تتعرض الشعوب المسلمة اليوم إلى حملة غسيل أدمغة شرسة هدفها تغيير المفاهيم، وتحريف الوقائع وتدليسها، فيصبح الحق باطلاً، والخير شراً والغزو تحرراً، وكذلك الهيمنة الاستعمارية بأنواعها تحالفاً ونشراً للعلم وإعماراً، ويعتمد الغرب في حملته هذه على وسائل متنوعة كالمؤسسات الإعلامية ومراكز الدراسات الإستراتيجية التي تدرس شعوبنا بتأني فتختار السم المناسب لتخديرها وتوظيفها لخدمة مصالحها الإمبريالية المادية.

 أما الوسيلة الأخطر فهي تلك الدول الوظيفية التي تحكمنا وتقود استعماراً بالوكالة وساستها من بني جلدتنا ويتكلمون لغتنا بأبواق نافذة ومؤثرة في عوام الأمة وحتى في نخبها، فبعد الاستقلال المزعوم للدول المسلمة ونهاية الاستعمار العسكري المباشر في جلِّها، سَلَّمت القوى الغربية السلطة إلى أيادٍ موالية لها، تدين لها بالتبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية، أنظمة سرطانية هدفها الإبقاء والمحافظة على هيمنة المستعمِرين بأساليب ماكرة مستترة تحت شعارات هلامية خادعة ظاهرها خير وباطنها شر.

فما هو مفهوم الهيمنة؟ وهل يعاني عالمنا الإسلامي من الهيمنة الغربية بمختلف أنواعها؟

 الهيمنة لغة حسب المعجم الوسيط تعني السيطرة والتأثير، و هي (مصدر هيمن) أي أحكم سيطرته وسطوته، أما “هيمنَ على” فتعني القدرة المطلقة على الشّيء من كافّة جوانبه وبشتّى الوسائل بما يكفل تحقيق الغاية، وحين نتحدث عن الهيمنة في لعبة الأمم فهي سيطرة الدُّول الكبرى على الدُّول الصُّغرى وقد تكون هذه الهيمنة مطلقة أو نسبية، فالهيمنة المطلقة هي هيمنة في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة، وهذا النوع من الهيمنة يعاني منه عالمنا الإسلامي اليوم.

 إذ يتعرض لغزو عسكري واقتصادي وثقافي وسياسي وديني من طرف البلدان الغربية بزعامة أمريكا، حملة صليبية متوحشة لا مثيل لها من حيث الحدة والرغبة في استئصال المسلمين ومحو خطر الإسلام الذي مازال يلاحقهم حتى والأمة الإسلامية في أسوأ حالاتها.

 أما الهيمنة النسبية فهي التي تقتصر على بعض المجالات لا كلها، وغالبا ما تكون قصيرة المدى، فما هي أشكال الهيمنة التي يعيش العالم الإسلامي تحت سطوتها اليوم؟.

لقد تحدث الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه االله -عن أشكال الهيمنة بشيء من التبسيط غير المخل بهرم لا تنفصل قمته عن قاعدته وإن اختلفت عنه فنجد عند قاعدة الهرم ما يسمى بالاستعمار الجديد وهو الاستعمار الناعم إذ تهيمن القوى الاستعمارية على الشعوب وثرواتها عن طريق حكومات عميلة وعن طريق منظمات دولية خاضعة لهيمنة الدول الغربية، ومثل هذا النوع من الهيمنة يمارس سلطاته بشكل غير مباشر وفي خضمه سنتحدث عن الهيمنة الفكرية والثقافية التي تسبب تشوهات من نوع آخر، وهي تشوهات حضارية واجتماعية وفكرية قد لا تسببها أشكال الهيمنة الأخرى.

 يقع فوق هذا في الهرم الافتراضي الاستعمار التقليدي وتعتمد الدول الغازية في هذه الحالة على إرسال جيوشها لاحتلال بلد ما لتحويل سكانه إلى مصدر للعمالة الرخيصة ونهب موارده الطبيعية ولتحويله إلى سوق لاستهلاك وترويج السلع الفائضة.

 كما تفرض الدول الغازية ثقافتها بالحديد والنار على الشعوب المستعمَرة وتمنعها من تطوير نفسها، ومن تقرير مصيرها ومن النهوض عن طريق حلول نابعة من منظومتها القيمية الإسلامية عوض الحلول المستوردة التي تجلب الوصاية والتبعية.

