هذا المقال ترجمة لمقالة بعنوان: The Tragedy of American Diplomacy: A Rebuttal لكاتبه: Niranjan Shankar في موقع: quillette. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

عندما ربط الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا (DSA) غزو بوتين الأخير لأوكرانيا بـ”النزعة التوسعية الإمبريالية” لحلف شمال الأطلسي، انتقد العديد من صناع القرار والصحفيين من كلا الجانبين المنظمة لإدانتها الفاترة للعدوان الروسي، وعرضها المبهم للتضامن مع الأوكرانيين؛ حتى أن بعض اليساريين شعروا بأنهم مضطرون للرد على البيان واستدعاء المزيد من مفكريهم ليعلنوا معارضتهم للعدوان الروسي.

لكن في حين أن موقف المنظمة الاشتراكية الديمقراطية لا يمثل التيار الرئيسي لليبراليين، لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لأولئك الذين ينتمون إلى اليسار. في الواقع، فإن الموقف المثير للجدل للمنظمة بشأن روسيا وأوكرانيا يتماشى بشكل مباشر مع إطار عمل مفاهيمي لطالما بلّغ الانتقادات اليسارية للسياسة الخارجية الأمريكية.

تجد هذه المدرسة الفكرية جذورها في الماركسية الكلاسيكية، ولكن تم تطبيقها بشكل أساسي كمخطط تفسيري للعلاقات الخارجية للولايات المتحدة بدءًا من أوائل القرن العشرين. من بين معارضي استحواذ الولايات المتحدة على الفلبين والسياسات المثيرة للجدل لإدارات روزفلت وتافت، كان هناك فصيل ينظر إلى التوسع الرأسمالي باعتباره العامل الأساسي الذي يحرك المشاركة والتدخلات الأمريكية على مستوى العالم. برز هذا السرد في عام 1934 من قبل تشارلز أ. بيرد، الذي ألهم لاحقًا مجموعة من المؤرخين “المراجعين” الذين شكلت مساهماتهم انتقادات لسياسة الولايات المتحدة خلال حقبة حرب فيتنام، لا سيما بين حركة “اليسار الجديد” الناشئة.

أحد أبرز الكتب تأثيرًا هو كتاب “مأساة الدبلوماسية الأمريكية”، الذي كتبه المؤرخ البارز ويليام أبليمان ويليامز في عام 1959. في كتابه “المأساة”، يتتبع ويليامز أسس السياسة الخارجية للولايات المتحدة في القرن العشرين إلى “مذكرات الباب المفتوح” لوزير الخارجية جون هاي. هذه المذكرات، التي تمت صياغتها في عام 1899 لتعزيز وصول الأمريكيين إلى الأسواق الصينية، وفقًا لوليامز، عكست سياسة الباب المفتوح اعتقادًا كاد يكون إجماعًا بين القادة الاقتصاديين والسياسيين البارزين في ذلك الوقت بأن التوسع التجاري في الخارج كان ضروريًا لدرء الاضطراب الاقتصادي والحفاظ على الرخاء والديمقراطية الأمريكيين.

من أجل تأمين الأسواق الخارجية للإنتاج الصناعي والزراعي الفائض وضمان الوصول إلى المواد الخام، شرعت النخب الأمريكية في مهمة “لنصف القرن المقبل” لتأسيس “إمبراطورية غير رسمية” مفتوحة الباب لـ “إمبريالية تتبنى التجارة الحرة” ليس فقط في شرق آسيا ولكن في جميع أنحاء العالم. على الرغم من أن القادة الأمريكيين “لم يكونوا رجالًا أشرارًا”، إلا أن ويليامز يؤكد أنه حتى جهودهم الأيديولوجية والإنسانية في الدول النامية كانت تهدف إلى جني “ثمار التوسع”.

في الجزء التالي من الكتاب، يوجه ويليامز انتباهه إلى بداية الحرب الباردة، التي ألقى باللوم على واشنطن فيها بشكل مباشر، متهمًا إياها بتسبيبِها. احتضانًا للنهج التقليدي الذي عُرف بتوسع الباب المفتوح، هدف الدبلوماسيون الأمريكيون إلى “اختراق الأسواق اقتصاديًا” في جميع أنحاء أوروبا وآسيا، وبالتالي قاوموا رغبة السوفييت في “الحد الأدنى من الحدود الطبيعية والمرغوبة في أوروبا الشرقية”، وتجاهلوا احتياجات إعادة الإعمار والتعويض في موسكو بعد الحرب.

