ذُكِرَ اسمُ “الله” أكثر من ألفَيْنِ وسِتمائة مرة في “القرآن”، وكانت واحدة منها كافية تمامًا للمُسلم أنْ تريح قلبه؛ لأنَّ قلب المُسلم يطمئن بذِكر “الله”. إلا أنَّ المُسلمين كانوا يعيشون مع غير المُؤمنين بالله منذ بدء الدعوة حتى اليوم. وقد طرح “القرآن الكريم” قضيَّة وجود “الله” -تعالى- وبرهَنَ عليها ودلَّل.

وجرى حوار طويل بين الفريقيْن، ومازال الحوار والجدال دائرًا بينهما على قضيَّة وجود “الله” -تعالى-. وها نحن اليوم نرى مظاهر كثيرة لظاهرة “الإلحاد” يُراد لها أنْ تنتشر بين المُسلمين. هذا وتنقسم شُبهات الإلحاد في هذا العصر لشبهات قديمة -وهي محلّ الحديث هنا-، وشبهات تتعلَّق بجوانب أخرى -لعلَّ حديثًا آخر يشملها-.

ولمْ يكُنْ “القرآن” بنصِّه دليلًا في نظر غير المُؤمِن بالله قطعًا. فكانوا إذا قيلتْ لهم أدلَّة من “القرآن” قالوا نحن لا نؤمن به، بل لا نؤمن بالخالق أصلًا فكان المسلمون -ومازالوا- مُلتزمين بإيراد أدلَّة عقليَّة محضة -في صورتها على الأقلّ- يواجهون بها غير المؤمنين؛ ليطمئنوا ويصححوا ما يعتقدون دخولًا إلى الإيمان، أو ليردُّوا كيدهم وأسئلتهم المُشكِّكة في وجود خالق لهذا الكون.

اعتمدوا على العقل في إجابتهم؛ ليؤكدوا وجود “الله” -تعالى- الذي لا يخفى لناظر في الكون. ولكنْ لمْ يكُن اعتمادهم على العقل وحده دون هدى من كلام “الله” -تعالى-، بل دارت هذه المعركة من وحي “القرآن”، وانطلاقًا منه كما دارت كلّ آيات الإسلام الباهرة حوله تستمد منه ومن السُّنة النبويَّة المُطهَّرة.

وسنطِّلع سويًّا الآن على التوجيه القُرآنيّ في الإثبات، ثمّ على الأدلَّة المُستقاة منه باختصار وبشرح مُبسَّط قدر الإمكان. دون الدخول فيمَن أتى بها، أو في تاريخها وتطوُّرها. لتكون أمام جمهور المسلمين تقوِّي فكرهم أمام عالَم الفتن الأعظم الذي نشهده جميعًا الآن.

إثبات وجود الله من القرآن الكريم

وجود الله في القرآن.

اعتمدتْ جهود المُسلمين ومُفكِّريهم على “القرآن الكريم” نفسه، وما جاء في آياته من أدلَّة باهرة على وجود “الله”. وأعادوا صياغتها بصور مُختلفة، وأخرجوا منها أدلَّة متنوعة -أصيلة وفرعيَّة- تؤكد كلَّ التأكيد أمر وجود “الله”. وباختصار تعتمد الآيات القرآنيَّة في هذه المسألة إمَّا على أدلَّة عقليَّة خالصة، وإمَّا على أدلَّة الكون الظاهرة أمام الأعيُن -ولذلك أمر الله تعالى بالتدبُّر في الكون والتأمُّل فيه-. والكون يُعرف في الكثير من الكُتُب الإسلاميَّة بكتاب الله المنظور، خلاف كتاب الله المسطور (القرآن الكريم).

مثال النوع الأول المُعتمد على الدليل العقليّ آيتا سورة الطور: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36)) فنرى أنَّ “الله” -تعالى- أتى بالفروض الثلاثة التي تأتي على العقل في قضيَّة خلق الموجودات عن طريق السؤال الذي يستنكِر -السؤال الاستنكاريّ-، وهو في الأصل تقنيَّة منطقيَّة تُسمَّى “القسمة العقليَّة” لكنَّها أتتْ بشكل يتلاءم مع الفهم البسيط.

