كانت الجزائر أول دول شمال إفريقيا التي استنجدت بالعثمانيين لرد الغزو الإسباني المتربص بأراضيها. وبالفعل تمت المهمة على يد الأخوين بربروسا كما أسلفنا، حيث بقي فيها العثمانيون بعد نجاحهم في طرد الاحتلال الإسباني، إلى سنة 1246هـ (1830م) تاريخ سقوط الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي.

وفي سنة 1359هـ (1940م) كانت كل بلد من البلدان الخمس الممتدة على الساحل الشمال إفريقي (مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب) تحت سيطرة كاملة أو شبه كاملة لقوى الاحتلال الأوروبي، وكذلك موريتانيا. (1)(2)

مؤتمر برلين

شمال إفريقيا

بدأت أولى الحملات الأوروبية بقيادة البرتغاليين على شمال إفريقيا لمطاردة المسلمين الفارين من جحيم محاكم التفتيش في الأندلس، بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين هناك سنة 1361هـ (1492م). ولأجل بسط هيمنة النصارى على إفريقيا سيرت إسبانيا والبرتغال الحملات المتتالية بعد ذلك لبسط نفوذهما على المناطق الاستراتيجية بالقارة، ونهب المواد الخام اللازمة للثورة الصناعية التي قامت في أوروبا. ولأجل تحقيق ذلك تم تقسيم القارة الإفريقية كما يقسم قالب الحلوى بين المحتلين الجشعين عقب مؤتمر التقسيم في برلين عام 1301-1302هـ (1884-1885م)، بحضور مندوبين عن أربع عشرة دولة هي: النمسا والمجر وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وروسيا وإسبانيا والسويد والنرويج وتركيا والولايات المتحدة وبريطانيا.

وتم تقرير مصير إفريقا من دون حضور ممثلين عن الأفارقة أنفسهم. وتم تمزيق القارة لما هي عليه الآن من حدود لا تزال تشكل عقبة أما النهضة الإفريقية. ودخل بذلك الشمال الإفريقي حقبة الاحتلال الأوروبي المظلمة.

المقاومة الإسلامية في مواجهة الاحتلال

لم يتقبل أهل شمال إفريقيا العيش تحت وطأة المحتل الأوروبي؛ وهم يشاهدونه يدمر بلادهم ويسفك دماءهم وينتهك حرماتهم ويسقيهم من كأس المذلّة والمهانة؛ فقامت لذلك حركات مقاومة إسلامية في أغلبها، وقدمت ملايين الشهداء، حتى منَّ الله على هذا الجزء من العالم الإسلامي بالتحرير لكنه بقي أسير الهيمنة الغربية.

التاريخ الحديث للجزائر

في 3 ذي الحجة 1245هـ الموافق لـ 25 ماي 1830م انطلقت الحملة الفرنسية خلال حكم شارل العاشر، يقودها الجنرال “دي برمون”. وحطت 700 سفينة على سواحل سيدي فرج غرب الجزائر العاصمة بجيش يضم 40 ألف جندي من المشاة والخيالة مجهزين بكافة أنواع الأسلحة والعتاد.

وأعقب الغزو الفرنسي مرحلة استيطان واحتلال لأراضي الجزائريين، وفرض قوانين جائرة تشرّع الاحتلال، ومصادرة أراضي أهل البلاد واستغلال ثرواتهم. كل ذلك كان يمضي بالتوازي مع فرنسة الجزائر، وفرض اللغة والثقافة الفرنسية على الشعب الجزائري بدل اللغة والثقافة العربية.

ولم يكن الشعب الجزائري المسلم ليقبل هذا الإخضاع والإذلال من كافر محتل؛ فقد هبت حركات المقاومة والجهاد، والتف حولها العلماء والوجهاء، وعملت على محاولة وقف عمليات الاحتلال بعدة فقيرة وإمكانيات هزيلة. مع ذلك صمد الجزائريون على خط هذه المقاومات، طيلة القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) إلى بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)، ويمكن تلخيص أبرز الحركات الثورية في هذ المرحلة كما يلي:

  • مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري في الشمال الجزائري منذ 1247 إلى 1263هـ (1832 إلى 1847م).
  • ومقاومة أحمد باي في قسنطينة من 1253 إلى 1264هـ  (1837 إلى 1848م).
  • وثورة محمد بن عبد الله (بو معزة) في الشلف والحضنة والتيطري من 1261 إلى 1263هـ (1845 إلى 1847م).
  • ومقاومة الزعاطشة في بسكرة والأوراس من 1264- 1265هـ (1848 إلى 1849م) اشتهر خلالها بوزيان (بو عمار).
  • فضلًا عن ثورة القبائل من 1267 إلى 1273هـ (1851 إلى 1857م) بقيادة لالة فاطمة نسومر والشريف بوبغلة.
  • وثورة أولاد سيدي الشيخ من 1280 إلى 1297هـ (1864 إلى 1880م) بواحة البيض وجبل عمور ومنطقة التيطري، سور الغزلان والعذاورة وتيارت بقيادة سليمان بن حمزة، أحمد بن حمزة، سي لتعلي.
  • ومقاومة الشيخ بوعمامة من 1298 إلى 1230 هـ  (1881 -1883م)، وشملت عين الصفراء، تيارت، سعيدة، عين صالح.
  • كذلك مقاومة الطوارق من 1334 إلى 1337هـ  (1916 إلى 1919م) بقيادة الشيخ أمود. وغيرها.

ولم تتمكن هذه الحركات من إضعاف المحتل لضعف في استراتيجيتها وإمكانياتها وتفرق قواتها وضعف التنسيق بينها. فاستمر هذا الاحتلال في التضخم إلى أن بلغ الذروة في بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي)؛ فظهر في هذه الحقبة صنف جديد من المقاومة السياسية، يحمل رايتها الشباب الذين تخرجوا من جامعات الزيتونة والأزهر والقرويين، فحملوا رسالة إصلاحية اجتماعية دينية. وانقسمت النخبة القائمة على هذه المعارضة إلى صنفين: صنف محافظ يريد تطبيق الشريعة الإسلامية وصنف “مجدد” يريد نظام الحكم عن طريق الانتخابات البلدية والبرلمانية. ونشط كل طرف في ساحته عن طريق الجمعيات والنوادي والصحف. وتأسست في هذه الفترة أحزاب سياسية كحركة الأمير خالد، وحزب الشعب الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

 ويلاحظ أن مطالب الحركات السياسية قبل الحرب العالمية الثانية لم تخرج عن إطار المطالبة ببعض الحقوق للشعب الجزائري من الفرنسيين، لكن بعد هذه الحرب بدأ الخطاب العام يتحول إلى مطالبة بالاستقلال الكامل عن هذا الاحتلال. وقد شارك الجزائريون في الحرب العالمية الثانية على أمل تحصيل الاستقلال بالمقابل، لكن فرنسا نقضت عهدها مما أثار سخط الشارع الجزائري فخرج في مسيرات كبيرة يطالب فرنسا بإيفائها للوعد. وردت فرنسا على هذه المسيرات السلمية بمجرزة تاريخية في مدن سطيف وقالمة وخراطة، سقط خلالها ما يزيد عن 45.000 قتيل فضلًا عن آلاف الجرحى. فكانت تلك المرحلة الممهدة لانطلاق الثورة المسلحة لطرد الاحتلال.

