قد تمرُّ هذه التواريخ على البعض كمجرد سرد لأحداث حصلت في الماضي، لا تأثير لها في حاضرنا؛ إلا أنها -في الحقيقة- كانت بداية الرضوخ الحضاري للغرب، وبدايةَ الانفصال الفعلي بين الدولة “الإسلامية” -أو لنقُلْ- دولة “الخلافة” بقوانينها الشرعية، وبين الدولة “الحديثة” على الطراز الغربي بقوانينها الوضعية.

الانقلاب على الموروث

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

كانت البداية مع السلطان سليم الثالث (1787-1808م)؛ الذي كان قد اتخذ مجموعة من الخطوات الإصلاحية في محاولة لإحياء قوة الدولة العسكرية، بعد سلسلة من الهزائم. لكنه  عُزل ثم قُتل عام 1223هـ/1808م.

ثم تولى السلطان محمود الثاني (1807-1839م) مقاليد الحكم في الدولة العثمانية. وأمضى المرحلة الأولى من عهده في محاولة القضاء على مراكز النفوذ للإنكشارية؛ الذين اعتبرهم أكبر عقبة ضد أي جهد مبذول للإصلاح، مُستلهمًا طريقة محمد علي باشا -والي مصر- في تخلصه من قوة المماليك بمذبحة القلعة عام 1226هـ/1811م. حتى استطاع في النهاية -وبعد سبعة عشر عامًا- من تسلمه الحكم القضاءَ على الإنكشارية في مذبحة مماثلة فيما عرف بالواقعة الخيرية عام 1242هـ/1826م.

بدأ عندها السلطان بمجموعة من الخطوات في تبني النظم الأوروبية الحديثة في المجال العسكري؛ فاستدعى لتدريب الجيش الجديد ضباطًا ومهندسين فرنسيين وبروسيين، ثم عَمَدَ لإصدار عدة قرارات عملت على تحويل المجتمع إلى مجتمع “عصري”؛ دالًّا بذلك على الهزيمة النفسية أمام الغرب مثل قانون القيافة (الملابس) الذي صدر في عام 1244هـ/1829م؛ والقاضي بتغيير اللباس لموظفي الحكومة المدنيين والعسكريين، بما في ذلك اللباس السلطاني نفسه إلى اللباس الغربي مثل المعاطف الطويلة والسراويل الأوروبية (البنطلونات)، وفرض لبس الطربوش، ومَنَعَ بشكل كامل ارتداء العمامة العثمانية أو السروال العريض (الشلوار) وغيرها من الأزياء العثمانية. بينما سمح لرجال الدين فقط ارتداء الجبة والعمامة(1).

ثم أعقب ذلك بإقامة الحفلات الفخمة على الطراز الأوروبي، ودخلت الموسيقى الغربية وأدواتها: كالبيانو والكورال والأوكسترا، ثم المسرح والأوبرا إلى المجتمع العثماني لأول مرة.

مؤسسة شيخ الإسلام

كان من آثار التوجه الغربي للدولة أن تراجع نفوذ المؤسسة الدينية العثمانية؛ متمثلة في “شيخ الإسلام”. فتم سحب صلاحيات إدارة الأوقاف الإسلامية، وتشكلت نظارة (وزارة) الأوقاف 1242هـ/1826م. فاستحوذت هذه الوزارة على كامل موارد الأوقاف، ودخلت هذه الأموال إلى خزانة الدولة(2). وبذلك فقَدَ رجال الدين استقلالهم المالي، وتحولوا إلى موظفين برواتب تصرف من الدولة، وحددت وظيفة مؤسسة شيخ الإسلام بالأمور الوعظية والاستشارية(3).