يعترض ويليامز على الادعاءات القائلة بأن الاتحاد السوفيتي كان قوة توسعية ديناميكية مماثلة لألمانيا النازية، ويجادل بأن المشروع الذي قاده ستالين لضم أوروبا الشرقية إلى الاتحاد السوفييتي، وجذبها تحت جناح الشيوعية كان ردًا مبررًا على العداء المتزايد من أمريكا وبريطانيا. وبالمثل، كان “المد المتصاعد للثورة” في جميع أنحاء العالم علامة أخرى على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى احترام الراديكاليين اليساريين الذين قدموا صورة للوحشية والإصلاح، بدلاً من مقاومتهم.

على الرغم من أن كتاب “المأساة” أثار السخط بشكل عام، إلا أنه حوى بعض الجوانب الإيجابية الجديرة بالملاحظة. لقد سلط ويليامز الضوء على أهمية الأسواق الخارجية والاستثمار الخارجي للاقتصاد الأمريكي، والذي كان في ذلك الوقت بُعد أقل أهمية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. كما أنه محق بشكل عام بشأن التفاعل بين الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا والأمن القومي (على الرغم من أنه لم يتوغل في الآليات السببية الدقيقة وراء هذه العلاقات).

بالإضافة إلى ذلك، يدحض الكتاب بشكل مقنع السرد التقليدي للولايات المتحدة باعتبارها قوة “انعزالية” تاريخية، مشيرًا إلى حلقات التوسع والتدخلات باتجاه الغرب في أمريكا اللاتينية، ويقدم ملاحظات مدروسة حول قيود نشر الحداثة على النمط الأمريكي في العالم النامي. وليامز ليس مخطئًا تمامًا أيضًا في أن الدبلوماسيين الأمريكيين كان بإمكانهم اتخاذ خطوات للتخفيف من حدة الحرب الباردة في نقاط معينة.

ومع ذلك، هناك عيوب كبيرة في الحجج الأساسية للكتاب. يبالغ ويليامز بشكل صارخ في الحديث عن أهمية الدور الذي تلعبه المصالح الاقتصادية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويعطي اهتمامًا قصيرًا للدوافع الجيوسياسية والأيديولوجية الأخرى التي شكلت الدافع للانفتاح والتجارة الحرة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

إن إصراره على ربط كل قرار رئيسي اتخذه صانعو السياسة في الولايات المتحدة طوال القرن العشرين بسياسة الباب المفتوح بدا قسريًّا ومتناقضًا في بعض الأحيان.

(لا سيما إذا تعلق بسياسات القروض تجاه السوفييت)، وغالبًا ما يلجأ إلى المنطق الملتوي والمضاربة ليتمكن من ربط النقاط.

علاوة على ذلك، يلقي ويليامز بتكاسل شخصيات معقدة ومتنوعة مثل وودرو ويلسون، وهربرت هوفر، وهاري ترومان في فئة “الاقتصاديين التوسعيين”، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين فئة التجار الأحرار وفئة الـProtectionists التي انتمى إليها بعضهم، خلال هذه الحقبة. أخيرًا، يقلل الكتاب من الرؤية التوسعية للاتحاد السوفيتي وغالبًا ما يسيء توصيف العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخارج.

نقاط البداية: من الحرب الإسبانية الأمريكية إلى الحرب العالمية الثانية

الحرب العالمية الثانية

على الرغم من أن ويليامز مخطئ في عزو إعلان الحرب الأمريكية ضد إسبانيا إلى الدوافع التجارية، إلا أنه مع ذلك محق في أن التقدم الأوروبي نحو الصين خلال هذا الوقت أثر على قرار الاحتفاظ بالفلبين -حتى إن صناع القرار قد بدأوا في اعتبار الجزر قواعد بحرية جوهرية للدفاع عن مصالحهم المالية في آسيا-، كما أن الرغبة الواسعة في توسيع التجارة الأمريكية شكلت الدبلوماسية الصارمة لثيودور روزفلت وويليام هوارد تافت.

