الحركة السنوسية هي حركة صوفية مقاومة نشطت في عدد من الدول الأفريقية خاصة في ليبيا القرنين التاسع عشر والعشرين، اشتهرت بنشر الزوايا الصوفية وتعرف أيضًا “بالطريقة السنوسية”، وكان للحركة دور كبير في المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، وهدفَ هذا التقرير إلى استعراض شديد الإيجاز لتاريخ الحركة السنوسية في إطار دراسة تاريخ الإسلام الحركي ودور الحركات الإحيائية الإسلامية في مقاومة الاستعمار.

من هي الحركة السنوسية

هي حركة إحياء ومقاومة إسلامية نشطت في القرن التاسع عشر، تميزت بالجمع بين مقاومة الاستعمار والتربية الصوفية على خلاف ما هو معتاد في غالب الطرق الصوفية من الجنوح للسلم والبعد عن الصدام السياسي، وبعيدًا عن الخوض في العقائد الصوفية واختلاف تفسيرها لمعنى التصوف يمكن القول أن الحركة السنوسية حركة إحيائية عنيت بالاهتمام بجانب العبادات والتزكية الفردية ضمن الإعداد للجهاد ومقاومة الاستعمار. وانطلقت الحركة في ليبيا ونشطت في شمال أفريقيا والسودان وعدد من البلاد الإسلامية.

يعود تأسيس الحركة إلى الشيخ المجاهد محمـد بن علي السنوسي المولود في الجزائر عام 1202 هجريًا الموافق 1787 ميلاديًا. تنقّل الشيخ في رحلة تلقي العلم والتدريس بين الجزائر والمغرب وليبيا ومصر والحجاز، لتتنوع بذلك مشاربه المذهبية لأنه تلقى العلم من علماء من مختلف المذاهب الإسلامية، حتى أن الحركة السنوسية توصف بأنها جمعت في مذهبها بين السلفية الوهابية والطرق الصوفية.

وخلال إقامة الشيخ السنوسي في الحجاز أسّس زاوية صوفية هناك (زاوية أبي قبيس في مكة) لتكون النواة الأولى للزوايا السنوسية والتي سيتشكل عليها الهيكل التنظيمي للحركة.

التنظيم والزوايا

الزاوية في التعريف الصوفي هي مكان للتعبد والخلوة تتبع إحدى الطرق الصوفية في شكل العبادات وتعتبر مدرسة دينية لتعليم الطرق الصوفية وتزكية المريدين، وتحمل بعض الوظائف الأخرى أحيانًا فتكون دارًا للضيافة توفر الطعام والإيواء للمحتاجين، وقد تحتوي الزاوية على ضريح أو قبر لأحد الصالحين يزار من قبل المتصوفة، وفي شكلها الهندسي عامة تجمع بين المنزل والمسجد ذات أسوار منخفضة ولا توجد لها مئذنة.

وارتبطت “الزاوية” أو “الرباط” في بلاد المغرب الإسلامي خاصة فكان تأسيس هذه الأماكن في البداية لغرض تجمع المجاهدين المرابطين على السواحل بهدف صد هجمات العدو وكانت مرادفًا لكلمة “الثغر” في المشرق، ولكن هذه النقاط حملت وظائف أخرى تتعلق بالاعتزال عن المجتمع رفضًا للمذاهب المخالفة للسنة، ولهذا الأمر ارتباطات تاريخية تتعلق بنشأة دولة المرابطين في المغرب الأقصى ودولة الموحدين من بعدهم، لذلك انتشرت الزوايا جنوبًا في بلاد المغرب بعيدًا عن السواحل بهدف الحفاظ على السنة ونشر المذهب المالكي، كما أن الزوايا انتشرت في وقت لاحق على طريق الحج بهدف إعانة الحجاج خلال قطعهم للصحراء باتجاه مصر ثم الحجاز.

كما تقدم فقد حملت الزوايا وظائف اجتماعية وسياسية ولم تكن مجرد مكان للعبادة، والقصد هنا أنها شكلت حيزًا اجتماعيًا بعيدًا في أوقات كثيرة عن السلطة الحاكمة تمكنت من القيام بوظائف تكافلية واجتماعية، وبالتالي شكلت مساحة لمعارضة السطلة الحاكمة والتي تمثلت في القوى الاستعمارية فيما بعد.

