لو قلت لك: إن العالم الذي نعيش فيه اليوم، على ما ترى فيه من مظاهر التقدم الصناعي والتقني، ورغم تطور النظم والقوانين التي تحكم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنظمها؛ عبارةٌ عن لعبة، بما يعنيه المعنى الحرفي للكلمة؛ فعلى الأغلب سيكون هذا الكلام صادمًا لك، ولو زدت على ذلك بأن قلت: إن من يقوم بتسيير هذه اللعبة والتحكم بخيوطها هم مجموعة من التافهين؛ فسيزيدك هذا احباطًا واستغرابًا. أليس كذلك؟

هذا الكلام هو خلاصة ما جاء به أستاذ الفلسفة الكندي “ألان دونو” في كتابه المثير للجدل “نظام التفاهة”، الصادر عام 2017 باللغة الفرنسية تحت عنوان (La médiocratie)، والمترجم من قبل الدكتور مشاعل الهاجري ضمن منشورات دار سؤال. حيث يرى دونو أن العالم الذي نعيش فيه مسيَّر من قِبل مجموعة من التافهين، ومصمم خصيصًا بحيث لا يرتقي سلم المراتب فيه إلا التافهون. لكن مهلًا، قبل أن تصنف هذا الكلام في خانة “نظرية المؤامرة”، انتظر قليلًا لتتضح الفكرة أكثر.

عن الكاتب والكتاب.. سريعًا

آلان دونو.

آلان دونو” مفكر كندي ولد سنة 1970، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس، ويعمل حاليًا مدرسًا للفلسفة في جامعة كيبيك بكندا، ”وهو أكاديمي ناشط معروف بالتصدي للرأسمالية المتوحشة ومحاربتها على عدة جبهات (…) حتى أنه لُوحق قضائيًّا من قبل بعض أقطاب الصناعة عام 2008.“1

كما أنه كاتب جريء معروف بأسلوبه القوي وانتقاداته الحادة واللاذعة، حتى لو كانت هذه الانتقادات موجهة لمحيطه القريب من مدرسين، وأطر جامعية -كما سيأتي لاحقًا-. توجت كتاباته مؤخرًا بكتاب “نظام التفاهة”؛ الذي أحدث الكثير من الجدل حول محتواه عقب صدوره. يدور الكتاب حول فكرة محورية: ”لقد تبوأ التافهون موقع السلطة“2، واستولوا على جميع مفاصل السيطرة في نظام الدولة الحديثة.

لكن المقصود بالتفاهة والتافهين في الكتاب ليس المعنى المتعارف عليه عند الناس، فللوهلة الأولى يظن القارئ أن موضوع الكتاب يدور حول الحمقى الذين عمت بهم البلوى في مواقع التواصل، والمحتوى الهابط المنحط الذي يقدمونه، بهدف تحصيل أكبر قدر من المشاهدات والأرباح. وهذا ما كنت أظنه شخصيًّا قبل قراءة الكتاب.

لكنني فوجئت أن الموضوع أكبر من هذا بكثير؛ فالتفاهة بهذا المفهوم ليست إلا عرضًا هامشيًّا جدًا لظاهرة أعمق وأكثر تغلغلًا؛ ظاهرة اكتسحت جل مجالات الحياة المعاصرة، ألا وهي أن عالم اليوم والنظم التي تسيره والمعايير التي يتحاكم إليها الناس فيه؛ كل هذا مصمم بطريقة لا تسمح إلا لذوي الكفاءة المتوسطة والذكاء المحدود والمستوى المتواضع بالتفوق، ومن الترقي في سلم السلطة والتحكم في زمام الأمور. وهؤلاء هم المقصودون بكلمة “التافهون” في الكتاب. ويشهد لذلك -إضافةً لمضمون الكتاب بشكل عام- قول الكاتب: ”إن التفاهة هو الاسم الذي يشير إلى ما هو متوسط، تمامًا مثلما تشير supériorité و infériorité إلى ما هو أعلى وما هو أدنى“.3 وذلك ببساطة لأن هذا النوع هو الذي يستطيع اتباع القواعد والالتزام الحرفي بالتعليمات دون سؤال، ما دام سيكافؤ ماديًّا.

