أعلن صندوق النقد الدولي عن التوصل لاتفاق مع مصر للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار يتم الحصول عليه على مدى زمني يصل إلى ثلاث سنوات. وقد تباينت الآراء حول هذا القرض: فالبعض يرى أن هذا القرض سيدفع بمصر إلى الأمام وإلى طريق التقدم الاقتصادي، فيما يرى البعض الآخر أنه وجه شؤم على الدول التي أخذت قروض من هذا الصندوق، وأنه لا يأتي من ورائه إلا كل فقر. فلم نرى له إلا نتيجة واحدة مع معظم الدول التي أقرضها:

الفقير يزداد فقرًا والغنى يزداد غنى وستعدم الطبقة الوسطى ولن يعد لها أثر.

صندوق النقد بين الحقيقة والواقع

صندوق النقد الدولي يدعى أن من مهامه العمل على استقرار النظام المالي، ومساعدة الدول النامية للسير نحو الرخاء والتقدم الاقتصادي، وتجنب المشاكل المالية. إلا أن تدخلاته تُذكرنا بعصور الكولونيالية المتوحشة-عصور الاستعمار-الذي لم يخلف من وراءه إلا الخراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما أننا لم نرى مساعدة أو تقدم بل رأينا فقرًا ودمارًا؛ فقد ارتفعت أسعار المنتجات حتى الغذائية منها بل رأينا في بعض الدول خصخصة مياه الشرب، وارتفاع أسعارها بما يفوق قدرة واستطاعة الفقير كما حدث في بوليفيا، وقد تسبب في خسارة ملايين العمال لعملهم، وخصخصة القطاعات المملوكة للحكومة ورفع الدعم عن الفقراء.

20130119_AMD001_0

فهدف الصندوق لم يكن كما يدعي بل هو ترسيخ لهيمنة الدول الغربية-ونخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية-على العالم ففكرة الصندوق يمكن أن نعبر عنها بما قاله بركنز في كتابه “مذكرات قاتل اقتصادي“: تعتمد في الأساس على منح القروض للدول بهدف تنمية البنية التحتية، وبناء محطات لتوليد الكهرباء، ومد طرق رئيسية، وإنشاء موانئ ومطارات ومناطق صناعية. وذلك عن طريق هيئات المساعدات المالية الدولية، والبنك وصندوق النقد الدوليين.

ولكن بشروط دائما ما تنتهي بالدول إلى الهاوية. وكلما كانت القروض كبيرة وتضمن عجز الدولة المستدينة عن سدادها كلما كان ذلك ضمانة لمزيد من النهب والفوائد.

نشأة صندوق النقد الدولي

تأسس في يوليو 1944 بعد استضافة الولايات المتحدة الأمريكية وفودًا من 44 دولة، حيث كان الهدف المعلن صياغة أسس نظام اقتصادي جديد للعصر التالي لنهاية الحرب العالمية الثانية، نظام يبتعد عن الأخطاء التي وقعت فيها الدول أثناء الحربين: حيث التضخم الذي وصل إلى معدلات عالية، وتراجع النشاط الاقتصادي. وتم توقيع 29 دولة على ميثاق الصندوق في مؤتمر بريتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت الدول من الحرب الدول على وشك حالة انهيار اقتصادي كبير، وذات عبء اقتصادي وخزينة هاوية.

Embed from Getty Images

صندوق الخراب يبدأ العمل

بدأت المؤسسة عملها في العام 1947 واتخذت من واشنطن مقرًا لها-تلك العاصمة التي سطرت ملامح وسياسات صندوق النقد الدولي، والتي سطرت أيضًا حروف وأذرع النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية-. فلم تعد الدول الأوربية مهيمنة وذات يد عليا كما كانت في سابقه، بل أضحى القطبان-الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة-يسيطران ويقودا النظام الدولي.

صدمة نيكسون

وقد اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية خطة للنظام الاقتصادي الجديد–أعلنتها فيما يعرف بـ “بريتون وودز”-الذي يرتكز على الدولار، ويكون الدولار هو العملة التي تحدد سعر باقي العملات بما أن سعره ثابتًا مقابل الذهب: ف 35 دولارًا تساوى وقية واحدة من الذهب. وأَضِف لذلك طلب السيد الأمريكي بضرورة تأسيس منظمات دولية: تكون مهمتها مراقبة عمل النظام النقدي الجديد، والعمل على استقراره، ومساعدة الدول التي تعانى من مشاكل وعجز مالي.

Nixon shock

وهذا كان لمصلحة الولايات المتحدة من الأساس؛ فالولايات المتحدة لا تسعى لمصالح الدول الأخرى رغبةً في المساعدة فقط، فهذه الخطة ستضمن لها فتح أسواق جديدة على مستوى العالم لتبيع إنتاجها الفائض عن حاجتها. فالولايات المتحدة وقتها كانت من أكبر الدول المدينة وأكبر الدول الصناعية المنتجة، فأين سيذهب هذا الإنتاج إن لم يكن له مستهلكين؟! (مثال: مشروع مارشال الذي تم في إطار الحرب الباردة).

