بعد تأجيلٍ وتأخيرٍ متكررٍ ومقصود سعيًا لتهيئة الأجواء المناسبة لقبولها شعبيًا على المستويين العربي والإسلامي؛ ومع تسارع حملات الدعاية الإعلامية لتدجين العقول وتخدير المشاعر، وتغييب المبادئ وترويج التطبيع، وتمرير ثقافة الانبطاح والتعايش مع المحتل، أخيرًا؛ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن صفقته المشؤومة!

تلك الصفقة التي تقوم على أساس إقامة دولتين فلسطينية و”إسرائيلية”، وأن تكون القدس المحتلة عاصمة موحدة لـ”إسرائيل”، بالإضافة إلى اعتراف الولايات المتحدة بالمستوطنات كجزء من “إسرائيل”.

أما المقدّسات الإسلامية فتقوم “صفقة ترمب” على أساس أن “إسرائيل” ستعمل بشكل وثيق مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الذي وصفه ترمب بـ”الرجل الممتاز”، على ضمان الحفاظ على صفة الحرم الشريف، وتعهد بأن تُتخذ “إجراءات صارمة” ليكون بإمكان المسلمين زيارة هذا المكان المقدس بصورة “سلمية”!

كل تلك الاعترافات والأُمنيات “الأمريكية – الإسرائيلية” التي لا نشك أنها ستتحطم على صخرة صمود الشعب الفلسطيني، جاءت مقابل منح الفلسطينيين دولة مشوّهة مشتتة منزوعة السلاح والقرار والإرادة، تمزّقها المستوطنات والبلدات المحتلة في القدس والضفة.

والأهم مما سبق للفلسطينيين -بزعم “التاجر” ترمب- هو الشق الاقتصادي من الصفقة وهو منح الفلسطينيين 50 مليار دولار لاستثمارها في دولتهم الموعودة، للقضاء على الفقر والبطالة والاستغناء عن الدعم الدولي والمساعدات الخارجية، إن هم قبلوا ببيع قدسهم وأقصاهم وقضيتهم وتضحيات أجدادهم، بعد الالتزام بنبذ العنف “الجهاد والمقاومة” وتفكيك التشكيلات العسكرية وتسليم سلاح الفصائل في غزة.

“صفقة ترمب” لم تبدأ فصولها منذ تولّى هذا الأرعن مقاليد الحكم في “البيت الأسود”؛ بل هي نتاج زواج عُرفي “غير شرعي” بعيدًا عن رغبة وقرار أولياء الدم وأصحاب القضية، بين سلطة عميلة حقيرة وعدو مجرم مغتصب، فقد بدأت فصول صفقة العار يوم أن وقّعت الأيادي الآثمة اتفاقية أوسلو المشؤومة عام 1993م، والتي جعلت من قضيتنا المقدّسة سلعة للبيع والشراء والمقايضة في سوق النخاسة، هذه الخطّة التي تُنفّذ على الأرض منذ عقود ليست وليدة السنوات الأخيرة، وما يحدث اليوم هو أشبه بالحفل الختامي والإعلان الرسمي لمحاولة إضفاء الشرعية على ذاك الزواج “غير الشرعي” الذي أنجب لنا طفلًا مشوهًا، أطلقوا عليه زورًا اسم “المشروع الوطني” و”الدولة الفلسطينية” منزوعة السيادة والإرادة.

الفصائل الفلسطينية التي سجّلت نجاحاتٍ كبيرة “تكتيكيًا” على صعيد العمليات العسكرية والاستخباراتية والنفسية، وأظهرت عجز العدو في معركة العقول وصراع الأدمغة أمام ذكاء ودهاء رجال المقاومة؛ فشلت فشلًا ذريعًا في السنوات الأخيرة باعتماد استراتيجية وطنية شاملة للتصدّي “عسكريًا” لحملات وعروض البيع والشراء التي جاء بها ترمب ونتنياهو على أنقاض دولتنا وقضيتنا بإعلان تلك الصفقة المخزية، والتي لا يمكن تمريرها وتمرير حملات التطبيع العربية الرسمية إلا في ظل حالة من الهدوء والاستقرار في الأراضي المحتلة، وإنما اعتمدت -الفصائل الفلسطينية- فقط على الجهود السياسية الضعيفة بسبب الحصار والمقاطعة، والفعاليات الجماهيرية والإعلامية التي تؤتي أكلها في حينها فقط، ثم ما تلبث أن تتلاشى وتتراجع كما شهدنا سابقاً في مسيرات العودة وكسر الحصار وجولات التصعيد “المحدودة” على أهميتها.

الوحل الأفغاني

صفقة القرن.. لماذا يستأسد ترمب على الفلسطينيين ويركع أمام الأفغان؟! 1

أميركا وطالبان توقعان اتفاق سلام تاريخيًا بالدوحة 2020.