وعلى هذا فإن استحضار هذا الكتاب في المواضع التي يتم الحديث فيها عن تفاهة “المؤثرين” ورواد مواقع التواصل، وتردي الأذواق عند متابعيهم ومستهلكي موادهم أمر غير صائب، ولعله هو السبب في انتشار هذا التصور الخاطئ عنه.

عمومًا فإننا سنتناول في هذه المراجعة أهم ما جاء في الكتاب من أفكار وأطروحات؛ بطريقة لم أتقيد فيها تمام التقيد بترتيب ورود الأفكار في الكتاب.

جنايات الجامعة على المعرفة والوعي

جناية الخضوع لإملاءات الممولين والشركات

يقدم دونو في كتابه نظرة عامة عن المحركات التي صارت تحرك النظام التعليمي؛ تحديدًا نظام الجامعات والبحث العلمي. إذ إن هذه الأخيرة صارت ترقص على إيقاع الممولين، بمقابل التمويل والدعم المالي، أصبحت الجامعة تدين بالولاء للنافذين وذوي الأعمال، وفقدت استقلاليتها وصارت تنتج الأبحاث وتخرج الكفاءات على النحو الذي تريده الشركات. ”لقد أصبحت الجامعة أحد مكونات جهاز اليوم المالي، الصناعي، والأيديولوجي؛ هذه هي الطريقة التي تستطيع من خلالها أن تجد لها مكانًا ضمن اقتصاد المعرفة”. 4

يتخذ هذا الخضوع أشكالًا متعددة؛ فتارة يكون بتزويد الشركات بالأبحاث العلمية اللازمة لتطوير منتجاتها، وتارة تُسمي الجامعات أقسامها ومرافقها العلمية بأسماء بعض رجال الأعمال أو الشركات الكبرى، وتارة تقوم بإنشاء تخصصات محددة لتكوين خبراء تحتاجهم إحدى الشركات في وظيفة معينة. لكن أحيانًا -وهنا مكمن الخطورة- يتخذ هذا الخضوع أشكالًا مشينة، تتواطأ فيها الجامعات مع بعض الشركات لتغطية الحقائق وتزييفها، كإخراج الجامعة لأبحاث علمية، تثبت أن منتجات الشركة الفلانية لا تتضمن أخطارًا صحية، في حين أن الحقيقة عكس ذلك.

جناية “التخصص”

الهدف من تقسيم التخصصات في الجامعة هو إتاحة الفرصة للطالب لاكتساب كفاءة في المجال الذي يقوم باختياره. لأن دراسة مجال علمي أو فكري أو صناعي محدد، يركز عليه المرء جهوده، تتيح التفوق واكتساب الخبرة والكفاءة في ذلك المجال؛ بخلاف ما إن تشتت جهوده في عدة تخصصات مجتمعة. لكن الجامعات صارت تقوم بتقسيم التخصصات باستمرار إلى “ميكرو-تخصصات” إنْ صح التعبير، أو بإنشاء تخصصات دقيقة جدًا تهتم بوظيفة فرعية من الصناعة أو من العلوم، وذلك بطبيعة الحال خضوعًا لأصحاب الصناعات؛ لأن المردود الربحي يزداد كلما زادت وظيفة العامل أو الموظف تحديدًا ودقة.

ولنأخذ مثالًا يوضح الفكرة أكثر: حين نأتي إلى صناعة السيارات؛ فإنك حين تكلف كل عامل بصناعة سيارة كاملة، وهو قادر على ذلك طبعًا، فإن المردود يكون أقل بكثير مما لو كلفت كل واحد من عمالك بجزئية محددة في السيارة، فتبعًا لهذا المبدأ الربحي يُجنى على المعرفة والعلم؛ فتصير النتيجة أن المتخرج من الجامعة لا يعدو كونه ”أميًّا ثانويًّا“ على حد تعبير دونو، وهو شخص يمتلك معارف ومهارات جزئية ينغمس فيها إلى درجة أنه يفقد القدرة على التفكير الشمولي في الكليات: ”إن هذا الإنسان الجديد (الأمي ثانويًّا) هو شخص مكون من معارف عملية، من دون أن تقوده معارفه هذه إلى مساءلة ما تستند إليه من ركائز أيديولوجية“5.

