سلطت تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون في واشنطن يوم 27 نوفمبر تشرين الثاني 2018 الضوء على الحرب الاقتصادية الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، والتهديد المتنامي من عمق آسيا الذي تبصره الولايات المتحدة وتتأهب له.

حيث قال بولتون خلال كلمة ألقاها في مؤسسة هريتدج للأبحاث: “إن الأولوية الأهم لدى واشنطن ستتمثل في تطوير علاقات اقتصادية في المنطقة … فالمنافسون على القوة العظمى، وتحديدًا الصين وروسيا، يوسعون نفوذهم المالي والسياسي على نحو سريع في أنحاء أفريقيا”. وأضاف قائلًا: “إنهم يوجهون استثماراتهم في المنطقة عن عمد وعلى نحو عدائي لنيل أفضلية تنافسية على الولايات المتحدة”. [1]

بداية الحرب

قراءة في الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة 1

يُرجِع المراقبون تاريخ اشتعال جذوة الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة لتاريخ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 22 آذار/مارس من عام 2018 عن وجود نية لفرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار أمريكي على السلع الصينية بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، التي تسرد تاريخ «الممارسات التجارية غير العادلة» وسرقات الملكية الفكرية.[2][3] وكرد انتقامي من جانب الحكومة الصينية، فُرضت رسوم جمركية على أكثر من 128 منتجًا أمريكيًا أشهرها فول الصويا.[4]

وأصبحت الرسوم الأمريكية على ما قيمته 34 مليار دولار من البضائع الصينية فعالة في السادس من يوليو، وقامت الصين بدورها بفرض الضرائب الجمركية على الواردات الأمريكية في 2 نيسان/أبريل، وذلك على 128 مُنتجًا أمريكيًا، بما في ذلك الألومنيوم والطائرات والسيارات ولحم الخنزير وفول الصويا والفواكه والمكسرات والصلب.

وفي اليوم التالي نشر الممثل التجاري الأميركي قائمة بأكثر من 1300 منتوج من الواردات الصينية فُرضت عليها رسوم بقيمة 50 مليار دولار.[5]

وفيما عُدّ ردًا على إعلان التصعيد من جانب الصين، فرضت واشنطن رسومًا إضافية بنسبة 25% على كل من الطائرات والسيارات وفول الصويا.[6] ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل وجه الممثل التجاري الأمريكي في 5 نيسان/أبريل للنظر في فرض 100 مليار دولار إضافية من الرسوم الجمركية على الصين.[7]

وكان لهذه القصوفات التجارية بين البلدين تداعيات على الساحة الاقتصادية العالمية، حيث خفّض صندوق النقد الدولي في أبريل 2018 توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2019 إلى 3.3%، مقابل 3.5%، بسبب استمرار التوترات التجارية العالمية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.[8]

لكن اتفاقًا مبدئيًا وقّع عليه الطرفان في 19 مايو 2018 قضى بخفض العجز التجاري الأمريكي خفضًا كبيرًا، وتعليق التهديدات، وقامت على إثره الصين بخفض الرسوم الجمركية ورفع القيود وتناول مقترحات شراء بضائع أمريكية.

لكن ترامب لم يهدأ له بال، واستمر في سياسة فرض الرسوم الجمركية والتصعيد بالأرقام والتصريحات، وكذلك استمرت بكين بالرد بالمثل حتى تاريخ 1 ديسمبر 2018، حيث أعلن ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج التوصل لهدنة، وقررت واشنطن إيقاف الزيادة في الرسوم الجمركية المفروضة على الصين لمدة 90 يومًا، كما تعهدت بكين بشراء كمية كبيرة من المنتجات الأمريكية، وأوقفت لـ3 أشهر الرسوم الإضافية المفروضة على بعض المنتجات الأمريكية.[9]

إلا أن الهدوء لم يلبث طويلًا؛ ففي 10 مايو 2019 انتهت الهدنة وقررت واشنطن رفع الرسوم من 10% إلى 25%، واستهدفت الرسوم 200 مليار دولار من الواردات الصينية، كما أعلنت حظر التعاملات أو شراء معدات من الشركات الصينية كشركة “هواوي” الرائدة عالميًا في مجال الإليكترونيات باعتبارها تمثل خطرًا عليها وتتجسس لصالح بكين، ووضعتها على قائمة الشركات المحظورة، وأعقب هذا القرار إضافة 5 شركات ومؤسسات صينية تكنولوجية كبرى أخرى إلى “القائمة السوداء”.

