يقع جنوبُ شرقي آسيا، بين شبه القارة الهندية وجنوب بلاد الصين، يحيط به من الشرق بحر الصين والجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهادئ، ومن الغرب المحيط الهندي وخليج البنغال، وتضم هذه المنطقة العديد من الدول الجزرية والأرخبيلية؛[1] التي تمتد بين نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي. وبذلك أصبحت هذه المنطقة الوحيدة من مناطق آسيا التي تقع على كلا جانبي خط الاستواء.

وقد أصبح الاصطلاح الجغرافي “جنوب شرقي آسيا” مألوفًا ومعمولًا به منذ الحرب العالمية الثانية فقط.[2] تضم هذه المنطقة من الناحية السياسية، 15 دولة وإقليمًا، هي كالتالي: بروناي وكمبوديا وأندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلاند وتيمور الشرقية وفيتنام وجزيرة الكريسماس وجزر كوكوس.

وتشمل المنطقة قسمين رئيسيين: قسم تضمه شبه جزيرة، وقسم آخر مكون من جزر. فأما شبه الجزيرة فتشمل بلدان بورما وتايلاندا، وبلاد لاوس وكمبوديا وفيتنام وماليزيا. وأما القسم الثاني فمكون من جزر ويشمل سنغافورة وسلطنة بروناي وأندونيسيا والفلبين.[3]

وبين هذه الدول، تصنف أندونيسيا بكونها أكبر دولة من حيث تعداد المسلمين في العالم، حيث سجلت حوالي 280 مليون نسمة بحسب إحصاءات 1444هـ (2022م). بما يعادل نحو 3.511% من عدد سكان العالم الإجمالي. وكذلك يعد الأرخبيل الأندونيسي الأكبر على مستوى العالم ويضم أكبر عدد من البراكين النشطة في الأرض. برزت منطقة جنوب شرقي آسيا بشكل كبير بفضل تجارة التوابل التي جذبت إليها أطماع الأوروبيين.

كيف انتشر الإسلام في هذه المنطقة؟

يقول المؤرخ الإنجليزي “هول”[4]: في كتابه “تاريخ جنوب شرقي آسيا”: “إن العرب تاجروا مع أهل ماليزيا وجزر الهند الشرقية حتى وصلوا الصين. واتصلوا مع أهلها قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية بكثير، وازدهرت تلك التجارة أكثر بعد نهضة العرب تحت راية الإسلام. وانتشر دينهم وبسط سلطان دولتهم حتى وصلت الهند والصين. وبذلك انتشر الدين الإسلامي”. ويضيف هول:”إن عدد المسلمين الصينيين كثر لدرجة أنهم احتلوا في عام 141هـ (758م) مدينة كانتون وإلى حين، وهي المدينة الرئيسية في جنوب الصين، وجاء ذلك بعد أن ضايقتهم السلطات الصينية البوذية هناك”.

وسيطر التجار العرب على معظم تجارة البهارات في جزر الهند الشرقية، وعلى تعدين القصدير والتجارة به في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وأهم من ذلك انتشر الدين الإسلامي بواسطتهم وبالتزواج والاحتكاك الاجتماعي مع أهالي تلك المناطق أكثر مما كان بواسطة التبشير. وما إن انتهى القرن الثالث عشر الميلادي؛ حتى أصبحت سومطرة وسلاطينها مسلمون ومعها معظم الجزر الصغيرة تحيط بها”.[5]

وهكذا وصلت رسالة الإسلام بفضل الله، ثم همم هؤلاء الدعاة والتجار المسلمين العاملين الذين قطعوا البحار والمسافات الطويلة من المشرق الإسلامي.

وكان أغلبهم من عرب جنوب الجزيرة العربية من اليمنيِّين والعُمَانيِّين.

الإسلام في بروناي دار السلام

الإسلام في بروناي

تقع الدولة الصغيرة “بروناي” على الساحل الشمالي لجزيرة بورنيو، وتملك ساحلًا على بحر الصين الجنوبي بينما تحيط بها ولاية سرواك من ماليزيا. وتُعد بروناي الدولة المستقلة الوحيدة على جزيرة “بورنيو”؛ حيث تتقاسم ماليزيا وإندونيسيا بقية الجزيرة.

