اليوم السابع: وضع مجلس الكنائس في مناهج التاريخ الثانوي، وإعلان من وزارة التربية والتعليم بالسماح للكنائس المصرية للمساهمة في وضع المناهج التعليمية.
وبدورها تحذف الموضوعات الإسلامية التي ليست بهواهم وتضرهم أو تحسن صورة الإسلام؛ ليجعلوا صورته مشوهة وغامضة في عقول الأطفال المسلمين.

لنتوقف عند هذا الخبر ونأتي ببداية وضع المناهج التي أوصلتنا لهذا الخبر.

البداية والهدف

في سنة 1882 م وقف جلادستون -رئيس وزراء بريطانيا- ممسكًا بنسخة من المصحف وقال:

إنه ما دام هذا الكتاب باقيًا في أيدي المصريين، فلن يستقر لنا قرار في تلك البلاد

فكان الأزهر هو المستهدف لأنه معقل العقيدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهو من مصادر الوحدة الإسلامية، ولكن لن يفعلوها بنفس طريقة الفرنسيين في الاحتلال الفرنسي بمداهمة الجامع الأزهر واستحلاله بخيولهم، فهكذا سيظهرون عدائهم الواضح وينبهوا أذهان المصريين لما يحدق بعقيدتهم، ورأوا أيضًا أن مدارس التبشير تمارسه بطريقة مباشرة تؤدي إلى عكس المطلوب؛ إذ تنبه المصريين للخطر وتزيدهم استمساكًا بدينهم الإسلام، لذلك لجأ الاحتلال إلى فعل بطيء لكنه مضمون المفعول “Slow but sure” كما ينتهجون هذا في جميع سياستهم.

مستر دنلوب وسياسته التعليمية

اللورد كرومر

اللورد كرومر

عندما اشتكى المبشرون الإنجليز من اللورد كرومر بالتضييق عليهم، قال لهم: “أنتم تخطفون الأطفال من الشوارع لتنصروهم وهذا يؤدى إلى إثارة الناس، ولكنني اتفقت مع (مستر دانلوب) خريج كلية اللاهوت البريطانية لكي يضع منهجًا تعليميًا يؤدي إلى جميع أهدافكم”. وتم تعيين القس دانلوب مستشارًا لوزارة التربية والتعليم وتُرِك الأزهر ولم يُتعرَّض له ظاهريًا، جاءوا بـ دنلوب القسيس ليضع سياسة التعليم المصرية، وينزع هذا المصحف من أيديهم، وكان أول ما قام به:

1. فتح مدارس ابتدائية “حكومية” تعلم العلوم المدنية واللغة الإنجليزية، تُخرّج موظفين يعملون في الدواوين التي يحتلها الإنجليز. وفي البداية قوبلت هذه المدارس بالاستهجان من الناس؛ لتهميشها دراسة الدين، ولكن كان في المقابل طالب الأزهر يتخرج بعد 20 سنة من الدراسة ولا يجد عملًا إلا بصعوبة كمقيم شعائر بمسجد وبمرتب 120 قرشًا، فكانت الناس تفضل إدخال أولادها مدارس دانلوب وتهجر الأزهر، وأصبح مَن يدخل الأزهر طبقة الفقراء العاجزون عن دفع مصاريف هذه المدارس. ولم يكن المتخرجون من تلك المدارس متعلمين ولكنهم كتبة، لا يعرفون شيئًا غير تلقي الأوامر من المدير الإنجليزي، لأن المدارس كان هدفها تخريج العديد من العبيد وتحويل الناس عن الأزهر وتعاليم دينهم ليضلوا.

2. جعل تدريس المقرر في صورة واحدة من كتاب واحد؛ ليحدوا من تفكير الطلاب وتُقتل ملكة الابتكار والإبداع عندهم، غير أن مدارسهم في إنجلترا -في نفس الوقت- تربي تلاميذهم على حب الاطلاع وتحثّ قدرتهم على الاختراع، ويمتحنوهم فيما استفادوا لا فيما حفظوه عن ظهر قلب؛ لتنبّه أذهانهم وتجعل لهم القدرة على حلّ كل ما هو جديد عليهم والإبداع فيه.

3. جعل الناظر الإنجليزي تلفه القداسة والرهبة، وتسري في نفوس التلاميذ الرعب كأنه إله يعبد، وهذه طريقة فعالة ليست للتربية ولكن لزرع العبودية في نفوس التلاميذ.

4. رسخ من خلال التعليم لدى التلاميذ أن مصر بلد متأخر لأنه زراعي، وأن أوروبا بلاد متقدمة صناعية وفيها الفحم والحديد.