أي أن تفكير خريج الجامعة (الأمي ثانويًّا) يكون سجين مجال عمله، أسير تعليمات رئيسه أو مديره، لا يملك معرفة شمولية حتى عن مجال عمله؛ فضلًا عن أن يملك تفكيرًا حرًا يقوده إلى النقد والتمرد على “نظام تفاهة” هذا. وهذه نتيجة بناء التعليم على مبدأ “ينبغي للعقول أن تُفصل وفق احتياجات سوق العمل” كما جاء في تصريح رئيس جامعة مونتريال عام 2011. 6

جناية “النمطية” وضرورة التقيد بالنظام

يرى آلان دونو أن الطريقة التي تنظم بها الجامعات العملية التعليمية، تخضع أيضًا لنظام التفاهة، أي عدم إعطاء فرصة التفوق لغير متوسطي القدرة؛ فالأستاذ قليل الكفاءة مثلًا سيجد نفسه معرضًا للفصل، لكن الأستاذ عالي الكفاءة الذي يختار التمرد على النمطية، ويثور على قواعد اللعبة بأن يجد مثلًا طريقة لتدريس الطلاب بشكل يضمن تفوقهم جميعًا، فإنه أيضًا، للأسف، قد يتعرض لمشاكل إدارية لأنه أربك نظام الدرجات التقليدي.

بينما لا تحتفي الجامعة إلا بالأستاذ النمطي الذي يتبع النظام، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة التعليمية نفسها.

ولا يختلف الأمر كثيرًا فيما يخص تقديم الأبحاث العلمية؛ يكفي أن يكتب الباحث برطانة الأكاديميين المعتادة، ويتكلف قليلًا الغموض في الكتابة حتى يلقى بحثه الترحيب المطلوب في الأوساط العلمية. “لا تقلق إنْ لم تكن متأكدًا تمامًا من معنى لفظ ما؛ فمع التركيبة الصحيحة من السوابق واللواحق، أغلب الظن هو أنك سوف تصل إلى شيء ما، هو، إن لم يبد عميقًا، فسيكون مسايرًا للطُّرُز المتبعة حاليًا على الأقل.“7

وحبذا لو تخليت قدر الإمكان عن الأفكار الجديدة والإبداعية في بحثك حتى يتسنى لك كتابة قدر كبير من الأبحاث تتواءم و”المعاييرَ الكمية والمعايير الفيتيشية“8 التي تستخدمها المؤسسات المكلفة بتقييم الجامعات.

الاقتصاد

المعايير الجديدة للمنافسة في السوق

في نظام التفاهة، لم يعد الاقتصاد ومعايير السوق داعميْن للمنافسة النزيهة بين الناس، بل صارا خاضعيْن لقواعد نمطية تفرض على المتميز ذي الكفاءة العالية أن يقص أغصان تميزه بما يتلائم وتلك القواعد الرديئة. ذلك أن السوق صار يعتمد على قدر كبير من العشوائية وعدم الوضوح بشكل يجعل التنبؤ بما قد يحدث غدًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا.

“السوق، ببساطة، لم يعد الآن موضوعًا خاضعًا للمعطيات الاجتماعية، لقد صارت العقلانية الاقتصادية مدمجة الآن في برامج الكمبيوتر، التي يلقيها الخبراء في المقلاة، من دون معرفة لما سوف يحدث بعدها لآلاف البليونات من الدولارات محل التعامل يوميًّا.“9

ثم يتابع واصفًا مدى تحكم هذه الآلات بالسوق: “تلعب هذه الآلات بكل من مدخرات الأفراد ذوي الدخول المحدودة، الديون الوطنية للدول، قيم العملات، وأسعار الأسهم“.10 إن العلوم الاقتصادية وقدرات الاقتصاديين الأكفاء تكاد تصبح عديمة الجدوى أمام اقتصاد كهذا!

مرض المال

“لقد أصبحت النقود تحديدًا غاية الغايات لغالبية الناس في حضارتنا؛ إذ إن حيازة النقود تمثل الهدف الأعلى لجميع الأنشطة الهادفة التي تقوم هذه الغالبية .. ففي عقل الرجل الحديث، ما عادت فكرة الاحتياج تعني احتياج السلع المادية، ولكن فقط احتياج النقود اللازمة لشراء هذه السلع“11.