الولايات المتحدة بقيادة المجرم ترمب الذي ينظر إلى القضية الفلسطينية على أنها صفقة تجارية، ويستأسد على الفلسطينيين ويلقي إليهم فتات أرباحها بكل كبرٍ وعنجهية، هي نفسها الولايات المتحدة التي تغرق في وحل أفغانستان، وتسعى للهروب من جحيمها، تحت ضربات المقاومة الأفغانية الباسلة التي تسحق جنوده المحتلين منذ 19 عام من الاحتلال الأمريكي دون توقف أو مهادنة.

فطالبان هُزمت وخسرت كل أفغانستان عام 2001م، ولم يكن بيدها أي قوة أو إمكانيات عسكرية تعتمد عليها سوى الأسلحة الفردية الخفيفة، لكن منذ ذلك الحين إلى اليوم أخذت على عاتقها قتال الأمريكان دون توقفٍ بلا هوادة، إلا “الهُدن” التي تعلنها طالبان “من طرف واحد” في الأعياد والمناسبات الإسلامية، لإتاحة المجال للشعب الأفغاني لقضاء أعياده في ظل أجواء من الهدوء والاستقرار، بعيدًا عن أزيز الرصاص وهدير المدافع، وهي تقاتل حتى هذا اليوم بكل عنفوانٍ وإصرار، بل وتزيد من مستوى عملياتها أثناء “محادثات السلام” والمفاوضات مع الأمريكان، التي انسحب الأمريكان منها عدة مرات احتجاجًا على عمليات طالبان، لكن سرعان ما عادت صاغرة للمفاوضات أملًا في الخروج الآمن لقواتها المنهزمة وحفظ ما تبقى من ماء وجهها.

مباشرة سيتدخل البعض هنا ويقولون بأن ظروف وإمكانيات وواقع طالبان تختلف عن ظروفنا وإمكانياتنا وواقعنا في فلسطين وغزة، فالحدود طويلة وممتدة، والدعم الباكستاني “استخباراتي عسكري”، والدعم الإيراني “سياسي وتبادل تجاري”، والدعم الروسي “سياسي” يجعل من طالبان قوة لا يُستهان بها أمام جيش الاحتلال الأمريكي، نعم هو كذلك؛ لكنّ طالبان لم تصل لهذا المستوى إلا حينما فرضت نفسها وبقوة على جميع اللاعبين الدوليين والإقليميين في أفغانستان، وثبّتت أقدامها في أرضها حتى باتت تسيطر على أكثر من ثلثي أفغانستان، باعتماد استراتيجية ناجعة تقوم على “حرب الاستنزاف” ومعارك الكر والفر التي أرهقت أقوى وأعظم جيوش العالم؛ حين كانوا حفاة عراة مطاردون في الفيافي والكهوف والجبال!

القضية قضية مبدأ واستراتيجية اعتمدنا عليها في فلسطين وأثبتت نجاعتها في مراحل مختلفة في صراعنا مع المحتل، وأفشلت الكثير من المؤامرات، وهو ما عملت عليه طالبان وانتهجته وما زالت على عهده، قتالٌ بلا هوادة بعيدًا عن الهدن والتهدئات التي قد نحتاجها في ظروف معيّنة؛ لكن دون أن تطغى على خيار الجهاد والكفاح المسلح، فالمخططات والصفقات الأمريكية لا يفسدها سوى أسقف الباصات الطائرة، أو الصواريخ العابرة لأراضينا المحتلة، تمامًا كما أسقطت المقاومة الفلسطينية اتفاقيات ومعاهدات (واي ريفر1، واي ريفر2، كامب ديفيد، طابا، أنابوليس، خارطة الطريق، وغيرها)؛ بالمفخخات والصواريخ والاستشهاديين وعمليات إطلاق النار التي استنزفت قدرات وطاقات الاحتلال “الإسرائيلي” وأشغلته بالبحث عن مخرج للأزمات الأمنية والعسكرية، وهذا ما نحتاجه اليوم بالتحديد كي لا يلتقط العدو أنفاسه لتحقيق إنجازات سياسية ودبلوماسية، نعم قد تختلف الأدوات والوسائل للمقاومة حسب طبيعة الأرض والإمكانات والقدرات، لكن تبقى الفكرة واحدة أن المخططات الخبيثة للأعداء لا يسقطها إلا أصحاب الأقدام الثقيلة والأيادي المتوضئة.

سيقول أحدهم: ماذا تريد؟؟ الحرب والدمار؟؟! وماذا جلبت لنا الحروب الأخيرة؟؟!

صفقة القرن.. لماذا يستأسد ترمب على الفلسطينيين ويركع أمام الأفغان؟! 3

عرض عسكري لكتائب القسام في رفح.

