السنة النبويّة بين الاتباع والابتداع

أنزل الله الوحي ليُدِلّ الإنسان على ربّه، ويتعرّف إليه بصفاته وأسمائه، ويُدِلّه إلى عبادته وحقّه على عباده وحقوقهم فيما بينهم. ولو كانت العقول تهتدي بأنفسها إلى ذلك ما كان للوحي ولإرسال الرسل معنى، ولَمَا ضلّت الأمم وكفرت، وفسقت وظلمت، وتقلّبت بين أحوال الإنسان والحيوان.

وقد أنزل الله النّقلَ وخلق العقل ليقود النّقلُ العقلَ ويهديه، فيسير به إلى نجاته؛ لأن العقل يعرف الماديات ويضلّ في الغيبيات، ويعرف البدايات ويضطرب في النهايات، ولأن الإنسان يستعمل عقله في يومه وليلته في منافعه، فيراهُ مصيبًا، فيغترّ به فيحكّمه في الغيبيّات وفي الغايات البعيدة التي تحوّل البدايات قبل بلوغها عن صورتها التي بدأت عليها”.

السّنة النّبويّة محفوظة أم فقط القرآن؟

أنزل الله الوحي وجعل تبيانه وتوضيحه بلسان رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ويعصم الله عزوجل نبيّه من الخطأ إذ يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.

إذ لا بُدّ من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- لاكتمال فهم الدين، فكما وعد الله تعالى بحفظ كتابه إلى اليوم الدين، حيث قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فمن الترتيب المنطقي حفظه لسنّة نبيّه -صلى الله عليه وسلم-،  فمن أيقن بحفظ القرآن كان لزامًا عليه أن يتيقن بحفظ السّنة النّبويّة دون زيغ ولبس، حتى إن وُجد عبر التاريخ مَن حاول الإضافة عليها أو تزويرها لهوى في قلبه، أو لغايات تخدم مصالحه، فالله يحفظ دينه بمن خلال “ورثة الأنبياء” أهل العلم الرّاسخين الذين هم حُماةُ هذا الدين من داخله، كما المجاهدون حُماة الدّين من خارجه. حيث قال عليه الصلاة والسلام من حديث أبي بردة عن أبيه فيما أخرجه البخاري: “النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ”. وكما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داوود : “إن الله يبعثُ لهذه الأمةِ على رأس كل مائةِ سنةٍ من يُجدد لها دينها” كيف لا؟ وقد أمر الله عز وجل في كتابه العزيز المؤمنين بإطاعة خاتم النبييّن، والمشي على هداه، حيث قال تعالى في عدّة مواضع يأمر بإطاعة رسولنا عليه الصلاة والسّلام، ومنها: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فلزوم ذلك يكون بحفظِ سُنّة النبي -صلى الله عليه وسلم- قولًا، وفعلًا، وحدَثًا.

فالشُّبهة التي اختلقها بعض المنتسبين إلى الإسلام بردِّ السُّنة النّبويّة لاكتفاء المسلمين بالقرآن لتدحض آيات كثيرة من القرآن، وهو عين الباطل ذاته، أمّا من قال إن السّنة لا تناسب كل زمان ومكان، فالأولى به تغيير كيّفيّة العبادات، وأوّلها الصلاة!

أمّا الأخذُ بما لا يتعارض مع هوى النّفسِ من السّنة وترك ما يعارضها بحجّة أنها لا تناسب العقل، فأيُّ عقلٍ هذا الذي إذا تزاحمت الأفكار قليلًا في ميدانه بدأ صاحبه بالبحث عن قلمه وهو ممسك له بيده؟! فهل يصلح هذا العقل للتّفكّر ودحض ما أُوحيَ إلى رسولنا الكريم بحجّة اللّامنطق، فالطّفل الذي يلعب بآلة كهربائية ويُعطلها لن يفهم الحكمة من توبيخه لقلّة إدراكه وقصور عقله عن آلية عمل هذه الآلة والتّكلفة المادية الباهظة لها، وهنا يكون الفرق العمري بين الأب والطفل زهاء عشرين عامًا لا غير، فهل يُعقل أن يكون إدراك عقولنا نحن المخلوقين قادرًا على الفهم والإحاطة بحكمة خالق الكون ورب كل شيء؟!

أصول تعظيم رسولنا الكريم

لا شك أن على كل مسلم ينطق الشهادتين ويحب الله عز وجل أن يُحب كل الأنبياء، وخاصة خاتمهم رسولنا عليه أفضل الصلاة والتسليم، ويتجلّى ذلك في اقتداء أثره في كل فعل وقول ما استطاع، والصلاة عليه بكثرة، والذّود عنه، ولكن هل يعتبر الاحتفال بعيد مولده دليلًا على محبّته؟!

