يرجع تاريخ البرنامج النووي الإيراني كما يذهب أغلب الدارسين إلى أواخر الخمسينات القرن الماضي أيام الشاه محمد رضا بهلوي وبدعم مباشر من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. فقد وُقّع أول اتفاق نووي لإيران مع الولايات المتحدة عام 1957م، حيث قضي بأن تملك إيران مفاعلًا نوويًا للأبحاث بقوة (05) ميجاواط، لكن الانطلاقة الفعلية كانت عام 1967م([1]) وفي السبعينات قرر الشاه إقامة أكثر من عشرين مفاعلًا نوويًا، يعد مفاعل بوشهر أهمها وأشهرها، وهذا بالتعاون مع ألمانيا الغربية، فرنسا، وجنوب إفريقيا.

ورصد الشاه ما يقارب الأربعين مليار دولار لهذا الغرض، كما قام الشاه في 1974م بإنشاء منظمة الطاقة النووية الإيرانية (AEOI)، والتي أُسندت لها مهمة التطوير والتحكم في التكنولوجيا والتقنية النووية، والتي كان “أكبر اعتماد“، الملقب بأبو البرنامج النووي الإيراني رئيسها من عام 1974 إلى عام 1978، بيد أنه يجب التنويه إلى أن قرار التحول الذي اتخذه الشاه ومن بعد بجعل إيران ضمن النادي النووي لم يكن لاعتبارات أو طبقًا للقدرات التقنية المتوفرة لديها، وإنما كان قرارًا سياسيًا بدرجة أولى ويخضع للمنطق السياسي والاعتبارات الأمنية فقط. ([2])

مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 1

ويمكن تقسيم مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني بعد الثورة الإسلامية 1979 إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة التجاهل والسلبية من الفترة (1978 – 1985)

فعقب الثورة الإسلامية في إيران 1979 والإطاحة بنظام الشاه توقف البرنامج النووي الإيراني أو بالأحرى جمد، وتوقفت معه كافة النشاطات الإنشائية (النووية) وفي منتصف الثمانينات أثناء الحرب مع العراق – قررت إيران إعادة الحياة لبرنامجها النووي، لكن ظروف الحرب والعقوبات المفروضة والضغط الأمريكي أعاق المحاولات الإيرانية في الحصول على محطات توليد كهربائية، ورغم هذا استطاعت بناء مفاعلات بحثية نووية صغيرة في أصفهان بمساعدة الصين، كما تمكنت من استئناف العمل في محطة توليد بوشهر بمساعدة روسية ([3]).

المرحلة الثانية: مرحلة الاهتمام الجزئي من (1985 – 1991)

وكان من نتائج الحرب الإيرانية – العراقية إحداث تحولات جذرية في التفكير الإستراتيجي الإيراني في المجال النووي وعليه بدأت إيران بشكل جدي في تنفيذ العديد من الأنشطة في هذه المرحلة([4]).

فقد نفذت طهران كثيرًا من الأنشطة المتعلقة بتصميم الأسلحة ودورة الوقود اللازمة لصنع السلاح النووي، كما قامت بدعم منظمة الطاقة النووية، ومركز أمير آباد بالإضافة إلى تأسيس مركز أبحاث نووية جديد في أصفهان عام 1984 م بمساعدة فرنسا.

المرحلة الثالثة: الاهتمام الكثيف بالطاقة النووية خلال التسعينات

شهد البرنامج نشاطًا مكثفًا في كافة المجالات وساعدها على هذا الهدوء والاستقرار الذي عرفته البلد، حيث انعكس تعافي إيران من آثار الحرب مع العراق على برنامجها النووي الذي أصبح يتقدم مرة أخرى، هذه المرة بناءً على مساعدات من روسيا، الصين، وأيضًا باكستان، وقد وقعت إيران في هذه الفترة بروتوكولين للتعاون النووي، الأول في عام 1990، والثاني 1995، هذا الأخير أبرمته إيران مع روسيا بغرض استكمال بناء مفاعل بوشهر، وتوفير محطة لتخصيب اليورانيوم([5])، كما وقعت اتفاقية مع الصين لبناء مفاعل للأبحاث النووية بمركز أصفهان في 21/1/1991م، وقد استفادت منه إيران في التعرف على تكنولوجيا التخصيب وتحويل اليورانيوم لإنتاج الوقود([6]).

وقد انقسم برنامج إيران النووي في هذه المرحلة إلى شعبتين متوازيتين، الأولى تضم البرنامج السلمي، الذي كان تحت إشراف هيئة الطاقة الذرية. والثانية ذات طابع عسكري وكان تحت إشراف الحرس الثوري لكنهما أي الشعبتين عادتا للتوحد منذ عام 2000م حتى وقتنا الحالي، أما عملية صنع القرار في الشأن النووي فحسب شاهرام تشوبين (Shahram Chubin) تنحصر بين ثلاث مؤسسات تنسق القيادة (المرشد) فيما بينها وهي:

  • هيئة الطاقة الذرية التي تهتم بالجوانب التقنية.
  • وزارة الخارجية التي تهتم بالآثار الخارجية.
  • الوحدات الخاصة من الحرس الثوري الإيراني التي تهتم بأمن المنشآت النووية([7]).

كما تزايدت الجهود الإيرانية للتعاون بشكل أكبر مع كافة الدول ذات الخبرة والتجربة النووية، ومنها كازاخستان التي يوجد بها أهم وأكبر مركز للأبحاث النووية بالاتحاد السوفيتي السابق، يبلغ عدد الرؤوس النووية بها 1800 رأس نووية، وحوالي 104 صواريخ عابرة للقارات، ونجحت في تزويد الصين لها بأجهزة الفصل الكهرومغناطيسي الخاصة بأغراض إنتاج النظائر المشعة علاوة على مفاعل نووي متقدم.