ثم بالتدريج سحبت منها صلاحيات إدارة المدارس والمعارف في عام 1262هـ/1846م، ثم تأسيس نظارة المعارف العمومية عام 1274هـ/1857م. وبعدها تم فصل القضاء عن صلاحيات مؤسسة المشيخة، حتى لم يبقَ تحت إدارتها سوى محاكم الأحوال الشخصية والمدارس الشرعية؛ والتي تضررت كثيرًا بسبب سلب مواردها المالية، بعد فقدانها لعوائد الأوقاف التي كانت تغطي مصاريف المدارس والطلبة والعلماء (4).

حتى وصل الأمر أن أطلق على السلطان محمود الثاني في العاصمة وبعض الولايات لقب (السلطان الكافر)، وهو أوَّل من علَّقَ تصاويره في دوائر الدولة الرسمية(5).

الابتعاث إلى أوروبا

لكن يعتبر أخطر ما قام به السلطان محمود الثاني؛ هو فتحه لباب إرسال البعثات “التعليمية” إلى لندن وباريس عام 1242هـ/1827م، لدراسة العلوم العسكرية الحديثة والفنون المختلفة. فكانت البعثة الأولى مكونةً من 150 طالبًا، ثم ارتفع العدد حتى بلغ الآلاف بين عامي (1827-1840م) في حين أن هذه العواصم الأوروبية -وخصوصًا باريس- كانت تموج بالأفكار القومية والعلمانية الجديدة.

فبدأ منذ ذلك الحين تسربها إلى النخبة العثمانية؛ فكان الطلاب يدرسون مع الهندسة والرياضيات والمواد العسكرية أهدافَ الثورة الفرنسية والمفاهيم الجمهورية في الحرية والمساواة. لذلك كانت القوات العسكرية هي أول أدوات التحول في ميدان التغيير نحو النسق الأوروبي. ومع استدعاء المدربين من ضباط وفنيين دخلت الأفكار الغربية لتحطم النظام السياسي والاجتماعي للدولة(6).

الاتفاقيات التجارية

لجأت الدول الأوروبية -وخاصة إنجلترا- إلى ممارسة ضغوط مختلفة على الدولة العثمانية، مستفيدةً من عجزها ومستغلةً انشغالها بمشكلة محمد علي باشا -والي مصر-. فانتهزت احتياجها السياسي إليها؛ ودفعتها إلى توقيع اتفاقية تجارية في آب/أغسطس 1838م(7)، والتي أطلقت يد التجار الإنجليز في أراضي الدولة العثمانية.

وكانت هذه الاتفاقية تساوي بين التاجر الإنجليزي والتاجر العثماني أمام القوانين العثمانية، بينما يحظى التاجر الإنجليزي بامتيازات ضريبية وحرية الحركة في أراضي الدولة. وعلى نفس النمط، وبعد ثلاثة أشهر فقط؛ تم توقيع معاهدة مماثلة مع فرنسا.

عصر التنظيمات

تولى السلطان عبد المجيد الأول (1839-1861م) الحكم خلفًا لوالده محمود الثاني بعمر ستة عشر عامًا. وكان متأثرًا بشدة بالثقافة الغربية؛ وتلقى تعليمًا أوروبيًّا على يد معلمين فرنسيين. وهو أول سلطان عثماني يجيد اللغة الفرنسية بطلاقة.

خط گلخانة

أصدر السلطان عبدالمجيد بعد نحو ثلاثة أشهر من توليه السلطة فرمان؛ عُرف “بخط گلخانة” أو “فرمان التنظيمات الخيرية”. والذي قرأه وقام على صياغته مصطفى رشيد باشا وزير الخارجية والسفير العثماني الأسبق في باريس ولندن، والذي تصفه المصادر الأوروبية بالاستنارة والليبرالية.