ثورة التحرير الجزائرية

الاحتلال

اتفقت الآراء على ضرورة العمل الثوري المسلح لإجبار فرنسا على الخروج من الجزائر. وكانت البداية بتأسيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل في 23 مارس التي اتفقت على أن يكون تاريخ 6 ربيع الأول 1374هـ الموافق لـ 1 نوفمبر 1954م، موعد لانطلاق الثورة التحريرية الكبرى.

وبالفعل حين حانت ساعة الصفر انطلقت العمليات في معظم أنحاء الجزائر بتنسيق ونظام أربك القوات الفرنسية. ومع استمرار العمل وتراكم الإنجازات أصبحت جبهة التحرير الوطني ممثلًا شرعيًا للشعب الجزائري أمام دول العالم. وقدمت نفسها عبر مؤسستين: المجلس الوطني للثورة الجزائرية وتقوم مقام البرلمان، ولجنة تنسيق الشؤون السياسية والعسكرية.

وفي أثناء ذلك لم تكف فرنسا عن محاولاتها إخماد ثورة التحرير، من خلال القمع الوحشي والعقاب الجماعي، والقصف الجبان. وراح ضحية ذلك الآلاف من الجزائريين بين قتلى وجرحى.

وتم تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة في 6 ربيع الأول 1378هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 1958م. وتصاعدت أصوات الشارع الجزائري بمظاهرات عارمة تطالب بالاستقلال، ومع استمرار الضغط العسكري والسياسي والشعبي اضطرت فرنسا للتفاوض ووقف إطلاق النار. ثم بعد سلسلة من المماطلات انتهت آخر المفاوضات بصفة رسمية ما بين 1 و12 شوال 1381هـ الموافق لـ 7 و18 مارس 1962م بمدينة إيفيان الفرنسية؛ حيث دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 13 شوال 1381هـ (19 مارس 1962م) الساعة 12 ظهرًا، إلى أن أعلن 4 صفر 1382هـ الموافق لـ 5 جويلية من عام 1962م تاريخ استقلال الجزائر عن فرنسا. وهو أحد أطول الاحتلالات وأكثرها بشاعة في التاريخ الحديث، استمر لأكثر من 132 عامًا.

بعد الاستقلال

تم تنصيب فرحات عباس كأول رئيس للجزائر وعين أحمد بن بلة رئيسًا للحكومة. لكن في 1385هـ (1965م) أطاح انقلاب عسكري تزعمه قائد جيش التحرير العقيد هواري بومدين بالحكومة، نتيجة تراكم الخلافات بينهما بشأن السياسة العامة لحكم البلاد.

وتسلم حكم الجزائر الرئيس هواري بومدين الذي عرف عصره بالسياسة التنموية لكافة قطاعات الإنتاج، وعمليات الإصلاح الزراعي، وتأميم الملكيات الكبيرة وتوزيعها على الفلاحين. واستطاع استرداد الشركات الجزائرية من الفرنسيين تزامنًا مع تقوية علاقته مع الاتحاد السوفيتي. وكان للرئيس الجزائري مواقف تاريخية مع القضية الفلسطينية حيث أدان اتفاقية كامب ديفد مع الصهاينة، وفتح الباب أما الفلسطينيين وحركاتهم في بلاده.

أصيب الرئيس هواري بومدين بمرض عضال، وقيل بقي سبب وفاته غامضًا، ليترأس بعدها البلاد الشاذلي بن جديد الذي حكم الجزائر  منذ 1399 وحتى 1413هـ (1979 وحتى 1992م). عرفت مرحلة حكمه الاضطراب والسخط الشعبي على الأوضاع المعيشية السيئة والفساد، كما شهدت فترة حكمه ما يسمى “العشرية السوداء”؛ حيث عرفت الجزائر انفتاحًا سياسيًا وتعددية. وظهرت أحزاب من مذاهب مختلفة أبرزها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي فاز بالانتخابات البلدية لسنة 1410هـ (1990م)، ثم الدور الأول من التشريعية بعد ذلك بسنة بالأغلبية (حسب عدد الجريدة الرسمية). ولكن تم رفض النتائج واستقال الرئيس الشاذلي بن جديد ودخلت البلاد في أزمة حادة نتيجة تدخل قادة الجيش.

عاشت الجزائر أحلك أيامها بعد ذلك، حيث حصدت الآلة العسكرية الآلاف بين معتقل ومقتول في مطاردة لكل ملتزم ومطالب بالنظام الإسلامي، واستلم السلطة آنذاك المجلس الأعلى للدولة المشكل حديثًا حيث ترأسه محمد بوضياف، الذي ما لبث أن اغتيل بعد قدومه للبلاد.

ثم تولى الحكم بعده اليمين زروال وكان وزير دفاع الجزائر، وحكم البلاد منذ 1415 إلى 1420هـ (1994م إلى1999م). حاول خلالها ضبط تداعيات الفوضى بعد استقالة الشاذلي بن جديد، إلى أن استكمل بعده الرئاسة عبد العزيز بوتفليقة منذ 1420 إلى (1999 إلى 2019م) تاريخ استقالته، وسار على نفس خطى سلفه وشهد عصره ترسيم الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية.

ويحكم البلاد حاليًا عبد المجيد تَبُّون؛ سياسي جزائري ورئيس الجمهورية الجزائرية الثامن. كان رئيس وزراء الجزائر الأسبق في الحكومة في عهد بوتفليقة عام (1438هـ) 2017م ولكن لبضعة أشهر، ووزيرًا في عدة حكومات جزائرية سابقة.