ورغم قيام الولايات المتحدة بالضغط على روسيا لعدم التعاون مع إيران، إلا أن الاتفاق عقد بين إيران وروسيا ينص على بناء ست وحدات لمحطات كهروذرية في إيران، طاقة كل واحدة منهما 1000 ميجا وات.

وقد أخذ التعاون الروسي الإيراني أبعادًا حيوية عقب إعلان الحكومة الروسية في أواخر يوليو 2000م استعدادها لبناء خمس مفاعلات نووية إضافية في إيران، كما أكدت على توسيع مجال التعاون النووي الاقتصادي والعسكري بين البلدين، ويتجلى هذا التعاون في الوثيقة الصادرة عن وزارة الطاقة الروسية، والتي بموجبها تم الإعلان عن خط روسيا العشرية حتى عام 2012م والمتضمنة تأكيد روسيا على بناء المحطات النووية الجديدة في إيران([8]).

المرحلة الرابعة: تصاعد الأزمة النووية في مرحلتها الراهنة

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 3

الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد يقوم بجولة في منشأة نووية.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م أخذت الولايات المتحدة تؤكد ما تصفه بالجهود الإيرانية للحصول على الأسلحة النووية وإيوائها لعناصر من القاعدة وإمكانية وقوع هذه الأسلحة في أيدي منظمات “إرهابية” أو استخدامها من قبل إيران لضرب أهداف إسرائيلية خاصة بعدما تمكنت من اختبار الصاروخ شهاب 3.

وقد برزت عدة عوامل أشعلت قضية الملف النووي الإيراني في هذا التوقيت، كان في مقدمتها:

إعلان الرئيس السابق محمد خاتمي بأن إيران تقوم باستخراج ترسيبات يورانيوم بالقرب من يازد ومعالجتها في عدد من المحطات التي أقيمت لذلك.

إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران قد استوردت 1.8 طن يورانيوم طبيعي عام 1991دون أن تبلغها بذلك حتى عام 2003م.

إعلان موسكو أن لديها تساؤلات حول نشاطات غير قانونية لبعض الشركات الغربية في المجال النووي بإيران، وهنا اتجهت الولايات المتحدة إلى إثارة القضية بدعوي تطبيق الشرعية الدولية ضد إيران، باعتبارها إحدى الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ومنشأتها النووية مفتوحة للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي تحاول استخدام الغطاء الممنوح لها من قبلها لإقناع العالم أن برنامجها النووي مخصص للأغراض المدنية المشروعة.

ويمكن القول أن عام 2003 شهد بداية تفجير الأزمة النووية الإيرانية خاصة بعد اكتشاف الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال تقييمها الدوري لمنشآت إيران النووية لوجود يورانيوم مخصب في هذه المواقع، وهي المادة الأساسية الداخلة في إنتاج السلاح النووي.

من ناحية أخرى، تم اكتشاف بعض المنشآت النووية الإيرانية التي كانت تخفيها إيران بشكل سري، وتم الكشف عنها من بعض جماعات المعارضة الإيرانية، وفي عام 2004 وصلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى قناعة مفادها أن إيران بنصبها للأجهزة الخاصة بالطرد المركزي ستتمكن بدون أدنى شك من تخصيب اليورانيوم ([9]).

وقد أعلن محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، أن أهداف إيران من البرنامج النووي ليست أن تتحول إلى دوله معزولة على غرار كوريا الشمالية، وإنما الهدف الرئيسي منه يتعلق بالاعتراف بها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن أن يفتح  أمامها الباب حسب وجهة نظر طهران لتحقيق صفقة كبرى مع العرب، لأنه حتى ولو لم تكن إيران تعتزم تطوير أسلحة للدمار الشامل، فإن مجرد الحصول على دوره كامل للوقود النووي فيه رساله قوية للغرب، والدول المجاورة، ناهيك أنه يحصن إيران ضد أي حظر أو اعتداء محتمل، وعليه فإننا هنا أمام مراوغة سياسية من أجل الردع تحاول أن تنتهجها طهران([10]).

وخلال مرحلة تولي بوش الابن الحكم، اتبعت الولايات المتحدة ما يمكن تسميته بالدبلوماسية المتشددة التي هدفت إلى تغيير النظام في إيران وليس فقط تغيير سياسات النظام.

وقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على العمل من خلال توافق دولي إزاء الأزمة النووية الإيرانية على الاقل لإثبات عدم جدوى التوصل لحلول دبلوماسية للأزمة بما يمهد بعد ذلك قيامها بالحل المنفرد (التدخل العسكري المباشر).

لذلك سعت الولايات المتحدة إلى عزل النظام الإيراني داخليًا وخارجيًا، فعلى الصعيد الداخلي عملت الولايات المتحدة على تحريض الرأي العام الإيراني ضد النظام والمساهمة في خلق معارضة قوية. ففي الخطاب الذي ألقاه بوش في عام 2006 وصف إيران بأنها أمة أسيرة بيد نخبة قليلة من رجال الدين تضطهد وتعزل شعبها.

وعلى الصعيد الخارجي، سعت إلى أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي لمساندة جهودها لمنع إيران من الاستمرار في نشاطاتها النووية وتكثيف الضغوط الدولية من أجل العمل على نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، وفي إطار هذه الدبلوماسية المتشددة التي اتبعتها الولايات المتحدة رفضت أي حوار مباشر من أي نوع مع إيران، رغم أن الأخيرة أبدت استعدادها للتفاوض مع الولايات المتحدة وأكدت تكرارًا أن برنامجها النووي سلمي للغاية، وبأنه حق الأمة غير القابل للنقاش ([11]) حيث تؤكد إيران أنها تطور الطاقة النووية لأغراض اقتصادية واستراتيجية فقط ولا تسعى من وراء هذا إلى امتلاك القنبلة الذرية أو أي أغراض عسكرية أخرى.

