تحتاج المجتمعات في الدولة القومية الحديثة إلى أوعية تفسيرية، تحمل جملة من المعاني والخصائص يجتمع السكان حولها كعامل مشترك بينهم، يعطي شعورًا بالمشترك الجامع، وبالاختلاف والتميز لهذه القومية على بقية المجتمعات التي تحمل معانيًا وخصائصًا أخرى، فالشعور القومي مبني على التميز داخل أطر تحدد من خلالها الهوية بالنسبة للفرد والجماعة؛ ليصبح للدولة السيادة بقوانينها على شعب تجمعه إثنيات مشتركة داخل حدود مرسومة، وترتقي هذه العناصر إلى مستوى تقديسها وتقديم الطقوس والقرابين للحفاظ عليها.

بدأت ضرورة إيجاد هذه الأوعية التفسيرية القومية لهوية الفرد والمجتمع في أوروبا بعد التقسيم الجغرافي الذي شهدته الإمبراطورية الرومانية، إثر حروب داخلية طويلة انتهت بما سمي بصلح وستفاليا سنة 1684، والذي رسمت على أثره حدود الدول الأوروبية؛ التي ستصبح كل دولة فيها بعد ذلك أمة قومية، وتكون كل دولة\ أمة وعاء تفسيريًا للهوية الفردية والجماعية للمواطنين داخل حدودها، بالتالي وجدت ضرورة إحياء تصورات لغوية وتاريخية ورمزية وإثنية في مخيال الشعوب، أو اختلاقها وانتحالها إذا لم تكن موجودة، حتى يصنع نوع من التجانس بين مجموع الأفراد في النموذج الاجتماعي الجديد؛ لتعزيز الحس القومي والانتماء لتلك الرقعة الجغرافية؛ ليصبح للحدود بين الدول\الأمم معنى نبيلًا تشير إليه الهوية، تقف ال”نحن” خلف الحدود برصيد مخيالها القومي أمام ال”هم” أو ال”آخر” خارج تلك الحدود، محملة بترسانة من المفاهيم المتخيلة عن نفسها وعن الآخر.

صناعة المخيال والنحت في الوجدان

إن ما تعيشه البشرية اليوم من توغل لآليات الدولة في حياة البشر واستغلالها لكل الإمكانيات التقنية والعلمية والقمعية لغزو الذات الإنسانية؛ لهو من أكثر صور العبودية وحشية على مر التاريخ، فقد أصبحت آليات الضبط الاجتماعي التي تسيرها وتفرضها الحكومات على الجماهير -صلبة كانت أو ناعمة- قادرة على تقييد الأفراد لا بقيود من حديد ورميهم خلف أسوار السجون المغلقة فقط، بل على تقييدهم من أفكارهم ومشاعرهم والتدخل في وجدانهم وبواطن النفس، بهدف إزالة كل الأبعاد والخصائص الإنسانية، وإنشاء إنسان ذو بعد واحد، جاهز لاستقبال كل ما تنتجه هذه الحكومات، ونهم في استهلاك منتجاتها المادية وسمومها الفكرية، مع سحق كل أبعاد أخرى تكمن فيها شعلة الرفض أو النقد. الأبعاد التي تحمل رصيد الفطرة؛ التي تتسامى بالإنسان من الحيوانية المبنية على أساس الانقياد والاستهلاك إلى آفاق من المعاني المتجاوزة لقبضة الطين وجوحة المادة.

إن صناعة هذا الإنسان؛ الإنسان ذو البعد الواحد، أصبحت الوسيلة المثلى في الدولة القومية للسيطرة على الجماهير وضبطها بطريقة جماعية.

وتبدأ عملية ضبطنا في هذا البعد منذ ولادتنا ودخولنا مسالك التوجيه الفكري في المدارس والمعاهد والكليات، تنقلنا مؤسسة إلى مؤسسة، ونلقن منذ بداية إدراكنا أفكارًا محددة عن الواقع، وعن الطريقة التي ينبغي أن نحياها فيه، وأولويات هذه الحياة، ويضخ لنا الإعلام خلال هذه الرحلة حزمة من المفاهيم، وتبني لنا المؤسسات الرسمية المنهج الذي علينا السير فيه، وتعلمنا الدولة ما هو واجب الاحترام وما الذي علينا احتقاره، من هي الرموز التي تمثل قدوة لأجيالنا؛ والتي تتردد أسماؤها في المحافل الرسمية، وتطبع صورها على العملة، ومن هي الرموز التي لا يجب أن نقتدي بها؛ التي يبقى تاريخها وإن حمل الأمجاد في جب النسيان الشعبي.