عاصمتها هي “بندر سري بكاوان”، وهي أيضًا أكبر مدنها. تم اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية عن منطقة آسيا للعام 1441هـ (2019م)، وجاء ذلك الترشيح خلال المؤتمر الإسلامي التاسع لوزراء الثقافة في مسقط في سلطنة عمان، للتعريف بأقدم دولة ملاوية مستمرة حتى الآن[6]. أما المدن الرئيسية في بروناي هي: مورا، كوالا بيليت، سيريا. وعلى صغر مساحتها وتنوع تضاريسها تشغل أرض بروناي الغابات بأكثر من 70% من مساحة البلاد.

حصلت على استقلالها من بريطانيا في 2 صفر 1405هـ (1 يناير 1984م)؛ حيث قبعت هذه البلاد المسلمة تحت حكم البريطانيين كمستعمرة لهم منذ سنة 1306هـ إلى سنة 1405هـ (1888م إلى سنة 1984م).

وبفضل امتلاكها ثروة النفط تمتع شعبها بمستوى معيشي رفيع. إضافة إلى ازدهار حرف أخرى كالزراعة وصيد الأسماك والحِراجة وبعض الصّناعات. لكن ذلك جلب إليها الأنظار وأصبحت بروناي محط أطماع الدول؛ فبروناي دولة تمتلك نسبة كبيرة من احتياطي البترول وغنية بالغاز الطبيعي أيضًا. وهي تعتبر ثالث دولة في إنتاج البترول في جنوب آسيا، ورابع دولة في إنتاج الغاز الطبيعي في العالم.[7]

يصل عدد سكانها حسب إحصاءات عام 1444هـ (2022م)  إلى حوالي 445،429 ألف نسمة، يتحدثون اللغة البهاسا ميلاوية، وهي اللغة الرسمية في البلاد، وتأتي اللغة الإنجليزية في المرتبة الثانية بعدها، كما يتحدث السكان أيضًا ببعض اللغات المحلية، مثل: لغة توتونغ، ولغة إيبان، والإنجليزية، والصينية. ويتكون معظم سكان بروناي من القبيلة الملايوية المسلمة.

والدين الإسلامي هو الدين الرسمي لهذه السلطنة، وتصل نسبة المسلمين فيها إلى 78% من إجمالي السكان، مع حضور ضئيل للبوذية، وديانات الصينيين كالكونفوشيوسية والطاوية، ومن يصنفون كملحدين، ونسبة أقل من الديانات الشعبية.

وتغلب على بروناي ثقافة الملايو، وهي بذلك تعكس أصل السكان العرقي، وقد تأثرت هذه الثقافة بالإسلام. ويحرص أهل بروناي في حياتهم الاجتماعية على إظهار تعاليم الدين الإسلامي وأخلاقياته في زيهم وتعاملاتهم.

تاريخ بروناي

يرد ذكر بروناي منذ القرن السابع الميلادي في الكتابات الصينية القديمة، لكونها مركزًا تجاريًا رئيسيًا عرفته المنطقة. وفي القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) أصبح لبروناي سلطان، ودخلت مرحلة الصعود والازدهار. لكن الاحتلال الأوروبي لم يترك هذه الدولة وشأنها، فقطع عليها الطريق، واندلعت الحرب بينها وبين إسبانيا وانتهت بانتصار بروناي. واستمرت الأطماع الأوروبية تتربص بها مع ذلك صمدت بروناي واستقوت حتى أصبحت في القرنين التاسع والعاشر الهجري (الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين)، دولة قوية تسيطر على معظم الساحل الشماليّ لبورنيو وأجزاء من جنوب الفلبين. وفي القرنين  الحادي عشر والثاني عشر الهجري (السابع عشر والثامن عشر الميلاديين) كانت سفن أوروبا تخشى سفن بروناي وتهابها ما يشير لدرجة قوة سلطان بروناي البحري آنذاك.

الإمارة الإسلامية في بروناي

الإسلام في بروناي

قصف مدينة بروناي خلال الحرب العالمية الثانية.