ومع ذلك، فمن غير الدقيق افتراض استمرار هذا النهج تحت إدارة ويلسون. لقد صور الكتاب دخول الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الأولى على أنها حملة صليبية لحماية حصة وول ستريت المالية. ولكن كما لخص المؤرخ الاقتصادي آدم توز في كتابه “الطوفان – The Deluge”، “ربما أعلن لينين أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، لكن كان لدى ويلسون أفكار أخرى”. للحد من تأثير المصرفيين والضغط على الحلفاء للتوصل إلى تسوية سلام، حث ويلسون مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نوفمبر 1916 على إصدار تحذير شديد اللهجة لكل من البنوك الأعضاء والمستثمرين من القطاع الخاص ضد زيادة ممتلكاتهم من الأوراق المالية البريطانية والفرنسية.

بالنسبة إلى ويلسون، الذي استمر في الحفاظ على موقف بلاده المحايد وواصل بعده عن البريطانيين والفرنسيين، إلى أن أجبرته برقية زيمرمان في العام التالي على دخول الحرب، فإن النتيجة المثالية لم تكن انتصارًا للحلفاء بل “سلامًا بدون انتصار”، يتحقق تحت رعاية نظام عالمي محايد بقيادة الولايات المتحدة. لقد كانت رؤية “الباب المفتوح” للتجارة الحرة التي اتبعها ويلسون، والتي قد تُعتبر حيلة للتوسع التجاري، جزءًا من طموحه الأوسع لاستخدام القوة المالية الناشئة لأمريكا لتعزيز السلام في أوروبا وقمع التنافس الإمبريالي الأجنبي، والذي اعتبره السبب الرئيسي وراء الحرب في المقام الأول.

وقد تجلى حذر ويلسون من وول ستريت والمنافسة الاقتصادية الأجنبية في سياسات أخرى، مثل إصلاحاته المحلية التقدمية، وإنهاء “دبلوماسية الدولار”، ورفض الاعتراف بنظام هويرتا في المكسيك (على الرغم من كونه مؤيدًا للمصالح الغربية)، ورفضه لحركة الـProtectionists، وبدئه مشروع استقلال الفلبين، ومحاولته الصادقة لاحترام السيادة الصينية من خلال سحب الدعم الرسمي لمشاركة البنوك الأمريكية في “قرض القوى الست” المثير للجدل. بالطبع، لم يكن ويلسون مثاليًا بأي حال من الأحوال، ولقد كانت آراؤُه ومعتقداته الأيديولوجية، في بعض الأحيان، عقبة في طريق “دبلوماسيته الأخلاقية”. لكن إرثه العام سيضع الأساس لنظرة دولية من شأنها أن تصبح في نهاية المطاف حجر الزاوية في الدبلوماسية الأمريكية.

على الرغم من أن خلفاء ويلسون الجمهوريين، الذين ربطوا جميعًا الازدهار الأمريكي بالأحداث والتحركات الخارجية، قد يبدو للوهلة الأولى أنهم جميعًا يتفقون مع إطار الكتاب، إلا أنه قد أوضح مؤرخون دبلوماسيون آخرون أن هذه النظرة ليست صائبة بالضرورة، فقد رأى المسؤولون الجمهوريون خلال هذه الفترة أن السوق المحلية والاقتصاد المحلي هما المحددان الرئيسيان للرفاهية الأمريكية في المقام الأول، وآمنوا أن الولايات المتحدة قادرة على حماية نفسها في الداخل من التطورات العالمية المقلقة.