إنها صناعة حرفية لتصورات وخيال الأفراد والمجتمعات، ونحت في وجدان الجماهير لمقاييس ومعايير تنضبط على أثرها حركتها وميولها. صناعة هذا الإنسان ذو البعد الواحد تمكنهم من إيجاد مجتمع يتوجه أفراده نفس التوجه ولهم نفس الأفكار ونفس الآمال… بالتالي نفس المآلات.

كما تحتكر الدولة مخاطبة الشعوب، ولا ترضى بمن يخاطبهم خطاب الوعي ويبث بينهم الأمل في الإفاقة خارج ذلك البعد، وتدعم احتكارها الفكري الذي تجند فيه المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإعلامية بتفوقها التقني والتكنولوجي، وباحتكارها للقوة الصلبة واستعمال العنف، فضلًا عن احتكارها لمؤسسات السوق، وقد تعمل دولة ما على صناعة البعد الواحد لضمان بقائها وبقاء سطوتها على الجماهير، وتعمل كذلك لبقاء سطوة المستعمر الأجنبي على رقاب المستضعفين من الشعوب.

الهوية المتخيلة في القوميات العربية

بعد تقسيم الدول العربية وحتى أثناء هذا التقسيم، كان توظيف المخيال الشعبي في اتجاهاته العرقية أو القومية من أبرز الأسلحة التي استعملها أعداؤنا لتفتيت الكيان السياسي الجامع للأمة الإسلامية؛ بتفعيل العصبيات على أساس اللغة أو العرق، وحين أجريت اتفاقية سايكس بيكو أصبح لكل قطر داخل تلك الحدود شخصية متخيلة جديدة، منفصلة عن بقية الجسد المسلم الكبير، لذا كان من الضروري إحياء إثنيات وخلفيات لهذه المكونات الشعبية لصناعة أوعية تفسيرية للهوية الجديدة.

وبما أن التقسيم وقع أصلًا على أنقاض الخلافة العثمانية؛ والتي كان الدين الإسلامي هو محور اجتماع الأمة الأساسي داخلها، كان لابد للهويات المتخيلة التي ستأتي على أنقاضها أن تستبعد تكونها على أساس الشريعة كمنظومة قيمية؛ لأن تفعيلها من جديد سيؤدي إلى عودة اجتماع المسلمين كقوة موحدة، ومن هنا نفهم سبب قيام الدول القومية ما بعد الاستعمار على أسس علمانية معادية للدين، ليتم استبداله بالهويات المتخيلة، التي وقع استخراجها من حضارات وثنية قديمة.

تأسست الهوية المتخيلة في الدول العربية على إعلاء قيم الإرث الوثني القديم في المجتمعات أو تاريخ ما قبل الإسلام، بتبني المؤسسات الحكومية للرموز الوثنية كخلفية ثقافية رسمية لكل قطر، وإحياء تاريخهم كتاريخ رسمي للدولة، وبتقديمهم للأجيال في المدارس كتاريخ وطني وكمصدر للاعتزاز والافتخار بالانتماء لهم، بعد ربطهم بمعاني البطولة والفداء، وتقام المهرجانات الفنية بأسمائهم، وتحمل الفرق الرياضية القومية شعاراتهم، وتنظم المسابقات الثقافية معنونة بمشاهيرهم، وتحمل شعارات القنوات الإعلامية رموزهم.

لماذا الشعوب المسلمة

فإذا علمنا أننا كمسلمين مقيدون داخل هويات متخيلة مبنية على حدود رسمها المستعمر، وخلفيات وثنية وفرعونية يراد لنا أن نتمثلها وننتمي إليها، فلنا أن نسأل؛ لماذا يراد إحلال هذه الهويات مكان الإسلام؟ ولماذا يستهدف المسلمون بشراسة في عملية الإحلال هذه؟