تأسست الإمارة الإسلامية في بروناي بعد أن سافر حاكمها “أونج ألاك بتاتا” في عام 805هـ (1402م) إلى مالاقا لزيارة السلطان محمد شاه؛ حيث اعتنق الإسلام، وأسلمت عائلته الملكية وكبار شخصيات السلطنة، وبدأ أهالي بروناي بالدخول إلى الدين الإسلامي في العاصمة وغيرها. وعزز هذه الحركة الدعوية إقبال الوفود من دعاة الإسلام على بروناي؛ فيسر أمرهم تجاوب السكان المرحبين بهم تحت تشجيع أميرهم، وهكذا قامت إمارة إسلامية في بروناي، واتَّسع نفوذها فشملت جزر صولو والفلبين.[8]

واستمرت بروناي في استقرار وأمن وازدهار حتى تصدى لها الاحتلال البريطاني الذي تمكن من تقليص نفوذها، بفرض حمايته عليها سنة 1306هـ (1888م)، وهي الحماية التي استمرَّت حتى اجتاحت اليابان المنطقة كلها أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم انسحبت منها قبل مرور أربع سنوات.[9]

وكان الاحتلال الياباني أقسى وأعنف من الاحتلال البريطاني، في كل منطقة جنوب شرقي آسيا بما فيها بروناي حيث سطرت القوات اليابانية المجازر الوحشية ودمرت البلاد.[10] وبعد انتهاء الحرب العالمية انسحبت اليابان منهزمة من المناطق التي دخلتها، ومن بينها دول الملايو، الأمر الذي أعاد إنجلترا إلى قواعدها السابقة، لتحل محلَّ اليابانيين الذين غادروا المنطقة.[11]

لكن بروناي أعلنت دستورًا جديدًا وخاضت ثورة مسلحة، ثم استعادت استقلالها من المملكة المتحدة في 2 صفر 1405هـ (1 يناير 1984م). رفضت بروناي الانضمام إلى اتحاد ماليزيا الذي شكل تكتلًا من دول المنطقة؛ نظرًا لاكتفائها بثروتها النفطية ولرغبتها في الاستقلال عن إلزامات الاتحاد مع دول المنطقة[12]. ولكن هذا الرفض كان خلفه انتفاضة حزب بروناي الشعب.

انتفاضة حزب بروناي الشعب

شهدت البلاد في أواخر عام 1382هـ (1962م) انتفاضة شعبية قادها “الأزهري” زعيم حزب بروناي الشعب؛ حيث هاجم الثائرون الوجود البريطاني بمساعدة أندونيسيا، وكذلك عارضوا تمامًا مشروع ضم بروناي إلى اتحاد ماليزيا. وفشل بذلك مشروع ضم السلطنة إلى اتحاد ماليزيا، إذ عارضته الانتفاضة التي استمرت أسبوعًا قبل قمعها بأمر السلطان عمر علي سيف الدين الثالث، وتدخل القوات البريطانية بالمخالفة للدستور، وانتهت الانتفاضة بحظر نشاط حزب الشعب.

واستمرت البلاد في هدوء حيث أدى النمو الاقتصادي منذ السبعينيات إلى تحويل بروناي إلى دولة صناعية حديثة. لكنه جذب إليه المستثمرين الأجانب حيث تأخذ الشركات الأجنبية للتنقيب نصف أرباح النفط في بروناي.

حكام بروناي [13]

الإسلام في بروناي

مسجد السلطان الشريف علي في بروناي.

حكم بروناي عدد من السلاطين على امتداد محور الزمن، كان لبعضهم سمعة واسعة وأثر كبير في نشر الإسلام في البلاد، بل وفي المناطق المجاورة لها أيضًا.

1- السلطان محمد شاه: هو أول سلاطين بروناي، اشتهر عصره بانتشار الإسلام في جميع أنحاء البلاد، وبتطوير ميناء نهر “أباي” في مقاطعة “بلود”[14]، وتوفي السلطان “محمد شاه” في عام 805هـ (1402م).

2- السلطان “عبد المجيد حسن”: هو ابن السلطان “محمد شاه”، تولى الحكم من بعده. وإن كان لم يذكر اسمه في سلسلة أنساب ملوك بروناي؛ إلا أن المصادر الصينية ذكرت أنه زار الصين وتوفي فيها عام 811هـ (1408م).