إن مرض المال يشير إلى الحالة التي يصير فيها المال غاية في حد ذاته، بغض النظر عما إذا كان هذا المال سيساعدنا في تلبية هذه الحاجة أو تلك، والتي تصبح فيها قيمة الأشياء مرتبطة بقيمتها النقدية فقط، بل تصير الأفكار نفسها غير ذات قيمة ما لم ترتبط بالمال. وهذا يجعلنا نستحضر العبارة التي افتتح بها دونو كتابه والتي يقول فيها على لسان نظام التفاهة: “ضع كتبك المعقدة جانبًا، فكتب المحاسبة صارت الآن أكثر فائدة!“12

ما يجعل من هذه الحالة حالة مرضية هو أنك حين تجعل قيمة الشيء رهينة بمقابله المالي؛ فإنك ببساطة تجعله عديم القيمة، ذلك أن النقود نفسها إذا فُصلت عما يمكن استخدامها لشرائه من سلع وخدمات، فإنها تصير بلا قيمة. وهو ما عبر عنه آلان دونو بقوله: “أن يحب المرء المال، أن يكون منجذبًا له، هو أن يكون مغرمًا بما يتيحه لنا من فرصة النفاذ إلى كل شيء، مما يعني أنه في الحقيقة، ومهما بدا ذلك غير منطقي، فإننا منجذبون إلى لا شيء!“13

نظام التفاهة وتوجيه الثورة لصالح المسيطرين

إن الشعور بالحرية في ظل نظام التفاهة لا يعني في الحقيقة -حسب آلان دونو- سوى فعالية هذا النظام وكفاءته العالية في التعتيم على طغيانه، لدرجة أن “الثورة قد تصبح مجرد نسخة أخرى من “اللعبة” التي كان ملاك العقار وغيرهم من الوجهاء يعرفون دائمًا كيف يلعبونها لصالحهم“.14

إن القاعدة تقول إن المعركة التي تخوضها على أرض العدو، بشروطه وقواعده هي معركة مخسورة سلفًا. هذا بالضبط هو ما يصف حالة النقابات المدافعة عن العمال في ظل النظام الرأسمالي؛ تتمثل المعضلة بكون اتحادات العمال تستمد وضعها والطبيعة الإدارية لوجودها من الدولة الرأسمالية، رغم أن وظيفة هذه الاتحادات تتمثل في محاربتها أصلا!“15

إنه لمن السذاجة بمكان أن تأمُل تقويض الطغيان الرأسمالي -من خلال عمليات نضالية- هو من يملك السلطة في السماح بها؛ ففي هذه الحالة ستكون أنت من يتم تقويضه وإرغامه على الخضوع. يقول آلان دونو: “لأن نظام السلطة القائم لن يمنح أبدًا حقًّا قد يُستعمل للإطاحة به، فإن الحركة العمالية سوف تجبر على التضحية ببعض المزايا التي منحها إياها هذا النظام لضمان ولائها“.16

الفن التافه

تحكم الأثرياء في الثقافة والفن

إذا كان كل شيء يأخذ قيمته من خلال قيمته المالية في نظام التفاهة؛ فإننا لن نستغرب إذا أصبح الإنتاج الفني والثقافي، الذي يفترض أن يكون متعلقًا بالإبداع والابتكار، خادمًا لقضايا المجتمع الكبرى ومعبرًا عن صوت المواطنين، خاضعًا لإملاءات الممولين لمجرد امتلاكهم القدرة المالية، حتى أن الثري “يستطيع جعل مجتمع كامل يختبر نتائج ذائقته الرديئة، من دون مقاومة محتملة، ثم طرح هذه النتائج للجمهور تحت مسمى الثقافة“.17 كما أن ثراءه يجعله ممن “يملكون سلطة اختيار نوعية الفن الذي سينظر إليه الجمهور!“18

تعظيم آراء الفنانين

جميعنا سبق له أن رأى برنامجًا تلفزيونيًّا يستضيف مغنية أو راقصة ليستجوبها حول قضايا مجتمعية يحار في معالجتها المتخصصون، لمجرد أنها جميلة أو لأن صوتها جذاب، أو يستضيف ممثلًا يسأله عن التطورات السياسية للقضية الفلانية أو حتى في مسألة تتعلق بعلوم الفضاء لمجرد كونه وسيمًا وذا عضلات مفتولة. وذلك لأن هذا النوع من الشخصيات يكون له متابعون ومعجبون بالآلاف وربما بالملايين، يتوقون لمعرفة تفاصيل حياته وآرائه في كل شيء.