على هذا الأساس بنيت الزوايا السنوسية، فكانت مكانًا للتربية، وتعليم الحرف اليدوية، ومكانًا لإعداد وانطلاق المجاهدين ضد الاستعمار، وأصبحت تمثل زوايا الحركة مركز السلطة للقبيلة الموجودة في منطقتها والمصدر الشرعي والتعليمي لأفراد القبيلة، وكان للزوايا أراضي زراعية وآبار جوفية، كما أن زوايا الحركة السنوسية انتشرت على أساس عسكري من خلال اختيار مواقعها على مفارق الطرق والأماكن الاستراتيجية.

وبعد تأسيس الزوايا السنوسية في الحجاز انتقل الشيخ محمـد السنوسي إلى أفريقيا قاصدًا الجزائر لكن سلطات الاستعمار منعته من ذلك فاستقر في ليبيا وأخذ من هناك يدعم عبد القادر الجزائري في مقاومته للاستعمار، وجعل من برقة مركزًا له، أخذ بتأسيس الزوايا هناك وإلى جانب اختيار مواقعها على مفارق الطرق المهمة كانت الزوايا على شكل خطوط دفاعية فكان الخط الأول عبارة عن زوايا متباعدة بالقرب من الساحل خلفها الخط الثاني من عمق البلاد ليوفر الدعم والإمداد للخط الأول وهكذا.

فيما بني النظام الخاص بالزوايا من خلال إدارة مركزية من قيادة التنظيم، فتكوّن الهيكل التنظيمي للحركة من شيخ الطريقة (وهو رئيس الحركة)، مجلس الإخوان (وهو مجلس شورى الحركة ويساعد رئيس الحركة في اختيار إدارة الزوايا والحركة)، شيوخ الزوايا (وشكلوا الهيكل التنفيذي للحركة فيكون لكل زاوية شيخ يعين من شيخ الطريقة ويدير زاويته بالاتفاق مع القبائل في منطقة الزوايا)، الإخوان (وهم عناصر التنظيم ومهمتهم مساعدة شيوخ الزوايا وكسب الأعضاء الجدد للتنظيم).

وكانت إدارة هذه المنظومة مركزية فكان للحركة نظام تفتيش خاص وتصل التقارير إلى مركز الحركة في الجغوب في ليبيا من الزاويا المنتشرة في بلاد القارة الإفريقية في ليبيا والسودان وتشاد، وكان للحركة وزواياها دور أساسي في الجهاد ومقاومة الاستعمار الإيطالي والفرنسي في هذه البلاد.

محطات جهاد الحركة السنوسية

الجزائر

تضافرت عدة أسباب في قرار الشيخ محمـد السنوسي ترك الحجاز والعودة إلى أفريقيا من بينها رغبته في المشاركة في القتال ضد الفرنسيين في الجزائر، وتوجه إلى ليبيا ومنها إلى الجزائر وكان ذلك حوالي عام 1840 م، ولكنه بعد مكوثه في ليبيا ووصوله إلى الحدود التونسية وصلته أخبار تحسس المخابرات الفرنسية أخباره ونشر عيونها في الطرق بحثًا عنه لمنعه من دخول الجزائر، وقد تقرر عدم دخوله بنفسه إلى الجزائر وندب محمـد بن صادق أحد رجال الحركة عنه في إيصال الأموال والأسلحة إلى الأمير عبد القادر الجزائري، وعاد الشيخ السنوسي إلى طرابلس.

وقد عملت الحركة السنوسية على دعم الجهاد الجزائري ضد فرنسا بالسلاح والرجال، وكان للحركة وأتباعها دورًا في دعم الانتفاضات الجزائرية في خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر عبر المدد بالسلاح ومن خلال مشاركة أتباع الحركة السنوسية في القتال داخل الجزائر.