ولفهم المثال؛ فـ”القرآن” يُفحم المُنكرين لوجود “الله” -تعالى- فيقول سبب وجودكم أحد ثلاثة: أنْ تكونوا قد خُلقتُم دون سبب -يقصد خالقًا- (وهذا باطل ينكره العقل، فلا فعل دون فاعل)، أو أنْ تكونوا خالقِيْ أنفسِكم (وهذا باطل أيضًا منطقيًّا؛ فلا يكون الشيء سببًا لنفسه)، أو أنْ تكونوا قد خلقتم السماوات والأرض (وهذا بيِّن الفساد أمام النظر؛ فإنَّ السماوات والأرض أشدّ خلقًا من الإنسان). فلا يبقى بعد إبطال الفروض المُتاحة إلا فرض واحد فقط هو أنْ يكون إله قد خلقهم. وهكذا أفحم الدليل العقليّ القُرآنيّ كلّ مُنكر لوجود “الله” -تعالى-.

ومثال الدليل الثاني المُعتمد على العقل والمنظور المشهود أمام العين البشريَّة كلّ الآيات التي تعرض لحِكمة الكون ودقَّة صُنعه وجميل تكوينه، وكلّ الآيات التي تدعو للتدبُّر في الكون بالنظر المُباشر -لتتشرَّب الفطرةُ السليمةُ هذه الحِكمة الإلهيَّة الفيَّاضة حولها في كلّ مظهر- أو بالفحص والدرس والمُعاينة المُقرّبة. ومن أمثلة النظر المُباشر هذه الآيات: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) -نوح 16-، وكذلك الآيات التي تبدأ بـ(ألَمْ ترَ).

ومن أمثلة الفحص والدرس قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) -العنكبوت 20-. وكلّ الآيات التي تدعو إلى التأمُّل والتدبُّر في الكون. وفي الأخير نرى تكامُليَّة الإسلام؛ حيث هو الدين الذي جعل العلم واجبًا على جماعة المسلمين، وجعل له سببًا يربطه بدائرة الإيمان بالله -تعالى- وهذا ما لمْ يفعله دين. ولا غَرْوَ فالهُدى هُدى الله.

براهين وأدلة وجود الله تعالى

أدلة وجود الله

وعلى ما تقدَّم استخلص المسلمون عددًا كبيرًا من البراهين والأدلة على وجود الله. نذكر منها باختصار هذه الأدلَّة:

1. أنَّ العالَم موجود بالفعل أمام حسِّنا ونظرنا، إذن لا بُدَّ من وجود إله له. فلكُلِّ حَدَثٍ مُحدِثٌ أحدثه؛ أيْ أنَّه إذا كان شيء موجودًا فلا بُدَّ له من مُوجِد. العقل الإنسانيّ لا يقبل إلا بهذا، فلا يرتكن إلى أنَّ شيئًا قد أُوجِدَ هكذا وحده. مثلًا: كلّ هذه المُدن والدول والعمران على الكرة الأرضية، هل وُجدتْ وحدها هكذا؟! أمْ أنَّ الإنسان قد بناها وعمَّرها؟.. بالقطع لا يصلح عقلًا تصوُّر أنَّها وُجدت هكذا وحدها بلا مُوجِد، لا يقبل العقل البشريّ هذا الفرض. لذلك كلُّ شيء حولنا هناك مَن أوجده. وبما أنَّ الكون موجود إذن فله خالق خلقه وأوجده.

ولعلَّ هذا الدليل هو نفسه الذي ورد في الأثر المشهور عندما سُئِلَ أعرابيٌّ لِمَ أنت مؤمن بالله؟ فقال: إنَّ البَعرة (مُخلَّفات الماشية) تدلّ على البعير، وإنَّ الأثر يدلّ على المَسير. وهنا نستخدم قياسًا منطقيًّا وأصوليًّا يُسمَّى “قياس الأعلى” أو “قياس الأَوْلَى”؛ فهو يقصد إذا كان مجرَّد رَوَث البهائم يدلُّنِي على أنَّها قد مرَّتْ، ومجرَّد الآثار على الأرض تدلُّني على أنَّ قافلة كانت هُنا؛ فلا بُدَّ لهذا الكون الهائل أنْ يدلَّني على وجود خالق بالأَوْلَى أيْ بالتصوُّر الأَوْلَى. ويُشبه هذا الدليل دليلًا يُسمَّى “برهان الحدوث” فإذا اعتبرنا أنَّ الكون حادث -أيْ ليس قديمًا- فلا بُدَّ له من مُحدِث.

2. ولعلَّ سؤالًا يُراوِد العقل الآن؛ إذا كُنَّا نقول إنَّ “لكُلّ حدَثٍ مُحدِث”، و”لكُلّ وجود مُوجِد”؛ فمَن أوجد الله؟! ومَن خلقه؟! وبالقطع السؤال يُفسِد نفسَه بمُجرَّد قراءته: مَن خلق الله؟ لا إجابة عنه لسبب بسيط جدًّا هو أنَّ “الله” ليس مخلوقًا أصلًا لنبحث له عن خالق بل هو خالق كلّ شيء، و”الله” ليس موجودًا كبقيَّة الموجودات لنبحث له عن مُوجِد فالسؤال فاسد أصلاً وفرعًا..

وهذا يقودنا إلى الدليل الثاني الذي يعتمد على مبدأ “السببيَّة”؛ وهي أنَّ الكائنات وأفعالها التي على قيد الحياة -إنسانًا أو غيره- مُمكنة الحدوث. دعونا نشرح الأمر بمثال تبسيطيّ: مثلًا: أنتَ في يومك من المُمكن أنْ تذهب إلى العمل ومن المُمكن ألَّا تذهب، من المُمكن أنْ تشرب قهوة ومن المُمكن ألَّا تشرب، من المُمكن أنْ تُحادث صديقك ومن المُمكن ألَّا تُحادثه. كلُّ هذه تسمى “أحداثًا مُمكِنة الحدوث”.

والأحداث مُمكنة؛ بمعنى أنَّك مُمكن أنْ تفعلها، ومُمكن ألَّا تفعلها. فمَن أحدثها ومَن أمكَنَ حدوثَها؟ إنَّه قرارُك بإحداثها. فكذلك الكون نرى كلَّ ما فيه مُمكن الحدوث أيْ من المُمكن أنْ يقع ومن المُمكن ألَّا يقع، بدليل فنائه أمام أعيننا. وذلك يقودنا إلى أنَّ هناك مُرجِّحًا لهذا الكون هو مَن أحدث هذا المُمكن وجعله يحدث بإرادة مُنفردة منه وهو “الله”.

يجب أنْ تنتهي هذه المُمكنات إليه؛ حيث كانَ مُوجِدَها جميعًا، لكنَّه غير مُمكن الوجود، بل هو “واجب الوجود”؛ أيْ إنَّ وجوده ثابت له، غير آتٍ من أيّ سبب آخر، بل هو سبب في وجود كلّ هذه المُمكنات. وهو مُغايِر تمامًا لكلِّ المخلوقات؛ لذلك يستطيع أنْ يخلقها ويُحدثها، وأنْ يبثَّ فيها الحياة. لذا لا بُدَّ أنْ يكون قائمًا بذاته، لا يحتاج إلى مُوجِد، ووجوده لازمٌ وحتميٌّ، وهو مصدر كلّ هذه الموجودات المُمكنة. هذا الواجب هو “الله”. وهذا برهان يسمى بـ”برهان الواجب والممكن”.

3. الكون بموجوداته يتحرَّك، بل هو في حركة دائمة. إنَّ كلَّ ما في الكون يتحرَّك، في حركة دائمة حتى الموت. الإنسان يُولَد -وهذه حركة- ويتحرَّك حتى الموت. وكذلك النبات والحيوان، والجمادات، والأفلاك. كلّ شيء في الكون يتحرَّك حتى يأتي وقتٌ فيقف عن الحركة. ثُمَّ يبدأ نظيرٌ له بالتحرُّك أيضًا. مليارات العناصر تُولَد وتتحرك وتموت في الكون كلَّ يوم.

ولا بُدَّ لهذه الحركة من مُحرِّك، لا بُدَّ لها من بدء، من قوة تحرِّكها ابتداءً وتُباشر هذه الحركة الدائبة. العقل لا يقبل فكرة أنَّ شيئًا يتحرَّك وحده دون مُحرِّك. هذا المُحرِّك هو “الله”. وهذا يُسمى “برهان الحركة”.

وجود الله وجود الله.. كيف أثبته المسلمون بالعقل؟! 3

4. يتصل بالدليل السابق وجوب فعل “الموت” بكلّ الكائنات التي تحيط بنا، وبالقطع كلّ البشر. يكون هذا الموت في صورة ذهاب الرُّوح في الكائنات التي بها رُوح، ويكون في صورة البلاء والفناء -أيْ أنْ يبلى الشيء وتزول صفته وتتحلَّل مكوناته- في الجمادات التي تخلو من الرُّوح.

يدلّ هذا الموت الذي يلحق كلّ الكائنات عقلاً أنَّ هناك مُؤقِّتًا لهذا الموت يضع له ميقاته المُعيَّن المُحدَّد، وهناك واهب حياة هو الذي يقدر على سلبها كما وهبها. هذا المُدبِّر المُؤقِّت هو وحده الذي لا يموت ولا يفنى. فضلاً عن أنَّ وجود الموت نفسه يشير إلى أنَّ للإنسان مهمة ولكلّ مخلوق يدركه الموت مهمة خُلق من الأصل ليقوم بها.

5. وهنا يتأمل المفكرون في الكون فيجدون أنَّه مُرتَّب مُنظَّم تمامًا. وأنَّ ترتيبه وتنظيمه لا بُدَّ يدلُّ على وجود مُرتِّب ومُنظِّم له، قام بهذا الترتيب والتنظيم. فلا يمكن تصوُّر التنظيم بلا مُنظِّم وضع هذا النظام، وهو يقوم على شئونه. فمثلًا: إذا دخلتَ غرفتك فوجدتها مُرتَّبةً مُنظَّمةً، وقد تركتَها على غير هذا الوضع. لا تتعجب ولا يثيرك هذا؛ لأنَّك تعرف أنَّ لك أمًّا أو زوجةً أو أخًا أو.. قد صنع هذا. لذلك عندما نرى الكون مُرتَّبًا مُنظَّمًا لا بُدَّ أنْ نعرف أنَّ هناك سببًا لترتيبه؛ هو “الله” .. وهذا “برهان الترتيب”.

6. ولكنْ إذا أمعنَّا النظر إلى هذا الترتيب في الكون سنجد عنايةً خاصةً بالإنسان عن باقي الكائنات. فالإنسان خُلق وهو ضعيف هزيل. ولكن خُلقتْ له غريزة أمومة وأبوُّة في أبوَيْه يشدُّان -مدفوعَيْن بتلك الغريزة- من أزره حتى يقوى، وخُلق معه العقل الذي يستخدمه ليسخِّر العالَم ويفهمه. وخُلقت الكائنات في دوراتها المختلفة لتؤدي لهذا الإنسان أدوارًا عدةً في حياته تساعده على معيشته. فكلُّ ما يحتاجه في الكون موجود، بل الإنسان مُهيَّأ لاستغلاله في صالحه؛ وكأنَّ الكون يدور حوله وحول فكرة وجوده هنا على الأرض.

ولا بُدَّ أنْ يكون هناك مُدبِّر مُعتنٍ بالإنسان قد وضع هذا التصوُّر الذي يراه الإنسان بأمّ عينه صباح مساء. مُدبِّر جعل في الأرض خليفة هو “الإنسان”. هذا المُدبِّر هو “الله”. وهذا دليل يسمى “برهان العناية الإلهيَّة”. وهو من أكثر الأدلة التي اعتمد عليها المفكرون المسلمون.

وهناك براهين أخرى اعتمد عليها المفكرون ليثبتوا وجود “الله”؛ مثل: “الوحدة والكثرة”، “المادة والصورة”، “الاختراع”، “التناسل”. لكنها تفريعات على هذه البراهين السابقة.

ولعلَّنا نجد تلك الأدلَّة منطبقةً على تصوُّر “الله” -تعالى- في الكون، بل مجموعها يقود إلى الكلمات القرآنيَّة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) يخلُفُهُ بمعرفته، وإيمانه به، وعبادته إيَّاه.. فسبحان مَن بيده المُلك.

232

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.