كان لافتًا للانتباه عنوان كتاب “حراك بلا أيديولوجية” لكاتبه “صيقع سيف الإسلام”؛ لما يحمله من دلالات عميقة تتضمن التشخيص والتأريخ لحالة الحراك التي عرفتها بلاد الجزائر في شهر فبراير من عام 2019م. وبالفعل بحسب تعريف الكاتب، يقدم الكتاب رؤية تحليلية نقدية للحراك الجزائري ولكنه يحددها في ضوء مقولات مالك بن نبي بأسلوب فلسفي رياضي يعكس اهتمام الكاتب ومجال اختصاصه. ومالك بن نبي هو أحد أبرز رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين الميلادي، الذي أولى اهتمامًا بالغًا بمشكلات الحضارة، ومن هنا تظهر لنا أهمية الطرح الذي يتناوله كتاب “حراك بلا أيديولوجية”.

عرض الكاتب فكرته من خلال أبواب متسلسلة متصلة ببعضها البعض، لا يُنتظر أن يشرح خلالها تفاصيل الحراك بأسلوب السرد التاريخي، فلم يكن هذا هدفه؛ إنما تقديم تشخيص لحالة الحراك وأبرز نقاط ضعفه التي تتصل بتاريخ الجزائر الممتد عميقًا إلى عصر الموحدين، مرورًا بحقبة الاحتلال الفرنسي المظلمة إلى يومنا هذا، لتقديم حل أو مقدمة حل لإنجاح فكرة الحراك بشكل عام.

أصل فكرة كتاب حراك بلا أيديولوجية

وبحسب مقدمة الكاتب، فإن وصف الثورة الجزائرية على أنها بلا أيديولوجية، فكرة قديمة ذكرها أحمد بن بلة[1] في مذكراته، قائلًا: “لم يكن لها منهاج مرحلي ولا مذهب .. كانت ثورة بدون أيديولوجية”.

وهو وصف ذكره مالك بن نبي أيضًا حين قال إن الثورة “قد تتغير إلى لا ثورة، بل قد تصبح ضد الثورة؛ فالمجتمع بمقتضى طبيعته البشرية ينطوي على خمائر من روح ما ضد الثورة”.

ومن هذا التشخيص يرى الكاتب أن الحراك الشعبي الجزائري لم ينطلق من أيديولوجية تؤطره؛ بحيث استنادًا إليها يستطيع تقديم أرضية بها تقوم دولة ما بعد الحراك.

ولذلك كان اللامفكر فيه عند شريحة كبيرة من المثقفين -فضلًا عمن سواهم- هو تأطير نماذج اقتصادية سياسية تعليمية اجتماعية، بلغة علمية، لأن هذه النماذج تحتاج لأديولوجية تحددها وترسم معالمها. والتهميش للأيديولوجية أحدث فراغًا كبيرًا في المضمون وأصبح مشكلة سبق أن تناولها مالك بن نبي حين قال: “ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة الاستقلال، ليكون بين أيدي من يشرف على الدولة أداة رقابة لا ينفصل عن جهاز التخطيط”.

ويشير الكاتب إلى أهمية الاستناد لمنهج بن نبي ليُبنى عليه من غير تسليم مطلق ونقل حرفي. وهو يرى أن التحليل السياسي قد طغا بشكل أدى إلى إهمال الجانب الفكري الاجتماعي، الذي يرجع له الدور الأكبر في بناء مؤسسات الدولة. وكان لذلك تداعياته الثقيلة.

ويستدل الكاتب برصده لما يجري على مواقع التواصل من طرح أسئلة ومناقشات ليعضد بها خلاصاته. وهي مشاهدات من أرض الواقع تصف الحراك كما يراه الجزائريون أنفسهم، وكيف كانت نقاط الضعف فيه.

ولفهم فكرة الكتاب، حدد الكاتب تقسيمًا زمانيًا من ثلاث فترات. وهي: مرحلة ما قبل الحراك التي تعود إلى فترة ما بعد الموحدين، وفترة الحراك التي نعيشها اليوم، وفترة لاحقة هي مرحلة ما بعد الحراك، التي تتعلق رأسًا بالأيديولوجية المؤطرة للمؤسسات، في سبيل أفضل استثمار للحراك.

وعلى هذا الأساس بنى الكاتب طرحه كدراسة اجتماعية لفترة ما بعد الموحدين إلى زماننا الآن، في محاولة لتقديم أيديولوجية تتواءم مع الذهنية الجزائرية في سبيل إصلاحها. هذه الأيديولوجية بحسب الكتاب هي “شكل من الوعي الاجتماعي وعنصر من البنيان الفوقي” لعلاقة الإنسان بالعالم والوجود والتاريخ. على أمل أن تقدم تجربة الكاتب وخلاصاته حلًا أو طريقًا للحل.

إشكالية الدين والدولة

حراك بلا أيديولوجية

انتقل الكاتب بعد مقدمته إلى تناول موضوع مهم يتعلق بإشكالية الدين والدولة، التي لم تعرفها المنطقة إلا بعد بروز الدولة المعاصرة التي ساهمت في تشكيلها حركات الاحتلال، وهذه الإشكالية وقعت بين النقل والعقل، والعلاقة التي تجمعهما.

ويرى الكاتب أن هذه الإشكالية قد امتدت لصيغة جديدة تبحث في لوازم أبعد، هي إشكالية الدين والدولة بعد التطورات التاريخية التي حصلت، وأن حسم الموقف من هذه الأخيرة هو حسم كذلك بالنسبة للأولى، فالإشكالية الثانية مبنية ومتعلقة تعلق اللازم بالملزوم بالإشكالية الأولى.

فالحراك حين يدخل نقاش “مؤسسات الدولة” التي تحتاج لنظرية وفلسفة “أيديولوجية” تسيّرها فهو يحدد -وإن بطريقة غير مباشرة- موقفه ومقاربته الخاصة لعلاقة الدين بالدولة، ومن ثم فهذا أيضًا تحديد لعلاقة النقل بالعقل.

