أخيرًا أسدل الستار على العهدة الترامبية الحالكة والتي عدها جلّ الخبراء الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في حفل تنصيب غاب عنه الرئيس الخامس والأربعون الذي رفض أن يكون رئيسًا سابقًا، بل ووصل به الشطط لدعوة أنصاره عبر منصته المفضلة تويتر للتظاهر في واشنطن في السادس من يناير الجاري لعرقلة تصديق الكونجرس على قرار المجمع الانتخابي بفوز جوزيف بايدن معتقدًا أنه بخطوته الخرقاء تلك سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويمكث لأربع سنوات أخرى رغمًا عن أنف ثمانين مليون أمريكي صوتوا لخصمه الديمقراطي ما نتج عنه اقتحام بربري توعد الساسة الأمريكيون بمحاسبته عليه .

لا شك أن ترامب كان واثقًا ثقة عمياء بالحصول على ولاية رئاسية ثانية بالرغم من دعوات الديمقراطيين لعزله على خلفية اتهامه بالتواطؤ مع روسيا خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016، ومرد ثقة ترامب المفرطة تلك يعزي لوجود أغلبية جمهورية في مجلس الشيوخ وبالرغم من اعتراضاتها على تصرفات ترامب الهوجاء إلا أنها لن توافق على خسارة الحزب للانتخابات الرئاسية أمام الخصم الديمقراطي وهي النتيجة المؤكدة لعزل ترامب إبان كانت قضية العزل مطروحة للمناقشة في أروقة الكونجرس في يناير 2020.

علاوة على ذلك راهن ترامب على السوابق التاريخية لقضايا العزل ضد رؤساء جمهوريين وديمقراطيين كما كان الحال مع ريتشارد نيكسون أو بيل كلينتون وبدرجة أقل رونالد ريجان خلال تحقيقات فضيحة إيران-كونترا الشهيرة بين أواخر 1986 وبدايات 1988، ولم تنته أي من الحالات السابقة بعزل ساكن البيت الأبيض.

النصر المحقق

أمريكا

أما عن حديث الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين عن تأكده من الانتصار على الديمقراطيين فقد كان محقًا للغاية فيما يقوله بهذا الصدد من عدة أوجه:

أولًا: وفى الرئيس الجمهوري بكل وعوده الانتخابية في سابقة لم يجرؤ عليها أي رئيس أمريكي تولى الحكم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فعلى الصعيد السياسي أعاد صياغة اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية بما يضمن مكاسب اقتصادية أكبر للعم سام وأظهر العين الحمراء للحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مثل دول الخليج وأوروبا واليابان بأن عليهم الدفع حال أرادوا الحصول على حماية أقوى دولة في العالم.

أما بالنسبة للكيان الصهيوني صانع الرؤساء فقد نقل ترامب السفارة الأمريكية للقدس واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل وأثلج صدر تل أبيب بالانسحاب من الاتفاق النووي وتقليم أظافر إيران بالعقوبات واغتيال قاسم سليماني هدية ثمينة في عام الانتخابات علاوة على طرحه صفقة القرن التي ستقضي على القضية الفلسطينية إلى غير رجعة.

ثانيًا: في الجانب الاقتصادي الذي يهتم به الناخب الأمريكي أكثر من أي بند انتخابي آخر أنعش ترامب الخزينة الأمريكية بما يصل لنصف مليار دولار خلال زيارة استمرت يومين للسعودية في مايو 2017، علاوة على نحو أربع مليارات أخرى بين 2018 و2019 نشر خلالها بضعة آلاف من الجنود على أراضي المملكة بذريعة حمايتها من اعتداءات إيرانية محتملة.

ثالثًا وأخيرًا: أرضى ناخبيه من رافضي الهجرة بوضع قوانين مشددة على استقدام المهاجرين للولايات المتحدة، كما زاد من عدد جنود حرس الحدود المرابطين على الحدود الجنوبية لأمريكا حيث يتدفق المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك وأمريكا اللاتينية بأعداد مهولة ما قلل إن لم يكن قضى على ذلك النوع من الهجرة الذي أرق كثيرًا من القوميين البيض الأمريكيين.