ليبيا

كان أكبر نشاط الحركة السنوسية الجهادي والدعوي في ليبيا ولا تذكر السنوسية إلا وتذكر بليبيا خاصة وجهادها ضد الاستعمار الإيطالي هناك وكون ليبيا منطلق أبناء السنوسي وأتباعه إلى أفريقيا، وقد كانت برقة في ليبيا مركز الحركة حيث أقيمت فيها الزاوية البيضاء والتي سميت أم الزوايا ثم أخذت تنتشر الزوايا في برقة بطلب من القبائل العربية في برقة وقد كان للزوايا السنوسية دورًا أساسيًا في محاربة البدع المنتشرة في تلك النواحي ونشر العلم والسنة.

أما الأبعاد الاستراتيجية في اختيار برقة فقد شكل موقع برقة في شرق ليبيا مدخلًا لأفريقيا ومرتكزًا مناسبًا، كما ساعدت الطبيعة الجغرافيّة لبرقة في إمكانية التحصن بها من خلال نشر الزوايا والتي بمثابة قلاع عسكرية خاصة مع وجود الجبل الأخضر في إقليم برقة والصحاري المحيطة به، يضاف إلى ذلك التركيبة القبلية في المنطقة التي استفادت منها الحركة، وبعدها نوعًا ما عن المركز السياسي في ولاية ليبيا ما يتيح مساحة أفضل للعمل الدعوي.

وكان ذلك قبل الانتقال إلى افتتاح زاوية “الجغوب” في عمق الصحراء الليبية والتي أصبحت مركز الحركة السياسي والدعوي لأسباب استراتيجية أيضًا، فكانت بعيدة عن السواحل وتشكل خطوطًا خلفية لها، وبعيدة عن المدن الرئيسة وبالتالي عن الاصطدام مع السلطات العثمانية وكان تجنب الاصطدام هذا استراتيجية أساسية عند الحركة، وحمل انتقال ثقل الحركة السنوسية إلى “الجغوب” تحولات اجتماعية وعمرانية حيث ساهم في نشر العلم في قبائل المنطقة وتطوير الواحات والعيون في المنطقة وتأمين طرق الحج والتجارة من اللصوص وقطاع الطرق خاصة أن المنطقة كانت تشكل طريقًا رئيسًا يربط المغرب الأقصى مع مصر وبرقة وتشاد.

وقد عمل هذا النشاط الدعوي للحركة في ليبيا على تشكيل بنية اجتماعية حفظت لليبيا هويتها ودينها ولغتها العربية، خلال فترة الاستعمار الفاشي الإيطالي، وإلى جانب جهاد أتباع الحركة ضد القوات الإيطالية، فقد شكلت ليبيا عبر أتباع الحركة منطلق للجهاد ضد الجيوش الاستعمارية في تشاد، والسودان، ومصر، وشكلت الصحراء الليبية نقاط تواصل وإمداد بين حركات المقاومة في حينه.

عمر المختار والجهاد في أفريقيا

لا يذكر هذا المقام أي النشاط السنوسي في ليبيا إلا ويذكر معه أسد الصحراء الشهيد عمر المختار، أما عن علاقة المختار بالحركة السنوسية فقد تلقى عمر المختار المنحدر من الجبل الأخضر -حيث مركز السنوسية- تعليمه الشرعي في معهد الجغوب التابع للحركة وتقلد عدة مناصب في الحركة وكان يتركز نشاطه خلال شبابه في الدعوة وحل المنازعات بين القبائل.

ومن خلال تتبع سيرة المختار التي تسبق الاحتلال الإيطالي لليبيا يمكن فهم طبيعة النشاط السنوسي المتجاوز للحدود الاستعمارية، فقد أدت الثقة التي حصل عليها المختار في شبابه لدى قادة الحركة إلى تنقله بين مناصب ومهمات مختلفة فقد صحب المختار (محمـد المهدي السنوسي) وهو الزعيم الثاني للحركة وابن الشيخ المؤسس إلى السودان وقد كان للحركة نشاط دعوي وجهادي هناك، بعدها عيّن المختار شيخًا لزاوية بالقرب من الأراضي المصرية وقد عمل خلال هذه الفترة الممتدة لثماني سنوات على الإغارة على القوات البريطانية في مصر، وكان المختار قد عرف ساحات القتال لأول مرة خلال قتاله في تشاد، حيث قاتل ضد القوات الفرنسية التي نزلت تشاد عام 1900، وقد شارك المحتار هناك في القتال مع الكتائب السنوسية والحشد والتعبئة هناك ضد الاستعمار.