من جانبها، ووفق سياسة الرد بالمثل، رفعت الصين قيمة التعريفات الجمركية المفروضة على منتجات أمريكية بقيمة 60 مليار دولار، وأعلنت عن أنها تعد قائمة سوداء بالشركات الأجنبية “غير الموثوقة”.

تصعيد مستمر رغم الوعود بالتهدئة

قراءة في الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة 3

والتقى الزعيمان الأمريكي والصيني في 30 يونيو 2019 وجهًا لوجه في قمة العشرين في أوساكا باليابان، وأعلن ترامب أن بلاده لن تفرض رسومًا جديدة على الصين، وأنه لن يلغي الرسوم السابقة.

إلا أن ترامب أعلن مجددًا في 1 أغسطس أن بلاده ستفرض اعتبارًا من 1 سبتمبر التالي رسومًا جمركية بنسبة 10% على البضائع الصينية بقيمة 300 مليار دولار، وصنفت واشنطن في نفس الأسبوع الصين دولةً تتلاعب بسعر صرف العملة، مشيرة إلى أنها ستعمل مع صندوق النقد الدولي للقضاء على “الميزة غير العادلة” التي اكتسبتها الصين من خلال خفض اليوان (العملة الصينية) مقابل الدولار إلى الحد الأدنى منذ ديسمبر الماضي.

من جانبها، ردت الصين بتعليق شراء المنتجات الزراعية الأمريكية وهددت برفع التعريفات الجمركية المفروضة.

تداعيات التصعيد

تداعيات سياسات المد والجزر بين البلدين انعسكت سلبًا على الساحة الاقتصادية العالمية، حيث نشرت وكالة بلومبرج تقريرًا يفيد بأن أغنى 500 شخص في العالم خسروا نحو 2.1% (117 مليار دولار) من صافي ثرواتهم مع انخفاض الأسهم الأمريكية في ظل تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة.[10]

أيضًا يدفع المستهلكون الأمريكيون والشركات الأمريكية معظم تكاليف الرسوم الجمركية الناجمة عن هذه الحرب، ويبقى المزارعون والعمال في الولايات المتحدة أكبر متضرر من الحرب التي يخوضها ترامب مع الصين.

وتأتي هذه التداعيات في وقت يستعد فيه رئيس الولايات المتحدة لمواجهة الانتخابات الرئاسية في عام 2020، ويتعرض لضغوط على جميع الجبهات من خصومه الديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب ويطالبون بعزله.

وتجدر الإشارة إلى أن الصين لا تزال أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وقد زادت صادراتها في العام الماضي بنسبة 7%، رغم أن صادراتها إلى الولايات المتحدة انخفضت بنسبة 9 % في الربع الأول من 2019.

ومع أن الصين قوة تصنيعية كبرى، يصغر أمامها أقرب منافسيها، وليس من السهل استبدالها في الأسواق، يعاني الصينيون من تباطؤ في النمو، وهم يصدرون أكثر إلى الولايات المتحدة مما يستوردون، ولذلك فقد يتوجعون أكثر من الحرب الاقتصادية الجارية.

في الوقت نفسه، تواجه الحكومة الصينية اضطرابات بين السكان الأيغور في شينجيانغ والمظاهرات الحاشدة في هونغ كونغ، ويحتاج الرئيس الصيني أيضًا إلى إنجازات ملموسة تساعد على تثبيت سلطته، تمامًا كما هو حال نظيره الأمريكي.