التاريخ الحديث للمغرب

احتلت إسبانيا منطقة الريف في المغرب في عام 1322 هـ (1904م)، بقيادة المارشال “مارينا”، لكنه واجه مقاومة محلية شديدة. وفي عام 1325هـ (1907م) بعثت فرنسا جيشها إلى الدار البيضاء، ثم أجبرت السلطان عبد الحفيظ على توقيع معاهدة فاس في عام 1330هـ (1912م)؛ أصبح بموجبها المغرب تحت سيطرة فرنسا وإسبانيا بحسب ما تقرر في مؤتمر الجزيرة الخضراء بتاريخ 14 صفر 1324هـ الموافق لـ 7 أبريل 1906م. أما باقي المناطق بالمغرب فقد كانت تحت سيطرة فرنسا، وفي عام 1341هـ (1923م) تم توقيع بروتوكول طنجة وأصبحت طنجة منطقة دولية.

واستمرت المقاومة المغربية للاحتلال الأوروبي؛ حيث شهد عام 1331هـ (1912م) ثورة للأهالي في مدينة فاس، الذين أبادوا الحامية الفرنسية فيها، وشهدت مراكش مقاومة شرسة للإسبان الذين احتلوها في عام 1336هـ (1917م). وبرز قائد المجاهدين آنذاك، الشيخ الهيبة ابن الشيخ ماء العينين.

وأثناء الحربين العالميتين خدم الكثير من المغاربة في الجيش الفرنسي، وكذلك في الجيش الوطني الإسباني خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وسيطر الفرنسيون في عام 1363هـ (1944م) على مؤسسات الدولة، ومصادر الثروة وعمدوا إلى نشر الفقر والجهل والانحلال والرذيلة بين الناس، وإثارة روح العصبية بين العرب والبربر.

لكن أرض المغرب أخرجت لهم بطلًا جديدًا، حيث برز القائد الأمير عبد الكريم الخطابي، الذي حمل راية الجهاد ضد الاحتلال الإسباني منذ عام 1338 هـ (1920م) فسطر البطولات والانتصارات. وخلفه بعد ذلك ابنه القاضي محمد الذي -على خطى والده- سجل نصرًا كبيرًا ضد القوات الإسبانية في عام 1339هـ (1921م) واعترف الإسبان حينها بمقتل  خمسة عشر ألف جندي إسباني ووقوع 570 آخرين في الأسر.

وفي 24 جمادى الأولى 1346هـ الموافق لـ 18 نوفمبر 1927م، صعد الملك محمد الخامس إلى العرش وهو في الثامنة عشرة من عمره، وأعلن رفضه للتدخلات الأجنبية وتقدم بطلب إلغاء معاهدة فاس؛ مما أدى إلى تخطيط الاحتلال للتخلص منه وتحقق ذلك بالفعل وإن طال زمنه. حيث تم نفيه في عام 1373هـ (1953م) مع العائلة الملكية خارج المغرب إلى مدغشقر، في نقض صريح لاتفاقية معاهدة فاس التي تعد بالالتزام بحماية العائلة المالكة. وأعلن كل من حزب الاستقلال المغربي والاتحاد النقابي الإضراب العام في سنة 1372هـ (1953م). وقتل في هذه الأحداث على يد الاحتلال أكثر من أربعة آلاف مغربي.

وثار المغاربة على الاحتلال فيما يعرف بثورة الملك والشعب. واضطرت فرنسا للسماح لمحمد الخامس بالعودة إلى بلاده سنة 1375هـ (1955م). وفي السنة التالية من رجوعه، بدأت المفاوضات بين المغرب وفرنسا التي أدت لاستقلال البلاد لكن بقيت كل من سبتة ومليلة تحت الاحتلال الإسباني إلى اليوم.

واستعاد المغرب مدينة طنجة عام 1376هـ (1956م) وتم استرجاع سيدي إفني مع بقاء الصحراء الغربية تحت السيطرة الإسبانية.

جلس الحسن الثاني على كرسي الحكم كملك للمغرب في 16 رمضان 1380هـ الموافق لـ 3 مارس1961م، وفي رجب 1382هـ (ديسمبر 1962م) أصبح بشكل رسمي نظام الحكم في المغرب نظامًا ملكيًا دستوريًا، وضم المغرب حينها العديد من المناطق. وخلفه في عام 1420هـ (1999م) ابنه محمد السادس بن الحسن الذي لا يزال ملكًا على البلاد إلى اللحظة. وشهدت البلاد في عصره حراكًا ثوريًا للتنديد بسوء الأحوال المعيشية لكن سرعان ما تم إخماده، كما كان إعلان التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي أبرز ما يدخل في إطار “إنجازات” الملك المغربي التي لا تخرج عن طاماته.

التاريخ الحديث لليبيا

الاحتلال

السيّد عُمر بن مُختار بن عُمر المنفي الهلالي، الشهير بعُمر المُختار، المُلقب بشيخ الشهداء، وشيخ المُجاهدين، وأسد الصحراء، هو قائد أدوار السنوسية في ليبيا، وأحد أشهر المقاومين العرب والمُسلمين.

بقيت ليبيا إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) مستقلة عن الاحتلال الغربي. لكن القرب الجغرافي لليبيا من إيطاليا التي بدأت تتجه نزعتها إلى الاحتلال انتهى باحتلالها البلاد الواقعة في شمال إفريقيا.

وللتمهيد لهذا الاحتلال، عمدت إيطاليا إلى فتح مدارس لتعليم اللغة الإيطالية في بنغازي وطرابلس، وأرسلت حملات التنصير، تزامنًا مع فتح فروع لبنك روما في ليبيا. ونشط العمل الترويجي والاستخباراتي للإيطاليين من خلال قنصلياتهم في بنغازي وطرابلس.

وفي 5 شوال 1329هـ (27 سبتمبر 1911م) حذرت إيطاليا الدولة العثمانية من تحريض الليبيين ضد الإيطاليين. وفي اليوم التالي، احتلت القوات الإيطالية ليبيا. واندلعت معها الحرب العثمانية الإيطالية التي اجتمع فيها الكثير من المجاهدين الليبيين، ونشطت معسكرات الجهاد وبرز اسم الشيخ سليمان الباروني والشيخ أحمد سيف والسيد أحمد الشريف السنوسي. والشيخ عمر المختار وغيرهم من أعلام ليبيا.