3- السلطان “أحمد”: أخو السلطان “محمد شاه”، وهو الذي أطلق على بروناي هذا الاسم[15]. لم يكن له دور يذكر في نشر الإسلام، وتوفي سنة 828هـ (1425م)، بدون أن يكون له خليفة يرثه.

4- السلطان “الشريف علي بن عجلان” (828هـ – 836هـ) (1425 – 1432م): كان “الشريف علي” تاجرًا وفقيهًا عربيًّا جاء من الطائف في حوالي عام 777هـ (1375م)، أحضر معه إلى سلطنة بروناي سيفًا تذكاريًّا أُهدي إليه من الخليفة العباسي، تزوج من ابنة السلطان “أحمد” لحسن سيرته ونسبه الشريف من آل البيت، وأصبح سلطانًا لبروناي دون أدنى معارضة من الشعب البروناوي[16] الذي رحّب به لحبه للعرب وصلتهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

ويعد السلطان الشريف علي من أشهر السلاطين الذين حكموا المملكات الإسلامية في منطقة جنوب شرقي آسيا؛ لدوره الكبير في نشر الدعوة الإسلامية. وقد أمر ببناء أول مسجد في مدينة “كوتا باتو” فور توليه الحكم؛ حيث تحول المسجد لمركز دعوي وتعليمي إسلامي.[17] أطلق البورنيون على هذا الشريف علي لقب “السلطان بركات أو بركة” وهو أول من بنى مسجدًا أيضًا في “لرات جتكالا” خلال رحلاته الدعوية للإسلام في “جاوة”[18]. وهو السلطان الذي قرر أن يكون علم بروناي على صورة ثلاثة أجنحة تشير إلى مراتب الدين الثلاثة: “الإسلام، والإيمان، والإحسان”، وأوّل من أضاف إلى اسم سلطنة بروناي كلمة “دار السلام” في إشارة إلى الجنة وتيمنًا بأمنها وخيرها وسلامها[19]، وتوفي السلطان “الشريف علي” عام 836هـ (1432م).

بعد أن نشر المذهب الشافعي في بروناي لأن الشريف علي كان حضرميًا؛ وباعتبار حضرموت شافعية فقد حمل إليهم علمه في المذهب الشافعي. وبقي هذا المذهب إلى اليوم محور اجتماع أهل بروناي، حيث ينص عليه دستورهم، وحمل السلطان الحضرمي معه من بلاده بعض الشعائر الصوفية التي لا تزال تمارس بين البرونيين.[20]

5- السلطان “سليمان بن الشريف علي”: تولى الحكم بعد وفاة أبيه منذ عام 836هـ (1432م) إلى عام 890هـ (1485م)، كان شديد التديُّن وساهم في نشر الدعوة الإسلامية في بلاده قبل وفاته سنة 917هـ (1511م) حيث تنازل عن العرش لابنه السلطان “بلقية” في عام 890هـ (1485م).

6- السلطان “بلقية بن سليمان”: لبث في الحكم 39 عامًا، كان له دور في تعزيز نشاط الدعوة الإسلامية في جزيرة “بورنيو” و”الفلبين”، اتسعت مساحة البلاد في عهده فضمت جميع أجزاء جزيرة بورنيو وجزر فلاون وسولو ولوزون في الفلبين، وأسلمت العديد من القبائل القاطنة في الجزر التابعة لسلطنة بروناي، ووصف المؤرخون عصره بالعصر الذهبي للسلطنة[21].

7- السلطان “عبد القهار بن بلقية”: خلف السلطان “عبد القهار” أباه عام 930هـ (1524م)، واستمر حكمه حتى عام 937هـ (1530م)، استمرت في عهده حركة الدعوة الإسلامية حتى أصبحت بروناي مركزًا مشهورًا لها.

8- السلطان “سيف الرجال”: تولى الحكم بعد وفاة السلطان “عبد القهار”. عاصر تراجع نفوذ الاحتلال البرتغالي في أرخبيل الملايو أمام توسعات الاحتلال الإسباني، وقعت في عصره”حرب قشتالية” مع الإسبان عام  986هـ (1578م) الذين كانوا يسعون لإنهاء الوجود الإسلامي بها. ولم يذكر للسلطان سيف الرجال الذي توفي عام 989هـ (1581م)، وحكم البلاد لمدة طويلة، جهود في نشر الإسلام أو تعزيز قوة ومساحة دولته.