 وتبقى أخطر أشكال الهيمنة هي تلك التي تقع في قمة الهرم ونتحدث هنا عن الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي إذ أن الاحتلال هنا يأخذ شكل جماعات استيطانية بكل مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، والهدف من هذه الهيمنة استعباد السكان الأصليين وإبادتهم وتهجيرهم من أوطانهم، وهذا ما يفعله الكيان الصهيوني في الشعب الفلسطيني المسلم، فلنبدأ في إثبات أشكال الهيمنة الغربية على عالمنا الإسلامي بالترتيب.

الهيمنة العسكرية

Embed from Getty Images

يعيش العالم الإسلامي اليوم هيمنة عسكرية غربية مباشرة كالذي يحصل في فلسطين ومالي وأفغانستان… وأما باقي أجزاء العالم الإسلامي فتتعرض لهيمنة عسكرية غير مباشرة عن طريق انتشار القواعد العسكرية وشبكات مكاتب الاستخبارات الأمريكية والأوروبية، فمثلا تَعتبر فرنسا القارة الإفريقية عمقاً استراتيجياً لها، خاصة الساحل الإفريقي وبلاد المغرب الإسلامي الغنية بالثروات الطبيعية وهذا ما دفعها للهيمنة العسكرية بغية تأمين مخزونها الاستراتيجي، ففرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة في الساحة الإفريقية.

 حيث بلغ عدد قواعدها العسكرية سنة 1960 إلى 100 قاعدة، أما اليوم فتوجد ثلاث قواعد عسكرية كبرى تحتوي على 8000 جندي فرنسي مع قوات إضافية أخرى متمركزة في مناطق مختلفة، تتمركز القواعد الفرنسية الثلاث في جيبوتي التي تحتوي على قاعدة أمريكية أيضا وبها 1500 جندي فرنسي.

 والقاعدة الثانية في السنغال المسلمة والثالثة في الغابون إضافة إلى اتفاقيات الدفاع المشترك وهي اتفاقيات عسكرية تجمع فرنسا بأكثر من 21 دولة إفريقية أغلبها دول تنتمي للعالم الإسلامي، مضمونها السماح للقوات الفرنسية بالتدخل في شؤون جيوش هذه الدول والتحكم في استراتيجياتها وتحديد مهامها والأخطر من ذلك السماح بالتدخل العسكري المباشر في حالة بروز خطر ما كالتدخل العسكري المباشر في مالي لقتال المجاهدين خوفاً من إقامة حكم إسلامي يمنع فرنسا من نهب ثروات المنطقة خاصة البترول التي تعمل شركة “آريفا” على استخراجه.

 وبعيدا عن إفريقيا ننتقل إلى الشرق الأوسط للعالم الإسلامي لنبين الهيمنة العسكرية الأمريكية هناك من خلال تواجدها العسكري في جلِّ الدول، إذ تتمتع القوات الأمريكية بوجود عسكري قوي في البحرين من خلال أكثر من 1000 جندي منتشرين على أكثر من قاعدة عسكرية كقاعدة “الشيخ عيسى” الجوية، وتعتبر قاعدة “الجفير” العسكرية القريبة من المنامة من أهم القواعد العسكرية في الخليج حيث تضم مركز قيادة الأسطول الخامس الأمريكي كما يوجد في البحرين وحدة عسكرية بريطانية، ويتمركز في الكويت حوالي 10 آلاف جندي أمريكي ب522 دبابة و75 هليكوبتر مع معدات أخرى.

اقرأ أيضًا: أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط

وتتمتع القوات الأمريكية بتسهيلات مهمة في مواقع أردنية وإماراتية مختلفة كقاعدة الظافرة الجوية في أبوظبي وتواجد 1200 عسكري تابعين للقوات الجوية الأمريكية بقاعدة “موفق” الجوية في الأردن، وقد أصبح التواجد العسكري الأمريكي في قطر قويا جدا خاصة في قاعدة “العديد” العسكرية التي نُقل إليها من “فلوريدا” مقر القيادة المركزية ويبلغ حجم القوات الأمريكية في قطر 3000 جندي و 175 دبابة وعددا مهما من طائرات الاستطلاع، أما تركيا الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فتوجد بها كبرى القواعد العسكرية التابعة لهذا الحلف وهي قاعدة “انجيرليك” الجوية التي تضم حوالي 1700 جندي أمريكي، وتتمركز بها 36 مقاتلة من طرازات مختلفة.