وبعد مناقشة لأصول القضية واختلاف الاتجاهات في تناولها انتقل الكاتب لمقاربة مالك بن نبي لحل إشكالية الدين والدولة على تحديد نموذج إنساني (بنية ذهنية) يمثل الإنسان بما هو الإنسان ضمن المعادلة الإسلامية له. وهو عبارة عن مجموعة من الصفات الثابتة التي لا تختلف بين زمن وآخر؛ وإنما الذي يختلف هو إسقاطات هذا النموذج على الوضع والشرط التاريخي المعين. ويحدد مالك بن نبي البنية الذهنية للنموذج الإنساني بمحددات هي: المبدأ الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي. ومضمون هذه المحددات هو معادلة الإسلام للإنسان.

ترتبط هذه البنية الذهنية عند بن نبي بالواقع؛ وتحديدًا بالمؤسسات كمصطلح عصري. ومن هنا كان لابد أن تشتغل المؤسسات (اجتماعية، سياسية، اقتصادية، تعليمية إلخ) بمناهج تؤطرها أيديولوجية واحدة تكون الخيط الرابط الذي يجمع هذه المؤسسات عند جذر مشترك. ومع أن تحليل مالك بن نبي يكفي للبناء عليه إلا أنه يفتقر لموقف من نظرية المعرفة، وموقف من إشكالية النقل والعقل التي لم يجب عنها بن نبي بحسب الكاتب الذي انتقل بعد مناقشة إلى طرح سؤال: أين يتركنا هذا من الحراك؟

أين يتركنا هذا من الحراك؟

وهنا اتجه الكتاب للحديث عن شخصية الحراك، للمواطن الجزائري، التي تصدر عن بنية ذهنية معينة ساهمت في نحتها وتشكيلها مؤسسات معاصرة وتاريخية قديمة قبل الاحتلال وبعده، ويرى الكاتب أن بحث هذه الشخصية عن دولة أفضل، في مرحلة ما بعد الحراك، يتطلب محاولة إصلاح البنية الذهنية التي رسخت تخلفها على مر القرون. وهذا الإصلاح يتمثل في برامج تشتغل بها مؤسسات الدولة لتعكس الوعي الذي سيتشكل في ذهن الإنسان الجزائري، برامج لا بد لها من أيديولوجية تكون جذرًا مشتركًا لهذه المؤسسات، وفي هذه الحالة هي أيديولوجية مالك بن نبي في البنية الذهنية العامة.

وكان ممهدًا لفهم هذه الذهنية، عرض الكاتب لرؤية بن نبي لعهد ما بعد الموحدين؛ حيث يرى بن نبي أن فكر عهد ما بعد الموحدين مستعد لكي يمتص الموت من جانب لأنه من الجانب الآخر يرشح به، فهو فكر مسرح من مهماته التاريخية قد فقد وظيفته، يمثل عصر التخلف الحضاري في العالم الإسلامي، متأثرًا بواقع الرابطة القبلية مع التصوف الخرافي، الذي تمظهر في جانب منه عبر مآذن القيروان والزيتونة والأزهر، أهم مؤسسات تلك الفترة التاريخية.

البنية الذهنية ما بعد الموحدين

ولخص الكاتب صفات هذه البنية الذهنية التي انطبعت بواقع تلك الفترة بحسب خلاصات مالك بن نبي وهي: التحول لمستمع والتصفيق لكل خطيب، البطالة الفكرية، عدم المسؤولية والخروج من نظام الحياة، التكديس دون تنسيق، تقديس الأشخاص، التفكير الذري العاجز عن التكامل والربط، وأشار الكاتب إلى أنها صفات لا تزال تجد مكانها في الحراك.

لتحليل الحراك الجزائري

حراك بلا أيديولوجية

كما حدد الكاتب هيكلًا لما يمكن الاستناد عليه من مقولات لتحليل الحراك الجزائري ومحاولة تقديم رؤية مستقبلية له، يشمل:

  • مقولة البنية الذهنية/المؤسسة لفهم الفكر الذي يصدر عنه الإنسان وكيف يحدث ويتأثر.
  • مقولة إنسان ما بعد الموحدين عبر المؤسسات التي كانت فاعلة من خلال النظام القبلي والفكر الصوفي الأشعري (الذي كان سائدًا في عصر الموحدين).
  • مقولة البنية الذهنية العامة، التي تطلب برامج مؤسساتية.

وناقش الكاتب كل محور بتفصيل. ومن أبرز خلاصاته في هذا الشأن أن البنية الذهنية هي ثبات نسبي مرن خاضع لجدلية مستمرة مع الواقع، هذا الثبات النسبي المرن يتغير كليًا أو جزئيًا عند حصول تأثير نوعي، وهذه البنية هي مجموع وحدات متفاعلة فيما بينها داخليًا، اللغة، اللاشعور العقلي، الضمير الأخلاقي، التفكير الفلسفي، التفكير العلمي، إلخ.

وأكثر ما يؤثر في الإنسان هو المجتمع الذي يعيش فيه لأنه يتمتع بحضور دائم، بأنماط مكررة من السلوك لها استمرارية، تطبع الإنسان بطابعها.

ومن أجل وحدة التحليل ولتغطية مساحة تاريخية واسعة أخذ الكاتب تعريف المؤسسة كالتالي: “أنماط من السلوك متكررة قد تتمتع بهياكل أو لا، تحدد تحرك الفرد داخل المجتمع، من شأن هذه الأنماط أن تتمظهر سياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا واجتماعيًا وعسكريًا حسب المرحلة والظرف التاريخي. داخل أي مجتمع في القديم والحديث”.

ولأن إصلاح المؤسسة هو إصلاح البنية الذهنية. وإصلاح المؤسسة في هذه الحالة أن تشتغل ببرنامج ومنهج يعكس البنية الذهنية العامة حسب الوضع والظرف الكائن. قاده ذلك لدراسة المؤسسات التي كانت تحكم فترة ما بعد الموحدين والبنية الذهنية التي تشكلت عبرها.