9- السلطان “شاه بروناي”: ابن السلطان “سيف الرجال”، تسلم حكم البلاد لكنه لم يلبث طويلًا حيث توفي في نفس العام الذي تولى فيه السلطة، عام 990هـ (1582م).

10- السلطان “محمد حسن”: عرف عهده صعودًا جديدًا لـ “بروناي دار السلام” فرغم خسارتها لبعض الولايات في جزر الفلبين إلا أن السلطان الجديد تمكن من ضم جزر أخرى لسلطنته مثل “سولوك” بعد أن تزوّج من أميرتها، وضمّ إليه أيضًا جزر: “كاجاين، وفولا، وكراميان” وغيرها من الجزر. ونشر الإسلام في هذه الجزر فبنيت المدارس والمساجد ومراكز الدعوة لله. 

ومع تمدد الاحتلال البريطاني الذي سيطر على معظم أجزاء بورنيو الشمالية، انهارت قوة سلطنة بروناي في القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، وخسرت بسبب ذلك أغلب أراضيها وقواتها، التي ذهبت لصالح حكام سرواك، حتى انتهى بها الحال إلى مساحتها التي عليها اليوم.

الاحتلال البريطاني ينهي حقبة الإمارة الإسلامية في بروناي

الإسلام في بروناي

استمرت حقبة الازدهار والقوة والوحدة التي عرفتها بروناي إلى غاية وفاة السلطان “محمد حسن” عام 1007هـ (1598م)، لتدخل البلاد لمدة قرنين من الزمان في تنازع أولاد السلاطين على الحكم. واستغل الاحتلال البريطاني هذه الفرصة، فأطبق سيطرته على المنطقة عام 1257هـ (1841م)، دون مقاومة كبيرة، وأصبح حكم هذه الديار المسلمة بيد الحاكم العام البريطاني للمنطقة،”جيمس بروك” ثم وُضِعتْ بروناي تحت الحماية البريطانية في عهد السلطان “هاشيم جليل العالم”، واستمرت بروناي محمية بريطانية إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية 1360هـ (1941م) فاحتلت اليابان “بروناي”[22]. وفي سنة 1348هـ (1929م)، أدّى اكتشاف النفط إلى ثراء بروناي. وفي سنة 1379هـ (1959م) وضع أول دستور للبلاد الذي أعطى السلطة للسلطان لتعيين رئيس الوزراء. 

الاحتلال الياباني لبروناي

احتلت اليابان بروناي خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، بعد أن انتزعت منطقة “بورنيو” بالكامل من يد القوات البريطانية والهولندية؛ فضمتها جميعًا تحت قيادة مركزية واحدة تشمل خمس إدارات إقليمية في “شمال بورنيو”، ووضعت تحت الرقابة قادة الملايو المحليين، والدعاة المسلمين. وسطر اليابانيون المجازر البشعة بحق المسلمين في هذه الحقبة التي لم يسلم فيها النساء والأطفال والشيوخ ولم تسلم فيها حتى المساجد، وبعد هزيمتهم في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1364هـ (1945م)، بدل أن تستقل بروناي؛ وقعت من جديد بين مخالب الاحتلال البريطاني.

الاستقلال عن الاحتلال

تأسس حزب الشعب لمقاومة الاحتلال البريطاني، وطالب بالاستقلال في عام 1376هـ (1956م)، وتمكنت المقاومة العسكرية للاحتلال من التمهيد للمفاوضات التي انتهت بانتزاع بعض السلطة من المحتل. وفي عام 1379هـ (1959م)، دُوِّنَ دستور “بروناي”، وأُلغِيَ منصب المندوب السامي، وقامت في البلاد إدارة منفصلة بِناءً على اتفاقية وقّعت بين السلطنة والحكومة البريطانية؛ حيث استمرت شؤون الدفاع والخارجية بيد بريطانيا، ومنح السلطان إدارة الشؤون الداخلية. ليبدأ السلطان “حاج عمر علي سيف الدين” الذي تولى الحكم عام 1370هـ (1950م) بحكم البلاد.