وبعد نزول القوات الإيطالية إلى ليبيا عام 1911 بدأت قصة الشيخ الطاعن في السن المعروفة مع الجهاد الممتد لعقدين في الصحراء، وكان قد أوكل إليه العمل العسكري ضد الطليان من قبل أحمد الشريف السنوسي ومن بعده محمـد إدريس السنوسي وكان أحمد الشريف قرر ترك زعامة الحركة لابن عمه محـمد إدريس بعد الحرب العالمية الأولى وكان السنوسي قد شارك فيها إلى جانب الدولة العثمانية وقاتل الإنجليز في مصر، وذلك قبل أن يعقد محمـد إدريس السنوسي هدنة مع الطليان أدت إلى انقسام المقاومين في ليبيا حول الالتزام بها، والتي خرقها المختار بعد خروج إدريس السنوسي إلى مصر من ليبيا ولكنه ظل على تواصل معه، واستمر قتال الشيخ الشهيد إلى حتى القصة المعروفة باعتقاله وإعدامه رحمه الله.

نهاية الحركة السنوسية

بعد نهاية حقبة الاستعمار المباشر في ليبيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد محـمد إدريس السنوسي ونُصّب ملكًا على ليبيا حتى الانقلاب عليه من قبل معمر القذافي في مطلع السبعينيات.

وكانت نهاية السنوسية مع بداية تشكل ليبيا المستقلة فبالتأكيد أدى الفعل الاستعماري والحرب الطولية إلى تهديم البنى الاجتماعية والحركية للسنوسية، خاصة مع تقطع التواصل مع البلدان الإسلامية الأخرى الواقعة تحت الاستعمار من دول غربية أخرى، يضاف إلى ذلك تغير سلوك قادة الحركة وابتعاد الأحفاد عن نهج الجد المؤسس وساهم بذلك -بطبيعة الحال- الظروف السياسية والموضوعية في وقتها من النفي والتفاوض مع المستعمر، والعمل على بناء دولة ما بعد الاستقلال على شكل الدولة الحديثة مثل باقي الدول الحاصلة على استقلالها حول العالم في وقتها.

وللاستدراك ليس المقام هنا نقد ومراجعة تاريخ الحركة أو شخصيات بعينهم فهذا يحتاج لتدقيق وربط بسياق تاريخي ونظري، أما بخصوص توارث قيادة الحركة بين عائلة الشيخ المؤسس فهذا يرجع لاعتبارات تفرضها طبيعة الحركة الصوفية وظروف اجتماعية وقبلية خاصة مع الأخذ في الاعتبار كون السنوسيين يحملون لقب “أشراف” أي القول باتصال نسبهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام.

 أما إرث العلم الشرعي للسنوسية والدور التثقيفي للزوايا وحتى الرواية التاريخية لفترة مقاومة الاستعمار فقد اندثر بطبيعة الحال مع الحكم الممتد للعسكرية القومية بقيادة القذافي وفقدت ليبيا دورها التاريخي كمركز علمي في الصحراء الإفريقية.

الحركات الإحيائية ومقاومة الاستعمار

أما عن الهدف من التعرض لتاريخ الحركة السنوسية والحركات المشابهة في تلك الفترة، فهو ضرورة إعادة كتابة التاريخ التحرري للبلاد الإسلامية من الاستعمار، والتساؤل هل كانت مقاومتنا للاستعمار “إحيائية” تتمسك بالتراث واللغة والدين وتعمل على الحفاظ على التواصل مع التاريخ الاسلامي وتتجاوز الجغرافيا الاستعمارية، أم كانت مقاومة “قطعية” تعيد النظر في التراث وتعمل على البحث عن سبل الحداثة وخلق المرجعيات الوطنية والقومية في سبيل مواجهة المستعمر، والتساؤل عن الذي حمل السلاح في مواجهة شراسة الآلة العسكرية الأوروبية، وعن من الذي حفظ للشعوب المستعمرة لغتها وهويتها وروابطها الاجتماعية.

1329

المصادر
الكاتب

أحمد عسَّاف

مدوُن في الشؤون السياسية والثقافية.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.