وفي هذه الأثناء، لا زالت رحى الحرب الاقتصادية بين البلدين تسير نحو فرض رسوم جمركية جديدة على بضائع الآخر، تتخللها محطات هدن ومفاوضات.

طبيعة العلاقة الصينية الأمريكية

قراءة في الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة 5

تحتل الصين بحسب الدراسات مرتبة الشريك في النظام الدولي مع الولايات المتحدة، وتعني هذه المرتبة أن الدولة الموجودة في هذه الطبقة يمكنها القيام بمناورات أو تحركات منفردة للحصول على مكاسب أو مصالح، ولكن بشرط مهم وهو عدم الإخلال بتوازن القوى الإقليمي أو الدولي الذي تحكمه أمريكا، وعدم الإضرار بمصالح أمريكا الاستراتيجية.[11]

والصين دولة عظمى ذات قوة اقتصادية وعسكرية هائلة، وتسيطر مع الولايات المتحدة على غالبية الاقتصاد العالمي، ورغم أنها صنفت في السابق دولة منغلقة لا تحمل طموحات استعمارية أو توسعية بعيدًا عن حدودها الكبيرة، وأنها لا تسعى لفرض الهيمنة عبر البحار مثل دول كبرى أخرى عبر التاريخ، إلا أن تقارير رصد النشاط الصيني الأخيرة على جميع المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية تنذر أن التنين الصيني يتمدد بالفعل لبسط نفوذه ويتحول من مجرد دولة ذات طموح محدود إلى امبراطورية تسعى لاكتساح العالم.

ومن علامات هذا النشاط، مشروعها الضخم «مبادرة الحزام والطريق» المستلهم من خط الحرير القديم، حيث تبسط من خلاله الصين شبكة نفوذها في خريطة العالم عبر مراكز دولية حيوية استراتيجية.

ثم سياستها التي تعتمد على “فخ الديون”، لتضطر الدول التي عجزت عن سداد دينها للتخلي عن ممتلكات ذات أهمية لـبكين دون مقابل، مثال على ذلك سرينلانكا التي فقدت أحد أهم مراكز العبور البحري لصالح الصين.

وتقع سريلانكا في موقع إستراتيجي على خط الملاحة الأكثر ازدحامًا بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا؛ ما جذب أطماع الصين التي أغدقت على هذه الدولة الصغيرة حوالي ثمانية مليارات دولار بفائدة قدرها 6.3%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالبنك الدولي الذي تتراوح فوائده بين 0.25% و3%. ومقابل ذلك حصلت الصين على مرفأ “هامبانتونتا” الاستراتيجي بعقد مدته 99 سنة.[12]

كينيا هي الأخرى اضطرت لرهن أكبر وأهم مرفأ لها هو “ميناء مومباسا” للحكومة الصينية، وذلك بسبب قروضها المتراكمة، حيث بلغ حجم الديون أكثر من 5.5 مليارات دولار، مما يضع كينيا ضمن الدول الأكثر عرضة لفقدان الأصول الاستراتيجية لصالح بكين.

وبنفس الطريقة، استحوذت الصين على ميناء غوادر الباكستاني الاستراتيجي لمدة أربعين عامًا، وستمتلك 85% من إجمالي إيراداته[13].

وتغرق المالديف في الديون الصينية، حيث عليها أكثر من ربع إجمالي الناتج المحلي السنوي، أي 1.3 مليار دولار حجم دينها للصين. واستأجرت بكين إحدى جزرها لمدة خمسين عامًا، ويكفي تعليق الرئيس إبراهيم صلح بعد مراجعة الإنفاقات مع الجانب الصيني، حيث وصفها بأنها مشروع للـ”استيلاء على أراضي الدولة”.

وفي بنغلاديش أيضًا، ومع تراكم الديون على الحكومة لتصل لعشرات المليارات من الدولارات، وضعت الصين يدها على أكبر وأهم ميناء بحري فيها، وهو مرفأ شيتاغونغ.[14]

وتغزو الاستثمارات الصينية والديون عدة دول منها الجزائر ومصر وإثيوبيا وأوغندا ودول أخرى بسياسة فخ الديون تدريجيًا.