وأن الهدف الوحيد من برنامجها هو توليد الكهرباء وإتقان دورة الوقود، حتى تتمكن في المستقبل من التخلص من استيراد الوقود، فهي باعتبارها دولة نفطية ريعية تعتمد على النفط والغاز بصفة أساسية في مداخلها وعليه فهي بالحاجة إلى تنويع مصادرها خاصة أن عدد الإيرانيين في تزايد مستمر ما أصبح يقلل من فاعلية عوائدها النفطية، كما أن برنامجها يجعلها في تواصل دائمًا مع التكنولوجيات العصرية على غرار دول العالم المتطورة، إذن فالقضية -كما تدعي طهران- هي قضية علم وتكنولوجيا واكتفاء ذاتي تجعلهم يفتخرون بأنفسهم.

وعلى الرغم كل محاولات إيران الرسمية بالادعاء على سلمية البرنامج النووي وإصرارها على تخصيب أكبر قدر من اليورانيوم، وفي أقصر مدة زمنية، الأمر الذي رأته الولايات المتحدة تهديدًا حقيقيًا يخل بميزان القوى في المنطقة ودليل على رغبة إيرانية في الهيمنة مما شجع الولايات المتحدة على وضع إيران على قائمة “محور الشر” وتم لأول مرة فرض عقوبات دولية على إيران عام 2007 ([12]) إلا أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الملف النووي الإيراني أثبتت فشلها خلال فترة حكم “بوش الابن” فقد وجدت الولايات المتحدة أن اللجوء إلى الخيار العسكري في التعامل مع الأزمة سواء من خلال توجيه ضربات إجهاضية للمنشآت النووية الإيرانية أو عمل عسكري كامل مثلما حدث مع العراق هو أمر صعب الحدوث.

من ناحية أخرى، لم تستطع الولايات المتحدة حشد التأييد الدولي لفكرة تغيير النظام حتى على صعيد الموقف الأوروبي الذي كان يرى اللجوء إلى الدبلوماسية أولًا ثم العقوبات في حالة إخفاق الدبلوماسية ([13]).

الاتفاق النووي الإيراني في عهد أوباما

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 5

مع تولي الرئيس أوباما الحكم حدث تحول في السياسة الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني من الدبلوماسية المتشددة إلى الدبلوماسية المرنة والحوار وإن كان أوباما لم يستبعد الخيار العسكري بشكل كامل، بل إنه أكد مرارًا على أن الخيار العسكري يظل مطروحًا في حالة فشل الدبلوماسية في التعامل مع إيران([14]).

وكان باراك أوباما قد حاول إرسال بعض الإشارات الإيجابية إلى إيران، ففي مارس 2009 وخلال أعياد النيروز (رأس السنة الفارسية) مدح أوباما الحضارة الإيرانية، كما أرسل رسالة إلى آية الله خامنئي عرض فيها رغبة الولايات المتحدة في البدء في حوار بناء ([15]).

وخلال خطاب أوباما في جامعة القاهرة 2009 أكد على حق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية في إطار معاهدة عدم الانتشار النووي، كما صرح أوباما: “إذا غيرت إيران سياستها سوف نتعاون معها” وبعد عدة أسابيع أكد أوباما على استعداده لإجراء مباحثات غير مشروطة مع طهران وأكد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد باستعداد إيران لمفاوضات وفق مبدأ الاحترام المتبادل([16]).

وقد تجلى ذلك بوضوح في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي للرئيس باراك أوباما 2010 حينما أعلن استبعاد سياسة الحرب الوقائية والاستباقية التي انتهجها سلفه جورج دبليو بوش، فقد كان مبدأ الاستباق الأمريكي أحد ركائز استراتيجية الأمن القومي لإدارة جورج بوش في فترة الرئاسة الأولى 2002- 2005 فقد طرح هذا المبدأ بعد حرب أفغانستان، وتم تطبيقه عمليًا في حرب العراق 2003، والتي قامت بها الولايات المتحدة انفراديًا دونما شرعية دولية مما أصبغ مبدأ بوش بطابع هجومي، وبتفسير أحادي لمصادر التهديد للأمن القومي الأمريكي([17]).

ولتوضيح مبادئ استراتيجية الأمن القومي لعام 2010، قالت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك في كلمة في معهد بروكينغر في واشنطن “أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تدعو إلى التواصل مع كل الدول وتشجيع التنمية الاقتصادية، وفي الإطار نفسه حذرت واشنطن كلاً من إيران وكوريا الشمالية اللتين تنتهجان سياسة التحدي النووي بأنها تمتلك وسائل متعددة لعزلهما إذا تجاهلتا الأعراف الدولية ([18]).

الأزمة النووية الإيرانية في عهد أوباما

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 7

بدأت الازمة النووية الإيرانية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أواخر عام 2009، بعدما كشفت بعض الدول الغربية قيام إيران منذ عام 2006 سرًا ببناء مفاعل نووي جديد لتخصيب اليورانيوم في منطقة جبلية حصينة في مدينة “قم” دون علم الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو ما يعد مخالفة واضحة من جانب إيران لالتزاماتها الدولية في هذا الشأن.

