تقع شبه جزيرة كوريا في شرقي قارة آسيا، في غربها البحر الأصفر الذي يفصلها عن الصين، وفي شرقها بحر اليابان، وتشترك الحدود الشمالية والشمالية الغربية مع كل من روسيا (الاتحاد السوفياتي) والصين.

لطالما كانت كوريا الجنوبية جسرًا بين دول شرق آسيا واليابان؛ حيث كانت مقسمة إلى عدة ممالك توحدت في سنة 57هـ في مملكة “سيلا”، وحكمتها أسرة “كوريو” في سنة 324هـ. ومنها حملت شبه الجزيرة اسم كوريا، نسبة لهذه الأسرة الحاكمة “كوريو”.

تعرضت البلاد لسلسلة من الغزوات من الصين واليابان، آخرها غزو اليابان لكوريا بين عامي 1328هـ 1365هـ (1910- 1945م). وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية دخلتها الجيوش الأمريكية والروسية[1]. وتم تقسيمها إلى دولتين شمالية تخضع لنفوذ الروس وجنوبية في صفّ الغرب. وتفصل بين الدولتين منطقة محايدة. وعاصمة كوريا الشمالية “بيونج يانج”، وأما كوريا الجنوبية فعاصمتها “سيول”.

الحرب بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية

الإسلام في كوريا

اندلعت الحرب بين الكوريتين، ووصلت القضية لمجلس الأمن سنة 1370هـ (1950م) بعد توغل قوات كوريا الشمالية داخل أراضي كوريا الجنوبية، فقرر المجلس إرسال قوة دولية تحت قيادة الأمم المتحدة، من عدة دول بما فيها القوات التركية، إلى كوريا الجنوبية. واستمرت الحرب الكورية عدة سنوات راح ضحيتها قرابة ثلاثة ملايين من الطرفين.[2]

الإسلام في كوريا الجنوبية

في كوريا الجنوبية نحو نصف السكان ملحدين، مع أقلية نصرانية، ويستقر بينهم أقلية مسلمة، حيث سجلت العاصمة سيول نحو 200 ألف مسلم بحسب تقدير الرابطة الكورية لدراسات الشرق الأوسط، ويقدر اتحاد مسلمي كوريا الجنوبية أن حوالي 70 أو 80% منهم من الأجانب وهي حصيلة لا بأس بها، ذلك أن الإسلام دخلها حديثًا، ويوجد العديد من المسلمين الكوريين في الخارج، وعدد المسلمين في تصاعد.

تاريخ الإسلام إلى كوريا الجنوبية

الإسلام في كوريا

وصل العرب هذه الأرض مبكرًا؛ حيث أشار ابن خرداذبه في كتابه “المسالك والممالك” إلى وصول التجار العرب إلى بلاد سيلا (مملكة كورية قديمة) في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كما يذكر التاريخ الكوري العلاقات التجارية بين العرب وبلادهم في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ويسجل التاريخ زيارة التجار العرب إلى كوريا محملين بالهدايا إلى الملك جوان جونج، وكان مقدمهم من الصين.[3] لكنها علاقات لم تترك آثارًا إسلامية على ما يظهر.

وقد تمكن المغول أثناء حكم مملكة الكوريو توسيع نفوذهم في وسط آسيا بالاتفاق مع سلالة يوان. وأصبحت بذلك منطقة كوريا الجنوبية وشمالي الصين ومناطق أخرى تحت سلطانهم. وشهدت تلك الحقبة هجرة للعديد من الأسر اليابانية والعربية والفيتنامية والإوغورية والمنشورية والصينية إلى كوريا الجنوبية. وحصل الاندماج مع الكوريين فبدأ ظهور الإسلام في هذه البلاد يتشكل.

وتُرجع بعض المصادر الظهور الفعلي للإسلام أثناء الحرب الكورية في عام 1370هـ (1950م) حيث وصلت إلى كوريا الجنوبية قوات تركية ضمن قوات هيئة الأمم المتحدة، وكان لهم إمام. فشيّدت القوات التركية مسجدًا لأداء الصلاة في عام 1376هـ(1956م)، فأقبل الكوريون على اعتناق الإسلام وأسلم 4000 كوري، وبدأ عددهم في الازدياد، وتأسس الاتحاد الإسلامي الكوري سنة 1383هـ (1963م)،  ووصل البلاد مندوب من ماليزيا “الحاج نوح ” لتفقد أحوال المسلمين الكوريين.