وفي جيبوتي من المتوقع أن تبلغ الديون 88% من جملة ناتجها المحلي البالغ 1.72 مليار دولار، وأغلبها ديون للصين التي أصبح لديها موطئ قدم ثقيل في الاقتصاد الجيبوتي، ما قد ينتهي بتسليم البلاد أصولها لتسديد دينها. وبفضل فخ الديون هذا تسيطر بكين على قرارات البلاد المطلة على باب المندب؛ ما دفع ببعض المحللين الغربيين للمطالبة بسحب القاعدة الأمريكية من جيبوتي، كون الهيمنة الصينية على البلاد تهدد الوجود الأمريكي فيها. [15]

ويرى المراقبون أن سياسة الصين تخولها الاستيلاء على الموانئ والأرضي كشكل من أشكال سداد الديون المتعثرة من قبل الدول، وعلى المدى البعيد، ستتمكن الصين من التأثير على القرارات الاقتصادية والسياسية لدول إفريقية محددة.[16]

ويوازي هذا النفوذ المتنامي في المجال الاقتصادي، تنامٍ للقدرات العسكرية، حيث تجلى ذلك بوضوح من خلال العرض العسكري الأخير بمناسبة إنشاء الدولة الصينية، والذي عرضت خلاله بكين قدرات بلادها الفائقة في تصنيع الأسلحة وامتلاكها، والتكنولوجيا المتطورة التي وصلت إليها، فيما اعتبر رسالة مباشرة للأمريكيين، وأن للصين قوة مدخرة لم تُستنزف في حروب كالتي استنزفت الولايات المتحدة.

وتعكس أهميةَ هذا العرض تصريحاتُ السفير الأمريكي السابق في إثيوبيا وبوركينا فاسو “دافيد شين” في مقابلة له مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، قال فيها عن التوسع العسكري الصيني في إفريقيا إن 25 % من الأسلحة التقليدية الموجودة في القارة السمراء صينية الصنع، مقابل 3 إلى 5 % خلال ستينيات القرن الماضي.

وتشارك الصين بأكثر من 4 آلاف جندي في قوات المهمات القتالية التابعة للأمم المتحدة كأحد أكثر الدول المشاركة من حيث عدد القوات.

كذلك على المستوى السياسي والثقافي، حيث انتشرت مكاتب التعليم ومراكز الثقافة الصينية بشكل لافت، واشتهر معهد “كونفوشيوس” خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهو المعهد الذي يمنح الأجانب إمكانية تعلم اللغة الصينية، ويسعى لنشر ثقافة بلاده في الخارج، وبدت جهوده قوة ناعمة تستعين بها الصين للانسياب داخل نسيج عشرات الدول. ومن أثار ذلك، أصبح تدريس اللغة الصينية أولوية عند بعض الحكومات -كأوغندا مثلًا- التي أدرجتها لغة رسمية في مدارسها التعليمية، وهذا دون الحديث عن المنح الدراسية للطلبة ودور النشر الصينية ومحاولات نشر الأدب الصيني وترجمته في دول العالم.

بل تُصنَّف الصين بأنها ثاني دولة تمتلك أكبر عدد للمراكز الثقافية في العالم بعد فرنسا.[17]

قراءة في الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة 7

وكان للإعلام الصيني أيضًا نصيب من الانتشار الواسع في العالم. مثال على ذلك، أطلقت بكين راديو الصين الدولي، أول محطة إذاعية خارجية لها في كينيا في عام 2006، لتقديم 19 ساعة من البرامج اليومية الموجهة لتغطية أخبار الصين والعالم بما فيه الدول الإفريقية. فضلًا عن منصات إخبارية باللغة العربية واسعة الانتشار؛ لتصل الرسالة الصينية للجمهور، العربي وكذلك مع باقي اللغات.