هنا تصير المسألة تجارية بحتة، ويصبح المحتوى الذي يسوق للناس خاضعًا لما يريدون سماعه لا لما يجب عليهم أن يسمعوه. وهذه جريمة تواطأ فيها الكل؛ بدءًا من المؤسسات الحكومية التي تملك سلطة إيقاف هذه المهزلة، مرورًا بالمنصات الإعلامية اللاهثة خلف الأرباح، وانتهاءً بالمتابعين الذين يصرفون أموالهم وأعمارهم في هذا المستنقع.

كتب كل من ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر في القرن الماضي: “لا حاجة لكل من السينما والإذاعة لأن تتظاهرا بعد الآن بكونهما فنًّا. حقيقة الأمر هي أنهما لا تعدوان أن تكونا أعمالًا تجارية تم تحويلها إلى أيديولوجيا بهدف تبرير الهراء الذي تنتجانه عن عمد“.18 ويقول آلان دونو: “نحن نحب الفن، وفوق ذلك نهتم بالفنانين أيضًا، ولكن لا يمكنك أن تتوقع منا أن نأخذ بعين الاعتبار آراءهم في الاقتصاد!“19

الفن كأداة في يد الأنظمة

بما أن الفن يستهدف العواطف بالدرجة الأولى؛ فلا جرم أنه يتصدر الوسائل التي تستخدمها الأنظمة لصرف الأنظار عن القضايا الكبرى، أو لقلب الحقائق وتزييفها وتوجيه الرأي العام نحو توافه الأمور. وقد حكى دونه في الكتاب نماذج عن شركات أدى استهتارها بقواعد السلامة إلى كوارث طبيعية وبيئية هددت حياة كثيرين؛ فما كان من الجهات الرسمية إلا أن تواطأت مع هذه الشركة وقامت باستدعاء مجموعة من الفنانين ليقيموا حفلًا تضامنيًّا مع ضحايا هذه “الأزمة”، مع عدم الإشارة بحرف واحد إلى المتسببين فيها!

“وقد استجاب الفنانون من القلب، إلا أنهم لم تتح لهم بعد المسافة الحرجة التي تحملهم على التساؤل: هل يجري التلاعب بي؟ ما هو دوري بداخل نظام يستأجرني لمواساة ضحايا كارثة كان هذا النظام ذاته مسؤولًا عنها؟ بمسارعتي لمساعدة جماعة تريد -فرضًا- المواساة فقط، ألست أشرعن الادعاء القائل بأن هذا كان محض حادث؟ هل الفن الذي أقدمه هو محض مخدر؟ هل يجب على أدائي أن يعمل بهدف عزل المشاعر ثم إطلاقها لجعل الناس ينصرفون عن المعطيات الظرفية للموقف؟“20

خاتمة: طريق الخروج

إن سلطة نظام التفاهة لا تشبه أي سلطة مسيطرة أخرى، إنها سلطة ناعمة تعمل على جعل الكل يعمل لصالحها، حتى المتضررون منها، إنها تصنع إنسانًا رخوًا يجيد الرضوخ واتباع التعليمات، ولا يملك عقلًا متحررًا بإمكانه الانتقاد والاعتراض، لهؤلاء فقط يكون طريق القمة ممهدًا. أما المتميزون وأصحاب المعايير العالية فإنهم يخيرون بين الرضوخ أو النبذ.

إنها سلطة تقول للناس بكل صراحة: التفوق ممنوع، التميز ممنوع، كسر قواعدنا النمطية ممنوع، أيها المتفوق!

خفف من شغفك، لأنه مخيف.. لا تقدم لنا فكرة جديدة من فضلك، فآلة إتلاف الورق ملأى بها سلفًا، هذه النظرة الثاقبة في عينيك مقلقة، وسع حدقتي عينيك وأرخِ شفتيك!. 21

لكن حسب آلان دونو؛ فإن الشعور بالإحباط أمام إمكانية إصلاح هذا النظام أو على الأقل عدم الذوبان فيه والتطبع بقيمه، لن تكون إلا في صالح هذا النظام نفسه، لأنه يعمل بكل أجهزته على صناعة إنسان يقول “ما الذي أستطيع عمله؟ أنا الشيء الصغير، النكرة؟“.22