وقد حرصت الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية على الكشف عن هذا المفاعل السري لتأكيد شكوكها حول مدي سلمية البرنامج النووي الإيراني، وتم اختيار مقر اجتماع قمة العشرين للإعلان عن ذلك التطور ليحدث صداه الدولي الواسع بهدف تشكيل جبهة تضامن دولية متماسكة في مواجهه طهران التي تستغل تباين مواقف المجموعة الدولية وتوظفه لخدمة مصالحها، كما تبنت هذه الدول لهجه حادة ضد إيران، متهمة إياها بأنها تمثل “مصدرًا للتهديد في الشرق الوسط والعالم”، مطالبة إياها باحترام التزاماتها الدولية في هذا الشأن. ([19])

وفي محاولة من الجانب الإيراني لامتصاص غضب المجتمع الدولي عمدت إلى اتخاذ خطوات تكتيكية مكنتها من الحد من وطأة الضغوط التي أعقبت الكشف عن هذا المفاعل النووي السري، الذي زعمت أنه مخصص لتوليد الكهرباء وأن مستوى التخصيب فيه لن يتجاوز حد خمسة بالمئة فقط وهو مستوى منخفض لا يكفي لإنتاج مواد انشطارية تستخدم في صنع القنبلة الذرية.

وأنها أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية به قبل إعلان الغرب عنه، غير أن هذه الخطوات والتصريحات لم تثمر عن النتائج المرجوة بعد أن لحق الضرر بسمعة إيران ومصداقياتها بعد الكشف عن هذا الموقع السري، الأمر الذي عزز شكوك أطراف كثيرة في مصداقية وشفافية النهج الإيراني ([20]) وقد دفع الكشف عن هذا الموقع السري والضغوط الدولية التي أعقبته طهران إلى تخفيف موقفها المتشدد من برنامجها النووي، وبدأ هذا واضحًا خلال مؤتمر جنيف الذي عقد في مطلع أكتوبر 2009، حينما أكدت طهران أنها ستسمح لمفتش الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المنشأة النووية الجديدة في “قم” للتأكد من عدم استخدامها للأغراض العسكرية.

وتم تحديد موعد لذلك هو يوم 25 اكتوبر 2009 ، كما أجرت محادثات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية على هامش الاجتماع، كانت هي الأعلى مستوى بين الدولتين منذ ثلاثة عقود، ووافقت إيران من حيث المبدأ على إرسال اليورانيوم إلى الخارج لتخصيبه وتحويله إلى وقود نووي بغرض استخدامه لأغراض الأبحاث الطبية، ونتيجة  لهذه المواقف خرج المجتمعون في جنيف بانطباعات إيجابية ربما بأكثر مما كان متوقعًا، وتم النظر إلى هذه المواقف على أنها تمثل مؤشرًا قويًا إلى استجابة طهران للخيار الدبلوماسي ([21])، ولكن مع عام 2011 وقعت عدة تطورات دفعت الملف النووي الإيراني بقوة إلى قمة القضايا الساخنة في النقاش السياسي والاستراتيجي الأمريكي وحفلت وسائل الإعلام الأمريكية بالمقالات والتحليلات والدراسات حول المخاطر التي يمكن أن تترتب على حصول إيران على السلاح النووي وحول مختلف الخيارات التي يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة الأمريكية للحد من الطموحات الإيرانية للحصول على هذا السلاح.

وكانت من أبرز التطورات التي زادت من حده توتر الأجواء المحيطة بالملف النووي وقوع انفجار كبير في موقع عسكري إيراني لصنع الصواريخ المتوسطة المدى وسقوط طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار، تستعملها وكاله المخابرات المركزية للتجسس على إيران داخل الأراضي الإيرانية ([22]).

ومع إعلان أوباما أن إدارته على استعداد لاستئناف المفاوضات دون شروط سابقة مع طهران، وهكذا يكون أوباما قد نأى بنفسه عن مطلب المجموعة السداسية دول “5+1” (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، بالإضافة إلى ألمانيا) بوجوب توقف إيران عن تخصيب اليورانيوم كشرط لاستئناف الاتصالات الدبلوماسية، وأشار أيضًا أنه سيكون للولايات المتحدة مشاركة كاملة في أية مفاوضات تجريها مجموعة دول “5+1 ” مع إيران. ([23])

كما ألمحت إدارة أوباما إلى استعدادها لإجراء اتصالات مع طهران خارج نطاق مجموعة الدول الست، إذا كان ذلك يخدم المصالح الأمريكية وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في السياسة الأمريكية حيال طهران، يتجلى في التمييز بين حقها في امتلاك طاقة نوية سلمية، وبين الرفض الدولي القاطع لإيران مسلحة نوويًا.

وقد رحبت إيران بعرض مجموعة “1+5” للتفاوض وأعلنت في سبتمبر 2009 استعدادها لإجراء محادثات متعددة الأطراف تتناول كل القضايا الأمنية التي تسبب قلقًا للغرب ولا تتناول تخصيب إيران لليورانيوم باعتباره حقًا طبيعيًا وقانونيًا وسياديًا للدولة الإيرانية. ([24])

وحددت مجموعة دول”5+1″ أكتوبر 2009 لبدء المفاوضات في جنيف، وتوصلت إيران في محادثات جنيف إلى اتفاق مبدئي مع مجموعة دول “5+1” حول برنامجها النووي، ووفقًا لهذا الاتفاق سمحت إيران لمفتش الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشأة “قم” التي كان قد تم الكشف عنها من قبل الدول الغربية في سبتمبر 2009.

ووافقت على إرسال نسبة من اليورانيوم المخصب الإيراني إلى الخارج واستيراده في مرحلة لاحقة، بعد أن يتم تحويله إلى وقود.

