لا بد أنّك فتحت اليوتيوب ذات مرة فمررت على فيديو لأحدهم -ما يسمى بالبلوغرز- يتحدث عن آخر مشترياته التي اشتراها لتوِّه من السوق، فقد أصبحت هذه سمة سائدة في فيديوهات الكثير من مشاهير اليوتيوب، ولو بحثت بين أشيائك فغالبًا ستجد أن من بينها الكثير مما لا تحتاجه من الأغراض، فما دفعك للشراء ليست هي الحاجة؛ وإنما بسبب ما يُسمى بثقافة الاستهلاك التي تُعد أحد تجليات الفلسفة العلمانية.

ما هي ثقافة الاستهلاك وما علاقتها بالعلمانية؟ 

الاستهلاك

العلمانية في تعريف بسيط لها؛ هي الفلسفة الداعية إلى إزاحة الإله من مركز الكون وإنكار مرجعية الدين وسلطانه، وقد أفرزت هذه الفلسفة نُظمًا سياسية واقتصادية واجتماعية، من أهم نظمها المنظومة الرأسمالية – الليبرالية.

تُعد الرأسمالية نمطًا اجتماعيًا واقتصاديًا للحياة، يقوم على فكرة تملُّك القطاع الخاص لعوامل الإنتاج واستخدامها في عمل المنتجات أو الخدمات في سوق حُر لأجل غرض مُقدس وهو الربح فقط. مرت الرأسمالية بعدة مراحل؛ إذ بدأت في القرون الوسطى مع الإقطاعيين، ثم تطورت مع الثورة الصناعية وظهور المصانع والمنافسة بينها إلى أن وصلت إلى صورتها التي اجتاحت العالم اليوم.

أما النيوليبرالية والتي تُعرف بالليبرالية الجديدة؛ هي أداة سياسية واقتصادية للسيطرة على الحياة الاجتماعية، وتختلف عن الليبرالية الكلاسيكية في أنها انتشرت في العالم كله وأصبحت متغلغلة في المجتمعات وفي فكرها وأسلوب حياتها، كان الاقتصادي الأمريكي الصهيوني “ميلتون فريدمان” هو أبو العولمة التي ساهمت في تصدير الفِكر الليبرالي للعالم أجمع، بمساعدة الشركات ثم عبر المنظمات التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد تسيدها للعالم مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي. 

وكانت -بالطبع- الفلسفة العلمانية تسعى لمنفعة الإنسان المادية فقط؛ ولنظمٍ اقتصادية وسياسية واجتماعية تقوم على أساس مركزية الإنسان ولذته، وإلى أن تنتج في عالم اليوم ما يُسمّى بثقافة الاستهلاك، القائمة على إشباع الرغبات المادية من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وغيرها، وتجاوزِ حدود الحاجة لشراء السلعة إلى مرض وشره استهلاكي تعيشه المجتمعات.

في البداية كانت ثقافة الاستهلاك طريقًا لدراسة السوق عبر العلوم النفسية والاجتماعية لتسويق السلع المختلفة، لكنها تحولت بسرعة إلى تنين ينفثُ ناره ودُخانه في كُل مناحي الحياة، وأثرت على وعي الإنسان وقيمه وأسلوب حياته، وتبدلت العلاقة بين السلعة والمستهلك من كونها علاقة حاجة إلى علاقة تُكسب الإنسان قيمتهُ الزائفة.

المشكلة ليست في عملية الاستهلاك! فهذه فطرة جُبِل عليها الإنسان؛ فطرة السعي لسد نقصه وحاجته وعبر استهلاك ما يحتاجه للعيش، لكن المشكلة في تحول الاستهلاك لما يُشبه العبادة وتبدل غايات الإنسان نحو المنفعة واللذة. فلا أهمّية للإنسان في مجتمع السوق، إنما التقديس للمادة وما تنتجه من مُتعة على حساب إنسانيته ودينه وروحه وبيئته وكُل ما يحيط به.

ما يأخذنا في النهاية إلى الأصل العلماني لكل هذه الأفكار، الذي يقوم على أساس أن الحياة الدنيا هي غاية الإنسان ومنتهى وعيه، فيجب أن يدور فِكر الإنسان حولها ويسعى لتحقيق المُتع والملذات فيها، فلا قيمة للآخرة في الفلسفة العلمانية، لينغمس الإنسان في “الطبيعة” لإخضاعها لرغباته، وينحسر أُفُقه إلى حدود الموت فقط.