إذًا كان ترامب يقف على أرض صلبة ويعرف ماذا يريد ويفعل بل ويوفي بتعهداته خلافًا لكثير من الساسة، ومن هنا نتفهم لم كان يستفز الديمقراطيين ويتحداهم وهو واثق أنه سيجثم على صدورهم لدورة أخرى.

كورونا والرئاسة

أمريكا

كان حدس ترامب في محله حتى حل أبريل 2020، ففي ذلك الشهر تفشى وباء كورونا في البلاد حاصدًا أرواح عشرات الآلاف من الأمريكيين ومصيبًا الملايين غيرهم حتى صارت الولايات المتحدة في صدارة الدول الموبوءة على مستوى المعمورة وتسبب في وقف عجلة الاقتصاد الأقوى في العلم مطيحًا بكل إنجازات ترامب التي صدّع رؤوس الأمريكيين بالحديث عنها في كل مناسبة يخرج فيها للإعلام.

في المقابل تعامل ترامب باستهتار وهذيان يحسد عليهما، فرفض سيد البيت الأبيض فرض إجراءات احترازية أو إعلان إغلاق عام موكدًا أن الأوضاع ستعود إلى سابق عهدها بحلول يونيو 2020 لكن حكام الولايات لم يأبهوا لترهات رئيسهم المهرج وأعلنوا الإغلاق العام في مناطقهم بينما تفرغ ترامب لمهاجمتهم والسخرية من قراراتهم، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.

دأب ترامب على عقد مؤتمرات صحفية يومية من البيت الأبيض تحدث فيها بإسهاب عن الوباء الكوني وكأنه المتخصص الوحيد في العالم الذي يعلم كل شاردة وواردة عن الفيروس القاتل، ولم يتخذ أية سبل وقائية فلا تباعد اجتماعي ولا ارتداء كمامات ولا حتى تقديم خطة تقلل الخسائر في الأرواح بل وهذى بتصريحات لا تخرج من شخص عاقل فضلًا أن يكون هذا الشخص رئيس الولايات المتحدة.

طالب ترامب بتعريض مصابي كورونا للأشعة فوق البنفسجية أو حقنهم بالمطهرات للتعجيل بشفائهم، وهو ما لاقى استنكارًا واستهزاءً واضحين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أو المواطنين غير المسيسين على حد سواء وتلقف الديمقراطيون تخاريف ترامب للتشهير به والتشكيك في كفاءته وقدرته على البقاء كرئيس لفترة جديدة.

حاول ترامب تصحيح خطأه القاتل بإصدار بيان رئاسي ادعى فيه أنه كان يمزح للتخفيف عن الشعب، وهو ما لم ينطل على الأمريكيين الذين أدركوا ضحالة تفكيره خلال سنين ولايته المنصرمة، واستمر ترامب في رفض نصائح أنتوني فاوتشي رئيس المعهد الأمريكي للأمراض المعدية بتبني إجراءات أكثر صرامة لوقف نزيف الأرواح والخسائر الاقتصادية على حد سواء لكن ترامب زاد في عناده بل وكان يطرد أي صحفي أو مراسل يرتدي الكمامة في البيت الأبيض ويهزأ بأي إعلامي يستفسر منه عن خطته لمكافحة كورونا بقوله: “اسأل الصين”.

العرقية والرئاسة

أمريكا

مرة أخرى أهدى ترامب للديمقراطيين هدية ثمينة بين أواخر مايو حتى أواخر أغسطس 2020، فقد اندلعت اضطرابات عرقية شهدتها الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ اغتيال مارتن لوثر كينج عام 1968 على خلفية اعتداءات عنصرية من الشرطة الأمريكية بحق الأمريكيين السود.