وفي أواخر نوفمبر 2009، أكدت إيران رفضها إرسال اليورانيوم المخصب إلى الخارج وردًا على هذا الرفض الإيراني تعهدت كل من الولايات المتحدة وأوروبا بفرض عقوبات أشد وأقوى ضد إيران. ([25])

وفي أوائل نوفمبر 2013، توصلت مجموعة دول “5+1” مع إيران إلى تسوية بشأن برنامج إيران النووي، حيث نص الاتفاق بين إيران ومجموعة دول “5+1” أن تتعهد الحكومة الإيرانية بتخفيض عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة 5% وإبطال ذخائر اليورانيوم المخصب بنسبة 5% إلى 20%.([26])

وذلك مقابل وقف إصدار عقوبات جديدة على إيران، ورفع بعض العقوبات تدريجيًا في فترة ستة أشهر، واستمرار المفاوضات حتى إزالة الغموض بشأن البرنامج النووي، وتجنب إصدار أيه عقوبات جديدة ضد إيران، والحرص على عدم وصول نسبة صادرات نفط إيران إلى ما هو أقل من النسبة الحالية، ورفع الحظر على شراء وبيع الذهب والمعادن الثمينة، ورفع الحظر المفروض على صناعة السيارات وكذلك المنتجات البتروكيميائية وتسهيل التعاون مع إيران لصيانه الطائرات المدنية العائدة لشركات الطيران الإيرانية، وإلغاء تجميد 400 مليون دولار من أموال إيران في الخارج لتسديد تكاليف دراسة الطلبة الإيرانيين المبتعثين إلى الخارج والتعاون مع إيران لشراء المواد الغذائية والطبية. ([27])

وقد رضخت إيران لهذا الشرط في نوفمبر 2013، فوافقت على تخفيض اليورانيوم المخصب من نسبة 20% إلى 5% والتقليل من مخزونها من اليورانيوم، إلا أن الدول الكبرى شددت على ضرورة وقف التخصيب بهذه النسبة لفترة 10 أعوام وهو ما رفضته إيران، مؤكدة أنه بالرغم من أنها خصبت اليورانيوم بنسبة 20% للاستفادة منه في مفاعل طهران للبحوث النووية إلا أنها ترفض وقف التخصيب لفترة زمنية طويلة. ([28])

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 9

وكانت نتائج المفاوضات انتهت إلى فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق في 10 نوفمبر 2013 بسبب إصرار فرنسا على الحصول على ضمانات إيرانية لعدم تخصيب اليورانيوم ولالتزامها بأي اتفاق قد يتم التوصل إليه، ورغم ذلك صرح الجانبان بأن المفاوضات كانت بناءة واتفق الطرفان على استئناف المحادثات بينهما في 20 نوفمبر 2013. ([29])

وبالفعل نجحت إيران ومجموعة دول “5+1” في نهاية عام 2013 في عقد اتفاق مرحلي بجنيف حددته بـ 6 أشهر قابلة للتمديد يقضي بأن تحد إيران من نشاطها النووي الذي قد يكون له أبعاد عسكرية مقابل رفع محدود للعقوبات الدولية المفروضة عليها لعدم انصياعها لاتفاقية الضمانات الملحقة باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية ([30]).

وبالتالي يمكن القول، أن التوصل إلى الاتفاق النووي المرحلي في جنيف بين إيران ومجموعة دول “5+1” أقر بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو وان كان إقرارًا ضمنيًا ومحصورًا في التخصيب عند حدود 5% فقط مع التوقف الإيراني عن التخصيب إلى 20% إلا أنه يعطي إيران حق التخصيب وحق أن تكون “دولة نووية” وفقًا لنص معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كما أنه أقر واعتمد الحل السياسي والدبلوماسي لأزمة البرنامج النووي الإيراني، وأنهى كل طموحات إسرائيل في فرض الحل العسكري، وأهم ما أسفرت عنه هذه المفاوضات كان وضع أساس لتقارب أمريكي – إيراني، وأن هذا التقارب يمكن أن يؤدي إلى ما يخشاه كثيرون (الدول العربية، الدول الخليجية وإسرائيل) وهو الانخراط في “صفقة تفاهم شاملة” بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. ([31])

ونتيجة لذلك أبرم الجانبان اتفاقًا مرحليًا حول الملف النووي لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، بدأ تطبيقه في 20يناير 2014، وفي 20 يوليو 2014 كانت أطراف جنيف قد مددت المهلة لأربعة أشهر إضافية حتى 24 نوفمبر 2014 بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق نهائي.

وذلك لإتاحة مزيد من الوقت لإيران والدول الكبرى للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل بحلول 24 نوفمبر 2014 ينتظر منه ضمان الطبيعة السلمية البحتة للبرنامج النووي الإيراني مقابل رفع كافة العقوبات التي يفرضها الغرب والأمم المتحدة على طهران وألحقت ضررًا جسميًا بالاقتصاد الإيراني لعده سنوات ([32]) وبعد أيام من مفاوضات مكثفة تم الاتفاق على تمديد أجل المفاوضات مرة أخرى ([33]).

وفي عام 2015، أجرت إيران ودول “5+1” مفاوضات بدءًا من 26 مارس حتى 2 أبريل 2015، في مدينة لوزان السويسرية من أجل التوصل إلى تسوية شاملة تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وإلغاء كافة العقوبات على إيران بشكل تام، وبعد مفاوضات توصلت إيران والدول الست الكبرى في 2 أبريل 2015 إلى اتفاق الإطار النووي الإيراني الذي يمهد للتوقيع على الاتفاق النهائي الشامل حتى نهاية يونيو 2015 ([34]).

ويُلزم الاتفاق طهران بأكبر من قدرتها على تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات تدريجيًا، كما نص اتفاق لوزان على قصر أنشطة إيران النووية للاستعمالات المتعلقة بالأغراض السلمية فقط، ووافقت إيران في مفاوضاتها مع مجموعة “5+1” على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104 أجهزة، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط بموجب اتفاق نووي شامل ستوقعه مع الدول الست الكبرى.

