تقع مملكة كمبوديا، التي عرفت سابقًا باسم “مملكة كمبوتشيا”، في جنوب شرق آسيا. تحدها تايلاند من الغرب والشمال الغربي، ولاوس من الشمال، وفيتنام من الشرق والجنوب الشرقي. وهي تطل على خليج سبام (خليج تايلاند) من الجنوب الغربي.[1]

وتحتضن كمبوديا في تضاريسها، نهر ميكونغ (النهر العظيم) الذي يجري وسطها، وبحيرة “تونلي ساب” (بحيرة المياه العذبة) التي تقع في القسم الغربي من البلاد، وهي بحيرة تختلف مساحتها باختلاف فصول المطر، وهي من أهم مناطق صيد الأسماك في البلاد.

عاصمة كمبوديا هي “بنوم بنه”، وهي أيضًا أكبر مدنها، تليها المدن الكبرى كمدينة “سييم ريب” التي تقع بالقرب من أطلال “أنجكور وات” الشهيرة، ثم مدينة “باتامبانغ” غربًا، المعروفة بإنتاج الأرز، ثم مدينة “سيانوكفيل” على الساحل.

يعيش في كمبوديا 16.95 مليون نسمة بحسب إحصاءات 1443هـ (2021م)، يتكونون من جماعات تشام والخمير؛ وهم أكثر الجماعات وتعرف لغتهم بالخميرية. إلى جانبهم يعيش جماعات التاي واللاو وبعض الماليزيين.[2]

ويعيش السكان على حرفة الزراعة التي تمتهنها الغالبية العظمى منهم؛ لأن أرض كمبوديا سهلية خصبة، والأرز يعد الغلة الأولى فيها، يلحق به الذرة والمطاط والقطن والتوابل، ثم الصيد البحري وتربية الحيوانات وقطع الأخشاب الثمينة كالساج، فنحو 20% من أرض كمبوديا تغطى بالغابات.[3]

وتدهور الاقتصاد الكمبودي نتيجة الصراع الشيوعي الذي شغل البلاد، ثم استقر بعد استقرار الأوضاع. يعتنق معظم الكمبوديين “البوذية”، مع وجود عدد كبير من المسلمين الذين يعرفون بـ “التشام”، إضافةً إلى ديانات العرقيات الصينية والفيتنامية وقبائل وثنية صغيرة.

الإسلام في كمبوديا

الإسلام في كمبوديا

كان عدد المسلمين في السبعينيات يقدر بنحو 700 ألف مسلم، يتمتعون بمراكز إسلامية نشطة ومئات المدارس والمساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم. لكن دخول كمبوديا في الحروب والصراعات خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الميلادي الماضي؛ كان له تأثيره الكبير على خريطة التواجد الإسلامي في هذه البلاد. حيث هاجر الكثير من المسلمين فرارًا بأنفسهم من الموت إلى البلدان المجاورة، وقتل وعذب وشرد من تبقى منهم؛ خاصة خلال حكم الخمير الحمر الشيوعيين الذين لم تسلم من حملاتهم الإبادية حتى المساجد والمدارس، وحين نذكر هذه الحقبة من التاريخ يجب أن نذكر المجزرة الوحشية التي سطرها هؤلاء بحق المسلمين، والتي قتل فيها نحو 5000 مسلم، هم معظم أهالي قرية “قـَهْ بُل” الواقعة على ضفة نهر ميكونغ، في عام 1397هـ (1977م).

انهار حكم الخمير الحمر على أيدي حكومة جديدة مدعومة من فيتنام؛ فتحسن وضع البلاد بشكل عام، وضعفت قبضة الاضطهاد للمسلمين فما لبثوا أن عادوا لممارسة شعائرهم الدينية، وازداد عدد المساجد والمصليات والمدارس ومراكز تحفيظ القرآن الكريم بشكل سريع على إثر ذلك، حيث تشير الإحصائيات إلى افتتاح 268 مسجدًا و200 مصلى و300 مدرسة ومركز تحفيظ. وأصبح النشاط الدعوي والعلمي بين المسلمين تديره المنظمات الإسلامية مثل “رابطة مسلمي كمبوديا”، و”رابطة الشباب المسلم الكمبودي”، و”مؤسسة تنمية مسلمي كمبوديا”، و”الجمعية الإسلامية الكمبودية للتنمية”.

تصل نسبة المسلمين في كمبوديا لحوالي 6%، أي بلغ عددهم في عام 1443هـ (2021م)، أكثر من مليون مسلم ضمن 16.95 مليون نسمة هم سكان البلاد الذين يعتنقون البوذية كأغلبية. يتوزع المسلمون على 14 ولاية لكمبوديا، بتركيز أكبر في منطقة “كامبونج – تشام” في القسم الجنوبي من البلاد، وكذلك في المناطق الساحلية التي يعيش فيها المسلمون من أصول جاوية بشكل أخص.

وبلغت نسبة المسلمين في إقليم “فري تشامبيا” الشمالي، نحو 40% من سكانها، بينما يشكل المسلمون نسبة 20% من سكان إقليم “فري تشيانغ” المجاور، و15% من سكان إقليم “كامبوت”. وبعد تجاوز عقبة الاضطهاد والإبادة العرقية الشيوعية؛ وقع المسلمون في عقبة الفقر الشديد وقلة ذات اليد، فالمسلمون في كمبوديا لا يمكنهم تمويل مشاريعهم الدراسية والدعوية، ومداخيلهم لا تكفي لسد احتياجاتهم العائلية والفردية؛ وهم يعانون من نقص المناهج الدراسية وضعفها وتشتت الجهود.

