لطالما ترددَ في السنواتِ الأخيرةِ في أوساطٍ فكرية وإعلامية مختلفة ؛ بأن أمريكا في حالة انحدارٍ على طريق الانهيار، وأنَّ ترامب سيكون آخر رئيس لأمريكا الموحدة ، وأنه لن يترك موقع الرئاسة إلا بعد أن يُقحمَ الولاياتِ المتحدة في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر، تُفكّكُها وتدفعُها إلى العزلة عن باقي العالم والتقوقع في عدة دول منفصلة ضمن أمريكا الشمالية.

لكن الناظرَ إلى الأوضاع الآن يجدُ أن ترامب سقط في الانتخابات الرئاسية ، وأنّ المَدَّ الجماهيري لمناصريه أخذ بالانحسار، فيما تتهيَّأ إدارة بايدن لاستلام السلطة. فما هو واقعُ ما جرى في أمريكا ؟ ولماذا خابتْ تصوُّراتُ من نظّر لتفكّكِها وانهيارها في ظل إدارة ترامب؟

الحالة الترامبية

أمريكا

في ندوةٍ أقيمت عام 2019 في دولة الإمارات، تحدث الجنرال الأمريكي جيمس ماتيس وزيرُ الدفاع الأمريكي المستقيلُ حديثًا من منصبه، قائلاً : “إن أمريكا يحصل فيها أخطاء، كما أنها تواجه تحدياتٍ بشكل مستمر، لكنّ النظام السياسي الأمريكي قوي وقادر على معالجتها وتخطيها”.

كان الحديث يدور ضمنياً حول تعسّف سياسات ترامب وعدم أهليته لرئاسة دولةٍ كأمريكا، إذْ أدّت سياساتُه إلى إظهار أمريكا كدولةٍ عديمةِ الأخلاق؛ تمارسُ أحقرَ أنواع الابتزاز الدولي، حيث أخذ ترامب يهدّدُ دول الخليج علناً إن لم تدفعِ الأموال الطائلة لقاء حمايتها، ساخراً منها، ومبشراً أنظمتَها الحاكمة بالسقوط خلال أسبوعين فقط في حال رفع الغطاء الأمريكي عنها، فيما لم يتوانَ عن الإدلاء بتصريحاتٍ مستفزةٍ بحق دول أخرى كاليابان وألمانيا وغيرها. كما قام بإلغاءِ كثيرٍ من الاتفاقيات والتعهدات الدولية.

وشرع في بناء سور على طول الحدود الجنوبية ليعزل الولاياتِ المتحدةَ عن المكسيك وأمريكا اللاتينية. إضافة إلى غير ذلك من القرارات التي أدّت إلى توَجُّس معظم دول العالم ونفورها من أمريكا الترامبية وتحَسُّبها من شرورها القادمة .

الجدير ذكره، أن ماتيس، أحد أبرز جنرالات القوات المسلحة -أهم مؤسسة في أمريكا- إن لم يكن أبرزَهم على الإطلاق في العقد الأخير، ويحظى باحترام كبار رجالات الدولة من الحزبين الرئيسين (الجمهوري والديموقراطي)، لذلك عبر أعضاء في الكونغرس الأمريكي من كلا الحزبين عن صدمتهم لقرار استقالته، وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل حينها، إنه “قد فُجِع” لسماع أن الاستقالة كانت جراء “اختلافات شديدة” بين الجنرال ماتيس والرئيس.

ولم يكن هذا مُستَغرَباً، فقد اعتُبِر ماتيس -وقتَ تعيينه وزيراً للدفاع- بمثابة عامل حصانة لضمان أمن أمريكا وللحيلولة دون تدهور الأوضاع في ظل إدارة ترامب، الرئيس الأرعن، قليل الخبرة في السياسة الدولية.

عبر ماتيس صراحةً عن قناعته بضرورة أن تحافظ الولاياتُ المتحدة على تحالفاتها القوية مع الدول الأخرى وعلى معاملة الحلفاء باحترام، أي عكس ممارسات ترامب الرعناء، كما حذر من أن الانسحاب المبكر من سوريا الذي طالب به ترامب أكثر من مرة سيشكل “خطأً استراتيجياً فادحاً”.