كذلك تشهد التكنولوجيا الصينية انتشارًا كبيرًا في الدول التي تسيطر عليها بكين من خلال الاستثمارات الكبرى، وخاصة في مجال الاتصالات. كما تطمح لتوفير خدمة إنترنت صينية تحاكي خدمة الإنترنت المتداولة في العالم، ولا شك أن تحقيق ذلك يعني الكثير بالنسبة للأمريكيين.

ونلاحظ أن أمارات الصعود الصيني تظهر بوضوح في القارة الإفريقية، كون التنافس في بيئة الإفريقيين يوفر فرصًا أكبر لسحب البساط بأسهل ما يكون من تحت أقدام الأمريكيين والأوروبيين، المستعمرين الأوائل.

ولكن رغم هذا التطور في سياسات الصين التوسعية، ورغم ما أبدته من أطماع أو إنجازات، يرى المراقبون أنها لن تصل لمرحلة البديل المباشر للولايات المتحدة أو حتى المنافس بشدة، إلا في حال تحالفت مع روسيا وغيرها من القوى بهدف تحقيق توازن مع أمريكا في النظام العالمي الذي يتحول تدريجيًا لمتعدد الأقطاب بدل القطب الواحد.

ومن الواضح بحسب المراقبين أن آخر ما يرغب به الطرفان هو الصراع، وبالتالي سوف تستمر الصين والولايات المتحدة على الأرجح في احتواء المنافسة.

يجدر الذكر أن كل وثائق الأمن القومي الأمريكي الصادرة منذ عام 2001 تكرر جميعًا بشكل مستمر أن الصين لن تكون “الحليف الاستراتيجي” للولايات المتحدة، بل خصمها ومنافسها الأول في القرن الحادي والعشرين، وبنى البنتاجون كل خططه العسكرية على هذا الأساس.[18]

سيناريوهات محتملة

تبقى هناك عوامل مؤثرة قد تغير من سيناريو الحرب الصينية الأمريكية، ويتحول من حرب اقتصادية بحتة إلى حروب الإنترنت الإلكترونية من خلال الحرب الجاسوسية وسرقة الملكية الفكرية، بما فيها الأسرار التجارية باهظة التكاليف، وقد تتطور إلى حرب باردة طويلة المدى ومعقدة.[19]

وقد عرفت الصين بسرقة الأسماء التجارية الشهيرة ونشر منتجات تحاكيها بأسعار رخيصة، كذلك اشتهرت بسرقة الأسرار التجارية الأمريكية القيمة التي يتم الحصول عليها في كثير من الأحيان من خلال هجمات إلكترونية متطورة، وهو ما يشكل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة إن استمرت الصين في هذه الطريق وطورت أساليبها في ذلك.

ومما يصب في نفس هذا الاتجاه خلاصة التقرير الذي أعدته مجموعة “نورثروب جرومان” الأمريكية للدفاع لحساب لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الصين والولايات المتحدة، والذي أوضح أن الجيش الصيني يولي أهمية كبيرة “لحرب المعلومات”، وأن “خبراء الجيش الصيني يحددون بطريقة منهجية البنى التحتية اللوجستية وأنظمة القيادة والمراقبة ومراكز الثقل الاستراتيجية للولايات المتحدة التي سيهاجمونها بطريقة شبه أكيدة في الدرجة الأولى في حال نشوب نزاع”[20].

ويحذر التقرير من أن الكفاءات الصينية في هذا المجال “متقدمة جدًا إلى حد أنها تطرح خطرًا حقيقيًا على العمليات العسكرية الأمريكية في حال نشوب نزاع” مع بكين، وعلى سبيل المثال ” لحماية تايوان”.

وقد تواجه الصين الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، الذي يُحتمل أن يكون أخطر نقطة استراتيجية في شرق آسيا. وهو عامل قد تتجه فيه بكين إلى المطالبة بالمزيد من الجزر والممرات البحرية إلى جنوب ساحلها، وسيدفعها الضغط من قبل الولايات المتحدة[21] للتحول إلى وسائل أكثر عدائية منها الاستيلاء على تايوان بالقوة، وهو ما بات مرجحًا بعد نجاح بكين في استقطاب حلفاء تايوان الأكثر قربًا.