ولكن لم تكن سلطته كاملة إلى غاية تاريخ 2 صفر 1405هـ (1 يناير 1984م) حيث تمكن السلطان الثامن والعشرون من بسط سيطرته الكاملة على البلاد. وليحكم مدى الحياة (1370هـ -1387هـ) (1950-1967م)، يسانده في ذلك مجالس استشارية وشرعيّة مختلفة. ويتولى بنفسه تعيين أعضاء هذه المجالس التي تدير شؤون أربع مناطق إدارية. وبعد سلسلة من الأحداث السياسية، استقرت البلاد اليوم بوجود حزب واحد فقط هو حزب التضامن الوطني.

ومع أنه تم الإعلان عن استقلال بروناي من الاحتلال البريطاني؛ إلا أن بريطانيا احتفظت بحامية عسكرية صغيرة بدعوى حماية حقول البترول والغاز. وفي نفس عام الاستقلال 1405هـ (1984م) فتحت بروناي الباب لعشرات الألوف من طلبات الهجرة أغلبهم من اللبنانيين والفلسطينيين واليمنيين وبعض الدول العربية الأخرى.

حاضر الإسلام في بروناي وجهود السلطان حسن بلقية

حسن عقلية

في عام 1387هـ (1967م) تنازل السلطان عمر عن عرش السلطنة لابنه حسن آل بلقيه وتم تتويجه، بينما صار الأب كبير المستشارين. وأولى السلطان التاسع والعشرون لبروناي “حسن بلقية” اهتمامًا كبيرًا بالشريعة الإسلامية، وأصدر عدة قرارات لتطبيق أحكام الشريعة بالسلطنة بشكل مرحلي ومتدرج، كانت آخر مرحلة منها سنة 1441هـ (2019م) عندما أعلن السلطان “حسن بلقية”[23] أن تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاده هو واجب وطني وديني، باعتباره سلطانًا لبلد مستقل ذي سيادة، إلا أن مطالبه واجهتها حملة مسعورة من الغرب وشيطنة من وسائل إعلامه لمنعه من تطبيق نظام الشريعة الإسلامية، من دول ومؤسسات ترفع شعار حقوق الإنسان واحترام سيادة الدول!

الذعر الدولي من النموذج الإسلامي

وقد ذكر صاحب كتاب “مستقبل الخوف” تفاصيل هذا الذعر الدولي من النموذج الإسلامي في سلطنة بروناي حيث قال فيه[24]: “سأذكر لك عزيزي القارئ هنا مثالًا يغني عن أي بيان، ففي جزء من جزيرة بورنيو، ما بين إندونيسيا وماليزيا، تقع مملكة صغيرة للغاية تدعى “سلطنة بروناي”، ولو لم تكن غنيّة بالنفط، ويحكمها سلطان يتباهى بثرائه الفاحش ما كان سيسمع بها معظم الناس. في عام 1434هـ (2013م)  أعلن سلطان بروناي “حسن البلقيه” المصادقة على قانون يسمح بتطبيق الشريعة الإسلامية في القانون الجنائيّ خلال ستّة أشهر، وذلك بعد نقاشات استمرّت عدّة سنوات.

ومع أنّنا نتحدّث عن بلد صغير للغاية، بالكاد يبلغ عدد سكانه 437 ألف نسمة تقريبًا، ومع أن تطبيق الشريعة سيقتصر على المواطنين المسلمين فقط الذين تبلغ نسبتهم إلى بقية السكّان 78 % تقريبًا، أي أنّ عدد الذين سيخضعون لقوانين الشرع الإسلاميّ يبلغ حوالي 355 ألفًا فقط، وهو أقل بسبع مرّات من عدد سكان حيّ “بروكلين” وحده في مدينة نيويورك. مع ذلك كله، انتفض العالم الغربي كله لهذا الخبر، ولم تبق وسيلة إعلام تقريبًا إلا نقلت لنا تصريحات كبار المسؤولين للتنديد بالقرار، ولم يفكر أحد منهم بحق هذه الدويلة في تطبيق القانون الذي تريده استنادًا إلى ثقافتها وعقيدة شعبها.