إن طريق الخروج يبدأ من امتلاك وعي كامل متين بخطورة هذا النظام، ثم العمل على بناء تفكير مستقل متمرد على الأفكار سائدة التي تخدمه. دع عنك الإحباط، و“توقف عن السخط وانتقل للسؤال التالي: اعمل بلا هوادة لخلق توليف من القضايا الوجيهة، التقِ مع آخرين في تجمعات بخلاف تلك الطائفية والشللية، اسخر من الأيديولوجيات، اختزل المصطلحات التي تريد البروباجاندا كتابتها في جوهر ذواتنا، وحولها إلى موضوعات مجردة للتفكير، تجاوز أساليب السيطرة التي تمارسها المنظمات وحاول خلق بنى تشبهها.. كن راديكاليا!“23

ملاحظات على الكتاب

كما هو معلوم فإن كل كتاب أو عمل فكري لا بد أن يعتوره بعض النقص؛ والكتاب الذي بين أيدينا برغم طرحه الجيد إلا أن فيه بعض العيوب المنهجية التي أرى أنه لا بد من بيانها. وهي مبنية على قراءتي الشخصية للكتاب، وعلى وجهة نظري الخاصة فيه.

تكلف إقحام الكثير من المعطيات في خيط ناظم

أول انطباع تأخذه عند رؤية عنوان الكتاب، وفكرته العامة -وهو ما حدث معي شخصيًّا- هو أنك بصدد القراءة عن نظرية جديدة تمامًا لم يسبق لأحد أن تحدث عنها، خصوصًا إذا قرأت مقدمة الكتاب واللغة التهويلية التي يتحدث بها الكاتب.

والحق أنه بالفعل قد قدم رؤية جديدة في عدة أمور، ولفت النظر إلى مشاكل قلما يتم الحديث عنها، بل ربما لا يعلم الكثير منا أنها مشاكل أصلًا. لكن من ناحية أخرى فقد قام بحشد مجموعة من إخفاقات الأنظمة الحديثة في مختلف المجالات، والانتقادات الموجهة لهذه الأنظمة، وحاول إدراجها في نظريته عن النظام الذي يحكمنا ويتلاعب بنا؛ نظام التفاهة.

هذا الحشد قد أحدث عندي شخصيًّا ارتباكًا بسبب الصعوبة التي واجهتها وأنا أحاول الربط بين الكثير من المعطيات الواردة في الكتاب، ومع بعض التدقيق تبين لي -من وجهة نظري الشخصية- أن ذلك الرابط الذي أبحث عنه في كثير من الأحيان لا يوجد أصلًا.

صعوبة لغة الكتاب والتطويل المبالغ فيه

مال آلان دونو في هذا الكتاب إلى لغة كتابة صعبة، زادت الترجمةُ من صعوبتها، خصوصًا أنه استخدم في كثير من المواضع عبارات رمزية، وأشار إلى عدة أفكار بسيطة بلغة الألغاز، وهو بهذا قد وقع -للأسف- في بعض ما انتقده على الأكاديميين والباحثين من تكلف الغموض واختيار التعبير عن الفكرة السهلة بما يعسر على القارئ فهمه لإضفاء هالة من التعقيد المتكلف على النص.

والنص كما هو معلوم يتخذ قيمته من بساطته وسهولة فهمه؛ فكلما كان الأسلوب مفهومًا لفئة أوسع من الناس كلما كان أكثر قيمة. وهذا بطبيعة الحال مع مراعاة عدم الإخلال بالمحتوى أو تبسيطه أكثر من اللازم، أي كما يقول آينشتاين: “كل شيء ينبغي أن يكون في أبسط أشكاله، لكن لا ينبغي أن يكون أبسط مما هو عليه“.

هذا بالإضافة إلى إشكال آخر هو أن كل ما جاء في الكتاب يمكن قوله في عدد أقل بكثير من الصفحات، لكن كثرة الاستطرادات والأمثلة المضروبة، والتي كان يمكن الاستغناء عن أغلبها بطبيعة الحال، جعلت الكتاب طويلًا.

أخيرًا، مع كل ما قيل فإن الكتاب يبقى كتابًا يحرك الذهن، ويلفت النظر إلى قضايا عديدة قلما نلاحظها أو نفكر فيها. خصوصًا مع الأسلوب القوي الذي تحدث به الكاتب والشجاعة الفكرية التي يتمتع بها.

980

المصادر
الكاتب

عبد الصمد حدوش

طالب هندسة، مهتم بالقضايا الشرعية والفكرية المعاصرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.