وقد عدّ الأوروبيون هذا الفرمان بالنسبة إلى العثمانيين بمثابة الميثاق الأعظم للحريات في إنجلترا (1215م)(8)، أو الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان (1789م). فكان بداية التغيير في الأحكام الشرعية في الدولة العثمانية؛ ففيه تم -لأول مرة وبصيغة رسمية- المساواةُ بين جميع رعايا الدولة العثمانية من الناحية الدينية والقومية، فلم يعد هناك فرق أمام الدولة بين المسلمين وغيرهم. كما سُمح بتوظيف غير المسلمين في الدوائر الحكومية. واعتبارًا من هذا الفرمان ابتدأَ إصدار الأوامر السلطانية بدون استناد إلى حجة شرعية أو فتوى من شيخ الإسلام(9).

وزاد السلطان عبدالمجيد من كثافة البعثات إلى أوروبا، ثم تعيين العائدين منهم في الوظائف الدبلوماسية والحكومية العليا. كما عمد إلى استدعاء المزيد من الخبراء الفرنسيين والبروسيين لتدريب ضباط الجيش العثماني.

خط همايون

وفي عام 1272هـ/1856م أصدر السلطان عبدالمجيد الأول منشور إصلاح ثانٍ عُرف باسم “خط همايون”، خاص بما اصطلح على تسميته بالتنظيمات، وقام على هذا الفرمان وعمل على إصداره الصدر الأعظم محمد أمين عالي باشا. وفي أعقاب حرب القرم (1853-1856م) -بين روسيا من جهة وكُلٍّ من الدولة العثمانية وإنجلترا وفرنسا من جهة أخرى-، وبقصد كسب الرأي العام الأوروبي وإكساب الدولة العثمانية صفةَ الدولة الأوروبية؛ صدرَ التأكيدُ على أن للمواطنين المسيحيين نفس حقوق المواطنين المسلمين، ومنع استعمال الألفاظ المهينة لغير المسلمين ككلمة (كافر)، وتم من خلال هذا المرسوم إلغاء نظام الجزية وأتاح لأول مرة تجنيد المسيحيين في الجيش العثماني أو دفع البدل النقدي، كما أكد الفرمان على عدم تطبيق عقوبة الإعدام على المرتدين عن الإسلام(10)؛ مما زاد لاحقًا من كثافة البعثات التنصيرية إلى أرجاء الدولة.

ومن الملاحظ أن هذا الخط الهمايوني كانت صيغته أكثر اقتباسًا عن الغرب، بصورة لم تعهد من قبل في الوثائق العثمانية. فهو لم يستشهد بآية قرآنية واحدة أو ذكر لأي من القوانين العثمانية القديمة وأمجاد الدولة(11). وكان ذلك أمرًا خطيرًا من الناحية النفسية؛ لأن هذا المرسوم يتطلع إلى التغريب أكثر مما يستوجب الرجوع إلى الشريعة.

تنحية الشريعة

أعقَبَ صُدورَ “خط گلخانة” و”الخط الهمايوني” مجموعةٌ من القوانين التنظيمية؛ فكان أولها إنشاء محاكم تجارية مختلطة عام 1263هـ/1846م تقبل شهادة المسلمين والنصارى على حد سواء، ثم في عام 1267هـ/1850م تم اعتماد القانون التجاري الذي سمح لأول مرة من خلاله بالتسليف بنظام الفائدة (الربا)، ثم إنشاء البنك العثماني 1272هـ/1856م ثم إقرار القانون الجنائي 1275هـ/1858م، وفي نفس العام صدر قانون الأراضي.

وفي 1275هـ/1859م صدر قانون الطابو (تسجيل العقارات)، ثم قانون تقسيم الولايات 1277هـ/1860م، ثم مجموعة القوانين التجارية 1278هـ/1861م، وقانون التجارة البحرية في عام 1280هـ/1863م، ثم قانون الصحافة 1282هـ/1865م. وكانت أغلب هذه القوانين مقتبسةً من القانون الفرنسي.