كيف وصل الإسلام إلى كمبوديا؟

الإسلام في كمبوديا

وصل الإسلام إلى شبه جزيرة الهند الصينية عن طريق جماعات من الجاويين والهنود والتجار العرب، في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)؛ حيث انتشر بين جماعات التشام، أيام ازدهار مملكتهم في القسم الجنوبي من الهند الصينية، التي عرفت بمملكة تشامبيا أو تشامبا. كما انتشر الإسلام بين الجماعات الجاوية التي تنتمي إلى العناصر الإندونيسية، وتتحدث الجماعات المسلمة لغة الخمير.[4]

عاش المسلمون في أرضهم في استقرار وأمن إلى غاية سنة 1395هـ (1975م) حين تسلط عليهم النظام الشيوعي الخمير الحمر (الهومير روج)، فتعرضوا لحملة إبادة عرقية وحشية استهدفت المسلمين حصرًا، فاضطروا للفرار إلى مناطق الجوار[5].

الاضطهاد الشيوعي للمسلمين

عرف المسلمون في كمبوديا حملات إبادة عرقية إبان الحكم الشيوعي في كمبوديا في بداية سنة 1396هـ (1976م)، كما عانى من ذلك المسلمون في باقي أنحاء العالم، تحت وطأة هذا الحكم الوحشي. وراح ضحية هذه الهجمات الحاقدة الكثير من قادة المسلمين وعلمائهم وأعلامهم، وسطلت آلة التعذيب والسجن والمطاردة على من تهمته الإسلام، كما هدمت المساجد وتحول جزء منها إلى حظائر، وحظرت الصلاة وحظرت أعياد المسلمين ومناسباتهم وجميع شعائرهم، وأجبروا على أكل لحم الخنزير، وزوجت نساؤهم لغير المسلمين، كما أجبرن على نزع الحجاب، وحوصرت الحركة العلمية والدعوية؛ فأحرقت الكتب ومنعت جميع أشكال النشاط الإسلامي وطرد المسلمون من قراهم.

وسلط الشيوعيون حقدهم على الشباب المسلم؛ فتم انتزاعه من حضن أسرته وإقامته في معسكرات الشباب الوثنية لمحاربة إيمانهم وسلخهم عن دينهم، بل وصل الأمر إلى منع المسلمين من التحدث بلغتهم، وكانت عملية إبادة عرقية مكتملة الأركان تحصد أرواح المسلمين وتحاربهم بلا هوادة، ففر من فر منهم إلى تايلاند وماليزيا في مناطق منعزلة في الغابات وعلى المرتفعات، وقد ذكرت هذه التفاصيل المؤلمة مجلة “إسلاميك هيرالد” التي تصدر في كوالالمبور بماليزيا في العددين السادس والسابع، نقلًا عن اللاجئين من مسلمي كمبوديا إلى ماليزيا، وذكرت أسماء الأعلام والعلماء الذي قتلوا في مجازر الشيوعيين.

ولما بدأت تتلاشى هذه القبضة الحديدية مع الأيام، بدأت حركة العودة إلى كمبوديا تنتعش، لكن المسلمين هناك واجهوا واقعًا من التخلف لفقدانهم أسباب تقوية الحركة العلمية والدعوية بعد حقبة من الحرب على الإسلام في هذه المنطقة انتهت بافتقاد الوسائل والأدوات والأموال. فلا يزال المسلمون في كمبوديا بحاجة ماسة لدعم من إخوانهم المسلمين عبر أنحاء العالم، بتوفير الكتب والترجمات وخاصة نسخ القرآن الكريم وترجمة معانيه.

وتطور الصراع الشيوعي فأصبح بين قوتين شيوعيتين، الأولى فيتنام، والثانية قوات “بول بوت” الذي تولى رئاسة الوزراء من عام 1396 ـ 1399هـ (1976-1979م) وكان الحاكم الفعلي لكمبوديا منذ منتصف العام 1395هـ (1975م)، ثم فر بنفسه بعد اجتياح القوات الفيتنامية وانهيار حكم الخمير الحمر في عام (1979)، وتوفي عام 1419هـ (1998م)، لتدور فصول هذا الصراع على أرض كمبوديا. فدفع ثمن ذلك الشعب الكمبودي. وكان المسلمون أكبر متضرر منه. وسجلت عصر حكم “بول بوت” هجرة جماعية كبيرة للمسلمين.

واليوم، وبعد عقود مضت وانجلاء الحقبة المظلمة، أدانت كمبوديا الحديثة المسؤول الوحيد من الخمير الحمر الذي لا يزال على قيد الحياة، وهو “كاينغ غويك إياف” المعروف بـ”دوتش” مدير سجن “إس-21” السيء السمعة؛ حيث قتل قرابة 18 ألف شخص. خلال حكم الخمير الحمر لكمبوديا بقيادة “بول بوت” المعروف أيضًا باسم “الأخ رقم 1″، والذي لم يمثل أبدًا أمام العدالة؛ إذ توفي في 1419هـ (1998م) قبل إنشاء المحكمة.[6]

وقد فرح من نجا من المسلمين التشام من الإبادة التي سلطها الخمير الحمر عليهم، بخبر محاكمة المسؤول الوحيد من الخمير الحمر الذي لا يزال على قيد الحياة. ولا يزال المسلمون يستذكرون مآسيهم تحت حكم الخمير الحمر، ومنهم من يطالب بحقوقه إلى اليوم، كتلك المسلمة الكمبودية من عرقية “تشام”، “نو ساتيس”، التي اتهمت نظام الخمير الحمر الشيوعي بإجبارها على الردة. وقد تحدثت المرأة المكلومة عن المعاناة التي مر بها المسلمون تحت حكم “بول بوت”، ولم تكن الوحيدة التي أجبرت على الردة؛ فقد أكدت في شهادتها على إجبار ثلاثين امرأة أخرى ممن تعرف، على التخلي عن دينهن وإعلان الانتماء للخمير الحمر مقابل أن يبقين على قيد الحياة.