كانت الحادثة الأولى حين قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن جورج فلويد بولاية ميريلاند ما أثار موجة احتجاجات عنيفة امتدت من الولاية الشرقية لتصل إلى الولايات الجنوبية ذات الأغلبية السوداء ووصلت حتى العاصمة واشنطن، بل وبلغت الجرأة بأعضاء منظمة “حياة السود مهمة” أن يحاصروا البيت الأبيض أوائل يونيو 2020 ما اضطر ترامب للهروب كالجرذ المذعور وأطفئت أنوار البيت الأبيض في مشهد مأساوي لم يفكر في كتابته أساطين السينما في هوليوود.

لم يعالج ترامب الأمر بحكمة، ونعت المتظاهرين الناقمين على ممارسات الشرطة العنصرية بالمخربين وعملاء حرمة أنتيفا الموالية لليسار المتطرف واستدعى الحرس الجمهوري المنوط به مكافحة الشغب للتصدي لهم وحاول الزج بالجيش الأمريكي في مواجهته مع رافضي سياسته العنصرية، لكن البنتاجون خيب رجاءه.

تمادت الشرطة الأمريكية في التنكيل بالسود كما حدث لاحقًا في ولايات جورجيا وويسكنسون وأريزونا، وصبت حماقة ترامب في صالح بايدن الذي أيده الساخطون على تصرفات ترامب الخرقاء والذين اعتبروا أنه يضع السلم الأهلي لأمريكا على المحك برعونته وأظهرت استطلاعات الرأي تقدم المرشح الديمقراطي بشكل دفع ترامب لاتهام وسائل الإعلام الأمريكية بالكذب للتأثير على اتجاهات الناخبين.

خسارة سباق الرئاسة

أمريكا

جنى ترامب على نفسه مجددًا خلال مناظرتي الرئاسة، فالرجل تحدث بغوغائية وخرق معايير الوقاية من كورونا وسخر من بايدن واصفًا إياه بالشخص الذي يرتدي أكبر كمامة في العالم وبدلاً من مناقشة إنجازاته التي تؤهله للفوز بفترة ثانية، تفرغ للهجوم الشخصي على بايدن، وكما توقع الخبراء ارتفعت حظوظ بايدن في الفوز بالرئاسة في مقابل قلق متزايد من ترامب واتهام استباقي بتزوير الانتخابات بحجة اعتماد التصويت عبر البريد.

أعلن فوز بايدن في السابع من نوفمبر، في حين أرغى ترامب وأزبد متهمًا القائمين على العملية الانتخابية بالتزوير وخسر الرئيس المشاكس ثماني وعشرين قضية رفعها بين شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي خاصة في ولايتي جورجيا وويسكنسون المتأرجحتين اللتين اعتقد أنه سيستطيع بهما قلب الطاولة على الديمقراطيين، لكنه عاد بخفي حنين.

ابتهج العرب والمسلمون سواء داخل الولايات المتحدة وخارجها، وكذا المهاجرون أو الراغبون في الهجرة لأمريكا بخسارة ترامب فالرجل كان الأسوأ في تاريخ البلاد سواء داخيلًا أو خارجيًا وعدوًا لدود الخصومة مع الدين الخاتم معتبرين أن عهدًا جديدًا قد بدأ مع فوز بايدن.

وهؤلاء المتفائلون لديهم ما يبرر تفاؤلهم، فبايدن أعلن بنفسه أنه سيتراجع عن العديد من قرارات ترامب مثل:

1- تعديل قوانين الهجرة: وهو ما شدد عليه بايدن عقب الإعلان الرسمي عن فوزه أو حتى خلال خطاب التنصيب، مؤكدًا أنه سيلغي قرار حظر دخول مواطني تسع دول مسلمة إلى أمريكا الذي اعتمده المخبول المغادر وكذا القيود على المهاجرين اللاتينيين والبنود المجحفة فيما يخص جمع شمل الأسر ومنح الجنسية الأمريكية لأطفال أسر المهاجرين، وبالفعل كان ذلك من أول القرارات التي عدلها بايدن بعد جلوسه في المكتب البيضاوي.