لم يقتصر التنديد على الحكام الذين يتحركون بعقلية المصالح والصراع الاستراتيجيّ -كما شرحها لنا هنتنغتون-، بل كان الحقوقيّون في المقدمة، إذ اعتبرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” مثلًا أن بروناي “كشفت عن وجهها الإقطاعي كدولة تعود إلى القرن الثامن عشر أكثر من كونها عضوًا مهما في جنوب شرق آسيا في القرن الحادي والعشرين”، ووصفت تطبيق الشريعة بأنه أمر “مُشين تمامًا وغير مبرر”!.

وأضاف الكاتب: “ما حدث بعد ذلك كان موافقًا لتوقّعات الكثيرين، إذ أجّل السلطان تطبيق القرار بضع سنوات، وفي مارس 1441هـ (2019م) أعاد السلطان إعلان تطبيق الشريعة، وخلال دقائق، ولا أقول أيامًا، بدأت الحملات الغربيّة ضد الدويلة التي كان العالم قد نسي موقعها على الخريطة. لم يضيّع النقّاد وقتهم في مناقشة القرار وحيثيّاته، بل تمّ التركيز على أمر واحد فقط وهو “حقوق المثليين” إذ كان العالم قد تم تطبيعه بنجاح مع هذه الحقوق…”.

وقال أيضا: “وكما هو متوقّع، طالبت الدول الغربية على الفور بضرورة فرض عقوبات على بروناي، ومنها تقييد تأشيرات السفر، وكذلك فرض عقوبات على استثمارات السلطان في الدول الأوروبية.

لم يكتف السياسيّون بالنقد كي لا يظلّ الأمر محصورًا في أروقة الصراع الاستراتيجي؛ بل تفرّغ مشاهير هوليود للمشاركة في حملة مقاطعة الفنادق التي تملكها وكالة بروناي للاستثمار التابعة للسلطنة، وكان أشهرهم وأكثرهم حماسًا الممثل الأمريكي “جورج كلوني”[25]، ومع أن شركة الفنادق حاولت التبرّؤ وإثبات أنها ضد “التمييز”، لكن هذا لم ينفعها، فالعالم كله يقف على ساق واحدة عندما يُذكر مصطلح “حقوق المثليّين”، وخصوصًا إذا كان الطرف الآخر في القضيّة “سلطان مسلم”!.

وعن بقية القصة يقول الكاتب:”حاولت بروناي الصمود قليلًا، وأرسلت خطابًا إلى الأمم المتحدة تعلن فيه تمسّكها بحقّها في تطبيق الشريعة، لكن الضغوط كانت أقوى، وسرعان ما أعلنت التراجع عن قرارها مرة أخرى!”.

وهكذا تبيّن لكل عاقل أن دعاوى الديمقراطية وتلبية ما تريده الشعوب لا قيمة له حين يكون المطلب إقامة نظام الشريعة الإسلامية في بلد مسلم لا يكاد يُرى على خريطة العالم!

ارتفاع نسبة المعتنقين للإسلام في بروناي

وفي هذه الأثناء التي يحارب فيها المجتمع الدولي مطالب بروناي بنظام الشريعة الإسلامية، يستمر ارتفاع نسبة المعتنقين الجدد لهذا الدين العظيم، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين اعتنقوا الإسلام في الفترة من يناير إلى ديسمبر لعام (2018م) 1440هـ، 388 شخصًا؛ مما يدل على زيادة عدد المسلمين الجدد، مقارنةً بالعام الذي سبقه والذي كان العدد فيه 359 شخصًا.[26] ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن مركز الدعوة الإسلامية ببروناي، فإن منطقة “موارا” تضم أكبر عدد من المسلمين الجدد، تليها مقاطعة “توتونغ”، ومنطقة “بليت” ومنطقة “تيمبورونج”. وكان من المعتنقين للإسلام سكان محليون ومواطنون أجانب.