مقولة إنسان ما بعد الموحدين

انتقل الكاتب لتفصيل مقولة إنسان ما بعد الموحدين، التي استهلها بنبذة تاريخية ترصد الوجود الأشعري في المغرب العربي لما قبل حركة الموحدين على يد ابن تومرت وعبد المؤمن، أكبر قادة دولة الموحدين، (في القرن الثاني عشر الميلادي). وبسط في ذلك ضلالات ابن تومرت العقدية، وأشار الكاتب في عرضه إلى تزايد الاهتمام بالفكر الفلسفي الذي امتزج بالتصوف مع توسع المذهب الأشعري في فترة الموحدين، حيث كانت سياستهم: “أن يترك للفلاسفة حرية الفكر في السبل التي يسلكونها، ويشترط دائمًا ألا تنشر ثمرات نظرهم خارج دائرتهم وألا يثيروا عقول العوام”. ولم تدخل الفلسفة حياة العامة لأهل المغرب والأندلس إلا عبر التصوف، الذي كسا المعنى الفلسفي لحاءً وعبارات دينية. يعتقد الناس أنها من الدين المحض وهي ذات جذور يونانية بحسب الكاتب.

وبقيت بصمة دولة ابن تومرت وعبد المؤمن إلى ما بعد زوالها، تؤثر بالتركة التي خلفتها من التفكير القبلي والتفكير الصوفي الفلسفي والتفكير الأشعري الذي اندمج مع الثاني ولو مع بقاء بعض الخصائص المختلفة المميزة لكل منها، وهذه الأنماط الثلاثة هي وحدات شكلت البنية الذهنية لأفراد مجتمعات الموحدين بحسب الكاتب. وهذه الأنماط ساهمت في عكسها وإنتاجها مؤسسات تلك الحقبة، السياسة والاجتماع والعسكر، كانت هي القبيلة. والاقتصاد، حيث كان قائمًا على نوع من الملكية العشائرية، أما التجارة والصناعة فكانت قائمة على ملكية خاصة بدائية، وأما مؤسسة التعليم فاعتمدت الفقه المالكي بالعقيدة الأشعرية الصوفية (الفلسفية).

والتفكير القبلي كان متداخلًا مع النمط الاقتصادي السائد، لذلك نجد قبائل موحدية كان أبناؤها أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق، كما ظهر اهتمام الموحدين بالأسواق والتجارة. وتميزت هذه المرحلة إذا بنمطها الاقتصادي الذي استمر على ما هو عليه إلى أن جاء الاحتلال الفرنسي في المنطقة.

وكانت هذه المرحلة التاريخية للموحدين فما بعد مثالًا تاريخيًا لمقولة البنية الذهنية / المؤسسة، وناقش الكاتب مميزات هذه البنية الذهنية حسب تلك الأنماط الثلاثة.

وهكذا يصل الكاتب للبنية الذهنية لفترة ما بعد الموحدين؛ حيث الانفصال عن الواقع والاحتكام للخرافة وخلق عالم موازٍ خيالي للعيش فيه مع معاني التصوف الفلسفي الذي انتهى مع تشويه المفاهيم العقدية إلى انفصال وانفصام كلي عن الواقع. فصار الواقع هامشيًا من حيث إن الإنسان لا حرية له ولا فاعلية، كما أشار الكاتب إلى التسليم بالقدر دون فاعلية فيه مع الاحتكام للخرافة ونفي الواقع.  فالجميع من إرادة الله ويجب الركون بلا سعي، فلا جرم ألا ينشأ اقتصاد أو تطور أو تقدم في ظل هذه المعطيات.

وعرج الكاتب على الاقتصاد، وانتهى بخلاصة تقضي بأن النشاط الاقتصادي في فترة الموحدين كان صغيرًا تداوليًا يعاد تدويره بشكل دائم في المجتمع، وبالتالي المساهمة الاجتماعية لهذا النشاط الاقتصادي تعزز وتقوّي من أواصر الفكر القبلي والأشعري الصوفي؛ لأنها لا ترقى لتحقق الواقع الاجتماعي للرأسمالية الحديثة.

شخصية المواطن الجزائري بعد الموحدين

حراك بلا أيديولوجية

يظهر من خلال مناقشة الكاتب أن مؤسسات كل فترة تاريخية هي ما يعكس البنية الذهنية للأفراد التي تحكم سلوكاتهم وأفكارهم ورؤاهم. وليس هناك انفصال بين البنية الذهنية والمؤسسات، بحيث تكون حرية الإنسان من ذاته ولا تأثير للمؤسسات عليه.

وما يحقق من عملية التغيير في المجتمعات وانتقالها من حال إلى حال، يكون عبر التأثير الشامل للواقع (لا فقط المؤسسات) على البنية الذهنية، ليعود الأمر ويساهم في تشكيل مؤسسات جديدة بأفكار مختلفة هي الأخرى تعكس بنية ذهنية.

ويجيب الكاتب في مناقشته عن سؤال: كيف حصلت ثورات ضد الاحتلال الفرنسي إذا كان في البنية الذهنية للجزائري فكرة الخنوع والتسليم للأمر الواقع؟ فقال: “يقال: ليس كل ما يكون في البنية الذهنية (كالخنوع) يتحقق في أرض الواقع دومًا، بل هذه نظرة ميكانيكية، لا دينامية جدلية. فهناك حركية وتفاعل مستمر في الصفات التي تحملها البنية الذهنية، واستجابة للشرط الواقعي، يترجح في البنية الذهنية هذا الحال دون ذاك، ويلغى تأثير صفة دون أخرى، وتبرز للعيان حالة شاذة نادرة دون حقيقة غالبة .. إلخ”.

وآخر ما يصل إليه تحليل الكاتب هو خلاصة الصفات التي تمثل شخصية المواطن الجزائري بعد عصر الموحدين، هذه الشخصية تحوز العصبية وتغرق ذاتها الفردية في الجماعة بسهولة خاضعة لسلطة الأب، ولذلك هي تقدس الشخص على حساب المبدأ، ومن ذلك الأخذ بالأعراف العادية كقوانين صارمة، عدم الإيمان بالنقاش والحوار كوسيلة، بل هو التسليم والموافقة وإلا فهي الخيانة والعمالة، ومن بين ما ذكره من صفات، البروز في الحديث وتقمص البطولية في أصغر الأمور، وعلى أساسه الإيمان بالرجل البطل، بالرجل المهدي، بالرئيس المنقذ المخلص من كل شيء، دون الإيمان بالتوافق. والتفكير كأمة تتشارك توزيع السلطة غير ممكن، بل لابد من شخص واحد فقط، المكتوب والقدر الإلهي واقع متحقق ولا فعالية للإنسان، ضعف التفكير العلمي الدقيق والاحتكام للخرافة وللخيال، وقبول للتمائم والتعاويذ، لإمكانية رؤية الله يقظة، العيش في عالم موازٍ يحتقر الواقع، إلخ.