واقع عمل الصندوق ومموليه

فجاء لنا صندوق النقد الدولي تحت طوع وسيطرة أمريكية خالصة لها حق القبول أو الرفض حيث شاءت، حيث أنها الدولة الأكثر تمويلًا للصندوق، فالصندوق يعطى حق التصويت بناءً على مقدار المال الذي تدفعه كل دولة للاكتتاب. فبلغ رأس المال الأمريكي لدى الصندوق 2.9 مليار دولار والذي يبلغ ضعف رأس مال بريطانيا؛ وعلى هذا ضمنت الولايات المتحدة قوة تصويتية غالبة.

وكان أول مدير عام للصندوق هو وزير المالية البلجيكي كميل جوت الذي لا يمكن وصفه إلا بالمجرم، فقضى بنهجه المتطرف على نسبة كبيرة من مدخرات الطبقة العاملة عندما كان وزيرًا لمالية بلاده، وأعار كمية من الذهب للبريطانيين لتمويل إنفاقهم الحربي أثناء الحرب العالمية الثانية، وزودهم أيضًا بشحنات من الكوبلت والنحاس المستخرجة من مناجم الكونغو تلك المستعمرة البلجيكية وقتها، وزود الولايات المتحدة الأمريكية بمادة اليورانيوم المستخرجة من مناجم الكونغو لتنفيذ برنامجها النووي. فهذا كان بداية القصيدة “كفر” فما بالك بمن أتى بعده! وسنشير في هذا المقال بعض الأزمات والمصائب التي تسبب بها الصندوق.

http://gty.im/138581371

تاريخ أسود لصندوق النقد

1- تشيلي

في تشيلي أطاح الانقلاب العسكري بقيادة بينوشيه بالرئيس ذو السياسات الاشتراكية سلفادور أليندى، بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية. وواجه قائد الانقلاب عدة مشكلات اقتصادية: وكان أهمها التضخم الذي أهلك بلاده؛ فاستعان بينوشيه بـ صبيان مدرسة شيكاغو الذين درسوا على يد الاقتصادي ذو النزعات المتطرفة ميلتون فريد مان. وساندهم صندوق النقد الدولي الذي ضاعف من قروضه إلى تشيلي بعد الانقلاب، والذي وصل إلى أربعة وخمسة أضعاف في العامين التاليين. وقد نص برنامجهم الاقتصادي على خفض الكمية النقدية المتداولة، وخفض الإنفاق الحكومي، وتسريح الموظفين من الحكومة، وتنفيذ الخصخصة في القطاع التعليمي والصحي، وضرورة خفض أجور العمال، وزيادة معدلات الضرائب من الأفراد وتقليلها على الشركات!!! وسموا ذلك بـ “العلاج بالصدمة

Embed from Getty Images

وبفضل جهودهم الخربة ارتفع مستوى البطالة في البلاد إلى معدل بلغ 18.7% بدلاً من 3 % في عام 1973، ووصل معدل التضخم إلى 341% فتعاظم الفقر لدى جموع الشعب. وقد قمع الجنرال بينوشيه جميع الإضرابات والاحتجاجات العمالية وكل ضروب المعارضة السياسية.

2- الأرجنتين

 كانت في ثلاثينات القرن العشرين من أغنى دول العالم، إلى أن مر عليها العديد من العسكريين في خمسينات وستينات القرن الماضي الذين لم يأتي من وراءهم إلا الفقر والنقص والخراب، وكان آخرهم انقلاب عسكري قام به الجنرال خورخى فيديلا في عام 1976، الذى مارس جميع أنواع الظلم والقهر والذي كان مسئولًا عن اعتقال 30 ألف مواطنًا خلال الفترة 1976 و 1978. وسانده أيضًا صندوق النقد بالقروض؛ وقام فيديلا بالعديد من عمليات الخصخصة، وتحرير السوق اقتداءً بتشيلى، فتم تخفيض الأجور، وفتح الباب على مصراعيه أمام استيراد المنتجات الأجنبية؛ وكان النتيجة انخفاض حصة الأجور من 43% إلى 22% من إجمالي الناتج القومي، وتراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 40%، وارتفعت الديون من 8 مليار دولار إلى 43 مليار دولار.

Embed from Getty Images

3- بوليفيا

أخذت بوليفيا قرضًا من صندوق النقد الدولي وكان من شروط الصندوق: خصخصة القطاع العام، فتخيل أن وصل الأمر بالخصخصة إلى خصخصة المياه؛ فوصلت أسعار المياه إلى مستويات غير مسبوقة مما أعجز الأسر الفقيرة عن شراء مياه الشرب؛ وقامت في بوليفيا ما يسمى بـ “حرب الماء”، كما تم خصخصة السك الحديدية في بوليفيا واشتراها مستثمر وباعها “خردة”!!!

4- يوغسلافيا

حاولت الولايات المتحدة استمالة يوغسلافيا بسبب موقعها الجغرافي المميز، ولما لها من دور مهم في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي؛ لذلك ساعدتها الولايات المتحدة لأن تحصل على عضوية الصندوق، ومن خلال منح القروض الأمريكية أيضًا، إلى أن زادت الديون الخارجية لها إلى 18 مليار دولار عام 1980، في حين كانت ديونها الخارجية عام 1970، 2 مليار دولار! وكانت النتيجة: عجز يوغسلافيا عن سداد ديونها، وانهار الإنتاج الصناعي لها، وزاد معدل البطالة، وانخفضت الأجور بمعدل 40%، واحتلت يوغسلافيا المرتبة السابعة في قائمة الدول الأعلى مديونية في العالم.

1758

الكاتب

التعليقات

  • الوهبي منذ 11 شهر

    اشتراك

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.