هذا المقال ترجمة بتصرف لمقال: China’s Uyghur Prison-State لكاتبه: Daniel James Sharp في موقع: hareomagazine.com. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

الإبادة الجماعية جريمة تكرّرت عبر التاريخ، ويأمل المرء أن الإنسانية قد مضت قُدمًا، وتركتها خلفها. لكن وبالطبع ليس هذا هو الحال.

في العقد الأخير من القرن العشرين، حُشدت مجموعات عرقية مختلفة في معسكرات الاعتقال، منها من ذُبح وقُتِّل، ومنها ما لم يُبلَّغ عنها، ومنها ما لم يُعاقب مرتَكِبوها. استُخدِمت معسكرات الاعتقال في أوروبا، وفي رواندا أو دارفور أو ميانمار.. للأسف، يبدو أن الإبادة الجماعية سمةٌ دائمةٌ للمجتمعات البشرية. لكن لعلّ أسوأها هو الاضطهاد المستمر الذي تعاني منه أقلية الأويغور من قبل الحزب الشيوعي الصيني.

كما يخبرنا غرايسون سلوفر في كتابه الجديد “الدولة الوسطى: طالب أمريكي يزور سجون الأويغور في الصين”؛ فإن الإبادة الجماعية للأقلية العرقية الأويغورية ذات الغالبية المسلمة في الصين لا مثيل لها في قسوتها وقمعها؛ إنها المحاولة الأكثر منهجية لاستئصال مجموعة من الأشخاص بثقافتهم التي يشهدها الواقع الحالي. إن كتاب سلوفر هو بمثابة تقريرٍ مباشرٍ عن الوقت الذي أمضاه في شينجيانغ (تركستان الشرقية سابقًا) في عام 2019 وتحليل للوضع في الصين على نطاق أوسع.

إن سلوفر كاتبٌ جيّدٌ للغاية، يُدخل في سرده المفعم بالذكريات تحليلًا صارمًا ولائقًا ومدروسًا للغاية، هذا توازنٌ ينجح سلوفر في تحقيقه في أغلب الأحيان. كاتبٌ مثل أورويل على سبيل المثال، يترك ملاحظاته التحليلية لقُرّائه من الطبقة العاملة في إنجلترا، بينما سلوفر يقف عند كل نقطةٍ ليُزوِّدنا بالصورة الأوسع. قد يبدو هذا -في بعض الأحيان- قسريًا بعض الشيء، نوعًا من إرغام القارئ على متابعة تحليلات وتأمُّلات الكاتب دون تركِ المجال له للتدبر والتحليل، لكن هذه المنهجية تنجح في الغالب في أعمال سلوفر. إنه لمن الآمن أن نقول إن رواية الدولة الوسطى ناجحة من الناحية الهيكلية وكذلك من الناحية الرسمية.

عندما يصف سلوفر الأماكن والناس، يتراجع سرده قليلًا، لكنه يبقى في الخلف حاضِرًا، غير مرئيّ ولكن محسوس. تأمل -مثلًا- وصفه لمنظرٍ في مدينة أُورومكي؛ المدينة الكبيرة والنائية، في ذلك الجزء من العالم. يقول سلُوفر:

“خرجنا من موقف سيارات محطة الوقود إلى طريق سريع مرتفع، وبمجرد أن رأيت المنظر أمامنا، شعرتُ بامتنانٍ عميقٍ لأن السائق اختار هذا الطريق.

كانت سلسلة جبال تيان شان، بقِمَمِها المُغطّاة بالثلوج وتلالها الوعرة بمثابة خلفية سينمائية، ملحمية، لناطحات السحاب المتلألئة في المدينة، والمباني السكنية الشاهقة، والعدد المهول من رافعات مُعدّات البناء. لقد كانت أشبه بنسخةٍ مُصغّرةٍ من بكين، وُضعت في وسط قلعةٍ جبلية؛ تناقضٌ مُثيرٌ لم أره في أي مكان من قبل”.