ويمكن للصين بحسب رؤيتها لعام 2025 توظيف مجموعة من السياسات الصناعية تهدف إلى تقريب الدولة من الحدود التكنولوجية للتخفيف من حدة المواجهة، أو توسيع “مبادرة الحزام والطريق”، أو توسيع نفوذها في إفريقيا بشكل أكبر.كما تستطيع الصين أيضًا ضخ المزيد من النقد في احتياطييها للبنك الدولي والبنك الآسيوي لتطوير البنية التحتية.[22] وفي الواقع، قد استعملت الصين كل هذه الآليات، إلا أنها لم تستعملها بالقوة والوتيرة المطلوبة. ولكن استمرار ضغط الحرب قد يدفعها لتكثيف هذه الوسائل والآليات.

من جانبها، عمدت واشنطن لعدة تحركات بهدف قطع الطريق أمام الصعود الصيني كان منها التحالف مع الهند بهدف جعل الأخيرة قوة كبرى قادرة على موازنة الصين في شرق آسيا، ويسهل ذلك تنافسهما على أسواق واحدة، ومجال حيوي استراتيجي واحد.

كما ظهرت بوضوح الجهود الأمريكية المكثفة لتطويق الصين بقواعد عسكرية في كل مكان: من بحر الصين وتايوان واليابان، إلى بحر قزوين وجمهوريات آسيا الوسطى[23]، ويكفي النظر في تصريحات الساسة الأمريكان التي تؤكد أن بحر الصين أولوية لديهم.

وتشمل الوسائل الأمريكية إجهاض كل مساعي الصين لتأمين خطوط إمدادات طاقة آمنة لاقتصادها المتوسع، وفي الحصون التي تقيمها واشنطن الآن على عجل في آسيا الوسطى بالقرب من الصين، بل يرى بعض المحللين في سيطرة الأمريكيين على نفط العراق أهدافًا تتعلق بقطع الطريق أمام الصين.

كما يُتوقع من واشنطن تفجير العديد من الأزمات الإقليمية في تايوان وشبه جزيرة كوريا وكشمير وجزر جنوب بحر الصين، إضافة إلى تأجيج الخلافات الداخلية داخل الزعامة الصينية بهدف إرهاق بكين واستنزافها.

ويأتي هذا التأهب الأمريكي لمواجهة الصين باعتبارها قوة صاعدة، تمامًا كما كانت ألمانيا في النصف الأول من القرن الماضي، ولكن التأهب تسبب بحربين عالميتين، وكذلك كانت حال روسيا في النصف الثاني من القرن نفسه؛ ما تسبـب بحرب عالمية ثالثة باردة[24].

وقد تتمكن الولايات المتحدة من تقييد نفوذ الصين على التجارة، إلا أن هذا لا يعني الانتصار النهائي على الصين، فالأخيرة لا زال لديها العديد من الطرق الأخرى للانتقام، منها تصعيد المواجهة باستخدام نفوذها الاقتصادي الكبير بعيدًا عن التجارة. وذلك بخفض مشترياتها من سندات الخزانة الأمريكية أو بيع البعض من الـ1.18 تريليون دولار التي في حوزتها، أو إغراق حصصها الكبيرة من الديون الأمريكية؛ إذ تمتلك الصين حوالي خُمس الديون القومية الأمريكية التي تحتفظ بها الدول الأجنبية. ولا شك أن السياسة الصينية الخاصة بخفض ممتلكاتها ستؤدي فعليًا إلى ارتفاع كبير في تكلفة العديد من السلع التي يشتريها الأمريكيون يوميًا. وهذا سيكلف الصين أيضًا زيادة تكلفة السلع الصينية للأجانب لأن قيمة اليوان ستتعزز، ولكنه خيار يبقى في اليد للضرورة.

كذلك في يد الصين خيار إجهاض فرص ترامب في تحقيق صفقة نووية مع كوريا الشمالية، وهذا يعني تحول الحرب الاقتصادية إلى “حرب باردة جديدة”، وكله مرتبط بالطريقة التي تتجاوب فيها الصين مع الأزمات الجيوسياسية والتصعيد الأمريكي.