يعبر هذا الموقف بطبيعة الحال عن نظرة شريحة كبيرة من رجالات الدولة الأمريكية المُخضرمين، الذين أدركوا مبكراً خطرَ تَبَوُّؤِ ترامب لأرفع منصب في الولايات المتحدة، الدولة الأولى في العالم.

وقد بادر هؤلاء بالعمل على محاولة تمرير فترة رئاسته بأقل الأضرار الممكنة، كما سعَوْا بكل جد لعدم التجديد لولاية ثانية له، فقاموا باتخاذ مجموعة إجراءات لتحقيق ذلك، منها محاولةُ عزله في الكونغرس، ومنها تسخير شبكات وسائل الإعلام المختلفة للنيل منه، مع إثارة فضائحه وإبراز رُعونته وابتذاله والسخرية منه، ومنها اعتراضُ كبار رجالات الدولة على سياساته الهوجاء على نحو مواقف اعتراضية بارزة لوزير خارجيته السابق ريكس تيلرسون ووزير دفاعه السابق الجنرال ماتيس ومبعوث أمريكا الدولي لمحاربة الإرهاب بريت ماكغورك وغيرهم، كما رفض وزير الدفاع اللاحق “مايك إسبر” طلب الرئيس دونالد ترامب إنزال الجيش إلى الشارع لمواجهة التظاهرات التي شهدتها أمريكا في أعقاب مقتل جورج فلويد على يد رجال الشرطة البيض في ولاية مينيسوتا.

كذلك تعالت أصوات عسكرية وازنة تؤيد إسبر كالجنرال جون آلن الذي قاد القوات العسكرية الأمريكية في أفغانستان وحلف الناتو، معتبراً أن “رئاسة ترامب قد تكون نهاية الحلم الأمريكي وأنها تشكل تهديدا للديمقراطية”.

بدوره، قال الأدميرال مايك مولن قائد القوات العسكرية الأمريكية الأسبق “لقد تعامل دونالد ترامب مع المواطنين الأمريكيين كأعداء”، من جهته اعتبر الجنرال جون كيلي ما يقوم به ترامب بمثابة بروباغندا نازية، إضافة لهذا وجه قائد القوات العسكرية المشتركة الجنرال مارك ألكسندر ميلي، رسالة إلى القيادة العسكرية في مختلف الولايات بضرورة احترام حق المواطنين في التعبير، ما يعني تحريضاً مباشراً على رفض طلب ترامب بإنزال الجيش للجم التظاهرات.

 في هذا السياق، تمكن مناوئوا ترامب في الحزب الديموقراطي من ترشيح السياسي الأمريكي المخضرم “جو بايدن”، الذي يحظى بثقة شريحة واسعة من مؤسسات الدولة، وقاموا بإعداد مخطط ذكي ومدروس لاكتساح ترامب وتحقيق فوزه بمنصب الرئيس.

ويُنتظر أن تقوم الإدارة الجديدة بترميم النظام السياسي الأمريكي وتطويره بما يحول دون تكرر الحالة الترامبية، التي كادت (في حال استمرار ترامب في السلطة) أن تودي بموقع أمريكا كدولة أولى في العالم من جهة، وأن تتسبب في حدوث انقسامات حادة داخلياً تؤدي إلى تمزيق أمريكا من جهة أخرى.

طبعاً، نحن لسنا هنا بصدد تفضيل بايدن على ترامب، فكلاهما رأسمالي جشع، ينظر إلى العالم بشكل عام والمسلمين بشكل أخص من زاوية استغلالهم وإفادة أمريكا من خيراتهم، إنما صعيد البحث هنا هو محاولة فهم واقع أمريكا الدولة الرأسمالية الأقوى في العالم، كيف تمارس السياسة وكيف تقوم بتدبير شؤونها وتواجه تحدياتها وتعالج مشاكلها.

أسباب التصورات المغلوطة

أمريكا

يدرك المدقق في توجهات المُصِرّين على انهيار أمريكا، مع كل أزمة تصيبها، أن فشل تصوراتهم نابع من مجموعة عوامل خلطت الأمور في أذهانهم، وأدت بهم إلى إصدار استنتاجات خاطئة، يمكن تلخيصها بحالة العجز التي تنتابهم مع رغبة عارمة في مشاهدة أمريكا صريعةً تدفع ثمن خطاياها إضافة إلى اعتماد الأيديولوجيا في تفسير الأحداث وإقحام مفاهيم قدريّة وغيبيّة في رسم تصوراتهم الخاصة حول ما يجري.