أكلت نو ساتيس أوراق الشجر من الجوع، ورأت إخوانها يموتون ببطئ من أثر الجوع والأشغال الشاقة القسرية التي يحصلون مقابلها على فتات من الطعام، وتنضم شهادة هذه المرأة المسلمة لسلسة روايات أخرى مؤلمة لناجين من حكم الخمير الحمر، أغلبهم من عرقية التشام [7].

وخلال حكم “بول بوت” قُتل 90% من المثقفين والعلماء وأساتذة المسلمين، وأُحرقت الكتب الإسلامية وأتلفت في الأنهار، وتتحدث التقارير عن مقتل نحو 300 ألف مسلم في تلك الحقبة حتى كاد يذهب الإسلام برمته من كمبوديا.[8]

الاحتفال القومي بانتصارات الخمير الحمر

الإسلام في كمبوديا

في “يوم الغضب” كمبوديون يعيدون تمثيل مجازر الخمير الحمر.

ومن المفارقات والتناقضات التي يشهدها الواقع الكمبودي اليوم، كيف يتم الجمع بين مسار المحاكمات والشهادات المأساوية التي تتكرر ذكراها كلما ذكر “الخمير الحمر”، والاحتفال القومي بانتصارات هؤلاء “الخمير الحمر” على مملكة التشامبا التي ترجع لها أصول المسلمين في هذه البلاد. وهو في الواقع احتفال بغزو قضى على السكان الأصليين فيها، يتم خلاله تقديم عرض أمام قصر ملك كمبوديا في العاصمة “بونم بنه” على شكل مسابقة سنوية للقوارب تخليدًا لهذه الذكرى، وقد أصبح هذا الاحتفال من الاحتفالات القومية الرسمية التي يشارك بها المسلمون بأنفسهم وهم في غفلة عن خلفيتها التاريخية!

مساجد المسلمين في كمبوديا

لقد شيّد المسلمون قبل سيطرة الخمير الحمر (الهومير روج) و”بول بوت” على الحكم، الكثير من المساجد التي تعرضت للهدم أو التخريب. وبعد تلاشي قبضة الاضطهاد عاد المسلمون بنشاط لدعوتهم كما هو حال المسلمين في كل مكان بعد التخلص من قيود الاضطهاد، وهو ما يثبت فشل جميع أساليب القمع والاضطهاد والحرب على الإسلام في انتزاع هذا الدين العظيم من قلوب أبنائه، فما يلبث أن ينقلب المسلمون عملًا ونشاطًا عقب زوال أسباب القمع.

ويتواجد اليوم في كمبوديا العديد من المساجد، أشهرها مسجدانِ في العاصمة، الأول هو مسجد “السركال”؛ وهو المسجد الرئيسي في العاصمة وهو أكبر المساجد وأشهرها عند المسلمين الكمبوديين، ويرجع تاريخ بنائه إلى الستينيات من القرن الميلادي؛ وظل غير مكتمل البناء بسبب الأحداث التي مرت بها البلاد، حتى تم بناؤه في بداية التسعينيات بتمويل من بعض المحسنين من دبي، فسمي أيضًا بـ”مسجد دبي”. والمسجد الثاني في العاصمة قام ببنائه بعض المسلمين الباكستانيين المغتربين في كمبوديا، ويسمى “مسجد سعد بن أبي وقاص”[9].

ولا تخلو قرية من قرى المسلمين من وجود مسجد بها أو أكثر، بشكل جامع  أو مصلى ويطلق عليه اسم «سوراوا»، بعضها قد يكون مصنوعًا من الأخشاب تظهر عليه تجاعيد الزمان وقد أكلته الأَرَضة، وبعضها الآخر أفضل منظرًا وهيئة، ويمكن لمساجد المسلمين التي في القرى رفع الأذان بمكبرات الصوت؛ على عكس التي في المدن الكبرى، وهي قليلة.

وتظهر همة المسلمين في كمبوديا في مساجدهم، فهم يولون اهتمامًا كبيرًا بترتيب أمور المساجد، ففي كل قرية يوفرون إمامًا وخطيبًا ومؤذنًا يدعى “بلال”، كما يخصصون قيِّمًا يقوم على شؤون المسجد، ويتولى جمع الصدقات فيه، وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، بالإضافة إلى الإشراف العام لحاكم القرية على كل ما سبق.

ولا تزال في كمبوديا بعض العادات الغريبة عند المسلمين في المساجد، كاتخاذهم طبلًا كبيرًا لإعلان اقتراب الصلاة قبل الأذان، ويتكرر ذلك في شهر رمضان للإعلان عن دخول وقت الإفطار، وكذلك التدخين في المساجد وساحاته. وبفضل بعض الجهود الدعوية بدأت تتأثر هذه الممارسات وتتراجع.