لم يستمر صمود العثمانيين طويلًا حتى سلموا ليبيا لإيطاليا في معاهدة أوشي التي أبرمت في 8 ذو القعدة 1330هـ (18 أكتوبر 1912م). لكنها اتفاقية لم يعترف بها المقاومون الليبيون الذين نظموا صفوفهم واستمروا في دفع القوات الإيطالية فلم تتمكن هذه القوات من السيطرة إلا على المدن الساحلية.

في الحرب العالمية الأولى، طلبت الدولة العثمانية من الحركة السنوسية الليبية بقيادة أحمد الشريف السنوسي القتال في صفها فلبت الحركة طلبها إلا أنها منيت بخسائر كبيرة. ثم تنازل قائدها عن إمارة الحركة لإدريس السنوسي الذي كان من أبرز قادة الجهاد في صفوفه في برقة في الجبل الأخضر الشيخ المجاهد عمر المختار. وفي هذه الأثناء تمكن قادة المقاومة في طرابلس، كسليمان باشا الباروني والسويحلي وغيرهما من إقامة الجمهورية الطرابلسية التي أعقبتها حكومة الإصلاح.

وكما جرت العادة مع كل احتلال نهب الإيطاليون ثروات ليبيا واستولوا على أملاكها،  ونشطت حركة الاستيطان في عهد بالبو في عام 1352هـ (1933م) تزامنًا مع الاستيلاء على الأراضي الليبية لتوطينهم. وبحسب إحصاء الكتاب السنوي للمعهد الفاشستي لإيطاليا الأفريقية للعام 1359هـ (1940م) بلغ عدد هؤلاء الوافدين حتى هذا العام (1940م)، إلى 108,405 (معمّرا). بينما لم يتجاوز عدد السكّان الليبيين -بما فيهم الرّعاة- 800,223 نسمة.

سطر الليبيون بطولات لمقاومة الاحتلال، مما أثقل على الإيطاليين إلى أن تمكنوا من إعدام الشيخ عمر المختار، لكن بعد هذا الإعدام اضطر الاحتلال لسياسة جديدة بقيادة الجنرال الطيار إيتالو بالبو (1314 – 1359هـ/1896 – 1940م) تهتم بإشراك الليبيين في إدارة البلاد. وعمل لأجل ذلك على ربط الجسور مع مشايخ وأعياء الليبيين وقدم مجموعة من الخدمات للشعب الليبي لكسب ودّه.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، دخلت إيطاليا الحرب فاستغل الليبيون هذه الفرصة وانضموا إلى جانب صفوف الحلفاء، مقابل تعهد بريطانيا باستقلال ليبيا من يد الاحتلال الإيطالي.

لكن بعد نهاية الحرب ما كان من بريطانيا إلا السيطرة على بنغازي وطرابلس؛ حيث كان هدفها الفصل بين إقليمي برقة وطرابلس ومنح فزان لفرنسا. وبدل الاستقلال وقعت ليبيا بين مخالب الإنجليز والفرنسيين الذين أخلفوا وعودهم.

وبعد سلسلة مفاوضات تم منح برقة الاستقلال في 5 شعبان 1368هـ الموافق لـ 1 يونيو 1949م، مقابل جهود الحركة السنوسة في القتال إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

لكن في 11 جمادى الأولى 1368هـ الموافق لـ 10 مارس 1949م، كان قد اتفقت كل من بريطانيا وإيطاليا وفرنسا على مشروع بيفن سيفورزا الذي يقضي بفرض الوصاية الإيطالية على إقليم طرابلس، والوصاية البريطانية على برقة، والوصاية الفرنسية على فزان؛ على أن تمنح ليبيا الاستقلال بعد عشر سنوات من تاريخ الموافقة على مشروع الوصاية. ولكن المشروع باء بالفشل؛ حيث أفشله المطالبون باستقلال ليبيا بشكل كامل، ومع استمرار الضغط أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1368هـ (1949م) منح  ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952م (4 ربيع الثاني 1371هـ)، وبالفعل استقلت ليبيا لكن بنظام اتحادي مع ثلاث حكومات إقليمية.

وبعد اكتشاف النفط في سنة 1376هـ (1957م) بدأت دوائر الاحتلال تحيك المكائد من أجل السيطرة على ثروات ليبيا، وضغطت شركات النفط وعملاؤها المحليون لتحويل ليبيا إلى النظام المركزي وإلغاء النظام الاتحادي. فتم إعلان المملكة الليبية في 3 ذو الحجة 1382هـ الموافق لـ 26 أبريل 1963م وعاصمتها مدينة البيضاء تحت القيادة السنوسية.

وصارعت ليبيا المكائد الغربية حيث تم إنشاء 6 حكومات مركزية خلال 6 سنوات من الحكم المركزي، بعد إلغاء الفدرالي. وانتهت آخر تلك الحكومات بانقلاب القذافي وما يعرف بعملية البلاك بوت في رجب 1389هـ (سبتمبر 1969م)، المدعومة من أجهزة استخبارات دول شركات النفط حيث تحرك القذافي مع مجموعة من المعارضين ضد النظام الملكي، وأطلقوا ثورة الفاتح من سبتمبر لإعلان الجمهورية العربية الليبية.

وحكم القذافي البلاد بيد من حديد، وعرف عصره ما يسمى بـ”الثورة الثقافية” في عام 1393هـ (1973م) معلنًا الحرب على الدولة بصفتها ذات نمط رجعي. وقام بتعطيل القوانين، وألغى رسميًا وظائف سياسية وإدارية فيما أبقى على ألقاب رئيس الدولة ورئيس الأركان. وبعد ذلك بوقت قصير أصدر القذافي النسخة الأولى من” الكتاب الأخضر” مطلقًا عليه “النظرية العالمية الثالثة”، والذي أصبح لاحقًا في ثلاثة مجلدات. تجمع من الكفر والجهل الشيء الكثير. وكان قد اشتهر بكلامه الغريب وخلاصاته العجيبة.

في 29 شعبان 1393هـ ( 2  مارس 1977م) تم الإعلان عن قيام الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية وأصبح  القذافي قائد الثورة. وفي عصره اتهمت الإدارة الأمريكية ليبيا في عام 1406هـ (1986م) بتفجير ملهى لابيل الليلي ببرلين؛ فشنت غارة جوية على مدينتي طرابلس وبنغازي استهدفت قواعد عسكرية ومقرات للمخابرات، ومقر القذافي بطرابلس. وخلف القصف قتلى وجرحى مدنيين.

