرجوا وعددوا مفاسد التظاهرات، وفتنة الخروج على ولي الأمر، فما أن تعمل سياط الظلم بغيا في أجساد الجماهير، حتى يغيب الاستنكار في حالة من تأليه الطغاة وعبودية كاملة للحكام والسلاطين، وتحويل الخطاب الديني إلى نموذج استخباراتي ينشط في التدجين والتثبيط، ونموذج هذا التيار ربيع المدخلي الذي خصته التقارير الأمريكية بالذكر والثناء والتشجيع على دعمه ودعم منهجه، ومحمد بن سعيد رسلان ومن نحى نحوهم.

يقف وراء شعار تجديد الخطاب الديني اليوم وما ينتجه كهنة المؤسسات الدينية الرسمية أو المؤسسات البحثية الإلحادية الممولة داخليا وخارجيا والمدعومة بأجهزة الدول، مشروع تخديري يسعى لكتم الأصوات التي طال بها العهد في الاستبداد ونهب المقدرات والحقوق، من أجل أن يعيش الأمريكي والغربي الرفاه، مقابل موت أطفال المسلمين في مخيمات الإيواء جوعا، ويزج بخيرة علماء الأمة في زنازين السجون، مقابل فتح الباب لكل فكر منحرف للتلبيس على الشعوب، وأن ينعم المعتدي الغاصب بالأمن مقابل أن تنسف مدن بأكملها على رؤوس سكانها، وفي نفس هذا الوقت تطلق برامج إعادة صناعة خطاب ديني لتكمل ما بدأته الحروب وعمالة الحكام، لإجهاض كل محاولات النهوض وتمكين الأمة من مشعل التحرر، بالعمل على علمنة الإسلام من الداخل وتفكيك منظومته القيمية.

464

الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.