وهذه الصفات وغيرها مما هو لازم لها، هي عين ما ذكره مالك بن نبي باختصار حين وصف البنية الذهنية التي انطبعت بواقع ما بعد الموحدين. وأوضح الكاتب أن هذه صفات بنيوية ويصدر عنها أمور إيجابية بالعرض لا بالجوهر.

البنية الذهنية في ظل مؤسسات الاحتلال الفرنسي

وبعد عرض كيف كانت البنية الذهنية في ما بعد الموحدين انتقل كتاب “حراك بلا أيديولوجية” للبنية الذهنية في ظل مؤسسات الاحتلال الفرنسي في الجزء الثاني من كتابه. مع العلم أن الكاتب يستعمل مصطلح “الاستعمار”، لكنني فضلت استبداله بمصطلح “الاحتلال” لما أرى في ذلك من دلالة أكثر دقة وتوصيفًا.

أشار الكاتب إلى أن الاحتلال الفرنسي حين جاء للجزائر سنة 1830م وجد شعب الجزائر في مناخ ما بعد الموحدين وقد أسس ذلك المناخ لبنية ذهنية قابلة للاحتلال. ومع سلبيته إلا أنه أسس أيضًا نوعًا خاصًا من المقاومة ضد رغبات فرنسا من طمس هوية هذا الشعب وأصله وتاريخه. وهذا ما اضطر فرنسا لعمل مؤسساتي كبير، بدايته مع الاستشراق، عبر دراسة اجتماعية أنثروبولجية، تخدم أهدافها لا الحقيقة.

وتحدث الكاتب عن ترسيخ قدم الاستشراق الفرنسي في الجزائر، وكانت نتائج هذا الاستشراق الذي انطلق من المؤسسات التعليمية، إعطاء المحتل الأرضية التي يعمل عليها. والخطة التي يتجه بها للقضاء على ثوابت الشعب الجزائري. مستفيدًا من البنية الذهنية لما بعد الموحدين لتمرير أجندته وأفكاره.

وكان بعد ذلك محاولات التنصير بستار المساعدات الغذائية والطبية والتعليمية، واستدل الكاتب بخطط القس “لافجيري” في التنصير واستهدافه للأطفال الأيتام والنساء واستغلاله للمجاعة في الستينيات. وشرح أساليبه القذرة في التنصير.

لقد جربوا جميع الخطط التي قابلتها مقاومة من الأهالي، ثم اكتشف الفرنسيون سلاحًا آخر هو أن في الجزائر عنصرًا بربريًا (القبائل) ليس ككل البربر. فسعت فرنسا عبر كل مؤسساتها لتقوم بتهيئة بنية ذهنية جديدة، من خلال مؤسسات مثل المستوصفات، الإدارات (الحالة المدنية)، الجيش للقضاء على المقاومين، المدارس الفرنسية، الجمعيات والحركات التنصيرية كالآباء البيض، إلخ، وهي خاضعة للتعريف الذي تم تقريره بأنها أنماط مكررة تتمظهر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا وتعليميًا. وبحسب الكاتب، فالنزاع بين الاحتلال والجزائري كان نزاع بنية ذهنية / مؤسسة، وإلى جانب مؤسسات الاحتلال  تلك، كان هناك الجانب الاقتصادي أيضًا، حيث تم استغلاله بخلق الفردانية مقابل القبلية.

مؤسسات الشعب الجزائري أثناء الاحتلال

استند الكاتب على كتاب “تاريخ زواوة” لأبي يعلى الزواوي المتوفى سنة 1952م، الذي يعطي نظرة كافية للحالة السائدة آنذاك. كتبه الزوواي بهدف الدفاع عن منطقة القبائل وإعادة إحياء ذكرها بما يتفق وثوابت الشعب الجزائري.

ويرى الكاتب بأن الفائدة من هذه القراءة أنها تشرح الجو السائد الذي كان يحمل بصمات البنية الذهنية لما بعد الموحدين، ومن جهة ثانية يوضح استمرار هذا النموذج باستنساخ أنماط التفكير بنفس مؤسسات ما بعد الموحدين. وخلص إلى أن هناك استمرارية بين زمن السنوسي (القرن 9هـ) وزمن الاحتلال بالنسبة للشعب، ولا وجود لقطيعة من أي نوع، وأن البنية الذهنية لما بعد الموحدين ما زالت تجد نفسها حتى أثناء الاقتراب من الاستقلال.

الحركات الإصلاحية في الجزائر

كما سلط كتاب “حراك بلا أيديولوجية” الضوء على الحركات الإصلاحية آنذاك، التي عملت على إحياء الإسلام والعروبة والعربية التي صمم الاحتلال على محوها. ودور جمعية العلماء في بناء العقول والمدارس وإثارة الأفكار ومحاربة التصوف الخرافي، الذي طغى. وهذا -بحسب الكاتب- ما أحدث القطيعة بين منهج حركة الإصلاح وعمل الزوايا، التي كانت تجتر فيه خرافات التصوف الفلسفي ومتون التوحيد الأشعرية، حيث كانت الجمعية ترفع من قيمة العقل خلاف السابق من تحقيره، وبذلك ناقضت البنية القديمة وصححت مفاهيم الإيمان العقدية، فكانت ثورة عقائدية ومفاهيمية تستمد من مدرسة أهل الحديث لتعالج واقعها الخاص، وتدفع به إلى عمل أكثر جدية. 

ورافقها بناء البرامج والمؤسسات التعليمية، ومع نشاطات أخرى كانت الحركة الإصلاحية تحاول بناء بنية ذهنية جديدة لمجابهة الواقع وتحدياته وتسعى لتجاوز فرنسا عبر الثورة والاستقلال. 

ثلاث بنيات ذهنية لثلاثة أنواع من المؤسسات

خلص كتاب “حراك بلا أيديولوجية” إلى وجود ثلاثة أنواع مؤسساتية تتصارع فيما بينها، مؤسسات خاصة بالنظام القديم، وأخرى خاصة بالاحتلال، وثالثة خاصة بالحركة الإصلاحية.