وفي عصر القذافي أيضًا، اتهم ليبيان بتفجير طائرة بوينغ 747، التابعة لشركة بنما في 12 جمادى الأولى 1409هـ (21 ديسمبر 1988م) أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الاسكتلندية، واتهمت ليبيا بمسؤوليتها عن الانفجار.

وتمت محاكمة الليبيين في هولندا وتمت إدانة أحد المتهمين وتبرئة الآخر. وتحملت ليبيا رسميًا مسؤوليتها المدنية دون الجنائية ودفعت تعويضات تبلغ قيمتها مليارين وسبعمائة مليون دولار لأسر الضحايا.

وفي هذه الحقبة تم إنشاء الاتحاد الأفريقي في يوم 29 جمادى الأولى 1420هـ (9 سبتمبر عام 1999م) في مدينة سرت الليبية. وقررت ليبيا التخلي عن أي برنامج لأسلحة الدمار الشامل بعد  مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

واندلعت ثورة 17 فبرير 2011م (14 ربيع الأول 1432هـ) وذلك في العديد من المدن الليبية. تزامنًا مع موجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في العالم العربي مطلع العام في مقدمتها الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك.

ولنفس الأهداف والمقاصد خرج الشباب الليبي لإسقاط نظام القذافي،  وانطلقت الثورة في بدايتها بشكل سلمي، إلا أنها تطورت لثورة مسلحة بعد استعمال الكتائب التابعة للقذافي الأسلحة النارية الثقيلة؛ فتمكنوا من السيطرة على مناطق في ليبيا وأسقطوا نظام القذافي وقتلوه. وكانت خاتمة القذافي عبرة لمن يعتبر من الطغاة.

ودخلت ليبيا مرحلة مزدحمة بالأحداث بعد ذلك كان يغلب عليها القتال وتعدد الأطراف المختلف. كنا قد بسطنا تفاصيل المشهد الليبي المعقد في مقالة منفردة[9] وهو المشهد الذي تسبب في تعقيد استمرار التدخلات الأجنبية التي انقسمت في دعم الحكومات الليبية المتقاتلة. وظهر الصوت المطالب بحكم الإسلام لكنه خفت مع وقع الاصطدام الذي شهدته الساحة. وانتهى المشهد الليبي حالياً إلى اختيار مجلس النواب الليبي وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا رئيساً جديداً للحكومة خلفاً لعبد الحميد الدبيبة الذي استلم السلطة التنفيذية من حكومة الوفاق الوطني الليبية بقيادة فايز السراج والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة منذ عام 2016.

التاريخ الحديث لمصر

الاحتلال

محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي، الملقب بالعزيز أو عزيز مصر، هو مؤسس الأسرة العلوية وحاكم مصر ما بين عامي 1805 إلى 1848.

في 14 صفر 1220هـ (13 مايو 1805م) ثار الشعب المصريّ على الوالي العثمانيّ خورشيد باشا، وانتهت الثورة بتولية محمد علي باشا حاكمًا لمصر بقرار من الخليفة العثمانيّ. وتميزت فترة حكمه بتنظيم الحملات الخارجية، وامتد سلطانه إلى مصر والشام والحجاز وبلاد المورة والسودان. وجعل السلطان العثمانيّ الحكم يورّث في أكبر أبنائه الذكور. وفي نهاية عهده، ضعفت البلاد من الأزمات، ثم خلفه حفيده عباس حلمي الأوّل، وبعده سعيد باشا الذي أعطى لدليسبس امتيازًا لحفر قناة السويس، التي تصل البحر المتوسّط بالبحر الأحمر، وذلك في 23 صفر 1271هـ  (14 نوفمبر 1854م)، ثم خلفه الخديوي إسماعيل.

ورغم ما أحدثه من نهضة كبيرة في مصر كانت فترته هي بداية انهيار مصر بتفاقم أزمة الديون في عهده؛ مما أدى إلى خلعه وتولية ابنه الخديوي توفيق، الذي شهد عهده اندلاع الثورة العرابية تحت قيادة أحمد عرابي، والاحتلال البريطاني لمصر، والثورة المهدية في السودان المصري وكذلك إتفاقية عام 1317هـ (1899م) للحكم الثنائي الأنجلومصري. وشهدت مصر بعد الاحتلال البريطاني العديد من حركات المقاومة برزت معها أسماء مثل مصطفى كامل ومحمد فريد.

واندلعت ثورة في مصر في عام 1338هـ (1919م) على إثر نفي بريطانيا  لسعد زغلول، أحد قادة الثورة، فأعادته بسرعة، فواصل نشاطه وعقد عدة مفاوضات مع بريطانيا بهدف الاستقلال. فشلت كلها، إلى 2 رجب 1340هـ (28 فبراير 1922م)؛ حيث أعلنت بريطانيا اعترافها بسيادة مصر مع أربعة شروط هي: تأمين المواصلات البريطانية في مصر، والدفاع عن مصر ضدّ أي اعتداء أو تدخل أجنبي، وحماية المصالح الأجنبية وحماية الأقليات في مصر، واستمرار أوضاع السودان على ما كانت عليه وفقًا لاتفاقية الحكم الثنائي عام 1316هـ (1899م).

وأعلن عن قيام المملكة المصرية، وأبرمت اتفاقيات مع بريطانيا لتضمن الأخيرة السيطرة على البلاد، والضغط على الملك فاروق. ولكن ما لبث أن ثار المصريون في حراك مسلح ضد البريطانيين، وعرفت البلاد الاضطراب إلى أن اندلعت ثورة 23 يوليو 1952م (2 ذي القعدة 1371هـ)؛ حيث سيطر الضباط الأحرار على المواقع المهمة في القاهرة والإسكندرية وتمت السيطرة على مفاصل الحكم واعتقال عدد من الضباط والمسئولين الكبار في الجيش المصري.

وطالب محمد أنور السادات، الملكَ فاروق بالتنازل عن العرش لأحمد فؤاد الثاني، وكان حينئذ طفلًا، وطالبوه أيضًا بمغادرة البلاد. وحصل ما يريده السادات، وكان أبرز نتائج هذه الانعطافة إلغاء حكم الملكية في شوال 1372هـ (يونيو 1953م). وأعلنت مصر جمهورية عربية، وأصبح محمد نجيب رئيس الجمهورية، وفي عصره تم توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، حيث رحل آخر جندي بريطاني بتاريخ 10 ذي القعدة 1375هـ (18 يونيو 1956م)، وتم تأميم قناة السويس. وفي هذا العام أيضًا حدث العدوان الثلاثي على مصر بقيادة فرنسا وبريطانيا والاحتلال الإسرائيلي، حيث سيطروا على مدينة بورسعيد، وتوغل الاحتلال الإسرائيلي في سيناء، ولكن العدوان انتهى سريعًا، وانسحبت القوات.