فقد انتاب كثيرين شعورٌ شديدٌ بالعجز جراء عدم قدرتهم على تحقيق أي إنجاز ذي معنى في الميدان السياسي، لا سيما في ظل إخفاق “ثورات العرب” في العقد الأخير، ما أدى إلى حالة من الشلل والتقوقع وإحالة اللوم على تسلط الدول الكبرى، لا سيما أمريكا، دفعهم ذلك لتلمس أي مكروه يصيب أمريكا وتقديمه كدليل على قرب انهيارها.

كما وقع كثير من هؤلاء في خطأ اعتماد الأيديولوجيا في تفسير الأحداث السياسية، على نحو اعتبار كون أمريكا دولة رأسمالية علمانية، فهي صاحبة أيديولوجيا باطلة، وكل ما يتولد عنها هو باطل، وأن مصيرها السقوط حتماً. وقد غفل هؤلاء أن مثل هذا الكلام هو صحيح على نحو مطلق طالما بقي مجرداً عن إسقاطه على واقع بعينه، بمعنى أن ظهور الحق وزهوق الباطل هو قاعدة إيمانية صحيحة، لكن الادعاء بأن دولة الباطل الفلانية ستزهق الآن وتندثر، فهذا بحاجة إلى معطيات خاصة بالدولة محل الحديث. على صعيد آخر، يجب التنبه إلى أن العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لم يعد يأبه بالنظريات كثيراً، وبات محل اهتمام البشرية هو الجوانب الإجرائية العملية المنتجة للحلول التي تعالج المشاكل الحادثة.

لذلك فإن المطلوب حين مناقشة صعود دولة أو انهيارها التركيز على المشكلات التي تواجهها وعلى مدى نجاعة المعالجات المعتمدة. كما ينبغي لفت النظر إلى أن العالم الرأسمالي وفي مقدمته أمريكا، يتمتع بمرونة واسعة وأُفُقٍ مفتوح لإيجاد البدائل العملية التي تبقيهم في حالة تطوّر مستمر لتحصين أنظمتهم وتصويبها، حتى لو كانت تلك المعالجات آتية من مبادئ لا يؤمنون بها.

كذلك تم لدى البعض إقحام مفاهيم القدر الغيبية لتبني استنتاجات حول مصير الدول في هذا العالم، فصار أحدهم أقرب إلى المتصوف الذي يعيش حالة روحانية تجعله يشعر أنه قريب من الله، مسدَّد منه في الفهم، ومؤيَّد منه بالعمل، لذلك، لا داعي لأن يبحث في الواقع بالمنطق العقلي، ولا حاجة به أن يربط الأحداث بمرجعيتها الفكرية الخاصة بها، وصار يتجرأ على طرح تصورات غيبية مجردة عن الواقع، وبعيدة عن المعطيات، يقدمها بمثابة حقائق سياسية.

التسليم بقضاء الله لا يعني الاستسلام للواقع

نحن على يقين بأن الله لم يخلق الحياة عبثاً، وقد جعل الأيام دُولاً بين الناس، يقلّب الأمر كيفما يريد، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ونسأله تعالى اللطف فيما قدر وفيما أجرى ودبر. لكن يجب أن نتنبه هنا إلى ضرورة الفصل بين مفهوم التسليم بقضاء الله عند وقوعه، وبين أمرين ينبغي استدراكهما

الأول: تَوَهُّم ضرورة أن يتدخل القدر في أمر ما تلبية لرغباتنا، فمن الخطأ الفادح إقحام الغيب في قراءة الواقع فضلاً عن تحديد وجهة الأحداث أو تفسيرها. فدراسة الواقع والحكم عليه متعلق بالعقل البشري، ودراسة البعد السياسي للأحداث ومعالجة المشاكل ومواجهة التحديات مجاله الفعل الإنساني، من حكمة وإرادة وعزيمة وتخطيط وتدبير. لذلك كان هذا المجال مرتبطاً بالجد والاجتهاد ويستوجب ربط الأسباب بالمسببات، وهو دائرة الامتحان الرباني لبني آدم، ويقع ضمن مسؤولية الإنسان في القيام بواجباته أثناء حياته.