ومن الوسائل الفعالة التي يمكن أن تعتمدها بكين، استهداف الشركات الأمريكية العاملة في الصين بمزيد من اللوائح والتدخلات. وهو ما يعتقد أنها استخدمته مع  كوريا الجنوبية سابقًا، وتوجد مؤشرات بأنها بدأت بالفعل في تأخير طلبات الترخيص من الشركات الأمريكية في الأيام الجارية.

هل الصين خطر حقيقي في أعين الأمريكيين

قراءة في الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة 9وفي الوقت الذي يعتبر ساسة البيت الأبيض الصين العدو الخطير الصاعد، ويتم تغيير الاستراتيجيات لاحتواء خطره، يبقى جزء من الأمريكيين يرفض هذا التصنيف ويعتقد بدلًا من ذلك أن الصين مجرد دولة تم التهويل من شأنها.

 

ومن بين الرافضين لهذا التصنيف، جون إيكنبيري، البروفسور في جامعة جورج تاون، الذي أعد دراسة لـ“مجلس الاستخبارات القومي” الأمريكي تحت عنوان “ردود الفعل الاستراتيجية على التفوق الأمريكي”[25]، وهو يرى أن أمام الدول الكبرى الأخرى في تحدي القوة الأمريكية استراتيجية من عنصرين: الأول، الاعتراض على بعض السياسات الأمريكية بهدف الحصول على مكاسب أكبر أو المشاركة الجزئية في القرار الأمريكي (كما تفعل الآن روسيا والصين وفرنسا). والثاني، الرضوخ والاسترضاء، أي الانضمام إلى الفريق الرابح، (كما تفعل بريطانيا ومعظم دول العالم). وفي كلا هاتين الحالتين، لن يكون ثمة مجال في الأمد المنظور لبروز قوة كبرى أو تحالف دولي لتحدي زعامة الأحادية القطبية الأمريكية.

من جانبه، ذهب مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، هنري كيسنجر، إلى خلاصة غير بعيدة عن خلاصة إيكنبيري إلا أنها مكلفة، حيث يرى كيسنجر أن تحول موازين القوة في القرن الحادي والعشرين، في المجال الاقتصادي، وربما السياسي العسكري، من الغرب للشرق، يمهد الطريق للحرب العالمية الثالثة، التي سيكون طرفاها روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى.

ولكن كيسنجر يجزم بأن هذه الحرب لن يخرج منها منتصرًا إلا الولايات المتحدة. [26]

وهو نفسه كيسنجر الذي أكد على أن أصحاب القرار في الولايات المتحدة أصدروا تعليمات للقوات المسلحة الأمريكية باحتلال سبع دول شرق أوسطية بطرق غير مباشرة، من أجل استغلال مواردها الطبيعية، خصوصًا النفط والغاز، مشيرًا إلى أن السيطرة على البترول هي الطريق للتحكم في دول المنطقة، والسيطرة على الغذاء هي السبيل للسيطرة على شعوبها.

مستقبل الصراع

من المؤكد أن صراعًا متزايدًا بين أكبر قوتين في العالم يمكن أن يشجع مرة أخرى على تشكيل مناطق نفوذ متعارضة، وهو ما تحدده تطورات الساحة العالمية في وقت لا تخفى فيه طموحات الروس ولا الاضطراب في داخل الكيان الأمريكي، مع الانقسام الواضحة ملامحه في القيادة الأمريكية بين الجمهوريين والديمقراطيين الذي يمكن أن يكون له تداعيات خطيرة إن لم يتم ضبطه.

وفي الواقع، من المبكر التكهن بمصير كلا البلدين بما يحتويه العالم من تدافع وتغييرات سريعة على محور الأحداث قد تؤثر فعليًا في قوة أحدهما أمام الآخر.