يتميز الإسلام باكتماله القيمي التشريعي الذاتي، ما يوفر استقلالية قيمية تشمل كل جوانب ومجالات الحياة الإنسانية، من مبادئ وأدلة عقلية ونقلية تجيب عن أسئلة الإنسان الكبرى، إلى تشريعات تستوعب كل نشاطات البشر بطريقة تضمن حقوقهم وتمنع بغي بعضهم على بعض وتمهد لبناء الحضارة، إلى الرصيد الروحي الذي ينعكس على سلوك الأفراد والمجتمعات ويحقق فيها التوازن والترابط، إلى التميز الأخلاقي الذي يصنع روابط مبنية على التراحم والعدل، إلى ما يوفره الإسلام من دفعة ثورية ترفض الطغيان وتحث على مقاومته وتأبى الضيم وتلاحق الظالمين.. وكل هذا وغيره يجعل المسلمين مالكين لمناعة قيمية ذاتية تواجه أي انحراف.

كما يتميز الإسلام بسرعة انتشاره؛ لما فيه من رصيد الفطرة (فِطرةَ اللهِ التي فَطَر النَّاسَ عَلَيْهَا) مما يجعل من السلام بديلًا حضاريًا محتملًا للحضارة المادية الحالية، خاصة وأنه يكلف أتباعه بنشر هذا الدين وهذه الرحمة لكل العالم، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، ويدعوهم لتذليل كل العقبات الحائلة دون ذلك، من حكومات تمنع وصول هذا النور للشعوب وغيرها، لذلك شرع جهاد الطلب.

فضلًا على أن الشعوب المسلمة تتوزع فوق أهم منطقة في العالم، منطقة حيوية تمثل خزان من الثروات الطبيعية والثروات البشرية الفريدة، وتحوي على أهم المعابر العالمية، ويمثل الإسلام المشترك الحقيقي بين شعوبها، والرابطة التي لا تقدم عليها أي رابطة بمقتضى قول الله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، فتقديم أي رابطة عليها هو وقوع في الجاهلية.

لذلك يعتبر إحلال روابط جديدة بين هذه الشعوب، وصناعة هويات أخرى في مخيالهم، وتوطيد ذلك في وجدانهم، يعتبر كل ذلك هدفًا أساسيًا لبقاء تفرق المسلمين، وتواصل سيادة أعدائهم عليهم.

الهوية المتخيلة في مصر

كأي وطن متخيل؛ تسعى المؤسسات المصرية على استدامة الهوية المتخيلة في فكر ووجدان الشعب المصري، خاصة لما تمثله مصر الكنانة من قلب نابض في الأمة الإسلامية، ويعتبر التاريخ الفرعوني القديم أهم ركائز بناء المخيال القومي؛ إذ يقع استحضاره واستحضار رموزه كخلفية شعبية إعلاميًا وفي أغلب المناسبات الرسمية التي تسلط عليها الأضواء، لكن ما يقع استحضاره هو رواية فرعونية زائفة عن هذا التاريخ، ما يجعل منه أداة لتسويق الخطاب القومي، لا حقيقة الفرعونية التي انبنت على قهر الشعب المستضعف وإذلاله.

تستحضر الأهرام كرمز لعظمة البناء والتشكيل، لكن لا تستحضر سبب بنائها وما كلف ذلك، إن الأهرام هي ببساطة قبور عملاقة بناها الفراعنة لتواري أجسادهم، وهناك بالقرب من الأهرامات الشاهقة المنتظمة البناء، يوجد مكان هامشي فوضوي الترتيب لا يؤبه له، ولا تتوجه إليه أنظار السياح؛ وهو مقابر جماعية لأولئك العبيد الذين كانت أرواحهم تزهق في رحلة نقل حجارة أهرامات قبور فرعون، ولتشييد مجده لإرواء ظمأ غروره، وكان الفراعنة يفضلون أن يدفن ضحايا البناء حول الأهرامات، اعتقادًا منهم أنهم سيخدمونهم بعد موتهم كما خدموهم في حياتهم.

إنه تاريخ من الاستعباد والطغيان، تأنف منه كل نفس حرة، لكنه يستحضر كهوية متخيلة لشعب حرره الإسلام من أغلال الحضارات الجائرة التي تعاقبت عليه، ويستحضر ليزاحم هوية الإسلام وليضعف وجودها وفاعليتها في قلوب المستضعفين، أما فرعون الذي أبقى الله جسده عبرة، يستخدمه فراعنة العصر لإعادة بعث الوثنية الفرعونية في قلوب العباد، وإعادة بعث الأناشيد الممجدة لآلهة الفراعنة، وتنظيم الاحتفالات الضخمة بالأموال المنهوبة من الفقراء لنقل رفات الفراعنة في موكب احتفالي هستيري، تحشر فيه الأعداد الضخمة وباستعراض الطقوس الوثنية لسحر أعين الناس.