أبرز المساجد في بروناي

تحتضن بروناي العديد من المساجد من أشهرها مسجد السلطان عمر علي سيف الدين، الذي يقع في “بندر سري بكاوان”، عاصمة سلطنة بروناي. بُني في عام 1378هـ (1958م) ويتميز بطراز عمراني جميل أهّله؛ ليكون الأكثر تميزًا في منطقة آسيا والمحيط الهندي، وهو ما جعله رمزًا إسلاميًا في بروناي. وجامع حسن بلقية في “بندر سري بكاوان”. وهو وقف للسلطان، يقع في منطقة كامبونج آير، على مسافة أربعة كيلومترات من بندر سيري بيكاوان.

ومسجد الأميرة الحاجة مريم، يقع المسجد في كامبونج جيرودونج على بعد حوالي أربعة وعشرين كيلومترًا من مدينة بندر سري بكاوان العاصمة. تم بناء هذا المسجد من قبل الأميرة الحاجة مريم بنت الحاج عبد العزيز. ثم مسجد السلطان شريف علي، يقع في منطقة سينغكورونغ، على بعد حوالي ستة عشر كيلومترًا من مدينة بندر سري بكاوان العاصمة. بني في عام 1407هـ (1986م) وغيره الكثير من المساجد.

بروناي اليوم

الإسلام في بروناي

تعد بروناي إحدى الدول المتقدمة اقتصاديًا حسب صندوق النقد الدولي، فهي تحتل المرتبة الثانية في مؤشر التنمية البشرية بعد سنغافورة، بين دول جنوب شرق آسيا، وتحتل المرتبة الرابعة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وبذلك فإن هذه الجزيرة الصغيرة تُعد سادس أغنى دولة في العالم. ويعد سلطانها “حسن البلقية معز الدين” من أثرى أثرياء العالم، حيث ورد اسمه في عام 1429هـ (2008م) في مجلة فوربس الأمريكية التي قدرت ثروته بـ20 مليار دولار أمريكي.

ويؤيد السلطان التعاليم الإسلامية وفقًا لأهل السنة والجماعة على المذهب الشافعي بحسب إعلان الاستقلال. وبذل جهودًا لتعزيز الدعوة الإسلامية ببناء المراكز التعليمية والمدارس والمساجد، مثل إنشاء كلية المعلمين في سيري بيكاوان عام 1392هـ (1972م) ومعهد تحفيظ القرآن عام 1414هـ (1993م) ومعهد سلطان عمر علي سيف الدين للدراسات الإسلامية عام 1420هـ (1999م)، وحظر الخمر عام 1411هـ (1990م)، وإنشاء البنوك الإسلامية عام 1412هـ (1991م)، ومشروع مصحف بروناي دار السلام في عام 1413هـ ( 1992م)، وتطبيق قانون العقوبات الشرعي عام 1414هـ (2014م)[27].

ومع أن بروناي لم تتمكن من إعلان تطبيق شامل لنظام الشريعة الإسلامية بحدوده، نظرًا للمعارضة الدولية الشرسة له، إلا أنها تفرض غرامات وأحكامًا بالسجن في حالة الزنا والتبشير بدين آخر غير الإسلام والإساءة لدين الله وشعائره ومقدساته وغيره من انتهاكات للنظام الإسلامي. وهي تملك نظامين قضائيين، الأول نظام قضاء إسلامي يتحاكم فيه المسلمون من شعبها، والثاني نظام قضاء مدني لغير المسلمين.

انضمت بروناي لعدد من المنظمات الدولية؛ منها منظمة آسيان “رابطة دول جنوب شرق آسيا” في عام 1405هـ (1984م)، وفي نفس هذا العام أصبحت عضوًا كاملًا في منظمة الأمم المتحدة، وفي نفس العام أيضًا أصبحت عضوًا كاملًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، كما انضمت لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي “أبيك” عام 1410هـ (1989م)، وانضمت لمنظمة التجارة العالمية عام 1416هـ (1995م).

ومع أنها دولة لم تظهر اصطدامًا عسكريًا مع دول الجوار ولا تدخلت بشكل مباشر في الحروب، ولا تملك قوة عسكرية كبيرة، إلا أنها تشارك الولايات المتحدة المناورات العسكرية. ولا يعرف المسلمون في بروناي مشاكل بارزة نظرًا لحالة الاستقرار الاقتصادي، حتى أنهم لا يدفعون ضرائب للحكومة، فضلًا عن تمتعهم بحرية النشاط الدعوي وخدماته.

123

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.