2- التصدي للعنصرية: وهي القضية الشائكة والأكثر حساسية التي ورثها بايدن عن إدارة ترامب، والتي طالما انتقد الرئيس الجديد تعامل ترامب العنيف والعدواني معها وسيضعها على رأس أولوياته وأكد مرارًا أنه سيكون رئيسًا لكل الأمريكيين لطمأنة القلقين من تكرار المصادمات العرقية.

3- العودة لالتزامات واشنطن الدولية: وذلك بإعادة العمل بالاتفاقيات التي ألغاها المأفون المغادر، وتجلى ذلك في إعادة بايدن العمل باتفاقية باريس للمناخ والتعاون مع الهيئات ذات الصلة لتوفير لقاح كورونا لمائة وأربعين مليون أمريكي ومن ثم بقية مواطني المعمورة وأخيرًا إعادة النهج التفاوضي مع إيران فيما يخص برنامجيها النووي والصاروخي.

سياسات أمريكا الثابتة

لكن فات هؤلاء أن هناك سياسات ثابتة مهما تغير الرؤساء. فبايدن سيحافظ على:

الهيمنة الأمريكية على العالم

وذلك عبر استعادة زمام القيادة في المنظمات الدولية التي عكر ترامب صفو العلاقات معها كالأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بوقف دفع القرارات المالية السنوية، وترميم الشرخ مع دول الناتو بفضل سياسة الدفع مقابل الحماية التي اعتمدها الرئيس المغادر ونشر القوات الأمريكية في مناطق التوتر بل واستهداف الدول المسلمة بحجة القضاء على داعش أو التخلص من أحد قيادات القاعدة ولا عزاء لمن سيسقط.

دعم الأنظمة الحامية للمصالح الأمريكية

وهي السياسة التي لم يزغ عنها رئيس أمريكي من هذا الحزب أو ذاك، فلن يعلن بايدن -لا سمح الله- أنه سيعاقب هذا النظام الاستبدادي أو ذاك عبر المنظمات الدولية أو يسمح بثورة شعبية تقضي عليه أو يمنع انقلابًا عسكريًا يصبُّ في صالح إيجاد حكام يأتمرون بأمر واشنطن وينتهون بنواهيها.

الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها

وهو أمر مفروغ منه منذ قيام الدولة العبرية، فمجموعات الضغط الموالية للصهاينة في بلاد العم سام يمكنها القضاء على أي سياسي يرفض تمرير مخططاتها أو يحاول التصدي لجرائمها وهو ما أكده باراك أوباما في مذكراته الرئاسية الصادرة حديثًا، وبايدن كان قد أعلن عام 1986 أن من مصلحة أمريكا دعم إسرائيل ونعت نفسه بالصهيوني وخلال جلسة تثبت وزير خارجيته أنتوني بلينكن أكد الأخير أن الإدارة الجديدة لن تتراجع عن تنفيذ اتفاق أبراهام للتطبيع بين الكيان الصهيوني وأنظمة عربية.

ما سيطرأ من تغيير على تعامل الإدارة الجديدة مع القضية الفلسطينية هو العودة لحل الدولتين وإعادة الدعم المادي الأمريكي للسلطة الفلسطينية في رام الله وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن ومحاولة ضبط وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

وفي النهاية أي رئيس أمريكي جمهوريًا كان أم ديمقراطيًا هو موظف يؤدي دوره، ويقوم فقط بتنفيذ ما يتمخض عن مؤسسات الدولة من قرارات لكنه لا يدير الولايات المتحدة حسب هواه الشخصي فلا يجب أن يرفع المتفائلون بقدوم بايدن سقف توقعاتهم حتى لا يصطدموا بالواقع المرير ومن ثم يكون الإحباط مصيرهم.

276

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.