يحتوي سرد سلوفر قدرًا كبيرًا من الأقسام التحليلية، بدءًا من الميمات التي تُحيط بالقومية الصينية التي يُنَظِّر لها شي جين بينغ خان (الحماقة الأبدية المتعلقة بالتفوق العرقي الصيني التي ازدانت بها خُطَبُ شي جين بينغ التحررية)، إلى السُّبل المخيفة التي تنتهجها الدولة لمراقبة الأويغور. سلوفر يُعيد العديد من النقاط إلى أصلها، إلى الخط الذي ابتدأت منه، منها أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني التي تُطالب الشعب بالخضوع الكامل والتام؛ لتحقيق حلمٍ عظيمٍ يتمثل في “وحدة الأراضي الصينية وسيادتهم الكاملة عليها”، وبالتالي؛ فإن أي ثقافة مستقلة بخلاف الثقافة المعتمدة رسميًّا من قبل الحزب الحاكم يتم اعتبارها “انفصاليّةٌ” و”عصيان”، وتتم إدانتُها.

ومن أجل هذا، فإن الأويغور بثقافتهم الأصيلة والمختلفة والمتنوعة يُشكِّلون تهديدًا ليس للأمن القومي فقط؛ وإنما للحلم الصيني أيضًا، بل للحضارة وللهوية ككل، فسحقهم إذًا واجبٌ، سواءٌ بالقوة، أو عن طريق “إعادة التربية”، بدءًا من أطفالهم. ومن هنا ينطلق سلوفر في رحلته إلى المدارس، والتي ليست أكثر من معسكراتٍ للتلقين. كيف تقتل ثقافة؟ اختطف الأطفال الصِّغار، واغسل أدمغتهم فلا يبقى من ثقافة آبائهم شيء، وحينئذٍ ستموت الثقافة وتُدفنُ في قبرٍ واحد جنبًا إلى جنبٍ مع آبائهم المتحجّرين، ويبقى الأطفال بعقيدةٍ جديدة، يبقوا كأتباعٍ مخلصين للحزب.

أتمنى أن تكون لي القدرة على تجنب استخدام كلمة “أورويليّ” التي شاعت واستُخدمت بشكل مفرط، ولكن حقًا لا يوجد مصطلحٌ أكثر ملاءمةً لوصف ما يفعله الحزب الشيوعي الصيني لشعب الأويغور، إنها الكلمة المناسبة لوصف دولة المراقبة الشاملة، والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، دولة القهر التام والإخضاع الكامل لشعوب تركستان الشرقية. إنها -وبشكلٍ غير مباشر- تُذكِّرُنا ببعض المقاطع من كتاب جورج أورويل، كذلك المشهد الرائع في الممر المشهور من رصيف وِيجان، الذي رآه أورويل من نافذة القطار:

“في الجزء الخلفي من أحد المنازل العشوائية، كانت امرأة شابّة منحنية على الأرض، في وضعية تُشبه الركوع، تدق عصًا في أنبوب النفايات الرصاصي الذي يمر من الحوض بالداخل، والذي أعتقد أنه كان مسدودًا. كان لديّ الوقت لرؤية كل شيء عنها؛ مَرِيلتُها البالية، المرقعة والمترهِّلة، وقبقابها الأخرق، وذراعيها الذين احمرّا من شدة البرد. نظرتْ إلى الأعلى بينما يمرّ القطار، وكنت قريبًا بما يكفي لجذب انتباهها. كان وجهها شاحبًا مستديرًا، كان ذلك الوجه المنهك المعتاد لفتاة الأحياء الفقيرة، التي تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، لكن تبدو في الأربعين؛ بسبب الكدح المستمر، ومرّات الإجهاض الوجيعة. وقد رأيت في الثانية التي رأيتها فيها تعابير وجهٍ تحمل شعورًا باليأس والقهر ليس له مثيل.

لقد عرفت -ودهشت حين عرفتُ- أننا مخطئون عندما نقول: “إن الأمر بالنسبة لهم، ليس هو نفسه بالنسبة لنا، إن هؤلاء الناس الذين تربوا في هذه الأحياء الفقيرة لا يمكنهم تخيل شيءٍ غير هذه الأحياء الفقيرة”. لأن ما رأيته في وجهها لم يكن معاناة حيوان جاهلٍ، بل كانت تعرف جيّدًا ما يحدث لها، إنها تفهم جيدًا كما أفهم أنا كم هو مُروِّعٌ أن تكون راكِعًا هناك في البرد القارس، على الحجارة اللزوجة الباردة في فناءٍ خلفيٍّ لمنزلٍ فقير، تدق عصًا في أنبوب تصريفٍ كريه”.