وبالتالي، وافقوا على سياسات ديون الحرب التي كانت غير مرنة تجاه المدينين، بالإضافة إلى العديد من الإجراءات الأخرى، لصد المخاوف الاقتصادية والسياسية المحلية، على الرغم من احتجاج قادة الأعمال على أن مثل هذه الإجراءات من شأنها إعاقة المشتريات الأجنبية للسلع الأمريكية. وبالطبع، زادت الصادرات والاستثمارات الخارجية الأمريكية بشكل ملحوظ في عشرينيات القرن الماضي، لكن هذا كان نتيجة الحرب العالمية الأولى التي عطلت أنماط التجارة المعهودة، أكثر من الجهود المتضافرة من قبل الحكومة الأمريكية. علاوة على ذلك، بدأت الأهمية النسبية للصادرات في النمو الاقتصادي العام في الانخفاض، وأدارت الولايات المتحدة في الواقع توازنًا تجاريًا غير مواتٍ مع العالم غير الأوروبي (عوضه الفائض مع أوروبا)؛ على الرغم من الاعتماد على الذات في معظم الموارد الأساسية. والمثير للدهشة أن حتى موقف رجال الأعمال الأمريكيين تجاه الصين -المحور الرئيسي لسياسة الباب المفتوح – تحول في النهاية من الاهتمام إلى اللامبالاة.

كان فرانكلين روزفلت في البداية متشككًا أيضًا في أهمية الأسواق الخارجية للاقتصاد الأمريكي. لكن وزير الخارجية كورديل هال أقنعه في النهاية بأن خفض الضرائب وإحياء العلاقات التجارية المتبادلة كان أمرًا جوهريًّا للنجاة من الكساد الكبير. نظر هال إلى توسع التجارة الدولية كوسيلة لتفريغ فائض الإنتاج وزيادة معدلات التوظيف، لكنه رأى أيضًا التجارة الحرة كأداة فعالة للقضاء على أسباب الصراع المحتمل من خلال تعزيز الترابط الاقتصادي، والاستقرار المالي، والازدهار العالمي. من خلال تصوير الحث على التجارة المتعددة الأطراف في التحضير للحرب العالمية الثانية كاستراتيجية تخدم مصالح البلاد الشخصية، يرفض ويليامز بروز هذه المخاوف الدبلوماسية الأخرى بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، هناك القليل من الأدلة التي تدعم الرأي القائل أن الرغبة في توسيع التجارة والاستثمار في الولايات المتحدة كان لها أي تأثير جدير في التخطيط لما بعد الحرب، والذي اعتبر زيادة الواردات أكثر أهمية للتعافي الاقتصادي الدولي. كما توضح السياسة الأمريكية خلال الحرب الباردة، كانت هذه الأهداف العالمية ذات أهمية قصوى مقارنة بالمخططات التوسعية للباب المفتوح.

سياسة الأمن القومي الأمريكية خلال الحرب الباردة

الحرب الباردة

بالنسبة إلى ويليامز وغيره من مثقفي اليسار الجديد، لم يكن الاتحاد السوفيتي قوة توسعية بطموحات عالمية. وأكدوا أن واشنطن لم تقاوم الشيوعية والحركات الثورية الأخرى بسبب التهديد الإيديولوجي والعسكري الذي شكلته ولكن لأنها “تحدت مثل هذا التوسع [التجاري] وقيّدته” بتأميم الصناعات وإغلاق أسواقها أمام الصادرات الأجنبية والاستثمارات.

ذهب بعض النقاد إلى حد الزعم بأن الدبلوماسيين الأمريكيين اختلقوا عمدًا التهديد الشيوعي في البلدان النامية لتبرير التدخلات التي كانت تهدف في الواقع إلى الدفاع عن أرباح الشركات الأمريكية.

إن هذا التفسير مُتخَمٌ بالمعلومات غير الدقيقة. أولًا، من الضروري أن نفهم أن الاتحاد السوفيتي كان قوة توسعية. كما أوضح ستيفن كوتكين وجون لويس جاديس وآن أبلباوم والعديد من المؤرخين الآخرين، اعتقد السوفييت بصدق أن مهمتهم الدولية هي تحقيق ثورات شيوعية عالمية -أولًا في أوروبا ثم في المستعمرات الخارجية-، وقيادة نظام حضاري جديد متجذر، هذا ضمن الماركسية اللينينية. كانت مبادرات موسكو الدولية العديدة -في البداية من خلال الكومنترن ثم من خلال مؤسسات أخرى- وإنشاء “جبهات موحدة” مع ثوار العالم الثالث جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف الغرب، وإبراز القوة السوفيتية، ومع مرور الوقت، توجيه الدول النامية نحو الاشتراكية المتقدمة. في حين أن الاتحاد السوفيتي ربما لم يكن لديه نفوذ ووجود في الخارج مثل الذي تمتعت به أمريكا، إلا أن هذا لم يكن لأنه كان أكثر محدودية في طموحاته العالمية، ولكن لأنه كان يفتقر إلى المزايا العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والدبلوماسية اللازمة لتحقيقها.