تنظيم حياة المسلمين

الإسلام في كمبوديا

وينتظم معاش المسلمين في القرى بتنظيم إداري وضعه المسلمون؛ حيث يقيمون رئيسًا يدير علاقات القرية بالحكومة، ويخصصون رئيسًا للقيام بالشؤون الشرعية، ويطلقون عليه (حاكمًا) باللغة العربية، فيتكفل بحل المشاكل الأسرية، وفض النزاعات وعقد النكاح، والإشراف على المسجد، ومدرسة القرية الإسلامية، والسعي لحاجات المسجد والمدرسة، والقيام بتنفيذ المشاريع، ومتابعتها من الجمعيات الخيرية. ويتم اختياره بناء على مواصفات محددة ويتصف عادة بالتواضع والتفاني في خدمة قومه. ويتكفل سكان القرية بمساعدته بالزكاة والصدقة إن كان فقيرًا، ولا يحتاج لها إن كان ميسور الحال، وكل حاكم له نائبان ينوبان عنه في تسيير أعمال القرية.[10]

المراكز الإسلامية في كمبوديا

يتواجد في كمبوديا ما لا يقل عن 30 مركزًا ومؤسسة وجمعية إسلامية، أشهرها: جمعية منابع الخير بكمبوديا، جمعية البركة الخيرية في كمبوديا، جمعية التضامن الاجتماعي للمسلمين في كمبوديا، رابطة المثقفين المسلمين في كمبوديا، الجمعية الإسلامية في كمبوديا، جمعية تطوير المجتمع المسلم في كمبوديا، مؤسسة تنمية المسلمين في كمبوديا، جمعية خريجي الدول العربية، جمعية الرحمة، جمعية الإحسان للتربية[11].

المسلمون اليوم في كمبوديا

الإسلام في كمبوديا

يعيش في كمبوديا اليوم 3 أصناف من المسلمين. وهم:

الـ“تشام”؛ وترجع أصولهم إلى دولة “تشامبا”، وهم يمثلون غالبية مسلمي البلاد بنحو 85% منهم، ويتكلمون لغتَي الكمبودية/الخميرية والتشامية.

الـ“جاوي”؛ من أصل “جاوا” في إندونيسيا. وهم لا يعرفون اللغة التشامية، لا يعرفون سوى الكمبودية/الخميرية فقط.

والـ “خميري”؛ وهم أصل “الشعب الكمبودي”، والذي اعتنق الإسلام بسبب الزواج من المسلمين، أو بسبب المساعدات التأليفية للقلوب، أو بفهمهم الدين الإسلامي[12].

يعيش معظمهم في محافظة “كامبونج تشام”، ويُمثلون حوالي 50% من مسلمي البلاد. وفي محافظة “كامبونج جهنانج” يتواجد من يعرف بـ”الزاهدين” (جاهيت) وهم فرقة ينتسبون للإسلام، لكن لا يُصلون الصلوات الخمس إلا الجمعة فقط، وأفرادها في غاية الجهل والبُعد عن تعاليم الإسلام، ويدَّعون أنهم يتمسكون بما كان عليه المسلمون في مملكة “تشامبا” دون غيرها)[13]. ثم محافظة كامبوت وهي تُعدُّ ثالث كبرى المحافظات تواجدًا للمسلمين، وغالبيتهم من الجاويين. ويتواجد البقية في كافة محافظات البلاد. يمكن تمييز النساء المسلمات الكمبوديات بالحجاب وتلبسه أيضًا الفتيات الصغيرات. وهذا مشاهد بكثرة في قرى المسلمين.

من مشاكل المسلمين في كمبوديا

يفتقد المسلمون في كمبوديا للإمكانيات المادية لإدارة نشاطاتهم الدعوية والدينية، ولمدارس إسلامية وكتب ومناهج بلغتهم، ولإدارة خبيرة بإدارة المشاريع الدعوية والعلمية، ويعانون من تهميش كبير لهم في الإعلام العربي والإسلامي، في وقت يعيشون فيه القلق على مستقبل أبنائهم الإسلامي.

ففي أغلب الأحيان يدرس أبناء المسلمين في كمبوديا نصف اليوم في المدارس الحكومية والنصف الآخر في المدارس الدينية، في ظل افتقاد نظام تعليمي موحَّد، أو مقرر دراسي موحد لجميع المسلمين في كافة أنحاء البلاد. وما أن يصل الطلبة إلى مستوى المرحلة الثانوية حتى تتوقف دراستهم، لعدم توفر جامعة إسلامية في كمبوديا، ولا يتمكن من ذلك إلا من حصل على منحة دراسية في الجامعات الإسلامية خارج البلاد.

وانعكس ضعف القدرات التعليمية والدعوية على غالبية المسلمين في كمبوديا بانتشار الجهل بأحكام الإسلام، وغياب السنن، وانتشار البدع والمخالفات في المعتقدات والعبادات والأخلاق؛ وساعد في تفشي ذلك الفقر الذي يشغلهم بكسب قوتهم عن طلب العلم، وكونهم أقليةً في بلاد غير مسلمة يتأثرون بضغط الثقافة المحلية التي تقوم على الخرافات، ثم قلة الدعاة المؤهَّلِين للقيام على ثغور التوعية والدعوة والتعليم وضعف المواد المعينة على ذلك بلغتهم. ومع ذلك وبفضل عودة العديد من الطلبة من الجامعات الإسلامية في السعودية وماليزيا فقد بدأت تظهر مؤخرًا آثار سعيهم بين المسلمين الكمبوديين، بتصحيح المفاهيم والدعوة إلى الله.