وستحظى إيران بموجب اتفاق الإطار بتخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية المتصلة بالبرنامج النووي مع التزامها بالاتفاق النووي الشامل الذي سعت إيران والدول الست الكبرى لإنجازه في 30 يونيو على أن يعاد فرضها سريعًا في حال إخلال طهران لتعهداتها ([35]).

ويمكن القول أن الاتفاق النووي الإيراني يمثل المرحلة الثالثة والأخيرة من المفاوضات بين القوى الكبرى وإيران، وذلك بعد الاتفاق الانتقالي في جنيف في تشرين الثاني / نوفمبر 2013، ثم الاتفاق الإطار في لوزان / سويسرا في أبريل 2015.

وكما في اتفاق لإطار، يقوم الإطار العام للاتفاق النهائي -الذي ضم 159 صفحة ما بين وثيقة الاتفاق الأساسي وخمسة ملاحق تقنية-([36]) على تقييد البرنامج النووي الإيراني، الذي يصر الغرب على أن له أبعاد عسكرية في حين تصر إيران على أنه سلمي، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والمصرفية المفروضة على إيران بعد التأكد من وفائها بالتزاماتها بموجب الاتفاق، كما يعزز هذا الاتفاق الإجراءات والضمانات الرقابية الصارمة على الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية ويضع قيودًا على مستوى تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم ويحدد عدد أجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران. ([37])

ولن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ، خصوصًا الشق الذي ينص على رفع العقوبات الأممية عنها حتى تصدق الوكالة الدولية للطاقة الذرية على وفاء إيران بالتزاماتها الواردة في الاتفاق كافة، وخصوصًا ما يتعلق بتطبيق الرقابة الصارمة على أنشطتها ومنشآتها النووية، بما فيها بعض المنشآت العسكرية، وقد كانت مسألة رفع العقوبات الدولية والأمريكية إحدى أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، ففي حين أرادت إيران أن ترفع فور التوقيع على الاتفاق النهائي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين أصروا أن يكون رفع العقوبات مرتبطًا بدخول الاتفاق حيز التنفيذ وتصديق الوكالة الدولية للطاقة الذرية على وفاء إيران بالتزاماتها وهو ما حدث.

ولا يقتصر الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، بل يشتمل أيضًا على مسألة حظر مبيعات الأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية أو التكنولوجيا المؤدية إليها إلى إيران، وقد كانت هذه أيضًا إحدى نقاط الخلاف وكحل وسط، اتفق الطرفان على أن يستمر حظر مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران لمدة خمس سنوات أخرى، في حين يستمر حظر بيع الصواريخ البالستية أو التكنولوجيا المؤدية إليها إلى ثماني سنوات قادمة ([38]).

مجمل الموقف الأمريكي في عهد أوباما

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 11

وعليه، يمكن إجمال الموقف الأمريكي في التعامل مع الملف النووي الإيراني في عهد أوباما:

مع تولي الرئيس أوباما تبني منهجًا مختلفًا تجاه إيران، وهو اعتماد الدبلوماسية كأداة رئيسة في التعامل مع إيران في مقابل المواجهة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش، بل ذهب أوباما أبعد من ذلك عندما أعلن في أحد المحاضرات أنه لن يتردد في إجراء حوار مع قادة الدول المناهضة للولايات المتحدة ومن بينها إيران “بدون شرط” ([39]).

من ناحية أخرى، سعت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما إلى عدم التدخل في السياسات الإيرانية، الداخلية وعدم دعم أو معارضة القادة والنخب المتنافسين على السلطة في إيران وتوجيه المبادرات لكل الفاعلين في إيران (المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الرئيس الإيراني، وزير الخارجية). ([40])

وقد اعتبرت رسالة الرئيس باراك أوباما لإيران في عيد النيروز تطورًا هامًا في هذا الصدد، فلأول مرة يعترف الرئيس الأمريكي في خطاب عام بواقع وجود الجمهورية الإسلامية وشرعية الحكم الإيراني. ([41])

كما دلت بعض المؤشرات الإيجابية على جدية قرار الإدارة الأمريكية بالتهدئة مع إيران بعد مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في المحادثات السداسية بين إيران ومجموعة دول “5+1”([42])

أن توقيع الاتفاق النووي الإيراني في (14 يوليو 2015) يعد من وجهه نظر الإدارة الأمريكية في عهد أوباما إنجازًا تاريخيًا للديمقراطيين وانتصارًا شخصيًا لأوباما وأنهى قطيعة مع الجمهورية الإسلامية في إيران استمرت منذ عقود طويلة وسيتيح الاتفاق للولايات المتحدة القيام بتفاهمات أمنية وسياسية في المنطقة مع الإيرانيين.

من ناحية أخرى، استطاعت الولايات المتحدة من خلال هذا الاتفاق منع قيام إيران بتطوير سلاح نووي، كما لم يستجيب لمطلب الإيرانيين برفع العقوبات بالتزامن مع توقيع اتفاق مع الإبقاء على حظر تصدير السلاح إلى إيران ([43]).

إلا أن استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق النووي الإيراني أصبح على المحك ([44]) مع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في 20 يناير 2017.

الاتفاق النووي الإيراني في عهد ترامب (2017-2020)

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 13

أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في يوم 8 مايو عام 2018 رسميًا خروج بلاده من الاتفاق النووي مع إيران.. قائلًا: “اليوم أعلن أن الولايات المتحدة قد خرجت من الاتفاق النووي مع إيران” وأضاف: “سنفرض أعلى مستوىً من العقوبات الاقتصادية على إيران”.