كيف أصبح الاستهلاك سلاحًا للعلمانية؟

يذكُر الدكتور “عبد الوهاب المسيري” في كتابه (العلمانية الجزئية والشاملة): “أن نمط الإنسان الاقتصادي هو أحد الأنماط التي أفرزتها العلمانية، وهو إنسان يُجيد نشاطًا واحدًا هو البيع والشراء ومُراكمة الأموال وإنفاقها” إذ أصبح الاستهلاك في عالم اليوم غاية وهدفًا في حد ذاته وليس وسيلة لتحقيق الغايات من الحياة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وإعادة تشكّل القوى الاقتصادية والسياسة، اجتاحت العولمة بصورتها الأمريكية العالم حاملةً معها ثقافة الاستهلاك، وقد كانت العولمة هي سفينة الفِكر النيوليبرالي، ففتحت الأسواق أمام الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، ولأن الفكر الليبرالي قائم على الربح فقط فهو في طريقه يدعس أخلاق المجتمعات وقيمها ويعمل على تغييرها وتوجيهها نحو الليبرالية، ونحو ما يؤدي إلى زيادة رِبح الشركات.

يذكُر المفكر الأمريكي “نعومي تشومسكي” أستاذ اللسانيات في معهد ماساتشوستس؛ أن العقيدة النيوليبرالية تدفع رجال الأعمال إلى التعامل مع الربح كمبدأ أخلاقي لديهم وأن تخليهم عنه سيهدم الحياة المتحضرة. لذلك لا عجب أن نجدهم يبذلون أقصى جهدهم في إيقاع الإنسان في دوامة الاستهلاك، وجعل ثقافة الاستهلاك متغلغلة في المجتمعات ضاربة جذورها في وعي الإنسان الحديث، لأجل تحقيق الهدف المنشود وهو الربح.

تعمل الآلة الإعلامية ليل نهار على جذب الإنسان القابع خلف شاشاتها إلى السوق والشراء وتبنّي ثقافة الاستهلاك، ما إن تدير وجهك في كل مكان حتى ترى إعلانات لا حصر لها لمنتجات عديدة مختلفة الاستخدام والأغراض، قد لا يكفيك عمرك لتستهلكها، وتتنوع الأساليب التسويقية المستخدمة، وتدأب شبكة العلاقات العامة على فتح أسواق جديدة، وتُنفق المليارات في سبيل إيقاع البشرية في فتنة الاستهلاك.

آثار ثقافة الاستهلاك

الاستهلاك

صنع الاستهلاك نموذجًا واحدًا جاذبًا للإنسان؛ وهو الإنسان الذي يأخذ قيمته مما يقتنيه، ودفعت وسائل الإعلام الإنسان إلى ذلك النموذج. فأصبح التمجيد والتقديس والضوء يسلط على الذين يهتمون بالمادة والمظهر الخارجي والمتعة واللذة، كالفنانين ونجوم الكرة، وتحولت مفاهيم الصحة والجمال والرشاقة إلى هوسٍ يصبُّ في مصلحة السوق والرأسماليين ويسرق من الإنسان السعادة والقناعة والرضا.

ظهرت مصطلحات مثل “التشيؤ” وهو تحول الإنسان إلى شيء؛ أي أنْ ينظر لنفسه ويُنظر إليه حسب ما يملك من مقتنيات وأشياء، ومصطلح “التسلع” أي تحول الإنسان إلى سلعة في رؤيته لنفسه وللكون من حوله، لدرجة أنه راج في عالم الإنتاج بيع رغبات المستهلك المخَزَّنة في بطاقات التسوق باعتبارها مادة موجهة للقائمين على الإنتاج، فغدا الإنسان هو المُستهلِك والمُستَهلَك وواسطة الاستهلاك.

دفعت ثقافة الاستهلاك بالإنسان أيضًا نحو مفهوم الفردانية، فيدور حول نفسه لإثبات ذاته عبر مظهره الخارجي ومُتعته الآنية، مُغفلًا إجابات الأسئلة الكبرى وغاياته السامية في الحياة، ونذكر هنا حديثًا للمخرج الأمريكي الشهير “وودي آلان” في إحدى رحلاته لترويج أفلامه، إذ ذكر أن صناعة الأفلام هي سبيله نحو إلهاء عقله وإلهاء الناس من التفكير في الأسئلة الوجودية الكبرى، ومن إيجاد إجابات للقلق الكامن في النفس البشرية، وهو نتاج طبيعي لفلسفة مادية لا تؤمن إلا بالحياة الدنيا.