الفرق والجماعات الإسلامية

الإسلام في كمبوديا

مسجد السركال هو المسجد الرئيسي في مدينة بنوم بنه عاصمة كمبوديا.

لم يكن هناك تواجد للشيعة في كمبوديا إلا بعد سنة 1430هـ (2009م)؛ حيث ظهرت لأول مرة في إحدى القرى الواقعة في دائرة تبونج خموم، بمحافظة “تبونج خموم” (جزء من محافظة كامبونج تشام سابقًا)، لكن لا يذكر لهم تأثير كبير في أوساط المسلمين، كحال الأحمدية والصوفية، التي تتواجد بحضور ضئيل في كمبوديا.

كما تتواجد في هذه البلاد جماعة التبليغ، التي تنشط بشكل كبير ولها تأثير واسع بين الناس. إلى جانب العديد من المؤسسات السلفية الفاعلة التي تعمل على جمع المساعدات ونشر الدعوة والتي ذكرنا منها أكثرها نشاطًا في قسم المراكز الإسلامية.

ويبذل المسلمون في كمبوديا جهودًا كبيرة لإبقاء حضورهم ونشاطهم أمام القرارات الحكومية المجحفة بحقهم كما شهدت البلاد احتجاجات غاضبة من المسلمين التشام، على مشروع إنشاء طريق جديد في العاصمة “بنوم بنه” يقطع أراضي مسجد “سركال”، المسجد الرئيسي في العاصمة، في 30 ديسمبر 2016م (1438هـ) .[14]

حاجة ملحة

إن المسلمين في كمبوديا بحاجة لكافة أشكال الدعم الدعوي والتعليمي والتربوي، في ظل تنافس الديانات في دعوة الناس كالنصرانية والبوذية، التي يمتلك أصحابها قدرات مادية كبيرة ووسائل الإعلام الحديثة، ويستعملون وسيلة المساعدات الإغاثية والتعليمية والمستشفيات المجانية التي تستقطب المحتاجين إليهم. بينما يفتقد المسلمون في كمبوديا كل هذه الوسائل ولا يملكون قناة تلفزيونية، ولا يحصلون إلا على ساعتين قصيرتين من البث في الإذاعة الحكومية. ولا يزالون بحاجة لمزيد خدمات في الترجمة والدعوة والتعليم.[15]

الإسلام في فيتنام

الإسلام في فيتنام

تقع جمهورية فيتنام الاشتراكية في أقصى شرق شبه جزيرة الهند الصينية، في جنوب شرق آسيا، على خليج تونكين وبحر الصين، وتحدها من الشمال الصين، ومن الشرق خليج تونكين، ومن الغرب لاوس وتايلاند وكمبوديا. يعيش في هذه البلاد 98.17 مليون نسمة، بحسب إحصاءات 1444هـ (2022م). وتتميز أرضها بتضاريس متنوعة من غابات كثيفة وبحار ومرتفعات جبلية وسهول وخلجان وأنهار. عاصمتها “هانوي”.

يتحدث السكان في فيتنام اللغة الفيتنامية؛ وهي اللغة الرسمية الوطنية، إضافة إلى عدة لغات تتحدث بها الأقليات الفيتنامية، ولا تزال اللغة الفرنسية من مخلفات الاحتلال بين كبار السن. وتقدمت عليها اللغة الإنجليزية التي أصبحت اللغة الثانية في فيتنام نتيجة التقارب الفيتنامي الغربي. ويهيمن على المشهد الثقافي الفيتنامي اليوم ثلاث ثقافات متداخلة، هي الثقافة المحلية، والثقافة المختلطة مع الصين والثقافة المتفاعلة مع الثقافة الغربية.

أما الدين فتصنف فيتنام كدولة ملحدة، لتبنيها الأيديولوجية الشيوعية والديانات الشعبية والبوذية. ويشير مركز بيو للأبحاث بحسب إحصاءات 1442هـ (2020م) إلى أن حوالي 45% من السكان يتبعون الديانة الفيتنامية الشعبية، وحوالي 29.9% من السكان لا ينتسبون لأي دين (وترد نسبة الملحدين في بعض المصادر أعلى مما ذكر بكثير)، بينما يعتنق نحو 16.2%من السكان البوذية، ونحو 8.4% من السكان النصرانية، وأما الإسلام فيتواجد في النسبة المتبقية التي تتوزع بأقل من 1%، كما هو حال اليهودية والهندوسية وتبقى كذلك  نسبة أقل لأديان أخرى.

تاريخ من الحروب

الإسلام في فيتنام

كانت فيتنام تابعة للإمبراطورية الصينية لمدة 1000 سنة، بدءًا من عام 111 ق.م. وحين نذكر اسم فيتنام يتبادر للذهن أول ما يتبادر “حرب فيتنام”، إحدى أهم الحروب في القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين الميلادي) إبان الحرب الباردة، حيث شهدت أرض فيتنام المواجهة العسكرية الكبرى بين الولايات المتحدة والشيوعيين الفيتناميين، التي انتهت بخسائر بشرية ومادية فادحة.