بدأت العلاقات الأمريكية الإيرانية تضطرب، وقد وعد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية بتمزيق الاتفاق النووي الذي وصفه بأنه “الأسوأ” والأكثر غباء في التاريخ، ففي تشرين الأول /أكتوبر لم يصادق ترامب على التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، إذ إن كل رئيس أمريكي ملزم من الكونجرس بأن يصادق كل 90 يومًا ما إذا كانت إيران ملتزمة ببنود الاتفاق وأن الاتفاق لا زال يصب في مصلحة البلد الوطنية أم لا، وبالتالي أعطي ترامب فترة 60 يومًا للكونجرس لاتخاذ قرار بشأن استمرارية المشاركة الأمريكية في الاتفاق النووي، كما تضمن حديث الرئيس الأمريكي ترامب استراتيجية جديدة للتعامل مع إيران تهدف إلى القضاء على التهديدات التي تشكلها إيران على المنطقة.

وقد حظي قرار ترامب بإشادة فورية وتأييد على نطاق واسع من إسرائيل ([45]) وعلى الرغم من تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن رصد النشاط النووي الإيراني أن إيران لا زالت متمسكة بشروط الاتفاق النووي، فإن قرار ترامب غض الطرف عن ذلك.

وقد يؤدي انسحاب واشنطن من الاتفاق إلى توتر علاقاتها مع الدول الأخرى الموقعة عليه مثل ألمانيا وفرنسا والصين، وقد ترفض هذه الدول فرض أي عقوبات على طهران في حال تراجعت واشنطن ([46]).

استراتيجية ترامب في التعامل مع الملف النووي الإيراني

وتقوم استراتيجية الرئيس الأمريكي ترامب في التعامل مع الملف النووي الإيراني على عدة عناصر أساسية وأهمها:

حرمان إيران من الحصول على سلاح نووي وتركز الاستراتيجية على الحد من نفوذ إيران المقلق المزعزع للاستقرار والعدائي في المنطقة من خلال تعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة والشراكات الإقليمية بالإضافة إلى ذلك، سوف تعمل الاستراتيجية على مواجهة التهديدات التي يشكلها كل من الصواريخ البالستية والأنشطة العربية الممولة من قبل الحرس الثوري الإيراني.

وفي خطابات ترامب لم يعلن استراتيجيته المذكورة فحسب، بل كشف أيضًا أن إدارته، والكونجرس والحلفاء يعملون على معالجة الأخطاء الخطيرة للاتفاق، وإذا لم يفعلوا ذلك فإن الولايات المتحدة ستنهي العمل بالاتفاق ([47]).

لم يكن مفاجئًا انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق الشامل لتسوية قضية البرنامج النووي الإيراني، الذي تم التوصل إليه عبر مفاوضات مضنية انتهت في مايو/ أيار 2015. فنبذ الاتفاق يشكل إيفاء بوعد انتخابي وضعه ترامب في مقدمة قائمة من إنجازات سلفه باراك أوباما التي يعتزم إلغاءها.

“قبيل قرار ترامب، ثارت تساؤلات على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وفي عواصم الشركاء الأوروبيين الموقعين على الاتفاق، في المجموعة المعروفة باسم (5+1) وحتى داخل إيران، فحواها: ما هي عيوب الاتفاق؟”

وقد فسر البعض من داخل الإدارة الأمريكية أن الاتفاق لا يتضمن أي عيب سوى ميلاده في كنف إدارة أوباما لـ”يترعرع في عهد رئيس مغرم” بإلغاء أي إنجاز حققه سلفه، وبالتالي مات الاتفاق.

مبررات إلغاء الاتفاق من وجهة نظر ترامب

النووي الإيراني الاتفاق النووي الإيراني ما بين عهد أوباما وترامب 15

كان ترامب قد ساق مبررات لإلغاء الاتفاق، وهي أنه لا يحول دون تطوير إيران قدرات نووية بعد عام 2025، وخلوه من بنود تلجم نفوذ إيران في سورية واليمن ولبنان، وتضع حدًا لبرنامج الصواريخ البالستية. هذه المخاوف اقترحت فرنسا وألمانيا تضمينها في اتفاق يلحق بالاتفاق القائم، وهو ما أعرب عنه زعيما البلدين، الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، خلال زيارتهما لواشنطن بهدف إثناء ترامب عن الانسحاب من الاتفاق.

غير أن ترامب لم يقتنع بمقترحات حلفائه الأوروبيين، وقرر إخراج الولايات المتحدة من الاتفاق مع ترك الباب مفتوحًا أمام مفاوضات جديدة للتوصل إلى اتفاق يرضيه، كما قال، ويرضي كذلك إسرائيل الحليف المهم للولايات المتحدة. المثير للانتباه أن قرار ترامب خلق حالة من خيبة الأمل وسط عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين داخل البيت الأبيض، ووزارتي الخارجية والدفاع، وأجهزة المخابرات. وقد رأى بعض من المسؤولين الأمريكيين أن الاتفاق ليس مثاليًا، إلا أنهم اعتبروه بمثابة قاعدة جيدة ينبغي التمسك بها ومن ثم معالجة نقاط القصور.

كما يرى البعض أن الاتفاق أعطى الولايات المتحدة فرصة غير مسبوقة وإجماعًا دوليًا منقطع النظير لاحتواء وإنهاء البرنامج النووي الإيراني. ([48])

انسحاب الولايات المتحدة وإعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية عام 2018 في محاولة لإجبار إيران على التفاوض على بديل من شأنه أن يفرض قيودًا إلى أجل غير مسمى على برنامجها النووي، ويوقف أيضًا تطويرها للصواريخ الباليستية. وعلى صعيد رد الفعل ترفض إيران الأمر حتى الآن، وتراجعت عن التزاماتها الرئيسية، بما في ذلك المتعلقة بإنتاج اليورانيوم المخصب، والذي يمكن استخدامه لصنع وقود للمفاعلات وكذلك في صناعة الرؤوس الحربية النووية.