 كما أن للجيش الأمريكي تواجداً أيضاً فى السعودية ومصر ودول أخرى، كما أن الجيش الأمريكي مازال يخوض حربا ضد الإمارة الإسلامية في أفغانستان رغم خسائره الكبيرة وسخط الشعب الأفغاني عليه فيما أن الهدف من كل هذا التواجد إحكام الهيمنة على العالم الإسلامي من خلال مهاجمة كل قوى التحرر الإسلامية بقصفها والتجسس عليها وحماية الكيان الصهيوني من أي خطر يهدد وجوده.

الهيمنة الاقتصادية

الهيمنة هل نحن حقًا نعيش في ظلال الهيمنة... وما هي أشكال هذه الهيمنة؟ 1

تتمتع بلدان العالم الإسلامي بثروات طبيعية طائلة ومتنوعة، إذ يبلغ إنتاج المنطقة العربية 22.9 مليون برميل من النفط يومياً وهو ما يعادل 30.3% من الإنتاج العالمي، كما تحتوي منطقة الخليج العربي على أكبر احتياطي للنفط بالعالم بنسبة 55.8%، وتعتبر هذه المنطقة خزان النفط الأول في الأرض، ويأتي ثاني أهم خزان في العالم في منطقة جمهوريات وسط آسيا الإسلامية الممتدة من بحر قزوين إلى القوقاز إضافة إلى ثروات نفطية أخرى ممتدة في مختلف أركان العالم الإسلامي.

 وقد بلغت عائدات بلدان الشرق الأوسط وحدها سنة 2015 ما يقارب 325 مليار دولار، وتمتلك بلدان العالم العربي أيضاً احتياطات مهمة من الغاز الطبيعي بنسبة 27.5% من الاحتياطي العالمي حسب تقرير منظمة (أوبك) لسنة 2015، وتتمتع بلدان العالم الإسلامي أيضا بثروات معدنية ضخمة إذ تعتبر منطقة الخليج العربي وبلدان شمال إفريقيا من أهم المنتجين للحديد والصلب.

 أما فيما يتعلق بالفوسفات فتنتج المغرب أكثر من 30 مليون طن سنوياً حسب إحصائيات سنة 2015 مما يجعلها في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين، وتتميز بلدان العالم الإسلامي أيضا بثروات زراعية وحيوانية ضخمة تقدر ب345 مليون رأس من الأبقار والجاموس والأغنام والماعز والإبل حسب إحصائيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة 2014.

 ورغم كل هذه الثروات التي لا يسعنا ذكرها كلها، تتصدر بلدان العالم الإسلامي قائمة البلدان الأكثر فقراً وتخلفاً وأمية، فمن المحزن أن أكثر من 57 مليون مسلم لا يعرفون الكتابة والقراءة، وأكثر من 30 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر بسبب الفساد والهيمنة الاقتصادية الغربية وسرقتها لثروات وأموال المسلمين، إذ يتفنن الغرب في سرقتها بطرق مختلفة أولها عقود الشراكة التي تمضيها الحكومات الوظيفية مع الدول الغربية والشركات المتعددة الجنسيات فتذهب إليهم أكثر من 50% من خيراتنا عن طريق هذه العقود والاتفاقيات.

 ومن بين طرق النهب والسرقة تزوير كميات الثروات المستخرجة لأنها تُستخرج تحت إشراف شركات غربية ثم تحديد أسعار بخسة بالتواطؤ مع المشرفين على الإنتاج من حاشية الحكام فيتم التسويق بأرخص الأثمان كي يزداد الغرب غِنى ويزداد المسلمون غرقاً في فقرهم، فتستقر حصص بلدان العالم الإسلامي من هذه الصفقات في البلدان الغربية كي يشغلوا بها اقتصادهم ويستثمرونها لتشغيل شعوبهم وتطوير بلدانهم ولا يسمحون للحكومات التابعة بسحب أموالها إلا بكميات محدودة ولأهداف معلومة كشراء الأسلحة والذخيرة بأسعار باهظة توظف في قتال المسلمين والانقلابات العسكرية والمخططات الشيطانية.

 كما يتحكم كبار الرأسماليين الغربيين خاصة اليهود منهم من خلال البورصة في أسعار البضائع الأساسية وقيمة العملات الدولية حسب مصالحهم الإستراتيجية دون أن ننسى املاءات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي الذي يقتات من القروض الربوية التي تعجز الحكومات عن تسديدها فتلجأ إلى لقمة وقوت المسلم لتنهبه بالضرائب والرفع من الأسعار فتزيد من عنائه وتعبه.