على الرغم من أن ستالين وخلفاءه كانوا أكثر حذرًا من هتلر في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع الغرب، إلا أنه لا ينبغي الخلط بين هذا وبين أي مشاعر “انعزالية” من جانبهم. لم يكن مشروع ضم أوروبا الشرقية إلى الاتحاد السوفييتي في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي منفصلًا عن “العداء” الأمريكي والغربي فحسب، بل توقع ستالين أيضًا أن التنافس الإمبريالي بين الدول الرأسمالية سوف يمهد الطريق في النهاية للهيمنة الشيوعية والسوفييتية على أوروبا الغربية. وإذ لم يحقق هذا “الصراع الإمبريالي” بين الدول الرأسمالية ما أراده ستالين، وجه ستالين انتباهه إلى فتح “جبهة ثانية” في الشرق بمساعدة الشيوعيين الصينيين. استمر نيكيتا خروتشوف في تكثيف دعم موسكو لثورات العالم الثالث، وتم توسيع عمليات روسيا في جميع أنحاء العالم بشكل كبير تحت قيادة ليونيد بريجنيف. بالتأكيد، ربما تكون واشنطن قد بالغت في تقدير التهديد الشيوعي في بعض الأحيان، لكن لا ينبغي لأحد أن يتجاهل كيف أدى انتهاك ستالين الصارخ لاتفاقية يالطا، ووحشية الجيش الأحمر في أوروبا الشرقية، وتطلعات موسكو للهيمنة في أماكن أخرى إلى تقوية نهج الولايات المتحدة تجاه روسيا بعد الحرب العالمية الثانية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ادعاء ويليامز بأن مناهضة الشيوعية الأمريكية يمكن إرجاعها إلى توسعية سياسة “الباب المفتوح” لا يصمد أمام النظرة الناقدة. أشار مؤرخون آخرون إلى أن المصالح الاقتصادية الأمريكية في أوروبا الشرقية كانت هامشية في أحسن الأحوال، وأن التقارب مع الاتحاد السوفيتي، على عكس سياسة “الاحتواء”، كان من شأنه أن يخدم مصالح الربح الأمريكية بشكل أفضل. علاوة على ذلك، فإن استعداد واشنطن لتكوين روابط مع الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية، أو الاشتراكية، أو حتى الشيوعية لتحقيق أهداف الحرب الباردة يوضح عدم الأهمية النسبية للمصالح التجارية. حتى بين حلفاء واشنطن في العالم النامي الذين تبنوا اقتصاديات السوق، كان المستثمرون الأمريكيون من القطاع الخاص غالبًا مترددين في الاستثمار في نموهم، معتبرين أنه ينطوي على مخاطرة كبيرة مقارنة بالفرص داخل الولايات المتحدة وأوروبا وكندا.

وفيما يتعلق بتدخل الولايات المتحدة في العالم الثالث، يؤكد تحليل مفصل أجراه عالم السياسة الدكتور مي يونغ يون أن الوجود الشيوعي كان من العوامل الرئيسية لتدخل الولايات المتحدة، في حين أن “التغيير في قيم الواردات والصادرات، ونسب الاستثمار الأجنبي”؛ كان لها تأثيرٌ ضئيلٌ على احتمالية تدخل الولايات المتحدة – وهي نتيجة غير مفاجئة نظرًا لأن أفغانستان وأنغولا ونيكاراغوا ومسارح الحرب الباردة الأخرى لم تكن ذات أهمية اقتصادية مباشرة بالنسبة لواشنطن. حتى العمليات السرية السوداء، رغم أنها مرفوضة بالتأكيد من وجهة نظر أخلاقية، كانت مدفوعة في نهاية المطاف بمعاداة الشيوعية بدلًا من الرغبة في حماية الاستثمارات الأمريكية. على سبيل المثال، على الرغم من أن الانقلاب المدعوم من وكالة المخابرات المركزية في غواتيمالا في عام 1954 غالبًا ما يرتبط بشركة United Fruit Company، فقد خضعت الشركة لأحكام مكافحة الاحتكار من قبل إدارة أيزنهاور بعد فترة وجيزة من العملية، مما أدى في النهاية إلى سقوطها.