بات هذا الإنسان المستهلِك يعيش وهم الحرية، لكنه في الحقيقة يقبع في سجن كبير من الاختيارات التي يطرحها المتحكمون في السوق، فهو يختار مما يصنعونه ويحيكونه ويطبخونه ويعصرونه له، دون أن يملك خيار الرفض أو يسعى لأن يسأل لماذا؟ هذا غير الإدمان والأمراض التي يسببها الاستهلاك بشكل مباشر، فاللّذة تدفع لصنع الوجبات السريعة مع أنها ضارة بالصحة، ومصانع السكر لا تتوقّف عن إنتاج سُمها الأبيض القاتل، فلا قيمة لصوت العقل والفكر هنا إنما القيمة للّذة واللذة فقط.

ومن آثار ثقافة الاستهلاك على العلاقات الاجتماعية في عالمنا الإسلامي، زيادة نسب الطلاق لعجز الكثيرين عن تحقيق متطلبات الزواج المادية، كما أدّت للعنوسة وتأخير سن الزواج بسبب سعي الشباب نحو توفير المتطلبات المادية التي لا تنتهي.

تمددت ثقافة الاستهلاك لتُثقِل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة وتزيد مِن فقرها وحاجتها، فالكُل -مهما كان وضعه المادي- يسعى إلى نموذج الإنسان المثالي الذي يلبسُ تلك الماركات المحددة ويأكل من مطاعم الوجبات السريعة ويعيشُ على نمط معين. 

كما تزامن التدهور البيئي مع صعود العلمانية كفلسفة تُمثل مرجعًا للسياسة والاقتصاد والاجتماع وكُل مظاهر الحياة في الغرب، وبما أن المُقدس عند الفكر العلماني هو مبدأ المنفعة واللذة المادية، ففي سبيل الاستهلاك وصناعة الأسواق وطرح المنتجات المتجددة، لا يجد الإنسان حرجًا في تدمير الأرض والبيئة، فتنفث المصانع دخانها وغازاتها السامة ثاقِبة الأوزون، ويرمي البشر على الشواطئ مخلفاتهم المستهلكة دون اكتراث لما يعيش معهم من كائنات على هذا الكوكب، وتُزال الغابات لتتحول إلى أراضٍ جرداء في سبيل إرضاء الذات اللاهثة نحو الاستهلاك، وتنقرض سلالات كاملة من الحيوانات، وتستخدم سلالات أخرى دون رحمة لأجل صناعة مستحضرات تجميلٍ أو غيرها.

خاتمة

عزيزي القارئ الغارق في دوامة الاستهلاك، إنك باستمرارك في الدوران فيها تساهم في زيادة الضرر والآثار السالبة لثقافة الاستهلاك التي لن يكفينا المقام لسرد فجاعتها، ويتعاظم ضرر ثقافة الاستهلاك ليصل إلى قيمك التي تتبدّل، وإنسانيتك التي تُقتل، فتُصبِح حاملًا لِلواء العلمانية بصورتها الكاملة أو الجزئية، وربما دون أن تعلم، يبدأ يومك باختيار أفضل نكهات القهوة وتسليع ذاتك عبر عرض تجربتك في صفحتك الشخصية مع كل كوب قهوة، ثم بمتابعة آخر صيحات الموضة والركض من متجر إلى آخر.

721

المصادر
الكاتب

د. إيلاف بدر الدين عثمان

إيلاف بدر الدين عثمان، خريجة صيدلة، باحثة في الدراسات الإسلامية والتاريخ وعلم الاجتماع.

التعليقات

  • asma aldkhary منذ شهرين

    جميل ومبحوث بعناية لكن الفكرة أوسع من مقال واحدنتمنى تعميقها بمقال ثاني.

    رد
  • ماجد النفيعي منذ شهر واحد

    لقد استمتعت بقراءة المقال. وبفعل العلمانية والراسمالية أصبحت مهمينه على معظم دول العالم.
    لقد استذكرت كتب اسمه عقيدة الصدمة: صعود رأس مالية الكوارث اثناء قراءة لهذا المقال الرائع.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.