القروض الربوية

كان التفاوت الكبير بين الإيرادات والمصروفات (العجز في الموازنة) هو أكبر المشاكل الاقتصادية التي ظهرت كنتيجة لتطبيق الأنظمة الغربية؛ القائمة على نظام البنوك الربويَّة. فبدأت الدولة العثمانية بالاقتراض الربويّ بفوائد عالية من الصَّيَارِفَة المحليين اليهود والأرمن، ثم انتقلت إلى الاقتراض من الدول الأوروبية.

فكان أول قرض من إنجلترا عام 1271هـ/1854م بقيمة 3 ملايين ليرة ذهبية وبفائدة 6%، وفي الفترة ما بين 1854م و1879م اقترضت الدولة 18 قرضًا خارجيًّا من لندن وباريس وفيينا وغيرها، بلغت قيمتها الإجمالية 245 مليون ليرة عثمانية، بنسب فائدة فعلية تراوحت بين 9-11% في أغلب القروض، وبشروط لا تتفق مع مصلحة الدولة. وفي 5 نوفمبر 1875 أعلن الصدر الأعظم محمود نديم باشا إفلاس الدولة مع عجزها عن سداد القروض وفوائدها فأعقب ذلك إنشاء إدارة الديون العمومية عام 1295هـ/1881م(12) ووضع تحت تصرفها جزءًا كبيرًا من العائدات المالية للدولة العثمانية ومنحت صلاحيات واسعة لاستخدامها في سداد القروض وفوائدها المتراكمة.

الغزو الفكري

بعد صدور هذه القوانين وافتتاح المحاكم المختلطة ظهر المحامون الذين يترافعون بموجب هذه القوانين بدل العلماء، وأصبح الصحافيون والمحامون والضباط ومُوظَّفُوْ الدولة البيروقراطيون يقومون بدور كبير في الحياة السياسية وتطبيق الأفكار الغربية الجديدة. وأصبحت اللغة الفرنسية منذ ذلك العهد اللغة الثانية في الدولة، ولغة الطبقة العليا من رجال الحكم والثقافة؛ مما كان يعني بداية ابتعاد عن منهج التفكير السائد منذ أجيال، والارتباط بمنهج وفكر جديدين.

وبطبيعة الحال، فإن اللغة حملت الثقافة والأفكار والأساليب الفرنسية إلى المثقفين العثمانيين. وكان في مقدمتهم إبراهيم شناسي (1826-1871م) الذي تميز بقوة التأثير الثقافي الفرنسي عليه وتلميذه نامق كمال (1840-1888م). وكان لاتجاه السلطان التغريبي -وهو رأس الحكم في البلاد- أكبرُ الأثر في هجر التعليم والثقافة الإسلامية التقليدية، وإقبال المثقفين العثمانيين على التعليم الأوروبي والثقافة الغربية حتى ظهرت في كل شيء ابتداءً من الملابس وانتهاءً بالقصور والزخرفة وتنسيق الحدائق(13).

ختامًا

وضعت هذه التنظيمات والقوانين الجديدة الدولة العثمانية (دولة الخلافة) رسميًّا على طريق نهايتها كدولة إسلامية(14)، وفي مواجهة حتمية مع تراثها وتاريخها الإسلاميَيْنِ. فكانت بمثابة انقلاب داخلي في بنية الدولة الأساسية من خلال إنشاء إدارات ومؤسسات تعمل بالقوانين الوضعية في كافة المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية. وبالتالي الابتعاد بشكل كامل عن التشريع الإسلامي ممهدًا بذلك لما حدث لاحقًا على يد رجال الاتحاد والترقي، ثم مصطفى كمال أتاتورك في بداية القرن العشرين.

640

المصادر
الكاتب

خالد العسيلي

مهندس سوري مقيم في مكة المكرمة، مهتم وباحث في التاريخ العثماني.

التعليقات

  • Azzam منذ أسبوعين

    جهد كبير، بارك الله بك وبعملك ❤️

    رد
  • محمد عبدالرازق طاهر منذ أسبوعين

    تحفة تاريخية 👌

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.