وكان الفيتناميون قد انتزعوا استقلال بلادهم من يد الاحتلال الفرنسي (1365هـ 1374هـ) (1946-1954م)، وانتهت الحرب باتفاقية جنيف في عام 1374هـ (1954م) على إنهاء الحرب بين فرنسا وفيتنام، وتقسيم فيتنام إلى دولتين في الشمال والجنوب، فعملت الصين والاتحاد السوفيتي آنذاك على دعم القسم الشمالي من فيتنام بينما تولت الولايات المتحدة بدعم القسم الجنوبي.

وكانت في الواقع مواجهة بين الشيوعية والرأسمالية دفع ثمنها باهظًا الفيتناميون. وانتهت هذه الحرب بانسحاب الولايات المتحدة في عام 1393هـ (1973م) من العاصمة السابقة سايغون (هو تشي منه)، ثم بسقوط فيتنام الجنوبية في عام 1395هـ (1975م) في يد حكومة الشمال الشيوعية وقوات الفيت كونغ.

ولم تكن هذه الحروب الأولى التي شهدتها أرض فيتنام؛ فقد سبق أن احتلت اليابان هذه البلاد مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنها منيت بهزيمة عام 1364هـ (1945م). وقد أسفرت الحرب الأهلية في فيتنام في عام 1377هـ (1957م) والهجمات الأمريكية على فيتنام عام 1385هـ (1965م) عن مقتل حوالي 4 ملايين إنسان، فضلًا عن دمار هائل ماديًا ومعنويًا أصاب الشعب الفيتنامي والمسلمين منهم بشكل خاص.[16]

تاريخ الإسلام في فيتنام

كان الإسلام في وقت مضى هو الدين الرئيسي لشعب تشام، الذي يضم ثلثي مسلمي فيتنام، وإليه ترجع أصول المسلمين في فيتنام، إضافةً إلى جالية مسلمة مختلطة الأصول من تشام وخمير وملايو وصينيين وعرب، تعرف أيضًا بمسلمي “تشام”، وهي في نواحي شودوك الجنوب غربية.

وصل الإسلام إلى مملكة تشامبيا عن طريق التجار المسلمين الذين وصلوها عن طريق البحر وذلك أثناء ازدهار حركة التجارة البحرية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وأقبل السكان على الإسلام عن طريق الدعوة أو عن طريق الزواج بين التجار العرب المسلمين وسكان المنطقة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن ملك تشامبيا زوج ابنته من أحد التجار العرب المسلمين.

واشتدت قوة إمارته الإسلامية، حتى بلغت ذروة قوتها في سنة 875هـ (1470م)، لكن هذا الصعود الإسلامي في فيتنام جلب على المسلمين عداء البوذيين في الشمال الذين سلطوا حنقهم وحقدهم على المسلمين في فيتنام الجنوبية؛ فأعلنوا الحرب على هذه المملكة الإسلامية،  مما تسبب في تقلص سلطانها حتى انهارت نهائيًا في عام 1248هـ (1832مـ).

لقد سطر شيوعيو الشمال بعد سقوط سايغون، المجازر الوحشية بحق المسلمين ودمروا المساجد والمدراس القرآنية والمراكز الدعوية، ويكفي للدلالة على بشاعة ما مر به المسلمون في هذه الحقبة أن عدد مسلمي فيتنام كان قبل الحرب أكثر من مليوني مسلم، وكان فيها قرى ومناطق لا يسكنها غير المسلمين، ولكن نتيجة الإبادة العرقية الوحشية فر معظمهم من فيتنام، ومات الكثير منهم أثناء الحرب، ثم انغلق البقية في تجمعات في ظروف متواضعة.

وسيطر على أراضي هذه المملكة الإمبراطور الفيتنامي “مينه مانج”؛ فسلط آلة الاضطهاد الوحشي على المسلمين فيها، مما اضطر الملك الأخير لتشامبيا ويدعى “بو تشين” إلى الفرار مع شعبه إلى كمبوديا، في حين لجأ من فر إلى الشمال حيث جزيرة “هاينان” الصينية التي استقروا فيها.

وبقي من آثار هذه الحقبة في القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) في الطرف الفيتنامي آلاف المقابر للمسلمين الذين قُتِلوا أثناء الإبادة العرقية التي شنها الفيتناميون الشيوعيون ضدهم، ثم بعض الآثار المتبقية من مبنى قصر آخر ملوك تشامبيا.

المسلمون اليوم في فيتنام

الإسلام في فيتنام

ومع انفراج قبضة الاضطهاد ضد المسلمين بعد ذلك في فيتنام؛ إلا أنهم لم ينالوا كامل حريتهم في ممارسة شعائرهم الإسلامية. فمع أن الدستور الفيتامي الحديث ينص على حرية العبادة إلا أن المسلمين لم يتمكنوا من أداء فريضة الحج لمدة 20 عامًا، وحين سمح لهم بذلك، كان تحت شروط مشددة.

وفي ظلّ هذه الظروف لا يجد المسلمون لمواصلة نشاطهم الدعوي والتعليمي سوى المساجد والمراكز القليلة الضعيفة، التي لا تزال بحاجة لدعم ومد الجسور بينها وبين العالم الإسلامي، دعمًا دعويًا ممتدًا، لاستدراك ضعف معرفتهم بالدين الإسلامي وبعض أساسيات أداء العبادات، ولتخفيف آثار عزلتهم اقتصاديًا وتعليميًا وصحيًا.