5. قام بنبذ الدين الإسلامي فجعل المدارس لا تعلم القرآن ولا الدين، إلا مجموعة محفوظات جامدة متقطعة يسهل نسيانها، وما هي إلا أشياء تضر ولا تنفع. وأصبح الدين لا يدخل في المجموع فلا يهتم به الطلبة وأهلهم (مادة نجاح فقط).
ووضعت حصص القرآن والدين في نهاية اليوم الدراسي، فيكون قد ملَّ وكلَّ التلاميذ، وتسرب منهم من تسرب إلى بيوتهم؛ ليرتبط تعلم الدين بالملل والعجز والضعف فينفروا منه ولا يبقوا عليه في حصصهم أو حياتهم الأخرى.
بالرغم أن مدارس التبشير كانت تبدأ يومها بالصلاة في كنيسة المدرسة والدعاء المسيحي -بما في ذلك التلاميذ المسلمون-، وتدرس حصص الدين صباحًا وبواسطة أمهر المدرسين الشباب وخارج الفصول، ووسط الموسيقى التي تبهج الطلبة بل وتتعدى ذلك إلى أن يتم تدريس الدين المسيحي أثناء لعب الأطفال حتى تترسخ الفكرة عندهم بدون جهد؛ ليربطوا دينهم بالنشاط والتطلع للحياة المشرقة.

التاريخ الإسلامي واللغة العربية في سياسة دنلوب

من يكتب مناهج التعليم لأولادنا؟ وماذا يزرع فيهم؟ 2

توسعت سياسة دنلوب، فأنشأ بضع مدارس ثانوية لها سياسة التعليم ذاتها، ولا تدرس شيئًا عن حقيقة الإسلام. فالتاريخ الإسلامي دُرّس كالآتي:

1. نزل الإسلام في قوم وثنيين يعبدون الأصنام، ويئدون البنات، فدعاهم لعبادة الله وحده ونهاهم عن وأد البنات وصور الجاهلية، ودعاهم للدعوة والغزوات التي انتهت بانتشار الإسلام، وبذلك فرغت مهمة الإسلام؛ لأنه لم يعد هناك وثنيون ولا من يئد البنات. أما الإسلام كقوة حاكمة ونظام يحكم البشرية من جميع أطرافها، وكحضارة امتدت لآلاف من السنين، وكتنظيم اجتماعي واقتصادي، وكحركة علمية أضاءت وجه الأرض، كل هذا لا يُذكر وإنما هو مجموعة من العبادات التي يؤديها الإنسان ليكون قد أتمّ حق الإسلام، أو الشبهات وما يدور حولها.

2. يركز على دور الإسلام السياسي ويهتم بدراسة تاريخ الفساد في الحكم والمعارك الجانبية بين الأمراء وكان من فساد بعض أمراء الدول مادة دسمة لهم، ويركز على الفتوحات الإسلامية ويصفها على أنها معارك من أجل بسط النفوذ وليس من أجل تحرير البشر من استعباد الحكام لهم، ولا يركز على تاريخ علماء الإسلام ودورهم في الاجتهاد، وكيف أنهم كانوا يعيشون ويتعاملون بالشريعة، وما أصابهم من رخاء بسبب تمسكهم بشريعتهم ويخفي كيف كانوا يعاملون من هم على غير دينهم بالقسط، والأمان الذي يلقوه في كنف الدولة الإسلامية.

3. وكذلك يُخفي التاريخ الاستعماري الغربي واستعباد البشر ونقلهم إلى أمريكا مكبلين في أقفاص، واستغلال ثرواتهم وإذلالهم، وطمس هويتهم. وبدراسة هذا التاريخ المشوه لا يجد الطالب ما يدعوه للفخر بتاريخه الإسلامي، ولا يعرف كيف عاش المسلمين الأوائل فيقلدهم ويحتذى بهم. وفي مقابل كل هذا، كان يدرسون لهم أوروبا الحضارة، والقوة، والعلم، والعدالة، والحرية، والتقدم، باختصار هي العملاق الذي لا يقهر.

ولم يكن هذا كل شئ في سياسة دنلوب، فقد كان يتقاضى مدرس (التاريخ واللغة الإنجليزية والرياضيات وكل المواد المدنية) 12 جنيهًا في الشهر، وهي ثروة زهيدة تساوي الرخاء من ثروات وأراضي وبيوت، ومكانة اجتماعية يحظى بها في المجتمع، أما مدرس (اللغة العربية) الذي يعمل معه في نفس المدرسة وبنفس عدد الحصص ويزيد يتقاضى راتبه 4 جنيهات في الشهر، فتنزل مكانته الاجتماعية والاقتصادية، ولا يتسنى له الحياة الكريمة، ويعيش في جو من الفقر، والذل، والمهانة؛ ليرتبط تعلم اللغة بمدرسها وترسخ كراهية اللغة وتعلمها، فحين يراه التلاميذ، سيقولون تلقائياً: “أفٍ، هذا مدرس اللغة العربية!”.
لأن اللغة العربية كانت وما تزال مرتبطة بالإسلام في نفوس المسلمين الناطقين بها أو غير الناطقين بها، فلابدّ من تحقيرها والزراية بها، حتى يتنقل هذا التحقير إلى ما يرتبط بالدين وكل معانيه. وبدأت إشاعة سهولة الإنجليزية عن العربية وبدأ الأهل والأطفال يشتكون من صعوبة العربية. وأصبح المتنبي والبحتري والشعر العربي مادة تخلف، في حين شكسبير ودانتي مادة للتفاخر. بل أيضًا ادعاء أن العلم الحديث يرتبط باللغة الانجليزية ولا يمكن ترجمته إلى العربية؛ لأنها لغة قديمة، ولأن العلم يتطور بسرعة، وأدى ذلك لانصراف الأجيال عن لغة القرآن بل عن القرآن نفسه.