من المؤكد أن الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم، تريد الوصول إلى الأسواق الخارجية وترغب في تحصيل واستثمار ظروف التجارة المواتية. ولكن بدلًا من اعتبار هذا مبررًا لوجود الدبلوماسية الأمريكية، يجب فهم هذه الدوافع على أنها واحدة من العديد من الأهداف، وإذا وجدت، فهي غالبًا ما تتراجع أمام الأولويات الأخرى. والأهم من ذلك، كما يوضح المؤرخ أود أرني ويستاد في كتابه “الحرب الباردة: تاريخ عالميّ” ، حتى عندما سعت واشنطن لتحقيق مصالح اقتصادية معينة، فقد كان ذلك بمعنى منهجي أوسع بكثير. كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب موجهة في المقام الأول نحو نجاح الرأسمالية العالمية ككل؛ بدلًا من الدفاع عن شركات أمريكية معينة أو مصالحها. من خلال مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي، وبرامج المساعدات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وشبكة عالمية من القواعد العسكرية، روجت الولايات المتحدة لاقتصاد رأسمالي عالمي من شأنه أن يعمل على استقرار النظام المالي الدولي ويكون بمثابة حصن ضد السوفييت والمتحدون الآخرون. تعثرت هذه النظرة الدولية قليلًا في السبعينيات بعد أن دمر نيكسون بشكل فعال نظام بريتون وودز لإعطاء دفعة للشركات الأمريكية المتعثرة، ولكن مع انطلاق العولمة في العقود التالية، وجدت الولايات المتحدة نفسها تعود إلى دورها التقليدي في حماية نظام رأسمالي مترابط.

خُذ الانشغال الأمريكي بالسيطرة على إمدادات النفط في الشرق الأوسط، والتي غالبًا ما يزيلها منظرو “الدم مقابل النفط” من سياقه العالمي. حتى سبعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيًا بشكل أساسي من حيث استهلاك النفط المحلي، لكن أوروبا الغربية واليابان كانتا في أمس الحاجة إلى مصادر الطاقة من الشرق الأوسط الكبير لاستعادة الإنتاج وإعادة بناء اقتصاداتها بعد الحرب العالمية الثانية. وإدراكًا لهذا التبعية، سعى الاتحاد السوفيتي إلى تعزيز موقعه في الخليج الفارسي لإبطاء -وربما حتى إيقاف- مثل هذه الإمدادات لإحداث “أزمة رأسمالية” وإضعاف الناتو.

وهكذا، وكجزء من استراتيجيتها الكبرى للحرب الباردة، سعت واشنطن إلى منع السوفييت من توسيع نفوذهم في الشرق الأوسط. بمرور الوقت، ستصبح مصالح أمريكا الخاصة بالطاقة راسخة في هذه الصورة، على الرغم من أن التدخلات بعد 11 سبتمبر كانت لها أسباب أخرى، لكن الولايات المتحدة، مع ذلك، استمرت في العمل لضمان الإمدادات الكافية للعالم الرأسمالي ككل. كما مكّن الحفاظ على وجود استراتيجي في المنطقة واشنطن من حرمان موسكو من إمدادات النفط الإضافية التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية هجومية.

على الرغم من أن الضحايا الذين يتحملون العبء الأكبر من تدخل القوى الكبرى قد يرون هذا على أنه تمييز لا يُشكِّلُ فارقًا، إلا أن هذه الفروق الدقيقة تقدم اكتشافات حاسمة للطبيعة الأساسية للدبلوماسية الأمريكية. تصور المأساة والأعمال التنقيحية الأخرى بشكل أساسي الدوافع الأيديولوجية والإصلاحية والجيواستراتيجية لصانعي السياسة الأمريكيين كوسيلة لتسهيل توسع الاقتصاد المحلي. ولكن، كما رد الباحث جون لويس جاديس بدقة، “تم استخدام الأدوات الاقتصادية لخدمة غايات سياسية، وليس العكس كما الذي يروجه أن النموذج اللينيني للإمبريالية”. في الواقع، غالبًا ما كانت السياسات الاقتصادية الأمريكية موجهة نحو تعزيز الأمن القومي للدولة على المدى الطويل من خلال منع حدوث انهيار آخر للنظام الدولي، وتعزيز الليبرالية في الخارج، والحفاظ على توازن القوى العالمي، التوازن الذي يعطي الأولوية “للعالم الحر”.