ويعاني المسلمون في فيتنام من ضغوط اجتماعية وثقافية بسبب الأغلبية البوذية؛ مما انعكس على المجال التربوي والنفسي، ويأتي هذا الضغط في وقت يحتاج فيه المسلمون بشكل مُلحّ لمن يعلمهم دينهم ويسد النقص الشديد في قطاعات التعليم والتربية والدعوة، وافتقاد المؤسسات الرائدة في هذا الميدان، ولا يصلهم إلا بعض المساعدة بشكل محدود عن طريق ماليزيا.

نسبة المسلمين في فيتنام تصل إلى 9 % من اجمالي الشعب الفيتنامي الذي يبلغ بحسب إحصاءات 1443هـ (2021م) 98.17 مليون نسمة. يتوزع السكان المسلمون على قرى ومحافظات المنطقة الجنوبية لفيتنام، والغالبية العظمى منهم في محافظة (آن يان) التي تبعد حوالي 200 كم عن العاصمة القديمة (هوشِمَنَّه). ويملك المسلمون في ثماني مدن 62 مسجدًا 17 منها في مدينة “هو تشي مينه” أكبر المدن اقتصاديًا.

غالبية المسلمين من أصل الـ “تشامبا”؛ وهم السكان الأصليون لفيتنام الجنوبية والباقي من أصول عربية يمنية هندية فيتنامية. واندمجت طبقات المسلمين من أصل فيتنامي مع الأجيال الجديدة الناتجة من زواج فيتناميين بالتجار المسلمين من أصول عربية وباكستانية وهندية وماليزية وأندونيسية بالإضافة إلى المسلمين الجدد الذين أسلموا، وكل ذلك يمثل مكونات المجتمع الإسلامي في فيتنام.

يعمل أغلبهم ممن يسكن القرى بمجالات الزراعة والتجارة وصيد السمك. أما المدن فليس لديهم حضور قوي في ميادين العمل. ولذلك الصفة الغالبة على المسلمين هي الفقر؛ مما يضطر معظم أبناء المسلمين للتوقف عن الدراسة في مستوى الإعدادي أو الثانوية لعدم توفر المال.

ومع تمكن عدد من الفيتناميين المسلمين من الوصول للجامعة إلا أنهم يفتقدون صناعة الوعي الديني، لعدم توفر مؤسسات وهيئات تعتني بهم. لذلك فهم يتبعون سلطة الثقافة الغالبة في فيتنام. يرافق هذا الفقد عدم توفر نشاط في المساجد، والتي اقتصر دورها على الاحتفال بالأعياد والمواسم الدينية والمولد النبوي، وتحصل تجاوزات داخل المساجد كالتدخين في داخله.

أما الأطفال؛ فبعضهم يتلقى تعليمًا ابتدائيًا بحفظ جزء عم، والحروف العربية، ومبادئ التوحيد، والطهارة والصلاة. ويلقنون ذلك في عدد محدود من المساجد فقط وليس كل المساجد، ويعاني التعليم من نقص الكوادر المؤهلة لهذا الثغر.

ومع تعثر النشاط الداخلي المؤسساتي، أيضًا لا يسمح قانون البلاد لأي هيئة أو مؤسسة إسلامية من خارج فيتنام بالنشاط. وهذا القانون يتم تطبيقه على المسلمين، في حين لا يمنع النصرانية من النشاط تحت ستار العمل الخيري.

ومع ذلك لم تقصر المؤسسات الإسلامية من محاولة تحصيل تصاريح عمل داخل فيتنام. مثل: جمعية أم القرى الخيرية، ولجنة العالم الإسلامي، وجمعية إحياء التراث الإسلامي؛ ولكن بلا جدوى، فعملت هذه المؤسسات على التأثير في الداخل الفيتنامي من الخارج.

وينشط داخل فيتنام جمعية واحدة إسلامية “الجمعية الإسلامية بهوشمنه” أنشأتها الحكومة، يقتصر عملها على مدينة هوشمنه؛[17] ويجري الحديث عن إنشاء جمعية أخرى في ولاية “آن يان”. لكن المسلمين يرون هذه الجمعيات كوسيلة لمراقبة أعمالهم والتجسس عليهم، فهم لا يشاهدون أي أثر ملموس لها في مجتمعاتهم. وهذه الرقابة يدفعها خوف الحكومة الشيوعية الشديد من الإسلام والمسلمين.

ومع ذلك لا يزال المسلمون يجتهدون في فيتنام لتعويض النقص، ومما تم رصده نشاط جمعية حجر الصدقة “صدقة تاشي” الخيرية التي قامت بطباعة عدة كتب باللغة الفيتنامية ليتم توزيعها في 11 بلدًا من بلدان العالم. ومن بين هذه الكتب تفسير القرآن الكريم وسيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

وفي ظل هذه الظروف من التعثر والاجتهاد يستمر الجهل والفقر في إفساد فرص نهوض الحركة الدعوية والتعليمية بين المسلمين في فيتنام، يضاف لذلك نقص الكوادر المؤهلة للعمل في هذه الثغور. وهذا ما يفسر أيضًا توقف حركة الدعوة لغير المسلمين، حيث انشغل المسلمون في فيتنام بالفقر ثم الخلافات المذهبية. على عكس النصارى الذين ارتفع عددهم بسبب حركة التنصير النشطة في البلاد. ولذلك تتوفر الكنائس في كل مكان.