الهوية المتخيلة في تونس

الرومانية في تونس

منذ أن عملت خطوط سايكس بيكو على تقسيم المغرب الإسلامي إلى دويلات منفصلة، وشيدت الدول القومية بعدها الأسلاك الشائكة على الحدود، كان عليهم أن يصنعوا هوية متخيلة جديدة في كل قطر، رغم التشابه الشديد الذي اتسم به سكان المغرب الإسلامي منذ القدم، والتقارب العميق بينهم، ورابطة الإسلام التي تجمعهم ويمكن أن تحول منهم قوة استراتيجية يمتد تأثيرها في الداخل الأفريقي وفي الجانب الأوروبي ما وراء البحر الأبيض المتوسط.

لهذا تعتبر استدامة حالة الفرقة بين هذه الدول وعدم اجتماع شعوبها على رابطة الإسلام أهداف مركزية للمستعمرين ووكلائهم في الداخل، وذلك عبر صناعة هويات متخيلة تترتب عليها حياة سكان كل قطر ويقع من خلالها تحديد ولاء الأفراد والمجموعات.

ومن هذه الهويات المتخيلة المصنوعة في تونس؛ إذ يقع تركيز التعليم في المؤسسات التربوية على تمجيد التاريخ الروماني وحقبه التاريخية تمجيدًا يشعر التونسيين بفخر الانتماء له وللشخصيات البارزة فيه، وتحويل هذه الرموز إلى أبطال وطنية تستجلب من سيرها معاني الشجاعة وفداء الوطن، كحنبعل وعليسة.

وتعمل الدولة القومية في تونس على تغييب الشعب وإظهاره للعالم عبر مهرجان قرطاج الذي يقام في ركح الذي كان حلبة صراع يستعملها الرومان كذلك لتغييب الشعب، بحشره في متابعة عراك الحيوانات أو المتصارعين، ويطلق على الفريق الوطني اسم “نسور قرطاج”، ويقدم تمثال التانيت -وهي آلهة فينيقية كانت تعبد في الوثنية- كجائزة تكريمية في مهرجانات العري والفساد، وتهتم وزارة الثقافة اهتمامًا خاصًا بالآثار الرومانية كخلفية ثقافية للشعب التونسي، لترسيخ هوية وثنية متخيلة عن شعب أعزه الله بالإسلام، وأعز أهله بحمل لوائه، حتى تحولت المنطقة من مستعمرة رومانية ينهب قمحها ويستذل سكانها لصالح الإمبراطورية الرومانية، إلى مركز إشعاع تجاوز تأثيره إلى أن وصل أدغال أفريقيا وسواحل الأندلس..

وتعمل الدول القومية في منطقة المغرب الإسلامي على إحياء الأمازيغية والتغاضي عن الدعم الفرنسي والأجنبي لإيجاد كتل سكانية تتبناها كخلفية منافسة للإسلام، وحرصًا على أن تبقى الهويات المتخيلة عند هذه الشعوب مشتتة عن عامل القوة والوحدة الكامن في إعادة ارتباطهم برابطة الإسلام..

خاتمة

إن ما تستهلكه الدولة القومية من جهود في العالم العربي على إنشاء هذه الهوية المتخيلة وجمع الناس حولها يطفو على السطح عبر النخب العلمانية المستعينة بالأجهزة القمعية، إذ يحتاج الأمر إلى تذكير متجدد وعمل متواصل لاستدامة هذه الخلفيات المصطنعة في عالم أفكار الأفراد والجماهير، كما يحتاج قوة صلبة تضفي شرعية على وجود هذه الهوية المتخيلة، قوة صلبة متكونة من أجهزة عسكرية وأمنية لا تهتم بالعمل خارج هذه التقسيمات بقدر ما تعمل داخل الشعوب لإبقائها مسلسلة في قيود هذه الهويات المتخيلة والأوهام الاستعمارية، كما تعلم أجهزة هذه الدول أن ما ينشرونه من زيف ما هو إلا بناء هش ما تكاد الشعوب تتحرك بوعي حتى يسقط على أرض الواقع.

283

الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.