وفي سنة 1387هـ (1967م) قام رئيس الاتحاد الإسلامي الكوري صبري سوح ومعه الأستاذ عثمان كيم أستاذ اللغة العربية بجامعة “كانكوك”، بزيارة عدة دول إسلامية منها ماليزيا وباكستان وبلاد الحرمين، ومصر والقدس، لأجل توطيد العلاقات بين المسلمين في العالم وكوريا.[4]

وفي سنة 1401هـ (1981م) افتتح المجلس الإسلامي الكوري مسجدين في مدينتي بوسان وكوانجو.[5]

احتضنت كوريا في سنة 1396هـ (1976م) مؤتمرًا للأقليات المسلمة في سيول، واتخذ المركز الإسلامي مقرًا له، وافتتح معهد اللغة العربية في نفس العام بالمركز، الذي أصدر أول كتاب له بعنوان “كيف تكون مسلمًا”.

أعقب ذلك تأسيس أول جمعية إسلامية خيرية بكوريا الجنوبية، ومسجدًا صغيرًا في مدينة بوسان، حيث كان يعيش أكثر من 300 مسلم، ونشط المركز الإسلامي الكوري في إصدار عدة كتيبات عن الإسلام باللغة الكورية. وأنشأت مدرسة إسلامية في عام 1397هـ (1977م)، من تبرعات السعودية.

ينتشر المسلمون في ثلاث مناطق في كوريا الجنوبية، في سيول، وبوسان وكوانجو، كما سافر عشرات الكوريين المسلمين لدول مسلمة أخرى.[6]

حاليًا يعتبر وضع المسلمين التعليمي والاقتصادي في كوريا جيدًا، ويعمل المسلمون بنشاط للتصدي لأثر البعثات التنصيرية التي لها نشاط تعليمي لصالحها في كوريا، ونتيجة لجهود الهيئات الإسلامية والمسلمين في كوريا اعتنقت قرية “سانغ يونغ” الإسلام، وهي تبعد عن مدينة سيول نحو 100 كم.

في منتصف عام 1400هـ (1980م)، احتفل الاتحاد الإسلامي الكوري بمرور 25 عامًا على دخول الإسلام إلى كوريا الجنوبية. وأصدر كتيبًا باللغات العربية والإنجليزية والتركية.[7]

المساجد

بني أول مسجد في كوريا الجنوبية في عام 1374هـ (1955م). وفي عام 1382هـ، (1962م) تبرعت ماليزيا لبناء مسجد في سيول، ولم يفتتح إلا في عام 1396هـ (1976م).  وهو أول مسجد في وسط العاصمة سيول.

أما اليوم فتحتضن كوريا العديد من المساجد في مدن بوسان، وأنيانغ، وجيونغ جي، وجوان جو، وجيون جو، وداي جو، وكاي سونغ. هذا فضلًا عن الغرف المخصصة للصلاة في المطار والجامعات والمتاجر الكبرى. وارتبطت كوريا الجنوبية بعلاقات اقتصادية بالشرق الأوسط، كما تم تأسيس بعض المدارس لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي.

واتبعت كوريا الجنوبية سياسة منفتحة على الأديان مما جعل عدد السياح المسلمين يصل إلى إلى 1,2 مليون سائح عام 1438هـ (2017م) حيث تتوفر لهم كافة الخدمات التي يحتاجون إليها من أماكن للصلاة ومن أكل حلال. حيث افتتح المسلمون العديد من مطاعم الأكل الحلال والمتاجر الإسلامية في مناطقهم.

الإسلاموفوبيا في كوريا الجنوبية

لم تسلم كوريا الجنوبية -المتقاربة مع الغرب- من الإسلاموفوبيا، حيث نشرت وكالة يونهاب الكورية الجنوبية الرسمية للأنباء تقريرًا تحدثت فيه عن انتشار ظاهرة “الإسلاموفوبيا” في البلاد مسلطة الضوء على مؤتمر صحفي عقد في 17 مارس/ آذار 2022م (1443هـ)، في العاصمة سيول، انتقدت فيه جماعات مدنية في البلاد منح تصاريح بناء المساجد والمراكز الإسلامية. وأصدرت بيانًا قالت فيه: “نعارض بناء مُصلّى للمسلمين في موقع استراتيجي قريب من خط الحدود العسكرية، ويجب إلغاء تراخيص وتصاريح بنائه لحماية جودة الحياة التي يتمتع بها السكان المحليون في البلدة، والحفاظ على السلامة الوطنية والهوية المحلية”.