إن هذا المشهد هو تصويرٌ خياليٌّ لسردٍ وصفيٍّ جاء في مذكرات أورويل. لقد انُتِقد أورويل لإسنادِه أفكارًا معينة لهذه المرأة الشابة، ولاستخدامِه الخياليّ للحقائق. لكن هل هذا المقطع أقلُّ صدقًا لأنه يغير سماتٍ معينة من الحدث الحقيقي؟ أليس تعاطف الكاتب مع الذين يكتب عنهم هو الهدف من مثل هذه التقارير المباشرة؟ هل نظرة أورويل إلى ما تعتقده الشابة غير قابلةٍ للتصديق في ظل ظروفها؟ وعلى نفس المنوال ينسب سلوفر الأفكار والدوافع إلى الغرباء الذين يتواصل معهم في تركستان الشرقية. في وصفه لبعض الراقصين الأويغور وهم يؤدون عروضهم للسائحين من الهان، على سبيل المثال، يقول إنهم:

“قد ارتدوا ابتسامات مُصطنعة، لا فرح وراءها. من المُسلّم به أن هذا الاستنتاج إنما هو مبنيٌّ فقط على ملاحظاتي الخاصة، إذ ليس عندي أي دليل قاطع على أن هؤلاء النِّسوة لم يكنّ سعداء كما يُبدِين. ولكن كيف يمكن أن يكونوا سعداء وهم مضطرين إلى عرض أحد كنوز ثقافتهم لمجموعةٍ من الغرباء الذين على الأرجح أنهم لم يشعروا بالأمان الكافي للقدوم إلى كاشغار إلا بعد سياسات “مكافحة التطرف” التي غُمر بها هذا المجتمع؟

ليس بإمكاني حتى أن أقطع على وجه اليقين أن هؤلاء النِّسوة يؤدين رقصتهن بمحض إرادتهن. إنه لمن الممكن أنهن يفعلن هذا بدافع رغبة عادية في كسب لقمة العيش. ولكن على الأرجح أنهن تعرضن لضغوطٍ من جانب الحزب الشيوعي الصيني ليكونوا هنا، من الوارد أنهن قد أُجبرن على لعب دورٍ لشدِّ عضُد رواية الحزب الشيوعي الصيني القائلة بأن التغييرات التي أجراها في كاشغار مفيدة لجميع المواطنين”.

إن سلوفر مثل أورويل؛ يُراقب باهتمام الأشخاص والأماكن التي يزورها، ويهبها شيئًا من الحياة. إنه صريحٌ بشأن الطبيعة الذاتية للقاءاتِه المباشرة، في حين أن أقسامه التحليلية متجذرة داخل دراساتٍ دقيقة.

في جزءٍ من الكتاب هو الأشد وطأة على النفس وأكثر إثارة للقلق، يسرد سلوفر كيف تم استجوابه من طرف السلطات لاقترابه أكثر من اللازم من أحد مراكز احتجاز الأويغور، ويُذكّر القارئ بأن كل واحدٍ منّا قد شارك دون علمه في هذه الإبادة الجماعية: “إذا كانت ملابسك القطنية مصنوعةٌ في الصين… إذا كنت تحب الكاتشب مع البطاطس المقلية، أو صلصة الطماطم على المعكرونة… إذا حصلت على الطاقة من الألواح الشمسية”. فمن المحتمل أن هذه الرفاهية هي نتيجةٌ ولو جزئيًّا من العبودية التي يُعاني منها شعب الأويغور. لا أحد تصله بسائط الروح نظيفة -ليس في عالمنا المُعَوْلم- حيث الاقتصاد الصينيّ على وشك أن يصبح الأكبر على كوكب الأرض.