وكان عمل الاحتلال على تجسيد الفردانية بعيدًا عن المجتمع، والملكية الخاصة بدل الملكية العشائرية، ودعوى المواطنين ذوي الأصول غير العربية، والمدارس التي تعلم وتمجد تاريخ فرنسا ولغتها، واستبدال العرف الشعبي بشكل الحياة الفرنسية من مسارح ومتاحف الخ، وفصل وتهميش الدين عن الحياة الواقعية.

أما مهام مؤسسة حركة الإصلاح فكانت إرساء الإيمان بمفهوم المجتمع والأمة، لا الفردانية، والانتماء للعرب لا كنسب ولكن كفضاء عقلي ثقافي إبستمولوجي، وإنشاء المدارس التي تعلم وتمجد تاريخ ولغة العرب والمسلمين، وخلق واقع عقلي وعمراني وعملي بناء على أصول وأخلاقيات دينية وربط الدين بالحياة العادية الواقعية.

وقد مارس ذلك عبد الحميد بن باديس بنفسه، وكسر هالة تقديس الأشخاص حين انتقد شيخه الطاهر بن عاشور نقدًا لاذعًا بحسب المثال الذي استدل به الكاتب.

وبعد وصف المناقب الذهنية للحركة الإصلاحية يقول الكاتب، على الرغم من دورها الكبير في تجهيز الأرضية اللازمة لاندلاع الثورة، إلا أنها كانت الأضعف والأسرع اندثارًا بعد الاستقلال، ولم تبق إلا عند بعض النخب، في حين استمرت البنية الذهنية لما بعد الموحدين عند أغلب الشعب.

وبقيت البنية الذهنية لمؤسسات فرنسا عند نخبة معينة، وعند فئة شعبية قليلة، لا على أساس نقي بل متفاعل مع البنية الذهنية لما بعد الموحدين خصوصًا. ووضح الكاتب أن الأنماط الثلاثة هي في دينامية وجدلية فيما بينها.

وبهذا كان جهاز جبهة التحرير الوطني والحكومة المؤقتة الذي تشرف عليه القيادة الثلاثية بين أيدي المفرنسين، تقابله البنية الذهنية لحركة الإصلاح وما بعد الموحدين مثل بن بلة ومحمد خيضر وعدد كبير من أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية وأعضاء قيادة الأركان وقادة عدة ولايات، وأما الاختلاف الذي كان بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان فكان اختلافًا صادرًا عن بنيتين ذهنيتين ومن هنا جاء وصف بن بلة للثورة بأنها بدون أيديولوجية.

وبعرضه نبذة مختصرة عن حياة عبان رمضان، أحد قادة الثورة، بحث الكاتب بصمات البنى الذهنية والمؤسسات التي شكلتها حيث يظهر وجود تأثير لبنية ما بعد الموحدين وبالخصوص الشق القبلي، وتأثير أيضًا لبنية المؤسسات الفرنسية يمتزجان معًا عبر جدلية تشكل الخلفية الكلية التي يصدر عنها هذا الرجل الثوري.

ومن خلال تحليله خلص كتاب “حراك بلا أيديولوجية” إلى فائدة إبراز الدينامية بين المؤثرات المتناقضة التي تشكل وتصوغ البنية الذهنية:

  • إبراز قوة البنية الذهنية لما بعد الموحدين التي تجد استمراريتها عبر الشعب وفي نخب وقادات.
  • تصور أولي للبنية الذهنية التي يصدر عنها العلماني في الجزائر، أنها خاضعة -حتى هي- لتأثير فترة ما بعد الموحدين.
  • من جديد هذا طرح عملي تاريخي يؤيد مقولة البنية الذهنية /المؤسسة، فليس هناك حرية ذاتية غير مشروطة بالواقع.

إنسان ما بعد الاستعمار (الاحتلال)

وفيه تناول الكاتب مؤسسات الجزائر بعد 1962م، تاريخ استقلال البلاد، الاستقلال الذي ترك الجزائر تعاني على جميع الأصعدة، بنسبة أمية طاغية وافتقار المتخصصين لملء فراغ الاحتلال، وحالة كارثية للاقتصاد، فضلًا عن النزاع على السلطة بين قيادات الثورة، وتحديدًا بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان. وانحسم الآخر لصالح الأخيرة حيث حصل بن بلة على رئاسة الدولة، وهو الذي اقتنع بالتنظير الماركسي على مستوى الاقتصاد وأبان عن مخالفته الفلسفية لهم، بحكم أنهم لا يؤمنون بالله. ولهذا اتجه إلى الاختيار الاشتراكي الذي اعتمدت عليه الدولة واستمر عليه. لكن جمعية العلماء تحركت ضد هذه القرارات حيث هاجم البشير الإبراهيمي برنامج بن بلة واصفًا إياه بالشيوعي. الأمر الذي أدى إلى سجنه وأفراد من عائلته.

بعد النصف الثاني من الستينات بدأت الاشتراكية -بحسب وصف الكاتب- تتحول إلى نظام استيراد تقنية فقط، مع بيروقراطية على مستوى الإدارات والمؤسسة السياسية، مما ساهم في خلق هوة وقطيعة بين البيروقراطيين والشعب. وأيام بومدين كان هذا الحال، إهمال العامل البشري والحصول على كل شيء بواسطة المال، بفضل الريع النفطي، في سبيل تأمين انتشار التقدم التقني في الاقتصاد الوطني لكنه كان يخفي الفوضى وراءه كون ما كان يحصل فعلًا هو تبعية تقنية بآثارها الوخيمة على الاقتصاد.

ويفسر الكاتب ذلك بكون اندماج الجزائر في السوق العالمية كان اندماجًا سلبيًا يجري فيه الاكتفاء باستيراد منتجات تقنية واستهلاكها من دون أن يكون هناك تشجيع للمهارات الوطنية أو تطوير لها، وبسط الكاتب مشاكل تلك الفترة.

وعلى هذه الحال -يوضح الكاتب- ثقافة الاستيراد والتقنيات وقلة منتوجية المشاريع، سيبقى الوضع أيام رئاسة الشاذلي بن جديد. وعليه كأرضية ستجد الأزمة طريقها إلى الاقتصاد سنة 1986م، وسيبقى الوضع كذلك أيام رئاسة بوتفليقة دون تغيير جذري، وكما ستبقى ثقافة الاستيراد في الاقتصاد مع تمسح باسم الاشتراكية وستنخر البيروقراطية الجانب السياسي.

وخلص الكاتب إلى أن المؤسسة السياسية والاقتصاد بالقيم الاجتماعية التي تعكسها كانت عبارة عن مساهمة في دعم وترسيخ البنية الذهنية لما بعد الموحدين والبنية الذهنية المفرنسة.

أثر التعليم والإعلام

وأشار كتاب “حراك بلا أيديولوجية” إلى نفس الحال مع التعليم والإعلام أيضًا، حيث ساهم كلاهما في ترسيخ الفكر الذي ميّز فترة الاحتلال وما قبلها.

وبعد شرح لحالة التعليم في الجزائر يقول الكاتب: “لقد ساهم التعليم في الجزائر من بعد الاستقلال لهذه اللحظة التي تكتب فيها هذه السطور، في ترسيخ صفات البنية الذهنية لما بعد الموحدين لا بالمساهمة في بقائها فقط. بل أيضًا إعادة إنتاج الصفات التي تتميز بها، حيث الكفاءة لا تعد معيارًا حقيقيًا والميل للخضوع والنفور من الاستقلالية والإبداع وضعف التفكير العلمي الدقيق، والعيش في عالم موازٍ يحتقر الواقع وغيره. ومثل التعليم لم يساهم الإعلام بدعم البنية الذهنية لما بعد الموحدين فقط بل بنفسه كان مؤسسة تعيد خلق تلك الصفات البنيوية وما هو من جنسها من قتل ملكة التفكير النقدي، وقتل القدرة على الفعل الاجتماعي الجاد والمؤثر والاكتفاء بالمشاهدة فقط والتفكير الخرافي والاستهلاكي والسخرية كحيلة دفاعية لا شعورية”.

وفي الواقع يرى الكاتب أن مؤسسات الدولة على اختلافها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتعليميًا وإعلاميًا تمثل حاضنة داعمة -وأحيانًا منتجة حتى- للبنية الذهنية لما بعد الموحدية التي كانت متواجدة اجتماعيًا، مستمرة عبر العائلة والدشرة[2] والقبيلة. بنية ذهنية شملت الأغلبية الشعبية ووصلت حتى محطة الحراك الجزائري في 22 فبراير 2019م.

تطورات في البنية الذهنية المفرنسة

وبعد تحليل يقول الكاتب إن مذكرات معطوب لوناس، تقدم قراءة لما بعد الاستقلال حتى التسعينات. وهي بذلك وثيقة مهمة تنبئ عن التطورات الفكرية التي حصلت في البلاد؛ خصوصًا بالنسبة للبنية الذهنية المفرنسة. ومعطوب لوناس من أهم الأسماء التي برزت في الجزائر، ومن الأسماء التي أثرت في شريحة واسعة في الشباب، لاتفاق جزئي كبير في البنية الذهنية لما بعد الموحدين لكنه كان مفرنسًا وامتددًا لعبان رمضان من ناحية الإيمان بقيم اجتماعية قائمة على منظومة ليبرالية تحررية، وهو الذي وصل صداه إلى ساعة الحراك.

وخلص الكاتب إلى أن البنيتين الذهنيتين المتواجدتين: فقط واحدة تمس الأغلبية الشعبية وهي البنية الذهنية لما بعد الموحدين وأخرى تمس الأقلية وهي البنية الذهنية المفرنسة (الممتزجة مع فكر ما بعد الموحدين).

وبعد تعريف للذهنيتين خلص الكاتب إلى أن المواطن الجزائري الشعبي ليس إلا إحدى الشخصيتين في الغالب، ويبني على هذا أن الحراك الجزائري ومن يمارسه هو إحدى الشخصيتين، هو مواطن يفكر عبر ذهنية ما بعد الموحدين أو المفرنسة، وما يصدر عنه من سلوكات وأفكار وطروحات خلال الحراك هو تمظهر للبنية الذهنية التي يحملها، بكل سلبياتها وبكل لا وعيها. وبالتالي ستمنع وجود الحل حتى لو توفر، أو تمنع الطريق الذي يؤدي إليه والأهم من كل ذلك، أنها لن تمارس عملًا من شأنه أن يدفع بالأمور خطوة إيجابية للأمام، بل الأسوأ أنها قد تمارس التدمير والاعتباطية بصفة الحل، وما قد يعتبر أمرًا موفقًا، يكون من باب العرض لا الجوهر، ومن باب التعلق الذي لا يمنع من وقوع ضده ونقيضه.

وانتقل كتاب حراك بلا أيديولوجية بعد ذلك لبحث تمثلات البنية الذهنية وسط الحراك.

ما بعد 22 فبراير 2019م

من هذه السلوكات بحسب رصد الكاتب: طلب زوال النظام بالكلية دون أي بديل تمهيدي ليأخذ مكانه يلخصه شعار (يتنحاو قاع)، واتهام كل شخص وعدم الرضا على أي كان، وإعطاء الحراك -من فراغ- شرعية وريثة لشرعية الثورة، والسخرية اللاذعة من كل شي ومن كل شخص حتى من مشاركين في الحراك، ومطالبة بعض القبائل بفدرالية، والسعي الشخصي للبروز والظهور كمقاوم ومصاول في محاولة لإثبات النفس والذات، والمطالبة بأمور غير مدروسة ولا مفهومة عند المواطن: كدولة مدنية لا عسكرية، وديمقراطية لا ديكتاتورية، وغلق الطرقات إلى غيره من مشاهد.

ويرى الكاتب أن كل حدث وكل ظاهرة، مهما بلغت من التفاهة، هي مؤشر للبنية الذهنية وعملها، وما يبدو عارضًا (كالرقص في الحراك) قد يعود لألف سنة للوراء! وهذه السلوكات كثيرة من حيثياتها يظهر عبر نوع الخطاب المتداول، من تلك التصريحات التي تخرج من أدمغة، (البنية الذهنية) المواطنين، فالمطالبة بزوال النظام دون أي بديل تمهيدي يوضح النظرة التفككية للأمور التي تتمتع بها البنية الذهنية لما بعد الموحدين، فكأن الأمرين منفصلان ولا علاقة بينهما، ولذلك لا تأثير عند زوال الأول -النظام- كليًا، على المرحلة اللاحقة التي هي فراغ حقيقي.

والسخرية اللاذعة من كل شيء ومن كل شخص وتحويل كل موضوع جاد إلى هزل، هو تخدير للذات كالسابق، فالنكتة تصبح هي نهاية المشكلة وهي الحل، ولكنها لا تمنع العصبية وحب البطولة، (دور الأب في القبيلة) الذي يظهر عبر التنافس في من كان الأول في الحراك، وفي الاختلاف على أساس عرقي وولائي. وأيضًا في تبني شعارات لا يفقهها المواطن ولا يعرف عمقها وخطرها كشعار “دولة مدنية لا عسكرية”، وهي حقيقة دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة وتتيح الحرية بمفاهيم مغلوطة وتجعل المؤسسات تعمل ببرامج تساهم في خلق بنية ذهنية تمحو كل القيم والثوابت التي يعرفها المواطن، محوًا لا شعوريًا يتحقق بالوقت، وهذا نتاج النظرة الأنبوبية الأحادية للبنية الذهنية لما بعد الموحدين والتي ساهم فيها التعليم الجزائري بشكل كبير، أما البنية الذهنية المفرنسة فتظهر كذلك في الصفات السابقة وبالخصوص في المطالبة بفيدرالية كما كان ينوي ديغول في مفاوضات إيفيان بحسب الكاتب.

بعد كل ما سبق، يظهر أن البنية /المؤسسة، فالوعي والأفكار التي تتشكل في دماغ المرء تساهم المؤسسات (الأنماط المكررة) في خلقها بالدرجة الأولى، وتنبني على هذا مسألة مهمة هي أنه لإصلاح الفرد (البنية الذهنية)، لا بد من إصلاح المؤسسة. وإصلاح المؤسسة لا يكون بالتناقض بحيث تشتغل مؤسسة الاقتصاد بنظرية معينة والسياسية بنظرية أخرى والتعليم بنظرية ثالثة وكلها متناقضة الأصول، هذا من شأنه أن ينتج مجتمعًا متذبذبًا متوترًا غير مستقر، بل يكون الإصلاح المؤسساتي بأيديولوجية واحدة (نظرية واحدة) تكون الجذر المشترك الذي يشغل الاقتصاد والسياسة والتعليم إلخ.

ومن هنا يرى الكاتب، حراكًا بلا أيديولوجية، بمعنى البنيان والأرضية التحتية التي ستقوم عليها بقية أجهزة الدولة، والمواطن -حتى النخبة- المنخرط في الحراك يملك لائحة من بعض الحقوق التي يريد أن يراها مطبقة وليس هذا من الإصلاح الحقيقي في شيء، بل هذه هامشية بالنسبة لما يجب أن يكون، لأن الإصلاح المؤسساتي وهو الإصلاح الحقيقي الوحيد، يبقى في يد أخرى، بحيث قد يؤدي إلى نتائج سلبية على المواطن وعلى الدولة. على مستوى الهوية والثوابت والمعيشة إلخ.

وفي ظل غياب مشروع واضح محدد المعالم -يوضح الكاتب- تنسل الفوضى لتجد لها مكانًا، فالفكر لا يعرف الفراغ.

مشكلة الهوية

ينتقل الكاتب بعد ذلك لعرض مشكلة الهوية التي برزت بعد الاستقلال مباشرة ومن حرب 1963م تحديدًا، وكانت لها خلفيات في الثورة تمهد لها، والتي ظهرت بشكل كبير مع سعيد سعدي ومعطوب لوناس، ثم مشكلة برزت مع مؤتمر الصومام، وتحديدًا عبر شخصية عبان رمضان، التي انتهت إلى المطالبة بدولة جمهورية علمانية. وناقش الكاتب كلتا المشكلتين بعرض التعريفات والتنزيلات على الواقع. كما بسط رؤيته بشأن الهوية الأمازيغية. لينتقل بعدها لمشكلة العلمانية.

مشكلة العلمانية

حراك بلا أيديولوجية

عبد الوهاب محمد المسيري، مفكر وعالم اجتماع مصري مسلم.

يقول الكاتب في مناقشته للعلمانية إن هذه العلمانية ليست موحدة في طرحها، ولكن تتبع الفلسفة التي تصدر عنها، سواء: الفلسفة المثالية بمدارسها كالوجودية والكانطية أو الفلسفة المادية بمدارسها كالماركسية. ويغلط من يأخذ العلمانية كشق موحد عبارة عن مكان واحد، كما يفعل عبد الوهاب المسيري في كثير من كتاباته، الذي يرجعه الكاتب لضعف في إلمامه بالمدارس الفلسفية، ونقل اقتباسًا للمسيري يقول في العلمانية الشاملة والجزئية:[3]

أسبقية المادة على الإنسان، وهذا هو حجر الزاوية في الرؤية العلمانية وعنها تنبثق كل مقولاتها الأخرى ومنها تصورها للإنسان، ولأن المادة تسبق الفكر نجد أن العنصر المادي (في أشكال مختلفة) يصبح أهم المكونات.

ليعلق عليه قائلًا: “والحق أن العلمانية أكثر ما أتت من الفلسفات المثالية التي تقول بأسبقية الفكر على المادة، كالوجودية والكانطية وغيرها، وهو ما سيتم توضيحه من خلال تفسير الرؤية العلمانية لقضية العلاقات خارج إطار الزواج للزوجة وبيع المرء لنفسه”.

واسترسل الكاتب بعد ذلك في شرح العلمانية المثالية الفلسفة الوجودية أنموذجًا، ثم العلمانية المادية الفلسفة الماركسية أنموذجًا.

ليخرج بخلاصة مناقشة التي تقول:

إن الأيديولوجية التي لا بد أن يقوم عليها الحراك لا يمكن أن تكون علمانية بتياراتها، بل هي إيديولوجية البنية الذهنية العامة بمعادلة الإسلام، إيديولوجية تقوم عليها مؤسسات الدولة في مرحلة ما بعد الحراك.

نهاية الطرح

انتقل الكاتب للحديث عن مؤسسات ما بعد الحراك، وتناول فيه المؤسسة السياسية والتعليمية والاقتصادية كيف يجب أن تكون.

وفي نهاية طرحه عرض الكاتب محاولة لتحليل وتفكيك المرحلة التي سبقت الحراك لأجل فهم السياق الشامل الذي ظهر فيه، وما كان يجري حقيقة في العمق، وتم ذلك أساسًا عبر مقولة البنية الذهنية /المؤسسة، التي كانت أداة البحث الرئيسة حيث دلت على حراك قائم في الغالب على البنية الذهنية لما بعد الموحدين، ومن خلال نفس المقولة قدم محاولة في الإصلاح المؤسساتي الذي يجب أن يلي مرحلة الحراك، إصلاح قائم على أيديولوجية البنية الذهنية العامة أو النموذج الإنساني بمعادلة الإسلام المكون من ثلاث أركان أساسية: المبدأ الخلقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي.

نقاد كتاب حراك بلا أيديولوجية

انتقد كتاب “حراك بلا أيديولوجية” بعض الداعين لدولة مدنية في الجزائر. وكان أساس النقد يقوم على اتهام الكاتب بتحريف التاريخ وتزوير حالة الحراك التي شهدتها البلاد في عام 2019م. ويذهب النقد إلى أن الكتاب من شأنه أن يعطي صورة لا علاقة لها بالحراك كظاهرة شعبية سلمية فريدة في تاريخ الشعب الجزائري. ولا يجد هذا النقد من حرج في اتهام الكاتب بالخيانة العلمية. واعتبار الهدف من طرحه خدمة أجندة الثورة المضادة والسلطة، متسترًا خلف مقولات فلسفية وفكرية، وأنه يضخم من ظواهر سلبية شهدها الحراك.

ويدافع هذا النقد عن شعار “الدولة المدنية لا العسكرية” على أنه لا يعني الدولة العلمانية على عكس ما يشرح صاحب كتاب “حراك بلا أيديولوجية”، دون تقديم تعريف وتوصيف لطبيعة هذه الدولة. ويذهب بعض النقاد لأبعد من ذلك باعتبار الكتاب من هواجس التيار العربي الإسلامي بشأن الحراك الجزائري، وأنه في الأخير يقف في صف السلطة التي يرفضها الحراك. وسنلاحظ أن مجمل الانتقادات للكتاب لا تناقش جوهره والمنهجية التي بنيت عليه أفكاره إنما تكتفي باتهامه بالكذب والخيانة والعمالة في سبيل حفظ الصورة المثالية البراقة التي ترسمها للحراك الجزائري على الرغم من فشله في نهاية المطاف في تحقيق مطالبه!

خلاصة مراجعة كتاب حراك بلا أيديولوجية

حراك بلا أيديولوجية

المتأمل للبناء الاجتماعي الفلسفي والاستدلال التاريخي الذي استند إليه الكتاب يدرك أن غايته من هذا الطرح، كانت بعيدة عن تشويه الحراك الجزائري؛ وإنما جاءت لتقديم تحليل يفكك عقد الضعف التي تتسبب في فشل كل حراك، وأن التركيز على ثنائية البنية الذهنية/المؤسسة يقدم حلًا جذريًا لطالما أكدته خلاصات الباحثين في علم الاجتماع والتاريخ كمالك بن نبي وابن خلدون. وكل ما فعله النقد الذي استهدف الكتاب بشكل عام، لم يخرج عن تأكيد وصف الكاتب لذهنية المواطن الجزائري! وأبرزه أن من يرفض التسليم والموافقة فهي الخيانة والعمالة!

وكما شدني عنوان الكتاب بداية لشدة موافقته لواقع الحراك، فإني وجدته موفقًا بالفعل في إيفاء العنوان حقه من التحليل والرصد لواقع هذا الحراك بشكل عام. فمما يضفي قوة لطرح “حراك بلا أيديولوجية” أن كل ما ناقشه من قضايا استند فيه لأسلوب التحليل، برصد سلسلة الأحداث التي تكون بمثابة عينة مخبرية يناقش على أساسها. وبذلك فهو يقدم مرجعًا مفيدًا ليس لدراسة الحراكات في الجزائر فحسب، بل أيضًا لدراسة بقية الحراكات في العالم الإسلامي؛ فهو يربط الحاضر بالماضي ويكشف مكامن الضعف التي استغلها المحتل لصالحه كثيرًا، كما أنه يفحص مكون الحراك الأساسي، ذهنية المواطن، الذي هو المحرك لأي حراك، والعامل الأول لنجاحه أو فشله، وإن الخروج بلا إعداد ولا عدة ولا قيادة ولا بوصلة ولا رؤية واضحة ولا بديل ملموس لحملة إسقاط نظام برمته قائم منذ عقود ليس إلا حماسة زائدة وضعف تخطيط ووعي لا يغتفر، قد يتسبب في تبعات ثقيلة جدًا يصعب معالجتها. ومن الحكمة الاستفادة من الإرث التاريخي من الممارسات الفاشلة التي لا تزال بحاجة لمعالجة جذرية، في سبيل تحقيق الارتقاء المنشود، وهذا يعني اتساع الصدر للنقد الصريح بلا مجاملات.

ولعل أهم ما أختم به هذا الطرح، أن الكاتب قدم تلقائيًا في طيات تحليله، نموذجًا عمليًا وواقعيًا لإمكانية صياغة ذهنية قادرة على تحمل أعباء الإصلاح وإنجاح مرحلة ما بعد الحراك، إنها تجربة الحركة الإصلاحية في الجزائر، وهي تجربة تستحق الدراسة والتطوير والاهتمام لأنها من قلب التاريخ والواقع الجزائري لم تحظ بالدعم اللازم لمستقبل واعد.

ثم إن التعويل على صناعة التغيير بذهنيات لم تحمل نصاب الوعي اللازم والقدرة على تحقيق هذا التغيير، مجازفة لا يجب أن تتكرر، ومن هنا تظهر أهمية القيادة في المشهد، فقيادة الشعوب للنصر وظيفة القائد النجيب الذي يحسن إخراج الخير الذي فيها بانتظام لا يحققه إلا الإسلام، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يحلم بمستقبل مزدهر بغير الاجتماع على الإسلام والعمل له وبه، والبداية بضبط ثنائية البنية الذهنية/المؤسسة على الإسلام أيديولوجية وعقيدة ومنهجًا وهدفًا.

601

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.