ووفقًا للتقرير الذي أصدرته الرابطة الكورية لدراسات الشرق الأوسط حول الوضع الراهن للتوزيع الجغرافي للمساجد واستخدامها في كوريا الجنوبية، فإنه تم بناء ما لا يقل عن 150 مسجدًا حتى الآن، بما في ذلك المصليات الصغيرة، في جميع أنحاء البلاد منذ عام 1396هـ (1976م) عندما بُني مسجد سيول المركزي في حي إيتايون. وتقدر الرابطة أن هناك حوالي 200 ألف مسلم في كوريا الجنوبية حاليًا.[8]

كوريا الشمالية

الإسلام في كوريا الشمالية

يفصل بينها وبين النصف الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية الذي تشغله دولة كوريا الجنوبية خط هدنة وقعت بينهما في 27 يوليو 1953م (1372هـ) في خضم الحرب الباردة، ولا زال البلدان في حرب رسمية، ولم توقع معاهدة السلام بينهما.

ويشرف على الشريط الفاصل كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والأمم المتحدة، ولا يعترف البلدان بخط الهدنة كحدود دولية، إذ تدعي كلتا الحكومتين بشرعية حكمها لكامل شبه الجزيرة الكورية.

تعتبر كوريا الشمالية نفسها بأنها جمهورية و”دولة اشتراكية تعتمد على ذاتها” لكنها بين دول العالم تصنف كدولة دكتاتورية، شمولية وستالينية، فالحكم عمليًا بنظام الحزب الواحد، تحت حكم ما يسمى بالجبهة الموحدة. واسمها الكامل “الجبهة الديمقراطية لإعادة توحيد الوطن” التي يسيطر عليها الحزب العمال الكوري بزعامة الرئيس الحالي كيم جونغ أون، ابن الرئيس الراحل كيم جونغ إل، وحفيد الرئيس الأسبق كيم إل سونغ. [9]

وتعتمد كوريا الشمالية نظامًا يسمى “الزوتشيه” وهي إيديولوجيا تقول بالاعتماد على الذات وعدم الاعتماد على الآخر. أسسها الرئيس السابق كيم إل سونغ. لتصبح إيديولوجية الدولة الرسمية ابتداء من اعتماد الدولة الدستور الجديد عام 1392هـ (1972م)، وإن كان تطبيقها بدأ مبكرًا أواخر عام 1374هـ (1955م) على الأقل.

الإسلام في كوريا الشمالية

تتواجد في كوريا الشمالية أقلية مسلمة يبلغ عدد أفرادها نحو 2000 مسلم، وتعود جذورهم إلى قومية هوي المسلمة في الصين، وهناك أيضًا مسلمون يشغلون مناصب دبلوماسية في سفارات دول إسلامية كمصر وماليزيا وسوريا وغيرها.

ولقلة عددهم لا يوجد لهم مؤسسات ولا جمعيات إسلامية، ولا يتوفر لهم إلا مسجد واحد فقط يسمى “مسجد الرحمن”، بنته إيران داخل مجمع سفارتها في العاصمة “بيونغ  يانغ”. وقد تكون كوريا الشمالية هي الدولة الوحيدة التي يوجد بها مسجد شيعي ولا يوجد بها مساجد سنية.

المسجد الوحيد في كوريا الشمالية

مسجد الرحمن في كوريا الشمالية

مسجد الرحمن في كوريا الشمالية.

لا يتمتع الكوريون الشماليون بحرية دينية لكونهم يعيشون تحت وطأة نظام شيوعي مستبد، يحظر ممارسة شعائر الأديان في العلن. ولا يتوفر إلا بعض دور العبادة للأقليات النصرانية والبوذية. أما المسلمون فضعفهم شديد ولا يمكنهم النشاط بحرية كإخوانهم في كوريا الجنوبية ومما لا شك فيه أن استمرار وجود أقلية مسلمة في كوريا الشمالية يعتبر بطولة بالنظر لطبيعة النظام الحاكم، والتحديات التي يعيشها المسلمون في تلك البلاد.

111

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.