وتصر الولايات المتحدة على استخدام آلية “فض النزاع” من أجل إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران ويهدف القرار الأمريكي إلى تمديد عقوبات الأمم المتحدة على الأسلحة الإيرانية بعد فترة انتهائها في أكتوبر2020 في مجلس الأمن، ففي أكتوبر 2020 ينتهي حظر توريد السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة على إيران بحسب ما جرى الاتفاق عليه في المحادثات النووية وكما هو منصوص عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231.

فهل ستنجح الولايات المتحدة في ذلك أم ستصل إلى طريق مسدود في مجلس الأمن في حالة رفض باقي أعضاء مجلس الأمن وتلجأ إلى قرار مستقل من شأنه أن يطيل أمد الحظر إلى أجل غير مسمي، من خلال التذرع ببند “سناب باك”، أي إعادة فرض عقوبات أممية على إيران حال خرق الاتفاق النووي، على الرغم من رفض بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين وأن واشنطن ليس لها حق قانوني للقيام بذلك.

لقد بات واضحًا عدم تراجع إيران عن السير في تطوير برنامجها النووي وعدم تغير سلوك الحكومة الإيرانية جراء حملة الضغط الأمريكية والعقوبات المفروضة عليها حيث أصبح برنامجها النووي اليوم أكثر تقدمًا مما كان عليه قبل الانسحاب الأمريكي، أما على الجبهة الإقليمية أصبحت أفعال إيران وحلفائها أكثر عدوانية، جولة المواجهة الأمريكية الإيرانية ستدخل في طور جديد عقب انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية إما بفوز ترامب بفترة رئاسية ثانية أو تولي رئيس جديد جو بايدن.

خاتمة الدراسة

البرنامج النووي الإيراني

تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع إيران لاسيما فيما يخص برنامجها النووي موقفًا معاديًا ورافضًا حيث يعتبر هذا الموقف امتدادًا للموقف العدائي الذي تتبناه أمريكا اتجاه إيران منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979م.

إن السياسة الأمريكية في جوهرها تجاه البرنامج النووي الإيراني لا تختلف باختلاف الحكومات والإدارات وأن اختلاف الحكومات إنما في طريقة التعاطي والتعامل مع ذلك “الحظر” وعليه فإن النظرة الأمريكية للبرنامج النووي الإيراني إنما تنطلق من حماية المصالح الأمريكية وعدم بروز قوة إقليمية تقف عائقًا أمام طموحها وأهدافها الاستراتيجية، ويمكن إجمال عدة سياسات متوالية للموقف الأمريكي تجاه إيران وهي:

  1. ـ إصرار أمريكا على رفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الامن والغرض منه هو فرض العقوبات.
  2. ـ تكثيف الضغوط على الدول التي تقدم التكنولوجيا لإيران كروسيا وباكستان.
  3. ـ المزاوجة بين الخيار السلمي والتهديد بالخيار العسكري كما تتعامل الولايات المتحدة مع إيران على أساسين:
  • أن إيران على علاقة متينة بالإرهاب وأنها الدولة الأكثر نشاطًا في هذا المجال.
  • أن هدف إيران إنما هو إنتاج السلاح النووي وهذا ما يشكل خوفًا وقلقًا أمريكيًا من البرنامج النووي الإيراني، لأن مجرد امتلاك إيران للتقنية النووية هذا يعني استخدامها في المجال العسكري مما يؤدي إلى اختلال التوازن في المنطقة لصالح إيران أمام الكيان الصهيوني “إسرائيل”. ([49])

ومن هنا نجد أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية واحد وثابت هو منع إيران من امتلاك القدرة النووية لأن ذلك يضر بمصالح الولايات المتحدة والاستقرار بالمنطقة لوجود “إسرائيل” فيها.

من ناحية أخرى، فإن أمريكا تهدف إلى منع إيران من حيازة أي برنامج نووي متقدم ليس خشية من احتمال حصولها على السلاح النووي، وإنما من أجل منعها من الحصول على التكنولوجيا النووية المتطورة لأن هذا يؤدي بإيران إلى نهضة اقتصادية قوامها تسخير النفط والغاز لأغراض التصدير والحصول على أكبر قدر ممكن من العملات الصعبة والحد من زيادة الطلب المحلي عليه من خلال توفير الطاقة الكهربائية عن طريق المفاعلات النووية، وبالتالي بقاء إيران في حالة من التخلف المستديم ([50]).

السياسة الخارجية الأمريكية في التعامل مع “الملف النووي الإيراني” تنطلق من أن موقع الولايات المتحدة كقوة عظمى في أعلى قمة الهرم العالمي للقوة يسمح لها لتكون لاعب حاسم في أي جزء من العالم تختار.

وعلى ما يبدو يسمح بالتصرف بشكل مستقل دون قلق حول مقاومة من القوي الأضعف بدلًا من العمل بالتنسيق مع الأخرين، يمكن للقوة المسيطرة والمهيمنة معالجة المشاكل الدولية دون الاعتماد على المنظمات العالمية ويمكن أن “تذهب وحدها”، حتى في مواجهة انتقادات أجنبية حادة إلا أن هذه الأحادية من الجانب الأمريكي ولعب دور الفتوة الدولية لها تكاليفها في ظل تآكل الدعم الدولي لموقفها تجاه إيران والاستمرار في فرض العقوبات.

195

المصادر
الكاتب

مايسة مرزوق

ماجستير علوم سياسية علاقات دولية. باحثة وكاتبة مهتمة بشؤون العالم العربي والإسلامي.

التعليقات

  • Mahmoud Mohammed منذ 3 أسابيع

    مقال أكثر من رائع … ورؤية ثاقبة…

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.