ولا يكتفي بذلك بل إن المتميزين من المدرسين يتم ابتعاثهم إلى إنجلترا؛ حتى يتم صبغ ما تبقى فيهم من بعض العادات الإسلامية، ويعود المدرس من الخارج وهو أكثر ملكية من الملك نفسه، فيزدري أبناء جلدته، ويستحقر عاداتهم الإسلامية، ويترقى حتى يصل إلى وزير معارف أو إعلام، أمثال: (طه حسين، نوال السعداوي، سهير القلماوي، سعد إبراهيم، وفرج فودة) إلى يومنا هذا، والأسوأ أن مَن يتم تعيينه في المناصب العليا في الأزهر هم مَن تعلموا في الخارج حتى يتم ضمان تلويث الأزهر شخصياً ولكن في خفاء. وهذا ما أراده اللورد كرومر وتم له ذلك.

ومن هذا كان التعليم يُدعى تعليم القادرين إلى أن خرج الإنجليز من مصر، وجاء محمد نجيب وكانت فترته قصيرة، امتلأت بالأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصراعات بين الضباط الأحرار أنفسهم على الزعامة، وانتهت باستبعاد محمد نجيب نفسه؛ لهذا لم تشهد فترته تغيرًا كبيرًا في سياسة التعليم، سوى إنشاء عدد من المدارس الابتدائية والثانوية وبقي الحال كما هو إلى أن تولى:

جمال عبد الناصر وسياسته التهميشية لشباب الجامعة

بدأ جمال عبد الناصر يحتوي الطلاب الجامعيين؛ لأنهم كانوا قنبلة موقوتة بسبب الفراغ السياسي من إلغاء الأحزاب، فهو لا يريد أن يخرجوا من تحت سيطرته حتى لا يصبحوا مصدر إزعاج له، وتمثل ذلك في:

  • أنشأ الجامعات الإقليمية ليتباعد الطلاب فيما بينهم، حيث أن أي حدث يحدث في الجامعة (مظاهرات، اعتقالات) سينتقل إلى بقية الشعب من خلال أبنائهم.
  • وبالنسبة للتعليم الثانوي فقد أدرك أن هؤلاء الشباب عجينة طيّعة يمكن تشكيلها واستغلالها لمصلحة النظام عن طريق ضمهم لتنظيم الثورة أياً كان مسماه من خلال أنشطة (الجوالة، منظمة الشباب، الكشافة)، والتوسع في إنشاء المدارس الثانوية في القرى، وتنويع المدارس بين المدارس التجارية والفنية والصناعية؛ لتخرج شباب صغير السن يتعين في الجهاز الإداري للدولة ومصانع القطاع العام، وذلك ليشغلهم عن السياسة إلى تأسيس أسرة جديدة.

وهكذا كان التعليم والمناهج لا تمثل لأي حكومة إشكالية سوى
استخدام المناهج لتحسين صورة النظام

وزارة التربية والتعليم ووضع المناهج

وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن اتخاذ القرارات الخاصة بنظام التعليم وذلك بمعاونة ثلاثة مراكز هي: المركز القومي لتطوير المناهج، والمركز القومي للبحوث التربوية، والمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي، ولكل مركز من هذه المراكز محور التركيز الخاص به لصياغة سياسات التعليم مع اللجان الأخرى على مستوى الدولة.

فإذا تأملت مليَّاً في التعليم الآن، ستجده بنفس النظام الإنجليزي والمنهجية التي وضعها دنلوب، فكل نظام يأتي لا يغير إلا من عدد سنوات التعليم في المرحلة الابتدائية، وإضافة اللغة الإنجليزية على الصف الأول الابتدائي، إلى آخره من التغييرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بتغيير المناهج بما يرتضوه ويخدم فكرتهم إما بتزوير التاريخ وتحريفه أو إلغائه جملةً، كما فعلوا بإلغاء بعض الفصول في قصة عقبة نافع المقررة على الصف الأول الإعدادي، وتحريف في أغلب شخصيات الدولة الإسلامية ومنهم صلاح الدين الأيوبي. وكلها من ثمار سياسة دنلوب، فتارةً يقولون على منهج التعليم الفرنسي، وتارة التعليم الأمريكي، تتغير أنظمة التعليم وظاهرها لكن الجوهر يظل كما هو والهدف المنشود من هذا النظام باقٍ كما أراده دنلوب واللورد كرومر.

2076

الكاتب

دعاء عمر

أسعى لأرتقي دينياً، أخلاقياً، وفكرياً "مقدسية العقيدة، شامية الأندلس".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.