وفي عام 1377هـ (1958م) أعلن عن الجمهورية العربية المتحدة باتحاد مصر وسوريا، تحت رئاسة جمال عبد الناصر، ولكنه اتحاد لم يلبث أن انفك في عام 1381هـ (1961م) على إثر انقلاب في سوريا على عبد الناصر.

وفي 27 صفر 1387هـ (5 يونيو 1967م) هاجم الاحتلال الإسرائيلي مصر وسوريا وفلسطين والأردن، فاحتل كلًا من سيناء وهضبة الجولان وقطاع غزة والقدس والضفة الغربية لنهر الأردن، وسميت بنكسة 1967م.

في عام 1390هـ (1970م) توفي جمال عبد الناصر فخلفه نائبه أنور السادات، الذي قاد الهجوم على الاحتلال الإسرائيلي بالجيشين المصري والسوري في 1393 هـ (6 أكتوبر 1973م). وأعقب هذه الحرب المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث زار السادات تل أبيب في عام 1397هـ (1977م)، وتحدث عما يسمى السلام في الكنيست الإسرائيلي. ليعقب ذلك مؤتمر كامب ديفيد وما يسمى معاهدة السلام. لكن السادات اغتيل في 8 ذي الحجة 1401هـ (6 أكتوبر 1981م) خلال عرض عسكري بمدينة نصر بالقاهرة على يد الملازم أول خالد الإسلامبولي.

وعقب الاغتيال تولى صوفي أبو طالب رئاسة الجمهورية مؤقتًا لمدة ثمانية أيام حتى تم انتخاب محمد حسني مبارك رئيسًا للجمهورية. وإن كان عهد مبارك قد شهد تطورًا في البنية التحتية إلا أنه رافقه تدهور الأوضاع الاقتصادية، والاضطهاد والقمع. فامتلأت السجون وفرضت حالة الطوارئ بشكل دائم، لكن كل ذلك كان يمهد لخروج الشعب المصري في مظاهرات احتجاجية.

ففي 21 صفر 1432هـ (25 يناير 2011م) اشتعلت ثورة 25 يناير، في أرجاء البلاد واستمرت بضخامة إلى أن اضطر مبارك إلى الإعلان عن تنحيه في 11 فبراير من العام التالي، وسلم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعقدت انتخابات الرئاسة في عام 1433هـ (2012م)، فاز فيها عن جماعة الإخوان، محمد مرسي في 10 شعبان 1433هـ (30 يونيو 2012م). لكنه لم يلبث طويلًا في كرسي الحكم؛ حيث تم الانقلاب عليه في 24 شعبان 1434هـ (3 يوليو 2013م) بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، ليصبح الأخير رئيس مصر إلى لحظة كتابة هذا المقال؛ حيث تم تنصيبه في 10شعبان 1435هـ (8 يونيو 2014م). وتعيش البلاد في عصره أزمة اقتصادية حادة وحصارًا لكل معارضة وسجونًا مكتظة، وتمردًا مسلحًا في سيناء.

التاريخ الحديث لتونس

دخل الفرنسيون إلى تونس باسم الحماية بعد سقوط الدولة العثمانية؛ فأبقوا على نظام البايات شكليًا، وجعلوا السلطة في يد مقيم عام فرنسي يساعده عملاء من نفس البلاد.

وتوسعت الهيمنة الفرنسية في شعبان 1300هـ (يونيو 1883م) بتوقيع علي باشا باي اتفاقية المرسى. لكن أثناء ذلك كانت المقاومة مشتعلة في الجنوب التونسي، وكما هي عادة الاحتلال الفرنسي توغل في مفاصل البلاد؛ فنهب وسخر ثرواتها لصالحه، وطبق قوانين عسكرية صارمة لمنع أي تمرد عليه. لكن ذلك لم يمنع من ظهور حركات سياسية معارضة له، كحركة الشباب التونسي بقيادة علي باش حانبة والبشير صفر في عام 1325هـ (1907م) لكنها انهارت مع الوقت، وثارت البلاد مرات لكن كان الاحتلال الفرنسي يخمد ثورات التونسيين. إلى غاية الحرب العالمية الأولى حيث جند الفرنسيون أبناء تونس في صفوفهم بينما اشتدت المقاومة المسلحة في الجنوب ضد الاحتلال، وبعد الحرب أعلن  الرئيس الأمريكي ويلسون عن حق الشعوب في تحقيق مصيرها، فتأسست أحزاب للمطالبة بإصلاح حال التونسيين لكنها فشلت وتم نفي قادتها.

في بداية الثلاثينات برزت مجموعة من المبتعثين التونسيين في الجامعات الفرنسية أبرزهم قائدهم الحبيب بورقيبة الذي نشط بكتاباته الصحفية وأسس كيانًا سياسيًا، انشقت عنه اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري، وأسست في 1353هـ (1934م) الحزب الحر الدستوري الجديد، ونشط الحزب في حين تراجع نشاط بورقيبة وجماعته.

لكن السلطة الفرنسية حظرت الحزب على إثر الاحتجاجات الضخمة التي اندلعت في 9 صفر 1357هـ (9 أفريل 1938م) للمطالبة بإحداث إصلاحات لنظام الحماية وسقط خلالها العشرات من القتلى والجرحى واعتقل قادة الحزب.

في الحرب العالمية الثانية في عام 1361هـ (1942م) دخلت القوات الألمانية والإيطالية المهزومة في ليبيا إلى تونس بعد غزو الحلفاء لشمال إفريقيا؛ حيث دخلوا إلى العاصمة التونسية في جمادى الأولى 1362ه (ماي 1943م). وأحدثت المعارك بينهم دمارًا كبيرًا، وانتهت بخلع المنصف باي واستبداله بالأمين باي لميوله إلى الألمان.

وفي عام 1369هـ (1950م) شكلت حكومة مفاوضات مع الحماية الفرنسية كان من ضمنها الحزب الحر الدستوري الجديد لكنها فشلت فاندلعت مقاومة مسلحة في عام 1371هـ (1952م).