ولكن من الجدير بالذكر في هذا المقام أن أمريكا وروسيا وقعتا معًا معاهدة الحدّ من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى المعروفة باسم “معاهدة القوى النووية المتوسطة” (أي إن إف) عام 1987، ثم استقر الأمر إلى عدم نشر واشنطن صواريخها في أوروبا مقابل خفض موسكو لعدد الصواريخ، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ رسميًا عام 1988.

ولكن الصين لم توقع على المعاهدة، ولهذا وجدت سعة في تطوير قدراتها الصاروخية التي قد تسبب تهديدًا مباشرًا للقوات الأمريكية في المحيط الهادئ، جنوب شرق آسيا.

وتتحدث عدة تقارير عن تمكن الصين وروسيا من تطوير تكنولوجيا صواريخ هي الأسرع على الإطلاق في مجال صناعة الصواريخ، إذ تصل سرعتها لأكثر من سرعة الصوت بمرات[27]، ولم تصل الولايات المتحدة بعدُ لهذه التكنولوجيا، وإن كانت تتهم موسكو بسرقة أصل التكنولوجيا لهذه الصناعة منها.[28]

وتظهر أهمية هذه المعلومة في تصريح لعميل وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي أي إيه” السابق، “كريستوفر جونسون”، الذي قال في لقاء نشر له في مجلة “ذي إيكونوميست”: “يمكن للأيام الأولى أن تحدد مصير أي حرب مستقبلية، وامتلاك قدرات عسكرية تمكن أمريكا من الوصول إلى قلب الأراضي الصينية يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للجيش الأمريكي في أي مواجهة مع الجيش الصيني”. وأضاف: “إذا لم تملك أمريكا القدرة على ضرب قواعد الصواريخ المضادة للسفن، الموجودة داخل الأراضي الصينية، ستقتصر قدراتها العسكرية في المنطقة على قواعدها الموجودة في اليابان، وسيكون إرسال سفنها الحربية إلى المياه القريبة من سواحل الصين مخاطرة غير مقبولة”.

وإن كانت هذه التصريحات تسمح باستقراء مستقبل منذِرٍ باندلاع حرب عالمية جديدة سر النجاح فيها هو امتلاك أقوى تكنولوجيا الصواريخ، والتي ستؤدي إلى تغيير هيكل النظام الدولي الحالي، إن قابلت حكومة بيكين العناد الأمريكي بعناد صيني يدعمه الحقد الروسي ودسائس حلفائهما.

إلا أن التحدي الأكثر جدية الآن كما يرى المراقبون هو ترتيب أمور الاقتصاد الأمريكي وكيفية إدارة ذلك الاقتصاد، وبدون تمكن أمريكا من تحقيق ذلك فإن احتمالية وقوع متاعب بين الولايات المتحدة الأميركية والصين سوف تستمر في الزيادة.

121

المصادر
الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي سبعة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن).

التعليقات

  • youssery Hemida منذ 4 أسابيع

    تقرير مطول شامل ، بالفعل استفدت منه ماذا يحدث في العالم ، يوجد حروب طاحنة في التنافس على الزعامة الدولية وحروب باردة وسيطرة على الدول الأخرى والدول الاسلامية الى وقتنا هذا لا تستطيع أن تحكم بالحكم الاسلامي ومرة تنتهج النهج الاشتراكي ومرة تنتهج النهج الرأسمالي ولم نسمع منهم القول بانتهاج النهج الاسلامي .لله الأمر من قبل ومن بعد .
    أشد ما أعجبني الفقرة الخاصة بكلام كيسنجر والذي هو بالطبع أحزنني جدًا ( أن أصحاب القرار في الولايات المتحدة أصدروا تعليمات للقوات المسلحة الأمريكية باحتلال سبع دول شرق أوسطية بطرق غير مباشرة……)فمن خلال هؤلاء القادة الأمريكيين نستطيع أن نعرف ما يدور في السياسة الخفية للولايات المتحدة الأمريكية .
    – موفقه يا د / ليلى ونشكرك وننتظر المزيد من الإبداعات .

    رد
  • Zargoannaba منذ 4 أسابيع

    بارك الله فيكِ

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.