أقول: في هذا التوقيت لا، وأقرُّ بأن أهل الجهاد هم أدرى بشعابه، وهم الأقدر على اختيار وسائله واستراتيجياته؛ وإن كنّا نحن أهل فلسطين أهلٌ للحروب والمعارك، ولا نخشى مواجهة العدو الذي قاتلناه بأسناننا وأظافرنا حين عزّ السلاح، لكنّ “الحرب الشاملة الخاطفة” ليست الاستراتيجية الوحيدة لمقاومة العدو ومجابهة مؤامراته ومكائده، بل هناك أساليب واستراتيجيات مختلفة من شأنها إيلام العدو وكسر جبروته ودفعه للرضوخ لمطالب وشروط المقاومة، وأهمها “حرب الاستنزاف طويلة الأمد” وهذا الأسلوب هو ما اعتمدته حركة طالبان في قتالها ومقاومتها للاحتلال الأمريكي، الذي يوشك أن ينسحب تحت ضربات المقاومة الأفغانية التي أذلت عظمته ومزّقت كبرياءه، وتعتمد هذه الاستراتيجية على استنزاف العدو ماديًا وبشريًا ونفسيًا، وبالتالي تحطيم إرادته للقتال وكسر الروح المعنوية لجنوده وحاضنته، وإيصاله لحالة من اليأس يدرك معها أن بقاءه في البلد المحتل أمرًا مكلفًا للغاية، وبالتالي قبوله الشروط السياسية للمقاومة.

أنا لا أطلب الحرب، ولا أجزم أنها الحل السحري للخروج من عنق الزجاجة وعمق الأزمة، وقد تكون هي الحل بالمناسبة بعد تمام الثقة بالله والأخذ بأسباب النصر، بل ما أطلبه محاولة الاستفادة من الآخرين ودرس تجاربهم، لإيجاد استراتيجية وطنية جامعة تُخرج شعبنا من مكابدة الذل والحصار والفقر والبطالة والفراغ القاتل؛ بينما يتمتع عدونا بالأمن والاستقرار، ويجتهد -في ظل الهدوء- سعيًا لإيجاد الحلول الدفاعية العسكرية والتقنية لقدرات المقاومة من جهة؛ ويُسارع في تنفيذ مخططاته وتوسيع نفوذه وتحقيق الإنجازات السياسية في المنطقة العربية بتطبيعه مع الحكومات الوظيفية من جهة أخرى.

ما أريده إيصاله هو ضرورة العمل بكل طاقاتنا على الخروج من هذا السجن الكبير (حرب أو هدنة) الذي قبلنا أن نسجن أنفسنا وشعبنا فيه، بينما ننظر إلى العدو عاجزين وهو ينفّذ مخططاته القذرة أمام أعيننا دون أن نحرك ساكنًا، يقول الشيخ صلاح شحادة القائد العام لكتائب القسام تقبله الله:

يجب أن نرتقي إلى المحاربة بالدماء، وسنواصل المقاومة مهما كلفَتْنا، وإن فقدنا السلاح فسنقاتلهم بأيدينا، علينا أن ندرك أن الشعوب المضللَة لا تستيقظ إلا بدفع الضريبة من دماء المسلمين.

والأهم من ذلك كله هو الخطورة التي تكمن في تغييب ثقافة جيلٍ كامل تربّى -بالدموع والدماء- على أن المؤامرات لا يفشلها إلا المفخخات، وأن المقاومة وحدها هي الكفيلة بنسف مخططات الأعداء وأذنابهم، واستبدالها بثقافاتٍ واتجاهات دخيلة على مبادئنا وثقافتنا الجهادية، تقبل القعود وترضى الدنيّة، قدّم قادتنا ومجاهدونا الدماء والأشلاء في سبيل تبديلها وتغييرها نحو تبنّي فكر الجهاد والمقاومة، فلقد بتنا نسمع اليوم الكثير من الآراء والاتجاهات التي تنتظر تغيرًا إقليميًا يناصر حقنا في المقاومة، ويكون ظهيرًا سياسيًا يُعتمد عليه لقطف ثمار جهادنا ومقاومتنا وتضحيات شعبنا، وأن الحرب لن تجدي نفعًا، أو أننا لن نصل لأفضل مما وصلنا إليه سابقًا؛ وهنا تمامًا تكمن الخطورة، وهكذا تُطمس المبادئ وتُسحق الثوابت وتُغير الاتجاهات!

رأيي المتواضع أن على القوى والفصائل المجاهدة أن تعمل على تغيير قواعد اللعبة التي يرتضيها ويقبلها نتنياهو ويسعى للمحافظة عليها، كيف؟؟ وأين؟؟ وماذا؟؟ هذه أسئلة يعرف إجاباتها أهل الجهاد وقادة المقاومة الذين نثق بهم وبصدق توجهاتهم واجتهاداتهم، لكن الثابت الوحيد هو أن هذا الحال الذي نعيش لا يسر صديقًا ولا يُرغم عدوًا، بالعكس هو وصفة سحرية للعدو لتمرير مخططاته وتحقيق أهدافه!!

ورحم الله الدكتور عبد العزيز الرنتيسي إذ قال:

قذيفة واحدة من حديد، خير من ألف ألف قذيفة من كلام.

الكاتب: أحمد قنيطة.

365

الكاتب

كلمة حق

تقارير ومقالات يتم إعادة نشرها من مجلة كلمة حق.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.