واشتدت المواجهة بين الاحتلال الفرنسي والمقاومة، إلى أن أعلن رئيس مجلس الوزراء الفرنسي بيار منداس فرانس نيته إعطاء تونس استقلالها الداخلي في ذي القعدة 1373هـ (يوليو 1954م) متقهقرًا أمام ضغوط المقاتلين “الفلاقة”.

وعاد بورقيبة للمشهد السياسي التونسي في منتصف عام 1374هـ (1955م) ليوقع على اتفاقيات الاستقلال الداخلي، أعقبها تشكيل حكومة جديدة شارك فيها أنصار بورقيبة.

لكن الأمين العام للحزب، صالح بن يوسف، عارض هذه الاتفاقية بشدة ودخل في صراع مع بورقيبة؛ حيث طالب باستمرار المقاومة المسلحة لانتزاع استقلال كامل للبلاد وللالتحام مع الثورة الجزائرية المجاورة. لكن بورقيبة تمكن من تمرير توجهه المبني على سياسة المراحل. وتم نفي بن يوسف الذي كان مطاردًا من قبل الفرنسيين والبورقيبيين.

وانطلقت مفاوضات مع فرنسا في 18 رجب 1375 هـ (29 فبراير 1956م) بباريس انتهت في 20 مارس إلى إعلان الاستقلال الكامل، بعد احتلال فرنسي لتونس استمر طيلة 75 عامًا.

سيطر الحزب الحر الدستوري الجديد على السلطة، وتم تأسيس حكومة برئاسة الحبيب بورقيبة واقترب من دائرته كل من كان يواليه ضد خصومه. وفي 28 ذي الحجة 1376 (25  يوليو1957م) تم إلغاء الملكية وأصبح بورقيبة رئيسًا للجمهورية التونسية.

وأطلق بورقيبة حربه على الإسلام؛ فمنع تعدد الزوجات، وحارب الحجاب والصلاة، وطارد الملتزمين وأفسد في الأرض، وضم نظام التعليم الزيتوني الإسلامي إلى التعليم النظامي العام فأصبح التعليم مجانيًا إلزاميًا. كما أطلق حملة مطاردة لمن عارضه من خصومه في مقدمتهم اليوسفيين الذين حاولوا اغتياله عدة مرات.

وانتخب بورقيبة في عام 1379هـ (1959م) رئيسًا لولاية من 5 سنوات بنسبة فاقت الـ99%. لم تسحب فرنسا آخر جنودها من تونس إلى غاية  28 جمادى الأولى 1383هـ (15 أكتوبر 1963م) بعد سلسلة من المباحثات.

واغتيل ألد أعداء بورقيبة، صالح بن يوسف، في ألمانيا في عام 1381هـ (1961م) بتدبير مباشر من الرئيس. وشهدت تونس في نهاية عام 1382هـ (1962م) محاولة انقلابية لكنها فشلت.

وتأثر الاقتصاد التونسي بخروج المستوطنين الفرنسيين برؤوس الأموال من البلاد.  فلجأ بورقيبة في عام 1382هـ (1962م) إلى تبني الاشتراكية. لكنه مشروع باء بالفشل مع تراكم الديون والعجز المالي الذي عرفته تونس آنذاك. وانتقلت تونس بعد ذلك إلى حكم  ذي طابع ليبرالي.

جرت العديد من الأحداث والاضطرابات مع تقهقر صحة بورقيبة، في آخر أيام حكمه. وفي عام 1406هـ (1985م) شهدت تونس غارة جوية إسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية المقيمة في تونس منذ 1402هـ (1982م).

ومع تأزم الوضع الاقتصادي عرفت البلاد صعود نجم زين العابدين بن علي وزير الداخلية الذي استطاع بسط يده على الأجهزة الأمنية. وفي 16 ربيع الأول 1408هـ (7 نوفمبر 1987م) عزل بورقيبة في انقلاب وفرض عليه الإقامة الجبرية في مَنزله، كما حُجبت أخباره عن الإعلام إلى حين وفاته في سنة 1421هـ (2000م). وبدأت حقبة أخرى مظلمة في تاريخ تونس!

حيث هيمن بن علي على السلطة مدة طويلة، وعين المقربين منه في دائرة صناعة القرار.  وظهر في هذه الفترة التجمع الاشتراكي التقدمي، وحركة النهضة التي دخلت في صدام مع النظام فأصبحت في حكم المطارد. وفاز بن علي في كل جولة انتخابات بنسب تقارب المائة بالمائة. مع إخماد تام لصوت المعارضة.

وكما كان حال بورقيبة بتدخل زوجته في شؤون الحكم بدأ يظهر نفوذ زوجة بن علي الثانية ليلى الطرابلسي وعائلتها في إدارة البلاد. مما عمق من قضايا الفساد.

استمر الوضع المعيشي في التأزم مع ارتفاع منحنيات الفساد في تونس؛ فثار الشعب التونسي في  ذي القعدة 1420هـ (فبراير 2000م) لكنها أخمدت بالوعود الخادعة، ثم ثار مرة أخرى في 1429هـ (2008م) لعدة أشهر، ثم مرة ثالثة في عام 1431هـ (2010م) تزامنًا مع الإضرابات الاجتماعية والمطالبة بتحرير الإعلام ومحاربة الفساد.

وأثناء ذلك هزت حادثة إحراق محمد البوعزيزي الشعب التونسي، وأشعلت فتيل ثورة عارمة. انطلقت بداية في سيدي بوزيد ثم انتشرت كالنار في الهشيم، فواجهها النظام بالقوة والرصاص الحي. لكن الانتفاضة الشعبية توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية فاضطر الرئيس زين العابدين بن علي للهروب من البلاد خلسةً، فتوجه إلى فرنسا لكنها رفضت استقباله. فلجأ إلى السعودية وأقام فيها إلى أن توفي في عام 1440هـ (2019م) بعد معاناة مع المرض.

حكم بن علي تونس بقبضة من حديد لما يزيد عن 23 سنة متتالية، أذاق فيها الشعب التونسي الويلات. وبعد هروبه تولى فؤاد المبزع منصب الرئاسة بصفته رئيس مجلس النواب وعاد المعارضون المنفيون كراشد الغنوشي والمنصف المرزوقي وطارق المكي لبلادهم وتم السماح بترخيص الأحزاب.