أصل الاحتفال بالمولد النبويّ

أوضح لنا رسولنا الكريم فضل الصحابة على الأمة، وحِفظهم لهذا الدين من بعد رسولنا الكريم كما سبق ذكر ذلك، كما روى عبد الله بن مسعود فيما أخرجه البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ” ومعنى القرن يُعارض المصطلح المعروف الذي أطلقه علماء التاريخ عن تمام مائة عام، بل القرن هنا من “الاقتران”. أي خيرُ الناس هم الصحابة الذين رأوا وعاشيوا وصاحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يأتي بعدهم التابعون الذين رأوا الصحابة ولم يروا رسولنا الكريم، ثم تابعو التابعين الذين عايشوا ورأوا التابعين ولم يروا الصحابة.

فهذه الأجيال التي تُعتبر أفضل الأجيال التي زكّاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي لا ينطق عن الهوى، لم تحتفل بمولده، ولم يعلموا مولده، حتى أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه وُلد يوم الاثنين، ولكن لم يسألوه أيّ يوم كان، لاهتمامهم بتتبع أوامره والاقتداء به، حتى حينما أرّخ سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ابتدأ التأريخ بهجرة رسول الله إلى المدينة، لا كما فعل أهل الكتاب؛ لأن الأمة أمة عمل لا زمن، ومع عظمة يوم مولده -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يوم البعثة أعظم، لأن البعثة نزول كلام الله فشرّف النبي بنبوّته، وإذا لم يحتفل النبي ببعثته فالأولى ألا تحتفل أمته بمولده كما أوضح ذلك الشيخ عبدالعزيز الطريفي، فمن أين أتت تلك البدعة؟

أول من سنّ تلك البدعة كان المعز لدين الله الفاطمي العبيدي من بني عبيد القدّاح حين بسط الفاطميون سيطرتهم على المغرب العربي، وكان ذلك في سنة 322 هجريًا، فكانت تلك الدولة الباطنية التي أنشأها المهدي عبيد الله، وحين استنكر أهل المغرب عليهم ما يفعلونه ويشرعونه بعيدًا عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان هذا الاحتفال وغيره من احتفالات سنوية أقاموها لطمأنت أهل المغرب واللعب بعقولهم أنهم على هدي النبي ويحبونه، وما تشريعاتهم تلك إلا بما يرضى عنها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ورسولنا منهم براء، فأقاموا أعيادًا سنوية لمولد النبي وابنته وأحفاده، وعيد الغدير، والنصف من شعبان، والنصف من رمضان، ورأس السنة الهجرية، كما أوضح ذلك ابن بطة العنكبري في كتابه «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة». وكما حدّث بذلك المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار”.

ثم أتى بعدهم أقوام شرّعوا الاحتفال حتى اتهموا من لا يحتفل به بعدم حبه للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، حتى وصلنا إلى يومنا هذا نجد أحدهم إذا أنكر عليه أحد أو نصحه بمعروفٍ انتفض غضبًا متمسّكًا بهواه، وفي أحسن الأحوال يتعذّر بأن الأمر سنة وليس واجبًا. وإذا أتى شهر ربيع الأول بادر بتهاني وتبريكات المولد النبوي، حتى انتهجت بعد الفرق في بعض البلدان الاحتفالات المختلطة، بما يصاحبها من منكرات ورقص بحجّة المولد النبوي والبدعة تكمن في خطورتها إلى لفت انتباه الناس إلى قشور الدين وترك اللُّب.

وعلى هذا يطيب خاطر الغرب ومِلَل الكفر في حرف جادّة الناس عن دينهم القويم، ولهذا ما فتئ أهل العلم من التحذير من البدع -حتى الحسنة منها-؛ فكل انحراف عن طريق مستقيم، مهما صغرت زاويته في بدايته، انعرج إلى أقصى اليمين بعد المضي به أشواطًا، ولنا في حرف أيةِ مركبة تسير على طريق عام أكبر برهان. كما أن البدعة هي منقصة بحق النبي صلى الله عليه وسلم، كما بيّن ذلك الإمام مالك -رحمه الله- في ردّه على من يستحسن بدعة: “من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة؛ لأنَّ الله تعالى يقول ﴿اليوم أكملتُ لكم دينكم﴾، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا” هذا أبلغ رد ولا يكون بعده رد.

اللهم هيئ لهذه الأمة الرشد والهداية، ولا تفتنّا في ديننا، وأرِنا الحق حقًن وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه والحمدلله رب العالمين.

المصادر

محمد عبد المجيد

مسلم العقيدة والمنهج، خرّيج دكتور صيدلة، قارئ مهتم في التاريخ والسياسة لمحاولة فهم واقع أمتنا… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى