دولة الموحدين” اسم مهيب فخم، لكنه يخفي خلفه الكثير من الفساد والظلم والانحرافات العقدية؛ على الرغم من بطولات ونجاحات لا يزال يحفظها التاريخ لهذه الدولة التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، استمر ملكها لنحو 140 سنة.

دولة قوية حكمت المغرب والجزائر وتونس وليبيا، وامتدت حتى الأندلس. عاصمتها “مراكش” إحدى حواضر الإسلام العريقة. لكنها قوة صعدت في ظروف استثنائية في التاريخ الإسلامي؛ حيث كان ثمن صعودها إسقاط دولة المرابطين الإسلامية.

ويتفق المؤرخون على أن نجاحات الموحدين إنما تحققت على تضحيات المرابطين الذين مهدوا الأرض لسلطان المسلمين الموحد، وقهروا النصارى المعتدين في الأندلس. لذلك لم يكن غريبًا أن يكون إسقاط دولة المرابطين أكثر ما أثلج صدور هؤلاء الصليبيين الذين استمروا في عدوانهم إلى أن قضوا على سلطان المسلمين في الأندلس.

يقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم، معلقًا على أبرز عبرة مستخلصة من تاريخ دولة الموحدين: “ولا شك أن في هذا عبرة تاريخية تؤكد أن فساد العقيدة يترتب عليه اضمحلال أحوال الأمة؛ لأن العقيدة الصحيحة هي خط الدفاع الأول الذي ينهار بانهياره ما بعد. ولا يمكن أن تعود الأمة لعزّها ومجدها إلا بتصحيح العقيدة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)”.[1][2]

 

على أطلال المرابطين يقوم الموحدون

كان سر نجاح دعوة المرابطين ودولتهم التفكير الطموح والتخطيط الذكي لأول قاداتهم، الشيخ الفقيه “عبد الله بن ياسين”، ومنه استنسخت قبائل المصامدة الأمازيغية البربرية فكرة إقامة دولة لهم تضاهي دولة المرابطين. ومما سهل مهمتهم دخولهم المبكر في طاعة يوسف بن تاشفين، وخدمتهم في جيشه. ثم نفوذهم الكبير في البلاد، حيث يعتبر المصامدة أغلب سكان المغرب الأقصى، قوةً وعددًا، يمتد تواجدهم من شمال المغرب الأقصى إلى جنوبه.

وهي القبائل التي امتلكت الشغف بالسيادة لكنها لم تكن تملك القيادة التي تحقق لها أحلامها وطموحاتها إلى أن ظهر لها “محمد بن تومرت” الرجل الذي فاق أقرانه دهاء وحنكة وسياسة، فكان لها ما تريد من سلطان دولة.

يقول المراكشي -المؤرخ المغربي الذي عاصر الموحدين- مشيرًا إلى العصبية التي تضاعفت في المصامدة، وكانت أساس قيام دولة الموحدين: “لم تزل طاعة المصامدة لابن تومرت تكثر، وفتنتهم به تشتد وتعظيمهم له يتأكد، إلى أن بلغوا في ذلك حدًا لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لبادر إلى ذلك من غير إبطاء وأعانه على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من خفة سفك الدماء عليهم، وهذا أمر جبلت عليه فطرتهم واقتضاه ميل إقليمهم”.[3]

“محمد بن تومرت” مؤسس دولة الموحدين

نتحدث عن رجل غير عادي، رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، حقق في ظرف قياسي حلمه في هدم دولة وإقامة أخرى أكبر، على أنقاضها.

إنه “محمد بن تومرت الهرغي” الذي ولد سنة 485ه (1092م). لكن خلفية الرجل شابها الكثير من الشك والتناقضات، حيث درس ابن تومرت في مراكش، ثم خرج في رحلة لطلب العلم في عام 506ه (1112- 1113م) متجهًا إلى المشرق. وبينما يدعي ابن تومرت أنه وصل إلى بغداد، ولقي أبا حامد الغزالي ودرس عليه. يظهر أن الغزالي غادر بغداد إلى غير رجعة سنة 500ه (1106م)، ثم توفي في طوس سنة 505ه (1111م)، قبل أن يخرج ابن تومرت في رحلته إلى المشرق سنة 506ه، أي أنه قطعًا لم يلقَ الغزالي ولم يدرس عنده. ويظهر أن رحلته إلى العراق هي سبب ما آل إليه من اضطراب عقدي؛ حيث كانت بغداد تموج آنذاك بتيارات مختلفة من علماء السنة والشيعة والمعتزلة وغيرهم الكثير ممن تلقى ابن تومرت على أيديهم العلم.

ويرجح بعض الباحثين أن “ابن تومرت وصل إلى الإسكندرية في مصر؛ فدرس على يد بعض شيوخها ثم عاد إلى المغرب، فدرس في القيروان وبجاية وحصّل جانبًا لا بأس به من العلم بالفقه”.[4]

لا خلاف في نبوغ ابن تومرت وتميزه عن أقرانه في ذلك الزمان، لكن مواهبه الحقيقية كانت سياسية لا علمية؛ حيث إنه أحسن توظيف العلم الشرعي لتحقيق غاياته السياسية الكبرى. فهذا الرجل الذي كان يظهر عليه الزهد والتقشف والبعد عن مظاهر التعلق بالدنيا، كان في نفس الوقت يسفك الدماء المعصومة بلا تورع. ولأنه كان حصورًا لا يقرب النساء، يظهر أن طموحه للقب المهدي كان أكبر من طموحه لخلافة أو سلطان يتوارثه نسله كما جرت العادة مع بقية مؤسسي الدول.

فما كان يشغل تفكير ابن تومرت هو حيازة لقب الحاكم القوي العادل الذي يملأ الدنيا عدلًا بعد أن ملئت جورًا، ولتحقيق ذلك تدثر بثياب العلم والفقه والدين.

توظيف ابن تومرت للعقيدة لتحقيق الأهداف الكبرى

يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: “وكان لهجًا بعلم الكلام، خائضًا في مزال الأقدام، ألف عقيدة لقبها بالمرشدة، فيها توحيد وخير بانحراف فحمل عليها أتباعه، وسماهم الموحدين، ونبز من خالف المرشدة بالتجسيم، وأباح دمه، نعوذ بالله من الغيّ والهوى. وكان خشن العيش، فقيرًا، قانعًا باليسير، مقتصرًا على زي الفقر، لا لذة له في مأكل ولا منكح، ولا مال، ولا في شيء غير رياسة الأمر، حتى لقي الله تعالى. لكنه دخل -والله- في الدماء لنيل الرياسة المردية”.[5]

ويلخص العلامة ابن القيم حال مؤسس هذه الدولة فيقول: “أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتغلب والتحيل، فقتل النفوس وأباح حريم المسلمين وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم. وكان شرًا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس إنه المهدي الذي بشر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يردم عليهم ليلًا لئلا يكذبوه بعد ذلك، وسمى أصحابه الجهمية … واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتسمى بالمهدي المعصوم”.[6]

وتشابهت شخصية ابن تومرت مع شخصيات كبار الدعاة ومحركي الجماعات الشيعية بقدرتهم على إقناع الناس بأن الله اختارهم لأمر عظيم. وإن كنا نبصر دهاء الرجل السياسي وحنكته القيادية في تسلسل الأحداث إلا أن بضاعته العلمية كانت مزجاة على الرغم من إشادة البعض بها، مما يدفع لاعتبار الثناء عليه كعالم وفقيه وصاحب علم غزير من البعض كان مجرد مجاملة أو تعصب، وربما انجرار لحيلة المهدي المزعوم.

فالقول بالتوحيد وبالمهدية وبعصمة الإمام واتهام المرابطين بالتجسيم والمروق عن الدين وجواز قتالهم وحرقهم وسبي نسائهم وتكوين طبقات من الأتباع بحسب درجة قربهم من ابن تومرت وإيمانهم بما يمليه عليهم من عقيدة، إنما شكلت أهدافًا مرحليةً لابن تومرت لبناء قوة سياسية تتركز في يد هذا “المهدي” ومن يرشحه للخلافة بعده.

وقد ترك مؤسس دولة الموحدين لأتباعه أهم سر لاستمرارها وهو مشيخة الموحدين، والتي ظهر دورها المصيري في استمرار الدولة بعد موته.

كتابات ابن تومرت في ميزان الشريعة

سنجد حتمًا من يدافع عن ابن تومرت وينتصر له؛ استنادًا لما كتبه خادمه أبو بكر الصنهاجي المعروف بالبيذق، وما كتبه مؤرخو الموحدين، كابن القطان وعبد الواحد المراكشي وحتى المؤرخون الأشاعرة كابن خلدون. لكنها كتابات تزيد من حالة الغموض التي تحيط بسيرة مؤسس دولة الموحدين وتطرح المزيد من التساؤلات بشأن عقيدة الرجل.

ولذلك أفضل ما يُستند عليه في هذه الحال هو ميراث ابن تومرت نفسه، مما تركه من كتابات كان أبرزها كتابه بعنوان “أعز ما يطلب”، ويعرف بالعقيدة “المرشدة” أو “توحيد ابن تومرت” الذي ألزم به أتباعه، والذي ليس إلا خليطًا من الأفكار التي يغلب عليها الغلو كحال الشيعة الذين يقولون بعصمة الإمام وضرورة طاعته طاعة عمياء. فضلًا عن أفكار أخرى مغالية مناقضة لما عليه أهل السنة والجماعة.

وهو كتاب فيه من الغموض المتعمد والتكلف، ما دفع أئمة أهل السنة للتحذير منه، كما كان في إجابة شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سُئل عن كتاب “المرشدة” لابن تومرت فقال: “… واستحل (ابن تومرت) دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة، يقرؤون القرآن والحديث‏:‏ كالصحيحين، والموطأ وغير ذلك، والفقه على مذهب أهل المدينة. فزعم أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة، ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم‏.‏‏ واستحل أيضًا أموالهم، وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه، من جنس ما كانت تستحله الجهمية المعطلة كالفلاسفة والمعتزلة، وسائر نُفاة الصفات من أهل السنة والجماعة لما امتحنوا الناس في ‏”خلافة المأمون”، وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، ونفوا أن يكون لله علم، أو قدرة أو كلام أو مشيئة، أو شيء من الصفات القائمة بذاته‏.‏ وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله، وولوه الولايات وأعطوه الرزق من بيت المال، وقبلوا شهادته وافتدوه من الأسر، ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه، أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال، ولم يولوه ولاية، ولم يقبلوا له شهادة، ولم يفدوه من الكفار‏.‏‏ يقولون‏:‏ هذا مشبه، هذا مجسم، لقوله‏:‏ إن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله استوى على العرش، ونحو ذلك‏.‏ فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة، في أواخر خلافة المأمون، وخلافة أخيه المعتصم، والواثق بن المعتصم، ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة، في ولاية المتوكل على الله”.[7]

عقيدة ابن تومرت

ويقول ابن تيمية بعد ذلك: “وصاحب ‏”‏المرشدة‏” كانت هذه عقيدته كما قد صرح بذلك في كتاب له كبير شرح فيه مذهبه في ذلك، ذكر فيه أن الله تعالى وجود مطلق، كما يقول ذلك ابن سينا وابن سبعين وأمثالهم‏.‏ ولهذا لم يذكر في “‏مرشدته‏”‏ الاعتقاد الذي يذكره أئمة العلم والدين من أهل السنة والجماعة”؛ “بل اقتصر فيها على ما يوافق أصله وهو القول بأن الله وجود مطلق، وهو قول المتفلسفة والجهمية، والشيعة، ونحوهم ممن اتفقت طوائف أهل السنة والجماعة، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم على إبطال قوله، وتضليله‏.‏ فذكر فيها ما تقوله نفاة الصفات، ولم يذكر فيها صفة واحدة لله تعالى ثبوتية، وزعم في أولها أنه قد وجب على كل مكلف أن يعلم ذلك، وقد اتفقت الأئمة على أن الواجب على المسلمين ما أوجبه الله ورسوله، وليس لأحد أن يوجب على المسلمين ما لم يوجبه الله ورسوله والكلام الذي ذكره بعضه قد ذكره الله ورسوله، فيجب التصديق به، وبعضه لم يذكره الله ولا رسوله ولا أحد من السلف والأئمة، فلا يجب على الناس أن يقولوا ما لم يوجب الله قوله عليهم”‏.‏ “‏‏فمن قال‏:‏ إن القرآن كلام الله وليس بمخلوق‏.‏‏ أو قال‏:‏ إن الله يرى في الآخرة أو قال‏:‏ ‏(‏أستخيرك بعلمك‏، وأستقدرك بقدرتك‏)‏ لم يكن موحدًا عندهم، بل يسمونه مشبهًا مجسمًا. وصاحب ‏”‏المرشدة‏”‏ لقب أصحابه موحدين، اتباعًا لهؤلاء الذين ابتدعوا توحيدًا ما أنزل الله به من سلطان، وألحدوا في التوحيد الذي أنزل الله به القرآن”‏.‏

وللأسف في زماننا لا يزال هناك من يستشهد بكتاب المرشدة مع ما يحمله من ضلال على أنه مرجع لعقيدة أهل السنة والجماعة ويثني عليه بجهالة فادحة أو ظلم ومعاندة.

‏‏استراتيجية التمكين لابن تومرت

فور عودته من رحلة الطلب في المشرق، عمل ابن تومرت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي دخل به هذا الرجل التاريخ، فقد عرفه أهل المغرب فقيهًا يدعو إلى الله ولا تأخذه في ذلك لومة لائم، فتعاطفوا معه وارتفعت مكانته بينهم كإمام مصلح. خاصة وأن دولة المرابطين كانت قد انفتحت في آخر أيامها على المنكرات وانتشر فيها شرب الخمر والسفور وكثرة المظالم بين الناس وأثقلت كاهل أهلها الضرائب وفسد فيها الفقهاء والأمراء. فأخذ ابن تومرت دور الإمام المصلح المنكِر لكل ما كان يراه من مُنكَر حتى على من كان ينتمي للأسرة الحاكمة، كأخت أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين التي كانت تخرج في فوج حراسة وهي سافرة فأنكر عليها ابن تومرت بشدة مما زاد من شعبيته.[8]

ثم بعد هذه المرحلة من ترسيخ قناعة بين الناس بشأن عدم صلاحية دولة المرابطين؛ كانت مرحلة اجتماع الأنصار وانتقاء الخاصة، وكان أول لقاء بين ابن تومرت وساعده الأيمن “عبد المؤمن بن علي” في تلمسان، وكان الأخير من قبيلة كومية الصغيرة التي يعتقد أنها قبيلة زناتية مع ذلك تذكرها كتب التاريخ على أ

نها قبيلة مصمودية. فتوطدت العلاقة بين الرجلين إخلاصًا وصدق صحبة، ثم اجتمع حول ابن تومرت الأنصار حتى كوّن جماعة يتنقل معها من مكان لآخر.

ابن تومرت يبني سمعته ويهدم سمعة المرابطين

دولة الموحدين

مدينة مراكش.

وهكذا انطلق ابن تومرت بجماعته المخلصة من تلمسان إلى السوس إلى وجدة ثم فاس، وبدأ بأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستجاب له طلابه وحطموا كل ما وجدوه من أدوات الموسيقى آنذاك؛ مما دفع والي فاس لطردهم من المدينة، ثم توجهوا إلى مراكش، وفي هذه الأثناء كان ابن تومرت مع كل موقف إنكار للمنكر يجتذب المزيد من الأنصار وينشر الكثير من السمعة الحسنة، حتى أصبح يعرف كولي من أولياء الله وفقيه صاحب مكانة علمية وحجة محترمة.

وفي مراكش أصبح الحديث عن ابن تومرت على كل لسان، فبدأ مرحلته الثانية بالهجوم على المرابطين، ووصفهم بالمجسمة، وكل هذا في وقت لم يكن المرابطون يهتمون كثيرًا للرد على هذه التهم؛ فهم بالأصل حركة جهادية سنية، شغلها الشاغل كان العمل في حراسة الثغور والجهاد، ولا شك أن ابن تومرت بالغ في نقد المرابطين على ما كان فيهم من فساد لا يخلو منه مجتمع بهذا الحجم من الاتساع، فقد وصمهم بالمروق من الدين وكفرهم واستباح دماءهم، وحرض على قتالهم كمرتدين، واستغل ابن تومرت استفزازاته لرجال المرابطين ومطاردتهم له وحبسه لكسب التعاطف كرجل واحد يقف في وجه السلطان “الجائر” بغض النظر عن صلاح دعوته من فسادها. كل هذا كان يذهب في اتجاه استقواء جماعة ابن تومرت وإقبال المجندين الجدد إليها وتوسع دعوتها.

إنشاء الجماعة في تينملل

لتأتي الخطوة التالية في استراتيجية التمكين التومرتية، إنشاء الجماعة في منطقة “تينملل” أو “تينمال” الاستراتيجية قرب مراكش. وإن نجاح أي دعوة في التاريخ -بغض النظر عن فسادها من صلاحها- يبدأ بأتباع مخلصين وقيادة ذكية. وهو ما تحقق لابن تومرت فقد كان يملك من الذكاء ما يخوله تحقيق أهدافه ومن الأتباع المخلصين ما يشق بهم الأرض لأبعد مدى.

وهكذا اختار ابن تومرت مركزًا استراتيجيًا لانطلاق مرحلته الثانية بعد تأسيس الجماعة المخلصة في قلب جبال الأطلس وبالقرب من منابع وادي نفيس، الذي يجري جنوبي نهر تانسيفت، وأحاطه بسور يسمى بالبربرية “أغمات”، ومن هذا المركز الحصين أطلق ابن تومرت حرب عصابات شرسة يستهدف بها مراكز القوة في البلاد الخاضعة لسلطان المرابطين.

التنظيم الداخلي لجماعة ابن تومرت

كان ابن تومرت يخشى كثيرًا أن يؤتى من داخل جماعته، فحمل هاجس تنظيف الجماعة والإبقاء على الأشخاص المخلصين له بشكل كامل، من هنا قام بتصنيف أنصاره على طبقات بحسب درجات إخلاصهم له، فأطلق على أقرب أتباعه وأولهم تصديقًا به، “أهل عشرة” أو “أيت عشرة” وهم المرتبة الأعلى للأنصار، وأشار الذهبي إليهم على أنهم: “عبد المؤمن، والهزرجي، وعمر بن يحيى الهنتاتي، وعبد الله البشير، وعبد الواحد الزواوي طير الجنة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمر بن أرناق، وواسنار أبو محمد، وإبراهيم بن جامع، وآخر”.[9]

يليهم في المرتبة الثانية الأنصار الأقل درجة منهم، وأطلق عليهم اسم “أيت خمسين” ثم بعدهم طبقة أدنى هي طبقة “المستدركين”، وهم الذين جرى امتحانهم وفحص صدق إخلاصهم باختبار يجريه ابن تومرت يسمى “التمييز”. وأما من فشل فيه، فمصيره كان التصفية والموت. ومات في عملية التمييز بين الأتباع هذه ألوف الأبرياء؛ حيث أشار الذهبي إلى أنهم قتل منهم سبعون ألفا على هذه الصفة[10]. لكن مع ذلك صفا لابن تومرت الصف وأهَّله للخطوة المقبلة في مشروعه.

ثم طبقة “الطُلبة” بضم الطاء وسكون اللام، وهم الطلبة الذين يدرسون فقه ابن تومرت ويحفظون كتبه ويعلمونها للناس؛ حيث جعلهم ابن تومرت في وظائف الدولة وللمساعدة في إدارة العمال في سلطانه، ينتشرون في كل مدينة وكل قبيلة موحدية يراقبون سير الأعمال، ويحرصون على حفظ استمرارية عقديتهم بين الناس في المهدي المعصوم، لكونه الأساس العقيدي الذي قامت عليه دولة الموحدين.

الانتقال من التنظيم إلى العمل

وهكذا قاد ابن تومرت أتباعه بيد من حديد وأظهر مهارات قيادية عالية، فأوكل لـ”أيت عشرة” صلاحيات كبيرة تمكنهم من سياسة الناس، كما استفاد في نفس الوقت من “أيت خمسين” لكونهم من رؤساء القبائل؛ فكسب بذلك جميع القبائل تحتهم. وأما المستدركون فكانوا نواة جهازه الاستخباراتي القوي؛ حيث وظفهم كعيون له بعضهم على بعض، فتمكن بذلك من حراسة داخل الجماعة ورصد ما يجري خارجها؛ ليحيط علمًا بكل صغيرة أو كبيرة مما يقع داخل جماعته أو خارجها. وهي نقطة قوة كبيرة نشاهدها مع إنشاء أي دولة أو قوة في التاريخ، وهنا يظهر فن التفويض الذي أحسن توظيفه القائد.

وكان من تبعات ذلك أن ألقى هذا الاطلاع الكبير على كل تفصيل رهبة شديدة في النفوس، وطاعة عمياء، خشية من المحاسبة والعقاب، وبلغت طاعة أتباع ابن تومرت له، أن يأمر الرجل منهم بقتل صاحبه أو أخيه فلا يتردد لحظة في ذلك. وهذا الإخلاص يذكرنا بإخلاص الباطنية الحشاشين لقائدهم الحسن الصباح. إذ يتولد الإخلاص للدعاوى الضالة من استعطاف الجماهير وخلق قناعة بشرعية أصحابها وعدالة مطلبهم، فكل دعاوى الضلال تتزين بشعارات الحق والاستقامة وتتعمد استقطاب الأتباع وفق قاعدة “الولاء المطلق”؛ فقد كان الباطني يقتل نفسه فداء لإمامه على أتفه الأسباب. هذا الإخلاص كان حاسمًا في بقاء الفرق الضالة.

ولا شك أن هذه المكانة الرفيعة التي وصل إليها ابن تومرت جعلته يتجرأ على اتخاذ لقب المهدي المعصوم.

ومن المهم الإشارة إلى أن المرابطين يرجع لهم الفضل في تحقيق الوحدة العقائدية السنية بعد نجاهم في القضاء على المذاهب المنحرفة في برغواطية وغمارة، وإفنائهم المذهبين الإباضي والشيعي في بلادهم ليهدم هذه الجهود الموحدون وتدخل البلاد مرحلة الاضطراب والاضطهاد لأهل السنة.

الحرب مع المرابطين

دولة الموحدين

اختار ابن تومرت لقب الموحدين حصرًا على أتباعه مع أن المسلمين موحدون بالأصل. ولم يكن المرابطون أقل توحيدًا من الموحدين لكن هدف ابن تومرت كان محاولة الانفراد بالصيت، وجذب الناس نحو دعوته على أنه المجدد الذي يقوم على إحياء عقيدة التوحيد الخالصة. وبعد جمعه قائمة من الأسباب المدلسة لتكفير المرابطين واستباحة دمائهم أعلن قتالهم.

وكان من نشاطه العسكري في هذا الباب، أن أرسل في عام 534ه (1139م)، جيشًا عدته 40 ألفًا من أتباعه الموحدين، على رأسه عبد المؤمن بن علي، لقتال المرابطين في مراكش. لكنه هزم شر هزيمة وقتل المرابطون عددًا كبيرًا من قادة الموحدين، من أيت عشرة، فيما يعرف بمعركة “يوم البحيرة”.

ومن يتبصر في سبب قتال ابن تومرت للمرابطين وحجم التهم التي كالها لتجويز تكفيرهم وسفك دمائهم وحرصه على القضاء على دولتهم المجاهدة وهي في عنفوان كفاحها ضد الصليبيين وأعداء الإسلام في الأندلس والمغرب، يدرك أن هناك تفسيرًا ما لا يبتعد كثيرًا عن التفسير القومي الذي يجعل الرجل يتعصب لرفع ذكر قبائل المصامدة، هذا دون الحديث عن الهاجس الشخصي للتميّز بلقب المهدي.

وفي أواخر أيام ابن تومرت نظم عبد المؤمن بن علي خطة للاستيلاء على مراكش، لكنهم هزموا هزيمة كبيرة على يد الزبير بن علي بن يوسف بن تاشفين. ومما يُروى عن هذه المعركة أن ابن تومرت أطلق اسم “الموحدين” على أتباعه لأول مرة، ليحرّضهم على القتال وهزيمة المرابطين ويزيد في حماستهم، وأطلق على عبد المؤمن بن علي اسم “أمير المؤمنين”. ومع ذلك باءوا بالهزيمة على يد المرابطين.

وفاة ابن تومرت

لم يلبث ابن تومرت طويلًا بعد هزيمة جيشه في البحيرة، فمات في سنة 524هـ (1130م) بعد أن أسلم قيادة سلطانه لعبد المؤمن بن علي، يسنده أبو حفص عمر وبقية الأنصار المخلصين، ولم يعلن خبر موته حتى سنة 527هـ بعد ضمان استقرار الأمر في يد خليفته.

ومما لا يزال غامضًا هو العمر الحقيقي لابن تومرت؛ فبالنظر لتاريخ ميلاده المدرج في كتب التاريخ في عام 485هـ (1092م) فإن عمره كان تسعًا وثلاثين سنةً عند وفاته، لكن عمر عبد المؤمن عندما التقى ابن تومرت في تلمسان في حدود عام 507ه (1113م) كان في حدود العشرين من عمره، وكان ابن تومرت يكبره بنحو 20 سنة على الأقل.

وهكذا توفي ابن تومرت بعد سيرة مزدحمة بالظلم وسفك الدماء، والكذب والمتاجرة بالدين، وخداع الناس والتحايل عليهم. فكلف أهل المغرب تضحيات كبيرة على زعم أنه الإمام المهدي المعصوم، ولي من أولياء الله. كل ذلك مقابل لا شيء حيث أخفى عبد المؤمن بن علي خبر موته خشية تفكك الجماعة، وشاء الله أن يموت ابن تومرت في صمت، فقيرًا وحيدًا رغم ما كان يملكه من سلطان على أتباعه لا يناجزه سلطان في زمانه.

عبد المؤمن بن علي والقيام الفعلي لدولة الموحدين (524-558هـ) (1130- 1163م)

انتهت الحقبة الأولى من دولة الموحدين باعتبارها مرحلة التأسيس والتمهيد للقيام الفعلي للدولة، استغل فيه مؤسسها دعوة التوحيد لكسب الأتباع والتخلص من المرابطين، وتفانى في سبيل تحقيق ذلك بكل السبل، الشرعية وغير الشرعية، ثم ذهبت كل جهوده وتضحياته في يد خليفته عبد المؤمن بن علي.

كان عبد المؤمن بن علي الكومي من قبيلة كومية وهي فرع من زناتي، ولد في قرية “تاجرا”، وتعلق بابن تومرت بعد أول لقاء لهما في تلمسان. ويمكن القول إن ابن تومرت صنع عبد المؤمن صناعة الخليفة الذي سيحمل إرثه، فكانت مهمة الأخير سهلة بالمقارنة مع بدايات مؤسس الدول، ولم يبقَ عليه إلا النهوض بعبئ الملك وتنظيم هذه الدولة بعد أن أصبح خليفتها.

قال عنه “الزركلي” في “الأعلام”: “وكان عاقلًا حازمًا شجاعًا موفقًا، كثير البذل للأموال، شديد العقاب على الجرم الصغير، عظيم الاهتمام بشؤون الدين، محبًا للغزو والفتوح. خضع له المغربان (الأقصى والأوسط)، واستولى على إشبيلية وقرطبة وغرناطة والجزائر المهدية وطرابلس الغرب وسائر بلاد أفريقية. وأنشأ الأساطيل، وضرب الخراج على قبائل المغرب. وهو أول من فعل ذلك هنالك…”[11] وأشار بعض المؤرخين إلى أن ما كان يعيبه هو كثرة سفك الدماء لمن عارضه من أتباعه أو من غير أتباعه على طريقة شيخه ابن تومرت.

وهكذا استغرق الأمر ثلاث سنوات كاملة لعبد المؤمن كي يجمع صفوف حركته؛ ليكون أول ظهور لافت له الاصطدام العسكري مع تاشفين بن علي سنة 533 ه (1139م)‏، لتمتد بعدها مرحلة الاستيلاء على الحصون المرابطية فى الطريق إلى مراكش.

استراتيجية التمكين لدى عبد المؤمن

دولة الموحدين

حصن من حصون مدينة وهران.

كان عبد المؤمن يتفادى تمامًا مواجهة المرابطين في مراكز قوتهم الكبيرة في سهل مراكش وما يليه شمالًا، إنما كان يسيّر لهم الجنود شرقي جبال درن ويخترق ممر تازا، ويصعد شمالًا إلى تلمسان ونواحيها. وبهذا الشكل تمكن من السيطرة على مساحة واسعة في المغرب الأوسط.

وتشجع أكثر لتمديد هذا السلطان بعد وفاة علي بن يوسف، واستلام ابنه تاشفين الملك في عام 537هـ (1142م- 1143م). وكان شابًا صغير السن شديد الحماسة قليل الخبرة، ما لبث أن قتل على يد الموحدين وهو يدفعهم عن وهران وذلك في عام 539هـ (1145م). وبموته سقطت كل من وهران وتلمسان في يد الموحدين، وبدأ الانهيار السريع لسلطان المرابطين. مع ذلك أظهر هؤلاء المرابطون بسالة كبيرة في زحف الموحدين، هذا ما يفسر تأخر عبد المؤمن في السيطرة على مدينة فاس مما اضطره إلى حصارها حصارًا شديدًا استمر لتسعة أشهر حتى تمكن منها في عام 540هـ (1146م).

وبعد ذلك بسنة فقط، شكل دخول الموحدين بقيادة عبد المؤمن إلى مراكش وقتل آخر أمراء المرابطين، “إسحاق بن علي بن تاشفين” وجمع من القادة معه، اللحظة التاريخية لسقوط الدولة المرابطية وقيام دولة الموحدين في المغرب الأقصى وجزء كبير من المغرب الأوسط.

وهكذا نجح الموحدون في هدم دولة الجهاد والدعوة المرابطية، في إحدى أغرب حوادث التاريخ بعد أكثر من قرن من الحكم. وتم لهم الملك، حين دخل الموحدون الأندلس، واستلموا القيادة فيها من يد المرابطين في عام 479هـ (1086م) لتبقى بين أيديهم لمدة 60 سنة قبل أن تسقط نهائيًا في يد النصارى.

ولابد أن الأسباب قد اجتمعت لسقوط دولة المرابطين، إلا أن أشدها إثخانًا في بنيان هذه الدولة كان دعوة الموحدين ومشروعهم المنافس.

المغرب تحت سلطان الموحدين

انشغل الموحدون بضبط الأمن والاستقرار بعد سقوط مراكش، في المغرب الأوسط وباقي مناطق أفريقية، حيث استغلوا انهيار المرابطين، النورمان، فاستولوا على المهدية، المدينة الساحلية، وانتزعوها من أيدي أمراء بني زيري الصنهاجيين تزامنًا مع غزو بني هلال، خلال النصف الأول من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). لكن عبد المؤمن بن علي قاد جيشًا ضخمًا بنفسه، فبسط سيطرته على تلمسان وبقية المغرب الأوسط ثم باقي الساحل الإفريقي. وسيطر على بجاية ثم تونس والقيروان ومنه إلى المهدية، وقاتل النورمان حتى هزمهم.

وتم له الأمر في سنة الأخماس سنة 555هـ (1160م) وهي السنة التي وحّد فيها الموحدون المغرب كله من الأطلسي إلى قفصة. وما لبثت أن انضمت طرابلس لهذه الدولة فكان ذلك أبرز إنجازات عبد المؤمن وأكبر حسناته. وفي نفس هذا العام بعد طول انشغال بالمغربين، التفت عبد المؤمن أخيرًا للأندلس التي كانت تعيش الفوضى في مرحلة ملوك طوائف ثانية.

وفي هذه السنة أيضًا حاول عبد المؤمن إخضاع الهلاليين في تونس وثورة يقودها عبد الله بن خراسان لكنه فشل بداية ليخرج خليفة الموحدين بعد ذلك بأكبر جيش في تاريخه، ويسيطر بشكل كامل على تونس، ثم المهدية التي انتزعها من يد النورمان بعد حصار شديد أطبقه عليهم.

وكسر عبد المؤمن التحالف بين بعض الهلاليين والنورمان، بحملات قادها ابنه عبد الله، وأخرى قادها بنفسه. وهكذا استقر الملك في يد القائد الموحدي، في السنة التاريخية 555ه. وأصبحت بذلك دولة الموحدين أقوى دولة إسلامية وأكبرها في عصرها، حيث كانت الدولة العباسية قد انهارت ضعفًا، والدولة الأيوبية كانت لم تقم بعد مع تسلط الصليبيين على الشام. أما عبد المؤمن فالتفت في هذه الأثناء للأندلس.

الأندلس تحت سلطان الموحدين

بعد سقوط مراكش في يد الموحدين سارعت القبائل المغاربية للدخول في طاعة عبد المؤمن بن علي. وفي هذه الأثناء استغل بعض رؤوس الأندلسيين انهيار المرابطين فأعلنوا التمرد عليهم وتمزق الأندلس من جديد على غرار فترة ملوك الطوائف الأولى، إلى أن سيطر الموحدون من جديد على زمام الأمور. واستمرت هذه المرحلة منذ مقتل تاشفين بن علي سنة 539هـ (1144م) إلى استرجاع الموحدين المرية من يد النصارى عام 552هـ (1157م)، فاجتمع ما تبقى من الأندلس من جديد تحت حكم المسلمين وكانت عاصمتهم إشبيلية.

 وتركز اهتمام الموحدين على الغرب الأندلسي طوال مدة حكمهم؛ حيث أبلوا البلاء الحسن في معاركهم الكبرى، بينما عجزوا عن الاهتمام بوسط الأندلس وشرقه إلا أن جهادهم في الغرب أمَّن هذه المناطق وقوى الجبهة الإسلامية.

وكانت المرية قد سقطت في يد ألفونسو السابع بن ريموندو المعروف باسم “بالسليطين” لصغر عمره عند توليه السلطنة. وكان هذا السقوط نتيجة حتمية لاستهتار أمراء الطوائف وضعف بصيرتهم في مرحلة ملوك الطوائف الثانية. وقاد جيش الموحدين لاسترجاع المرية “أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن” الذي ولاه والده إشبيلية، واستبسل الموحدون في قتال النصارى الذين حالفهم آنذاك أحد أمراء الأندلس، “محمد بن سعد بن مردنيش”، لكن سرعان ما ولى أدباره عندما رأى النصر يلوح في الأفق لصالح الموحدين وترك السليطين لوحده؛ فلم يصمد الأخير ليفرّ هاربُا بدوره. ولكنه لم يلبث طويلًا حتى توفي متأثرًا بما ناله من هذا القتال.

وبسط الموحدون يدهم على المرية سنة 552هـ (1157م) فتوحدت على إثر ذلك بقية مناطق الأندلس الإسلامي تحت حكمهم، وأصبح ابن عبد المؤمن، أبو سعيد عثمان والي الأندلس.

ومن آثار الموحدين التي لا تزال تشهد لهم بحكم الأندلس، الحصن الذي أمر ببنائه عبد المؤمن على سفح جبل طارق في عام 555ه (1160م)، ويعرف بالحصن العربي.

وفاة عبد المؤمن الموحدي

شهد الأندلس تمردًا قاده إبراهيم بن همشك في أواخر أيام عبد المؤمن، بأزٍ من صهره محمد بن سعد بن مردنيش سرعان ما أخمد حركته السلطان الموحدي، وكانت تلك آخر مهمة له، فما أن ضبط أمر الأندلس ورجع إلى المغرب، ونزل بمنطقة سلا، أصابه المرض، وأثقل عليه وتوفي في عام 558هـ (1163م).

وانتهت مرحلة حكم ثاني رجال الموحدين، وعمره لم يتجاوز 34 سنةً عايش فيها عصر الازدهار والتوسع في تاريخ دولة الموحدين والتاريخ المغربي.

ولا شك أن عبد المؤمن أظهر مهارات قيادية باهرة؛ حيث نجح في توظيف القوة العسكرية والسياسية الكبيرة التي ورثها من ابن تومرت، في إنشاء أكبر دولة في العصور الوسطى امتدت من خط الواديانة في الأندلس إلى وادي درعة في جنوب المغرب والمحيط إلى أحواز طرابلس.

ساعده في ذلك الأتباع المخلصون الذين تفانوا في إرساء ملك الدولة. منهم أبو حفص عمر أينتي المعروف بالهنتاتي، وأبو يحيى أبي بكر بن إيجيت، وأبو إبراهيم إسماعيل الهزرجي المعروف باسم “بابيج”، وعمر بن عبد الله المعروف باسم عمر أزناج، وغيرهم من رجال الموحدين الأكفاء والأفذاذ الذي يرجع لهم الفضل بعد قادتهم في إنجاح مشروع دولتهم والذي استلم زمامها أبناؤهم من بعدهم.

ويرجع بنا هذا لاستراتيجية تصنيف الأتباع التي انتهجها ابن تومرت بطبقتَيْ أيت عشرة وأيت خمسين المتلاحمين بإخلاص، التي كان لها أثرها الكبير في تقوية أساس الدولة وصمودها. فما أن نخر الضعف في هذه الكتلة حتى بدأت ملامح الانهيار تظهر على الدولة.

ومما روي عن عبد المؤمن وبراعته القيادية أنه أطلق حرية العلوم والمعارف وأنشأ الكثير من المدارس والمساجد، على الرغم من ثباته على منهج شيخه ابن تومرت. ولعل أبرز معالم القوة في سيرة هذا الخليفة أنه عمل على إقران الخدمة العسكريّة بالعلوم التثقيفية، وأنشأ مدارس كثيرة أخرجت جيلًا فريدًا من قوّاد الحروب والسياسيين البارعين في دولة الموحدين، وأشرف على ذلك بنفسه.[12]

لم يكتفِ بالاهتمام بصناعة الرجال والقادة، بل اهتم أيضًا بتوفير العدة والعتاد لهم، فأقام مصانع ومخازن ضخمة وكثيرة للأسلحة؛ مما جعل دولة الموحدين من أقوى الدول من الناحية العسكرية.

الخليفة الجديد: أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن

خلف عبد المؤمن بن علي ابنه محمد ولكنه خُلع لفسقه، فورث ملك الموحدين بعد ذلك ابنه أبو يعقوب يوسف. وكان أصلح أبنائهم وفق اختيار كبار الموحدين. استلم الملك في عام 558ه (1163م) إلى غاية 580 هـ (1184م).

كان يعقوب قد تمرس الحكم عندما عمل سنوات طويلة كعامل على أشبيلية، ولم يقصر القائد الجديد في حفظ ملك أبيه، وبذل جهده في معالجة تداعيات الملك الكبير. ولم تكن مهمة سهلة حفظ الأمن والاستقرار في المساحات الشاسعة التي قامت عليها هذه الدولة، خاصة بالنظر للثورات الكثيرة التي كانت تندلع ضد الموحدين تزامنًا مع صعود الأيوبيين في المشرق، ثورات قادها غالبًا علماء ورجال تأذوا من اضطهاد الموحدين لهم.

أول هذه الثورات شهدتها طرابلس التي كان يميل أمراؤها لصلاح الدين الأيوبي، ثم الأندلس التي كان يثيرها سعيد بن مردنيش، فرده أخوا يوسف أبو سعيد والي الأندلس وأبو جعفر سنة 561هـ (1166م).

الأندلس تحت حكم يوسف بن عبد المؤمن

أدرك يوسف حجم الخطر الذي يتهدد الأندلس ونوايا ابن مردنيش صاحب مرسية وشرق الأندلس. وكان آنذاك على عرش ليون وقشتالة الملك “فرناندي الثاني”، تزمنًا مع صعود برتغالي بقيادة ألفونسو أنريكي “ابن الرنق”. فأجرى يوسف بن عبد المؤمن تحالفًا مع فرناندو الثاني للقضاء على ابن مردنيش بعد حرب شديدة كانت خسائرها كبيرة. لكن تحالف الموحدين مع فرناندي سرعان ما تلاشى بعد وفاته؛ حيث خلفه الملك ألفونسو الثامن وكان يُكِنّ خوفًا شديدًا من المسلمين. وتحسبًا لأي عدوان منه، قرر يوسف أن يُعِدّ حملة كبيرة على غرب الأندلس.

الحملة على غرب الأندلس

دولة الموحدين

أخرج يوسف بن عبد المؤمن جيشًا ضخمًا باتجاه غرب الأندلس، وكان تحت سيطرة البرتغاليين منذ عام 541هـ (1146م). فاستعد “ألفونسو أنريكي” للحملة بتحصين “شنترين” بالمؤن والدفاعات. مما اضطر الموحدين لحصارها.

كان المرابطون أبناء حركة جهادية تمرسوا فنون الإعداد والقتال والخطط الحربية فكان لذلك آثاره الجليلة في الأندلس. لكن الموحدين كانوا يفتقدون هذه الدرجة من الاحتراف بالمقارنة؛ والسبب في ذلك يرجع لحرصهم على أن تبقى القيادة بين خاصتهم، فبقيت المهارات القيادية محدودة بالجملة، لم يبرز بينهم بشكل لافت إلا عبد المؤمن بن علي وابنه يوسف وحفيده يعقوب.

هذا ما يفسر ضعف الانتصارات في الصف الموحدي بعد عصر يوسف. وهذه مشكلة كبيرة كان لها دورها في انهيار الدولة، ألا وهي افتقاد الرصيد من القيادات النجيبة، وهذا الرصيد لا يمكن إثراؤه إلا بتوسيع دائرة رصد القادة في وقت كان يجتذب فيه جيش الموحدين الضخم خيرة أبناء القبائل المغربية من المصامدة يليهم الصنهاجيون والزناتيون فضلًا عن العرب الهلاليين وبعض الأندلسيين.

ورغم ما امتلكه الموحدون من قوة الجيش وقوة الحرس للخليفة من العبيد الذين اشترتهم الدولة من بلاد السودان. كانت القوة الموحدية مفككة في داخلها؛ لافتقادها القيادة الفذة التي تدير كل هذه الطاقات بانسجام، وتحسن التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، على غرار ما كانت تتصف به جيوش الأيوبيين والمماليك والعثمانيين.

وهذا ما يفسر أيضًا لماذا عجز جيش الموحدين الكبير في الاستيلاء على حصن “شنترين”؟ الذي يرجع إلى ضعف القيادة التي أمرت بإرخاء قبضتها في الحصار، والاتجاه إلى مدينة أخرى بشكل مفاجئ دون إعلام بقية الجند الذين لا يزالون في الطريق. مما أحدث ذعرًا كبيرًا في الصفوف ظنًا أنها الهزيمة. وكانت فرصة سانحة للنصارى فأصابوا من المسلمين بمن فيهم السلطان أبو يعقوب يوسف نفسه، حيث استُهدف بسهم مسموم.

وبسقوط الرأس انهار الجيش الهش، وتكبد الخسائر الجمة. وانتهت فترة حكم ثالث خلفاء الموحدين في 580هـ (1184م). وذهب بعض المؤرخين إلى أن سبب موته حالته الصحية الضعيفة حيث كان كثير المرض وانهار بعد هذه الحرب.

وفاة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن

توفي يوسف عن عمر 47 سنةً، بعد مسيرة حافلة بالنشاط والعمل؛ فتمكن من حفظ سلطان الموحدين، وأطال من عمر فترة ازدهار الدولة منذ عصر أبيه. بل تعتبر سنوات حكمه ذروة الازدهار لدولة الموحدين. حيث عاشت الدولة 15 سنةً تحت حكمه بكل قوتها. لكنه عمر قصير نسبيًا لدولة بحجم دولة الموحدين، وما توفر لها من ثروات وموارد وطاقات وموقع استراتيجي.

ثورة بنى غانيّة المسوفيين

ترجع بوادر هذه الثورة لأيام الخليفة يوسف؛ حيث عجزت قيادته عن معالجتها فانقلبت إلى ثورة جارفة سقطت فيها الكثير من الأرواح، وصرف عليها الكثير من الأموال مما جعلها أحد أسباب سقوط دولة الموحدين.

وترجع تسمية “بني غانية” بتشديد الياء، لأم مؤسس بيتهم “محمد المسوف”؛ حيث كان ينسب إلى أمه وكانت من بلاد غانة. ولم يكن أمرًا مستهجنًا النسبة إلى الأمهات أيام المرابطين نظرًا لكون الرجال كانوا يتزوجون كثيرًا ولكل منهم أبناء من عدة زوجات، فينتسب الأولاد إلى أمهاتهم تمييزًا لهم في البيت الواحد.

وكل يوسف ابن عبد المؤمن، “أبا زكريا يحيى بن غانية”، على بعض أعمال قرطبة وأثبت جدارته في العمل إلى أن توفي في عام 543هـ (1148م). وكان أخوه “محمد بن غانية” يحكم الجزائر الشرقية منذ سنة 541هـ (1146م) منذ أيام المرابطين، وحتى بعد حكم الموحدين بقي يداريهم ويسايسهم وهو مباعد لهم إلى أن توفي في عام 550هـ (1155م). وخلفه أبناؤه، فمال أحدهم واسمه “محمد بن غانية”، لمصالحة الموحدين والدخول في طاعتهم فأثار سخط إخوته فخلعوه، وأعلنوا الثورة على الموحدين بقيادة “علي بن غانية”.

واستقطبت ثورته الكثير من بقايا المرابطين والناقمين من الموحدين، وخطط “علي بن الغانية” للخروج بقواته لفتح جبهة جديدة في إفريقية، بعيدًا عن نفوذ الموحدين، مستفيدًا من مدد العرب الهلاليين. وكان ذلك أثناء انشغال الموحدين بأوضاع الأندلس. وبدل أن يحيد قادة الموحدين قضية بني غانية والجزائر الشرقية إلى أن ينتهوا من العدو الصليبي. شغل الموحدون أنفسهم بها، فاستنزفتهم الحملات تلو الحملات إلى إفريقية، وكّلفتهم حياة الآلاف من خيرة جنودهم والملايين من أموالهم في حرب عقيمة تطارد ثوارًا في صحراء. وإن حققوا بعض الانتصارات عليهم وأبعدوهم إلى حين، إلا أنها كانت حرب عصابات أثقلت كاهل دولة الموحدين تمامًا، كما أثقلوا بدورهم كاهل المرابطين فيما سبق.

الخليفة المنصور أبو يوسف

وجد أبو يوسف يعقوب الملقب بـ”المنصور” نفسه أمام فرصة بعد انحسار خطر بني غانية إلى حين للتفرغ للأندلس. حيث استمر الضغط النصراني على المسلمين مما تطلب تدخلًا حاسمًا من الموحدين، في وقت كان يسطّر فيه صلاح الدين الأيوبي بطولات ضد الصليبيين في المشرق.

وكان ملك البرتغال “شانسو الثاني”، ابن الفونسي أنريكي، قد عقد العزم على السيطرة على غرب الأندلس، فحشد جنوده واشتد عزمه بمدد الصليبيين من غرب أوروبا إلى بلاد الشام؛ حيث كانت تنزل قوافل الجند في موانئ البرتغاليين في طريقها، فاجتذب بعضهم للعمل في خطته للاستيلاء على “شلب”، وهو من أكبر موانئ الموحدين غرب الأندلس. وبالفعل تحقق للصليبيين ذلك في عام 585هـ (1189م).

معركة الأرك التاريخية

استثار هذا الهجوم المنصور، فاستنفر الناس في كل البلاد، وأعلن الجهاد، واستفاد من أجواء انتصار صلاح الدين على الصليبيين في حطين، وفتحه القدس عام 579هـ (1187م). فاجتمع للمنصور آلاف الجنود المتطوعين بما يفوق قليلًا قوات الجيوش الرسمية للموحدين، وبالفعل استعاد المنصور “شلب” وعددًا آخر من الحصون في عام 586هـ (1191م). لكن كما كان يحصل مع أبيه أوقعه المرض فلم يتمكن من إتمام غزوته الكبرى.

ثم عاود الكرة في عام 591هـ (1194م) واكتمل لديه الإعداد، فعبر إلى الأندلس واتجه إلى إشبيلية بكامل قوته وعتاده. مما أثار الرعب لدى ألفونسو الثامن ملك قشتالة، فاستنفر جميع ملوك النصارى والبابوية، واجتمعت الجيوش النصرانية الكبيرة بقيادات متمرسة في الحروب وبكامل استعدادها للمواجهة، لتأخذ مكانها في سهل حول حصن الأرك على الغرب من مدينة “ثيوداد ريال” اليوم.

والتقى الجمعانِ في 9 شعبان 591هـ (1195م)، وانتهت المعركة بنصر ساحق للمسلمين أجبر ألفونسو الثامن على الفرار مع عدد من فرسانه نحو طليطلة. وكانت واقعة كواقعة “الزلاقة” في أثرها وعظيم مجدها.

وكان لهذه المعركة التاريخية مكتسبات لا تبعد كثيرًا عن مكتسبات معركة الزلاقة. إلا أن المنصور لم يحسن التعامل مع مكتسبات هذه المعركة العظيمة؛ فلم يستولِ على طليطلة مع أنها كانت في متناوله، وأعجزه الشتاء فاكتفى بتخريب بعض الحصون وحرق بعد الزروع تاركًا خلفه فرصة لألفونسو الثامن ليستجمع نفسه ويعدّ للانتقام. واكتفى المنصور بعد ذلك بالأعمال الإدارية في الأندلس ولم يفتح أي عمل عسكري.

وفاة المنصور الموحدي

توفي المنصور في عام 595هـ (1199م) عن عمر يناهز 39 سنةً، وقد عرفت سيرته المرض والحالة الصحية الضعيفة. وكذلك كان حال والده يوسف بن عبد المؤمن الذي توفي بالمرض أيضًا في سن مبكرة نسبيًا، في السابعة والأربعين، وكذلك توفي ابنه أبو محمد عبد الله الناصر في عمر الرابعة والثلاثين من عمره. مما يثير الشكوك في أن العائلة كانت تعاني من مرض.

مات المنصور وفي سيرته معركة الأرك الماجدة، في سن الشباب ما يعني أن الرجل كان يمتلك مهارات قيادية تؤهله لتحقيق انتصارات باهرة مماثلة لو كتب الله له عمرًا مديدًا. ولكن لكل أجل كتاب.

الخليفة أبو محمد عبد الله الناصر

استلم حكم دولة الموحدين بعد المنصور ابنه أبو محمد عبد الله الناصر، وكان لا يزال شابًا في الثامنة عشرة من عمره. يفتقد حنكة من سبق، إضافة لغرور منعه من طلب المشورة حتى من أكثر الناس خبرة وتمرسًا بين مشايخ الموحدين؛ أبو حفص محمد بن أبي حفص. وهي وصية والده له ألا يقطع في أمر بلا مشورة هذا الشيخ لكنه أهملها.

بدأ حكمه وقد سيطر إسحاق بن علي بن غانية على تونس، في عام 595هـ (1199م)؛ مما ضاعف خطر الثورة فجهز لها الناصر حملة بحرية كبرى على الجزائر الشرقية لإخماد الثورة فيها والسيطرة عليها. فكان له ذلك في عام 600هـ (1203م) وعين عليها عبد الله بن طاع الله الكومي واليًا، وقضى على ثورة ابن غانية من جذورها ونالت أصحابها خسائر جمة على يد الموحدين.

ميلاد الدولة الحفصية

يعد قرار الناصر تعيين أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاني أحد أفضل قراراته القيادية. فرغم أن أبا محمد رفض العرض بداية خشية أن يكون في الأمر مكيدة. إلا أنه قبله في الأخير بشروط؛ في مقدمتها أن تكون بيده الولاية بشكل كامل مطلق، لا يتدخل فيه، وأن يكون له حرية اختيار الجند على أن يستمر في الولاية لثلاث سنوات. وتمكن أبو محمد من القضاء على يحيى بن إسحاق بن غانية الميورقي، وأوقع به هزيمة كبيرة في عام 604هـ (1207م). كانت معها نهاية ابن غانية وبداية صعود أبي محمد عبد الواحد الذي بقي يحكم إفريقية بنجاح حتى وافته المنية في 618هـ (1221م).

فخلفه ابنه أبو محمد عبد الله بن أبي محمد عبد الواحد بن أبى حفص. وكانت بدايته سلطة كاملة لكنها تحت إشراف الأمير الموحدي “أبي العلا إدريس بن أبي يوسف يعقوب المنصور”. حتى انفرد بالسلطة بشكل تام في عام 623هـ (1226م)، ولم يصدر الخليفة الموحدي أبو العلاء المأمون أمرًا بإقراره على ذلك إلا بعد عشر سنوات من حكمه. وهكذا أصبح عام 633هـ (1236م) تاريخ بداية دولة بني حفص؛ حيث قام أبو محمد بتوزيع ولايات أفريقية على أهل بيته. وبدأت مسيرة الدولة الحفصية.

مصير ابن غانية

أما مصير يحيى بن غانية فبعد عجزه أمام الموحدين، لجأ إلى الصحراء وقضى ما تبقى من حياته على “اللصوصية”. وعندما شارف على الموت، أرسل بناته إلى أبي زكريا يحيى الحفصي على أن يكفلهن، ثم ما لبث أن أسلم روحه لبارئها في مدينة مليانة على نهر شلف في الجزائر. وبالفعل كفلهن أبو زكريا وكان بارًا بهن وأسكنهن في بيت خاص وعرض عليهن أن يزوجهن. لكنهن رفضن ذلك وبقين على حالهن حتى وفاتهن.

وهكذا كانت نهاية هذا القسم من المرابطين الحانقين على الموحدين، إلا أنهم تمكنوا من إضعاف قوة الدولة واستنزافها لنحو نصف قرن كامل.

أما بقية أتباعهم من مختلف القبائل المرابطية فكانت منازلها في قلب الصحراء؛ حيث كان يلجأ بني غانية، ونسبت بقايا فلولهم إلى قبيلة “طارقة”. ويسمى من ينسب إليها “طارقي” والجمع “طوارق”. وإليها يرجع أصل الطوارق الملثمين بالأزرق، أبناء الصحراء اليوم، فهم بقية المرابطين.

موقعة العقاب وهزيمة الموحدين التاريخية

كان لا بد لانشغال الموحدين بابن غانية تداعياته، فمنذ استلم الخليفة الموحدي الرابع أبو محمد عبد الله الناصر سنة 595هـ (1199م) لم تعد هناك حركة للجيوش الموحدية تعبر للأندلس. وتزامن ذلك مع نهاية الهدنة بين ألفونسو الثامن ملك قشتالة والموحدين، فأخذ يغير على الجبهة الإسلامية في الأندلس، مما دفع الخليفة الموحدي للتفكير في تكرار بطولات والده في معركة الأرك، فحشد كل قواته ثم عبر إلى الأندلس.

أما ألفونسو الثامن فكان حب الانتقام يشعل قلبه فجمع كل ما يمكنه من مدد صليبي لهذه المعركة.

ورغم توفر القوة كان ينقص الموحدين الحنكة، فقد عجز قائدهم عن إدارة القوات والتخطيط بشكل يضمن النصر. بل ارتكب خطأ فادحًا بقتل أبي محمد بن قادس، أكبر قائد للأندلسيين قبيل المعركة غدرًا بعد وشاية بلغته. فنفر عنه الأندلسيون تزامنًا مع إقبال كثيف للجيوش الصليبية بعد عقد ألفونسو الثامن تحالفات من كل الاتجاهات لضمان النصر.

والتقى الجمعانِ في 15 صفر 609هـ (1212م)، وحملت المعركة اسم معركة “العقاب” نسبة إلى السهل الواقع أمام مخرج المضيق المليء بالتلال الصخرية القليلة الارتفاع. وتسمى “العقاب” بكسر العين. وشهدت هذه الأرض على هزيمة نكراء للموحدين؛ حيث تبدد جيشهم الضخم وهلكت ألوف من خيرة محاربي المسلمين وعشرات الألوف من أنجاد البربر وكانت النهاية الحقيقة للقوة الإسلامية في الأندلس. ولم يلبث الناصر أن توفي بعد هذه الهزيمة بأشهر قليلة في عام 610هـ (1213م). لتنتهي مرحلة القوة للدولة الموحدية وتدخل مرحلة الانهيار.

آخر خليفة موحدي وميلاد دولة بني مرين

دولة الموحدين

خلف الناصر ابنه أبو يعقوب يوسف بن محمد الناصر الذي تلقب بـ”المستنصر”. لكنْ أقرباؤه انقلبوا عليه في المغرب والأندلس وانحدرت الدولة في الحروب الأهلية والتنازع وتوالى خلفاء الموحدين على الحكم في اضطراب وضعف، حتى كانت النهاية بدخول حلفائهم القدامى بني مرين الزناتيين إلى مراكش وقضائهم على آخر قادة الموحدين في سنة 668هـ (1270م)؛ حيث سقطت دولة الموحدين على يد المرينيين في المغرب الأقصى، بعد أن تحارب الطرفان في معركة شديدة دارت في “وادي غفو” الذي يقع بين مراكش وفاس.

وقُتل في هذه المعركة إدريس الواثق آخر حكام الموحدين وانهزم جيشه ودخل المرينيون إلى العاصمة مراكش لتسقط دولة الموحدين في التاسع من محرم عام 668هـ، وتقوم دولة المرينيين على رأسها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق. وفي هذه الأثناء انفصل بنو عبد الواد في تلمسان، واستقل الحفصيون في تونس وطرابلس وتمزقت وحدة الولايات الإفريقية.

مصير الأندلس بعد سقوط الموحدين

لم يكن مصير الموحدين مختلفًا في الأندلس؛ فقد استقوى النصارى فاستولوا على الحصون الإسلامية تباعًا بلا عناء، وأخذت كبار العواصم تسقط على التوالي أيضًا. أبرزها قرطبة عاصمة الأندلس الزاهرة التي سقطت في 22 شوال 633هـ (1236م) في يد “فرناندي الثالث” ملك قشتالة. ولم يبقَ أمام الأندلسيين إلا الاجتماع حول لواء محمد بن نصر بن الأحمر في جبال غرناطة. فتمكن من حفظ الوجود الإسلامي في الركن الجنوبي من الأندلس إلى أن سقطت غرناطة سنة 897هـ (1492م) في يد فرناندو وإيزابيلا؛ ليشكل هذا التاريخ نهاية دولة الأندلس الإسلامية.

خلفاء دولة الموحدين

  • عبد المؤمن بن علي (524 – 558 هـ/ 1129 – 1163م)
  • أبو يعقوب يوسف (558 – 580 هـ/ 1163 – 1184م)
  • أبو يوسف يعقوب المنصور (580 – 595 هـ/ 1184 – 1199م)
  • أبو محمد عبد الله الناصر (595 – 610هـ / 1199 – 1213م)
  • أبو يعقوب يوسف المستنصر (611 – 620هـ / 1213 – 1224م)
  • عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن (620 – 621هـ/ 1224 م)
  • أبو عبد الله بن يعقوب المنصور (العادل) (621 – 624هـ/ 1224- 1227م)
  • يحيى بن الناصر (624 – 627هـ/ 1227 – 1230م)
  • المأمون بن المنصور (627 – 630هـ/ 1231 – 1232م)
  • الرشيد بن المأمون بن المنصور (630 – 640هـ/ 1232 – 1242م)
  • السعيد علي أبو الحسن (640 – 646هـ/ 1242 – 1248م)
  • أبو حفص عمر المرتضى (646 – 665هـ/ 1248 – 1266م)
  • أبو دبوس الواثق بالله (665 – 668هـ/ 1266 – 1269).[13]     

أسباب سقوط دولة الموحدين

لقد كتب الله لكل دولة عمرًا، وقد آن أوان انهيار دولة الموحدين، بعد أن سجلت اسمها كدولة كبرى في تاريخ الإسلام. بلغت ذروة قوتها في العصور الوسطى، ورافق امتدادها على قارتين، حضارة مغربية أندلسية متألقة تظهر معالمها حية في العمارة الإسلامية، التي بلغت درجات رفيعة من الفن المعماري، أما الساحة الفكرية للموحدين فاشتهرت بالفلاسفة، كابن طفيل وابن رشد ومحي الدين بن عربي.

ويرى المؤرخون أنه منذ تسلم أبناء أبي يوسف يعقوب المنصور الملك دخلت الدولة في حقبة الانهيار، وكان أولهم أبا عبد الله بن يعقوب المنصور المعروف بالعادل. 

لقد سجل التاريخ هذا السقوط المريع لكيان بمثل حجم دولة الموحدين بسرعة مفاجئة، لكنها نتيجة حتمية لكل دولة حملت بداخلها بذور الضعف وأسباب الانهيار. ولا شك أن أول أسباب انهيار هذه الدولة كان الظلم والتساهل مع الدماء، فكانت عاقبته وخيمة ولو بعد حين. ثم بلا شك الانحرافات العقدية التي ألزم بها ابن تومرت الموحدين ومحاربته لمنهج أهل السنة والجماعة بحجة أن منهجه هو الأصح.

ولا شك أن الانهيار بدأ منذ استبد الخلفاء بالرأي وتلاشى تأثير المشيخة وأيت عشرة، وتداعت المظالم والثورات بعد أن انغمس القادة والأمراء في الترف. وتلك سنة تتكرر مع كل دولة في تاريخ الأمم. وعندما يفسد الوزراء ورؤوس القوم يتفشى السخط بين الرعية ويبدأ بنيان الدولة في التصدع.

وفي حين تلاشت دولة الموحدين وورثت ملكها دول جديدة انقسمت معها وحدة الولايات الإفريقية؛ بقي من الأندلس غرناطة وأشبيلية فقط، اللتان استمر بفضلهما الإسلام في الأندلس لأكثر من 250 سنة بعد سقوط دولة الموحدين.

قراءة عقدية لتاريخ الموحدين

دولة الموحدين

قلَّما نجد دراسات تاريخية تتناول الماضي بميزان العقيدة وتقيّمه وفق أسس عقدية راسخة. وهنا أمام تاريخ دولة الموحدين لا بد أن نسلط الضوء على عقيدة كانت وسيلة ابن تومرت في هدم دولة إسلامية وإقامة دولة أخرى محلها، وحجم الظلم والأذى والهدم الذي نال الساحة العلمية والدعوية بمشايخها وعلمائها، باسم عقيدة ابن تومرت! وكيف أن هذا الانحراف العقدي كان السبب في انهيار بنيان هذه الدولة بأسرع ما يكون، كما أنه كان السبب في الكثير من الاعتداءات على دماء وأعراض المسلمين.

مع التنبيه إلى أن الاستدلال بأقوال المؤرخين في تقييم التجربة الموحدية يتطلب إحاطة بعقيدة هؤلاء المؤرخين؛ فمنهم من كان ينتمي للموحدين فلا شك أنه سيثني على ما يصدر منهم، ومنهم من يحمل من عقيدة ابن تومرت ما يبرر له فساده.

ومن الصعب تلخيص ضلالات ابن تومرت وما عرفته دولة الموحدين في هذا المقام لكننا نشير إلى بعض منها؛ كتشنيع ابن تومرت على المرابطين الذي دفعه لإحراق كتب المالكية، ومنع تداول صحيح مسلم وفرض سنن أبي داوود والمذهب الظاهري لابن حزم بحد السيف لإخضاع الناس لعقيدته. تلك العقيدة التي تكونت لديه بعد رحلته للمشرق لطلب العلم فرجع بخليط من عقائد الأشعرية والمعتزلة والباطنية، يروم المهدية. يقول عنه ابن خلدون وكان من المعجبين به: “وقد قاوم ابن تومرت مذاهب المشبهة والمجسمة التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت على المغرب، وروج للمذهب الأشعري، وأعلن التوحيد “[14].

لكنه في الواقع توحيد ابن تومرت الذي قاده لتعذيب العلماء وحرق كتبهم. واستباحة الدماء المعصومة وأعراض النساء المسلمات، ومما يروى عنه أنه أدخل بدعة النداء للصلاة بالبربرية. وليس غريبًا ذلك على من تجرأ فكذب على الله ورسوله ووضع الأحاديث ونسبها إلى نفسه في المهدية، فشابه الرافضة في طريقتهم وغلوهم في أئمتهم. فكتابه الشهير الذي كتبه بلسانهم البربري، قسمه إلى سبعة أحزاب عدد أيام الأسبوع، وأمرهم بقراءة حزب واحد في كل يوم بعد صلاة الصبح.[15]، وكفّر من عانده في ذلك، فصار هذا الكتاب عند المصامدة كالقرآن العزيز.[16]

ولا شك أن هذا الضلال كان السبب في تلاشي حماسة الأتباع لمنهج ابن تومرت بعد وفاته، فدفنت مع الوقت معظم أفكار وأقوال مدّعي المهدية.

براءة الموحدين من نهج ابن تومرت

واستمرت دولة الموحدين على نهج ابن تومرت وإن خفّت الحماسة له. إلى أن تسلَّم الحكم أبو العلاء المأمون، فأعلن براءته من ابن تومرت ومهديته، وخطب في الناس في مراكش قائلًا:

… أيها الناس لا تدعوه بالمهدي المعصوم -يعني ابن تومرت- وادعوه بالغوي المذموم فإنه لا معصوم إلا الأنبياء[17]. 

وأبطل ما كان يفرضه ابن تومرت من سنن خاصة به، ما أنزل الله بها من سلطان. وفي الواقع فإن التبرأ من فكرتي العصمة والمهدية اللتين ادّعاهما محمد بن تومرت بدأ مبكرًا منذ عصر عبد المؤمن بن علي. لكنه لم يعلن عن ذلك؛ وفي نفس الوقت لم يفعل شيئًا لتغيير ما أقره ابن تومرت في حياة الموحدين خشية أن يفقد تماسك الدولة وينفلت الأتباع.

في الختام

إن نجاح الدعوات في إقامة دول، اعتمد بشكل أساسي على الإخلاص لهذه الدعوات، بغض النظر عن صلاحها من فسادها. فما أن تتلوث الدعوات بحظوظ النفس تبدأ ملامح الانهيار تظهر في العلن وتفقد المشاريع قوتها. ويُسرّع من عملية الانهيار هذه، درجة فساد الدعوات والمظالم التي تسببت فيها.

لقد حجب حب البطولات وجاذبية الانتصارات والنجاحات، الكثير من الحقائق المؤلمة عند سرد تاريخ المسلمين. ولا يمكن استيعاب نقاط الضعف المصيرية في هذا التاريخ بدون قراءة عقدية موازية متخصصة، تزن الأحداث بمقياس الشريعة، ولا تحابي أحدًا في تبيان الأخطاء الكارثية والمظالم التي سطرت باسم العقائد؛ خاصة وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا يغفرها نجاح لافت.

ثم عند قراءة التاريخ علينا دائمًا استحضار حقيقة أن “التاريخ غير مقدس” وأن التاريخ للاعتبار والتعلم، وإن أكبر الظلم تكرار أخطاء من سبق بحجة بطولات وانتصارات سُطرت في زمانهم.

ولا يمكن أن تعود الأمة لمرتبة العز والمجد الواعدة إلا بتصحيح العقيدة كما يشير الحديث: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.

1710

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.