وفي 25 ذي القعدة 1432هـ (23  أكتوبر 2011م) أقامت حكومة الباجي قائد السبسي انتخابات مجلس تأسيسي فازت فيها حركة النهضة تلاها حزبا المؤتمر والتكتل. وشكل الثالوث حكومة ترأسها حمادي الجبالي في حين انتخب المرزوقي رئيسًا مؤقتًا للجمهورية لكنها محاولة باءت بالفشل. فلم تحقق استقرار البلاد، وخلال الانتخابات الرئاسية 1435هـ (2014م)، فاز رئيس الوزراء السابق الباجي قائد السبسي واستمر في حكم البلاد إلى أن توفي في 22 ذي القعدة 1440هـ (25 يوليو 2019م)، وخلفه محمد الناصر رئيسًا بالإنابة. واستمر في منصبه إلى أن انتُخب قيس سعيد في محرم 1441هـ (سبتمبر 2019م).

كان سعيد من أوائل المرشحين للرئاسة كمحافظ اجتماعي مستقل، جذب التونسيين بشعاراته الرنانة ووعوده بتغيير واعد. لكن الواقع كان أكبر من هذه الوعود، وفاجأ التونسيين في رجب 1443هـ (فبراير 2022م) بحل المجلس الأعلى للقضاء، وحل مجلس نواب الشعب لأول مرة في تاريخ المجلس. ولا يزال قيس سعيد رئيسًا لتونس، ولا تزال الانتقادات تلاحقه. 

الخلاصة

الاحتلال

إن المتأمل لتاريخ شمال إفريقيا يلاحظ ذلك الضعف الشديد الذي نال من سلطان المسلمين بعد سقوط الدولة العثمانية، واجتياح الجيوش الغربية التي بدأت غزوها بإعلان الحرب على مقومات الشعوب، ونهب ثرواتها وإخضاعها بقوة الحديد والنار. فرافق نهاية حقبة الدول الإسلامية في المنطقة إدخال الاحتلال جميع أفكاره ونظمه الهدامة المحاربة لدين الله. لعلمه بسر قوة المسلمين.

ولتحقيق ذلك صنع الاحتلال في الأثناء من أبناء شمال إفريقيا أولياء له، يحملون فكره وينافحون عنه؛ فظهرت تيارات لم يعرفها أهل البلاد من قبل تنادي بنفس شعارات الغرب في الحياة والحكم وحيّدت الإسلام تمامًا من برامجها، بل حاربته.

لكن ذلك لم يمنع المقاومة الشعبية من الاشتعال والضغط على قوى الاحتلال حتى تم إجبارها على الانسحاب. إلا أن الاحتلال كان واعيًا بما ينتظره إنْ ضمن استقلالًا كاملًا لشمال إفريقيا؛ فهيأ للبلاد من يخلفه بولاء يحفظ له مصالحه بعد خروج جيوشه.

من هنا قامت حكومات وظيفية على أوطان المسلمين المقسمة على غرار دول سايكس بيكو في المشرق؛ مستقلة شكليًا، لكنها تعاني تبعية نكدة للمحتل، الذي يتدخل في أشكال الحكم وقوانينه ويأخذ نصيبه من ثروات البلاد ويمنع أي نهضة تليق بالمسلمين بإحكام رقابته على القطاعات التي تحقق هذه النهضة؛ في مقدمتها قطاع التعليم والأسرة بسن قوانين تكبح أي عبقرية للريادة ممكنة، وتصنع أجيالًا ضعيفة هشة بعيدة عن الالتزام بدينها في وقت تشغل فيه المسلمين بالركض خلف لقمة العيش وتأمين حياتهم؛ فلا يفكرون في غير ذلك. وهم ينظرون لمن احتلهم بالأمس في مقام المتفوق والوصول إلى أرضه أسمى حلم وأمنية!

كان طبيعيًا جدًا أن تثور شعوب المنطقة في انتفاضات شعبية حملت اسم “الربيع العربي” للمطالبة بمعيشة كريمة؛ فهي تعيش تحت ظل حكومات لم تعمل لتحقيق رفاهية شعوبها بل لكتمهم وسياستهم بطريقة تقتل فيهم كل إرادة استقلال ورقي ووحدة. لنجد أنفسنا أمام وصف حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فحال دول المسلمين في شمال القارة ليس إلا امتدادًا لحقبة الحكم الجبري بعد الملك العضوض.

فقد روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-، قال: كنا جلوسًا في المسجد، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء. فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. (3)

ولا بد أن تغيير حال هذه المنطقة مرتبط بمستقبل الأمة المسلمة برمتها؛ فإن أرضًا احتضنت كبرى الدول الإسلامية في العالم وامتد خيرها إلى الأندلس وإلى أدغال إفريقيا وصحاريها، وأنجبت من القادة العظام مَن خلدوا أسماءهم في التاريخ وأعجزوا أعداءهم؛ لا بد أن ترجع من جديد للريادة وتتخلص من أغلال الاحتلال والهيمنة. ولتحقيق ذلك لا بد من أن تسترجع هويتها الإسلامية خالصة؛ فبها عزها وبها تحررها. أما دون ذلك من ترهات الديمقراطية والعلمانية والانجرار خلف ما يمليه المحتل بأفكاره الغربية القاصرة، فيعني أن مرحلة النضوج لا تزال بعيدة وأن استحقاق العز لم يصل بعد لموعده.

فيا أبناء شمال إفريقيا إنما خلاصكم بالإسلام والعمل له. فلا دولة مدنية ستخرجكم من هذا البؤس، ولا أي مطالبة بنظام حكم صاغه عدوكم يحقق أحلامكم بالنهضة. هذا العدو الذي لا يزال يستوجب محاكمة على كل نفس قتلها وروعها، وكل عرض هتكه، وكل ثروة نهبها، وكل سلاح مدمر في بلادكم جربه، وكل فساد في أرضكم أحدثه، طيلة أكثر من قرن من الزمان، فالحقوق لا تسقط بالتقادم.

326

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

التعليقات

  • محمد بن طاهر منذ شهرين

    باختصار شديد وبالتحديد فيما يتعلق بما كتب عن ليبيا. أستطيع القول: إن الصورة التي رسما المقال أقل ما توصف به أنها باهتة، وأنها عبارة عن أشتات غير مجمتمعة، وأن ما تم ذكره عن جهاد الليبيين ضد الفاشست، والدور السنوسي، مرورا بعهد القذافي ووصولا إلى 17 فبراير. لا يمثل إلا بعض الحقائق، التي لم يراع فيها أبحديات السرد.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.