إن رواية سلوفر مثيرة للذكريات بشكل جميل، حتى عندما يطرح أسئلة صعبةً للغاية -ولحسن الحظ- يترك سلوفر مجالًا للفكاهة، على سبيل المثال؛ يذكر أن شي جين بينغ يوصَف هناك بـِ “أنه من قُدامى المحاربين العجَزة، وأنه مهووسٌ بالدهون”. ويروي سلوفر لقاءً وديًّا وجيزًا مع فتاة شابة من الأويغور تُدعى أينور، وتخيّل سلوفر المستقبل الرائع الذي كان من الممكن أن تعيشه هذه الشابة الساحرة لو كانت الحظوظ مختلفة، قبل أن يُذكّر بالمصير المفجع الذي من المرجح أنه ينتظرها. إنه لها ولمن هم مثلها كرّس سلوفر كتابه.

وفي نهاية الكتاب، يُشير سلوفر وهو على قمة تلٍّ يُطل على بحيرة رائعة الجمال إلى الانتشار الذي لا مفر منه لهذه الفظائع:

“عندما أخذت آخر خطوة، وقفت متأمِّلًا، منغمسًا في الجمال الأخّاذ المحيط بي، اكتشفتُ أنني نسيت أين أنا. لكن بعد دقائق قليلةٍ من الهدوء، قفل الواقع عائدًا ليؤكد وجوده. تذكرت أين أنا، وتذكرت الأشياء الفظيعة التي لا يمكن وصفها، والتي تحدث في هذا المكان. كان من المستحيل فصل لحظة الصفاء هذه عن السياق الذي تحدث فيه هذه الفظائع. لا شيء في شينجيانغ يمكن فصله عن الإبادة الجماعية.

كل شيء حصلتُ عليه، وكل تجربة مررت بها، وحتى كل شخصٍ قابلته كان مرتبطًا بشكلٍ لا ينفصم عن الفظائع التي يرتكبها الحزب الشيوعي الصيني. كل شيء، حتى هذه اللحظة من العزلة مُلطّخةٌ بظلام القهر والاستعباد والتطهير العرقي المستمر للشعوب التركية في تركستان الشرقية”.

كما أن كل شيء في تركستان الشرقية مُلطّخ، كذلك نحن جميعًا -بشكلٍ مباشر أو غير مباشر- طالما استمرت هذه الإبادة الجماعية. ليس هذا هو المثال الوحيد على طُغيان وشر الحزب الشيوعي الصيني، فيجب ألا ننسى جرائمهم في هونغ كونغ. إن الحزب الشيوعي الصيني من بين أخطر التهديدات للحرية في العالم اليوم. إن كتاب سلوفر هو دحضٌ بارعٌ لدعاية الحزب الشيوعي القائلة بأنهم يحاربون التطرّف الإسلامي في شينجيانغ. إن الأويغور -ومعظمهم من المسلمين- يتعرضون لهجومٍ مسعور من قبل المستبدين في الحزب الشيوعي الصيني. في هذه الحالات، تأخذ المعركة نفسها شكلين مختلفين: النضال ضد الخضوع، النضال من أجل حرية الإنسان.

يضع سلوفر في نهاية كتابه قائمة مفيدة بما يمكن لكل منا القيام به لمساعدة الأويغور، من بينها أنه يوصي بالتبرّع لحركة الصحوة الوطنية في تركستان الشرقية، ومشروع الأويغور لحقوق الإنسان، والحملة من أجل الأويغور، وقاعدة بيانات ضحايا شينجيانغ، ومحكمة الأويغور. كما يُخبر القراء أن عائدات كتابه ستذهب إلى مثل هذه المنظمات. لقد تلقيت نسخة مجانية لمراجعة الكتاب، ولكني تبرّعت للمجموعات المذكورة أعلاه، وأناشدكم لفعل الشيء نفسه.

كما يقترح سلوفر أن يستخدم كُلٌّ منا صوته لزيادة الوعي بمحنة الأويغور. من المؤكد أن كتابه الفريد والمهم هذا يوفي بالمهمة، كما تعتبر مراجعتي هذه للكتاب مُساهمة صغيرةً من أجل القضية، وآمل أن يساعد كل هذا في المعركة ضد أكبر جريمةٍ يمكن للإنسانية ارتكابها.

153

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

التعليقات

  • Khaled Idrees منذ 6 أشهر

    بارك الله فيك

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.