الثاني: إن التسليم بقضاء الله تعالى، في رفْع أقوام وخفْض آخرين، لا يعني عدم التعامل مع تداعيات القضاء نفسه، فأن يتولى أحدهم الحكم أو السلطة (رئيساً، أم أميراً أم والياً أم دون ذلك)، لا يعني ترْكَه يسرح ويمرح على علّاته.

فبغضِّ النظر عما إذا عُدَّ تسلمُه الحكمَ قضاء من عند الله أم نتيجة إجراء بشري صِرف، فإن مراقبة أحوال الحاكم وإسداء النصح له، بل محاسبته وتغييره إن اقتضى الأمر هو من أوجب الواجبات في حال انحرافه عن الجادة، أو كان منعدم الكفاءة أو فاسداً أو مستهتراً أو متعسفاً أو أرعنَ أو ظالماً أو مستبداً أو غبياً، وإلا فإن من شأن استمراره على هذه الحالة إفشاء الظلم وإلحاق الأذى بالناس، والله لا يرضى بأي من ذلك، بل على العكس إن الله أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وخير الشهداء من قام إلى إمام جائر ينصحه، والنصيحة لأئمة المسلمين مقدمة على النصيحة لعامتهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل قادر.

خلاصة البحث – ضرورة تصحيح المفاهيم

ما من شك بأن الدول تمر بمراحل ولادة وازدهار واندثار، وأمريكا واحدة من هذه الدول، لكن بحث عوامل كل دولة وكل مرحلة يجب أن يرتبط بمعطيات خاصة بها. على صعيد آخر، يجب التنبه إلى أن الغرب الرأسمالي سلم ابتداء أنه لا يوجد نظام كامل أصلاً، وأن قوة النظام واستمرار تقدم الدولة يرجع إلى مدى ثباتها في الواقع وإلى قدرتها على خوض تحدياتها ومعالجة مشاكلها، مع تطوير النظام السياسي الخاص بها بشكل مستمر لإنتاج نظام أكثر تماسكاً وانسجاماً وصلابةً.

يحصل هذا في ظل تخبُّط المسلمين وتشتُّتهم، ومع غياب تصورات الإسلام النقية عن كيفية التعامل مع الغيب ومع الواقع؛ ومع الجُنوح نحو التنظير المجرد في كثير من الحالات، كاعتقاد أن مصيرَ الباطل الزوالُ حتماً ومصيرَ الحق الظهورُ، رغم أن هذه القاعدة وغيرها كانت موجودة قبل ظهور أمريكا وأثناء صعودها وهيمنتها على العالم، أي أنها قاعدة صحيحة أبداً، ولا تكفي للجزم بانهيار أمريكا أو غيرها من دول الباطل في مرحلة دون غيرها، وقد بيّنّا فيما سبق خطأ إسقاط التصورات المجردة على الواقع، وافتراض أنها عملية تلقائية آلية محضة.

كما أن المُشَاهَدَ في عالم اليوم ظهورُ دولِ الباطل العلمانية وسيطرتُها على العالم، فيما سقطت دولة الخلافة الإسلامية وغابت عدالتها رغم أنها دولة الحق، لأسباب كثيرة منها؛ عدم تحصينها بآليات إجرائية عملية تبقي نظام الحكم في الإسلام قائماً على قاعدة السلطان للأمة، وعدم وجود آليات تحول دون تَحوُّلها من خلافة راشدة إلى مُلْكٍ عضوض ونظام وراثي مقيت يستأثر فيه قلَّةٌ بالسلطة دون باقي الأمة.

فبالجد والاجتهاد والتفكير العملي كان الباطل قادراً على صيانة نفسه، لأنه عمل على إيجاد العوامل التي تلبّي متطلباتِ استمراره، فيما تلاشت دولة الخلافة لانعدام عوامل بقائها. لذلك كله كان لا بد من تصحيح المفاهيم المتعلقة بدورنا في هذه الحياة، وبعوامل نشوء الدول وسقوطها.

متخذين من الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ نبراساً لنا.

1404

الكاتب

حسن الحسن

أكاديمي من فلسطين يعمل أستاذاً جامعياً في بريطانيا في مجال العلوم والتكنولوجيا. بكالوريوس هندسة كمبيوتر وماجستير في أنظمة المعلومات. كاتب في مجال الفكر والسياسة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.