وعلى غرار كمبوديا، يتواجد في فيتنام أيضًا فرقة “الزاهدون” الذين تأثروا بمخالطة البوذيين والملل الكافرة الأخرى؛ فأثر ذلك في فهمهم للإسلام وانحرفوا عنه وابتدعوا فيه العجائب منها قراءة كتاب مكتوب بخط اليد، فيه بعض آيات القرآن الكريم بالحروف العربية، وكلام معه غير مفهوم، ويتم توارث هذا الكتاب بين أبناء أئمة المساجد، وبه يصبح الابن إمامًا بعد موت أبيه  وابتدعوا صيام الإمام عن الناس، مقابل المال والطعام، ولديهم مساجد مهجورة لا يدخلها إلا الإمام، أعيادهم مختلفة عن المسلمين، رجعت القلة منهم للإسلام بفضل الله.

لقد عاش المسلمون رحلة طويلة يراغمون فيها الصعاب والشدائد، وأنواع الظلم والاضطهاد، قتل فيها الكثيرون وشرد الباقون واختفى أثر المعذبين في السجون. واليوم مع وجود نوع من الاستقرار والأمن في حياتهم يعانون من تقييد الحكومة الشيوعية لحرياتهم في ممارسة شعائرهم ومن ذلك أن المسلمين في فيتنام يضطرون إلى دفن موتاهم في مقابر بعيدة بعد دفع مبالغ كبيرة لسيارات النقل.

إن المسلمين في فيتنام بحاجة لكل دعم مادي ومعنوي من إخوانهم المسلمين في العالم، لمساعدتهم في إقامة مشاريع الدعوة والتربية والتعليم والصدقات وتوفير الأضاحي في عيد الأضحى والمشاركة في مشاريع دعم الأيتام وتوفير سيارة نقل الموتى وطبع ونشر الكتب الدينية وغيرها من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والتربوية.[18]

في الختام

الإسلام في فيتنام

المسلمون في فيتنام.

إن ما يجعل الحاجة ماسة وملحة لمد الجسور مع المسلمين في كمبوديا والفيتنام، الواقع التنافسي الذي يعيش فيه المسلمون الذين يغلب عليهم الفقر والحاجة. في وقت يتمتع المنصرون بكل أسباب وأساليب التنصير، بطرق مباشرة وغير مباشرة، علنية وخفية، وأخطر ما فيها استغلال حاجات الناس وفقرهم، ففي كامبوديا وحدها تنشط أكثر من 100 جمعية ومؤسسة تنصيرية، تنطلق من مقرها بالعاصمة الكمبودية “فنون بنه” لتمتد إلى عمق الغابات، والأحراش، والمستنقعات، وتصل إلى سكان القرى، والبوادي النائية؛ فيقدمون لهم المساعدة مقابل التنصير.

ويتم ذلك بتقديم الخدمات الطبية، والتعليمية والمعونات الأسرية، وتعليم اللغة الإنجليزية مجانًا للشباب، ويكفي للدلالة على شدة النشاط التنصيري في كمبوديا النظر في عدد الكنائس حيث تتوفر أكثر من 700 كنيسة، وهو عدد كبير جدًا في دولة بوذية تُعتبر من أكثر دول المنطقة تمسكًا بهذه البوذية.

ومن يستذكر تاريخ النصارى في إشعال الفتن بين المسلمين والهندوس، وما آل له حال المسلمين الهنود بتحريض الاحتلال البريطاني للهندوس عليهم، يوجس خيفة مما قد يتهدد المسلمين اليوم في كمبوديا مع ارتفاع نبرة الكراهية والعداء السافر للمسلمين من قبل الحركات الهندوسية في العالم، وطبيعة التنصير تمضي ببث العداء ضد المسلمين الذي تجلت بوادره بوضوح اليوم في الكتابات الصحفية للمنصرين، فنسأل الله أن يحفظ المسلمين من كل كيد ومكر.

ولا تختلف فيتنام كثيرًا عن حال المسلمين المضطهدين تحت وطأة الحكم الشيوعي، فهو حكم يعمل بشكل خفي وعلني على إخماد العمل الإسلامي واجتثاثه كما تفعل الصين. ويبقى المسلمون تحت وطأة الرقابة والحصار، ومع ظروف معيشية تشغلهم تتعثر طموحاتهم في ازدهار حركة الدعوة للإسلام.

وإضافة إلى هذه المخاطر من نشاط المنافسين والخطر الشيوعي الذي لا يزال يتربص بالمسلمين، تأتي مشكلة الفقر والجهل، والتي تتطلب تدخلًا لائقًا من المسلمين في العالم، فتوفير الكوادر والوسائل التعليمية والكتب والترجمات والمراكز والمساجد والمنح وكل ما يحتاجه المسلمون من أشكال المساعدة النفسية والدعوية والتعليمية والاقتصادية هو أولوية لهذه المناطق. مع الحرص على تصحيح الأخطاء والبدع التي انتشرت بين المسلمين في كمبوديا وفيتنام من جراء ضغط الثقافة البوذية من حولهم.

إن حب المسلمين في هذه البلاد لدينهم يترجمه ثباتهم عليه رغم حقبة الاضطهاد الشديد وسلسلة المجازر والنوازل التي مروا بها. ومع ذلك نشاهد الأطفال المسلمين اليوم في كمبوديا وفيتنام يظهرون بمظهر إسلامي ويجتهدون في حفظ القرآن، ونشاهد آباءهم يعتنون بإظهار شعائرهم ويعتزون بانتمائهم لهذه الأمة. وفي هذا لدلالة على عظمة هذا الدين الجليل!

140

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.