وتلتقي الهيمنة الاقتصادية بالهيمنة العسكرية حين تتكفل بلدان العالم الإسلامي بدفع فواتير الغزو العسكري لبلاد المسلمين من بيت مالهم كما فعلت أمريكا بالسعودية عندما قدرت تكاليف (عاصفة الصحراء) بحوالي 560 مليون دولار أخذتها من ميزانيتها وجعلت ما عجزت عنه على شكل ديون ربوية جعلت من السعودية دولة مديونة ربويا لصندوق النقد الدولي وهي أكبر مصدر للنفط في العالم.

الهيمنة الناعمة

الإعلام - السياسة

 

لقد فشل الحديد والنار في انتزاع الإسلام من صدور المسلمين وعقولهم، ودائماّ ما ترتد الفلول الغربية مدحورة ذليلة أمام جهاد المسلمين وثباتهم، ففشلت الهيمنة العسكرية الغربية في بلوغ غايتها وتحقيق مرادها فلجأت إلى أساليب ووسائل أشد خطراً ومكراً، إنه الاستعمار الجديد أو الهيمنة الناعمة، غزو فكري وسياسي واجتماعي وثقافي لا هوادة فيه، جعل من الأمة الإسلامية الواحدة أمماً متفرقة، ومن الدولة الإسلامية الواحدة دويلات متناحرة، ومن النظام الإسلامي الجامع أنظمة أرضية وقوانين وضعية، ومن أخلاق المسلمين الراقية أخلاقاً هابطة تقوم على التقليد الأعمى.

 غزت العلمانية بلاد المسلمين وتميّع شبابهم وزُرعت بذور التشكيك والإلحاد في نفوسهم وتفتتت وحدتهم وذهبت عزتهم بدينهم، وما انتشار المدارس الغربية وجامعاتهم في بلدان العالم الإسلامي إلا دليلاً على هذه الهيمنة، فقد كان انتشار هذه المدارس بداية الطريق لتنصير المسلمين ولذلك أُنشئت الكلية الإنجيلية ببيروت والجامعة الأمريكية في مصر.

 وتعمل هذه المدارس اليوم سواء فرانكفونية كانت أو أنجلو سكسونية على ما يسمى تطوير المناهج التعليمية في بلادنا ويشمل كل ما يتصل بمبادئ الدين والأدب والفلسفة والعلوم لخدمة الفكر الغربي ومشاريعهم التغريبية ولغسل أدمغة الجيل المسلم من المعتقدات والأخلاق الفاضلة ومن كل القيم التي ثبتها الإسلام في النفوس.

ونذكر على سبيل المثال دعوة “كرومر” الإنجليزي لتطوير “الأزهر” وهو ما حصل على يد خلفائه من بعده، فأصبح “الأزهر” ممسوخ التوجيه والإرشاد، بوقاً من أبواق الطغيان، محتوياً على كتب ومناهج معقدة، مضمونها ضعيف، مجردة من روح الدعوة والجهاد والتبليغ، وهذا ما فعله “بورقيبة” في تونس بجامع “الزيتونة” بالتواطؤ مع فرنسا، فحوله من منارة للعلم والمعرفة إلى مرتع للبدع والافتراء على الله.

لسنا نغالي إذن حين نتحدث عن الهيمنة الغربية على عالمنا الإسلامي، بل نحن مقصرون تجاه تبيانها ثم نقضها، وهذا واجب على كل مسلم يغار على دينه وأمته، فمعركة الوعي ضد أعداء الأمة من أهم المعارك، فهي تذود عن الأمة سموماً قاتلة، إذا تمكنت من العقول شوّهتها وإذا اخترقت القلوب أفسدتها وإذا لامست النفوس الضعيفة أفجرتها، فليتجند كل مسلم وليتزود بالعلم والصلاح لخوض هذه المعركة.


المصادر

(1)تاريخ الفكر الصهيوني (عبد الوهاب المسيري)

(2)دعوة المقاومة الإسلامية (عمر عبد الحكيم)

(3) الشباب المسلم في مواجهة التحديات (عبد الله ناصح علوان)

(4)أساليب الغزو الفكري (علي جريشة)

(5)البلاد العربية ثروات طائلة وواقع مزر (مقال بجريدة الراية)

705

الكاتب

محمد بن أبي عامر

طالب جامعي وناشط حقوقي، مدون مستقل، مهتم بالشؤون الدولية ومنخرط في معركة الوعي، مهتم لآلام المسلمين في العالم وأسعى لنصرتهم ولو بالقلم.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.