إن جهود إعادة الإعمار الأمريكية في أوروبا الغربية خير مثال على ذلك. على الرغم من أن بعض مخططي ما بعد الحرب شددوا في بعض الأحيان على التأثير الكارثي الذي يمكن أن يحدثه تدهور أوروبا على الاقتصاد الأمريكي، إلا أن الملاحقة الفعلية لخطة مارشال ومبادرات المساعدة الأخرى توضح أن هناك مخاوف أكثر صلة بالموضوع كانت تلعب دورها. من خلال فهم العلاقة بين الفقر والتحريض الشيوعي، أثبت صانعو السياسة في الولايات المتحدة مرونة ملحوظة في السماح للأوروبيين أنفسهم بتحديد كيفية توزيع الثروة، والتي ثبت أن الكثير منها لا غنى عنه لتمويل برامج الخدمة الاجتماعية وبناء دول رفاه قوية، كما هو الحال في دول إقليم النور ديسك، التي شاركت في إنشاء العديد من الصناعات المملوكة للدولة. في ألمانيا الغربية ، ساعد استعداد واشنطن لربط المارك الألماني بالدولار بسعر صرف منخفض (وهو ما كان غير مواتٍ للمصدرين الأمريكيين) على تمكين الانتعاش الاقتصادي الخارق المعروف باسم المعجزة الاقتصادية الألمانية  Wirtschaftswunder.

تتحدى السياسة التجارية الأمريكية في شرق آسيا أيضًا حجة اليساريين الجدد. في الستينيات، بدأ الاقتصاد الياباني ينمو بسرعة من خلال نهج البلاد القائم على التصدير، وسرعان ما ستحذو “النمور الآسيوية الأربعة” (تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ)، والصين تحت قيادة دينغ شياو بينغ حذوها في النهاية. وفقًا لوستاد، لم تقدم الإدارات الأمريكية مساعدات اقتصادية مهمة فحسب، بل سهلت أيضًا وصول حلفائها في شرق آسيا إلى الأسواق الغربية (بشكل أساسي الولايات المتحدة) لتعزيز التنمية التي تقودها الصادرات. بعبارة أخرى، لم تكن سياسة “الباب المفتوح” لأمريكا أمام الدول الآسيوية (وغيرها من الدول النامية)، بل بالأحرى، وصولها إلى رأس المال والأسواق الغربية هو الذي كان مهمًا في نهاية المطاف خلال الحرب الباردة. بالنسبة لواشنطن، فإن الفائدة الاستراتيجية من وجود حلفاء أقوياء وأثرياء من شرق آسيا تفوق بكثير أي خلافات قصيرة الأجل حول الممارسات التجارية.

تكشف هذه الأمثلة عن عيبين رئيسيين آخرين في أطروحة الكتاب. أولًا، أظهروا أن المستقبل لم يكن في يد الاتحاد السوفيتي وثوار اليسار الآخرين. لقد فشل الراديكاليون في العالم الثالث فشلًا ذريعًا في الترويج لتحقيق تغيير ذي مغزى في مجتمعاتهم، وكانت التكلفة البشرية لحملاتهم الأيديولوجية مروعة. صحيح أن التدخل الغربي غالبًا ما كانت له عواقب وخيمة، ولم يستفد جميع الحلفاء بالتساوي من علاقتهم بواشنطن. لكن النتيجة النهائية للحرب الباردة تتحدث عن نفسها. بشكل عام، فإن الدول التي اندمجت في النظام الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة لم تقدم فقط الرخاء لشعوبها من الناحية الاقتصادية، ولكنها أثبتت أيضًا أنها أكثر قابلية للتحرر السياسي من نظيراتها الثورية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الثنائية لهذه العلاقات تسلط الضوء على وكالة الفاعلين خارج الولايات المتحدة -وهو إغفال غريب بالنسبة إلى “مناهضٍ للإمبريالية”-. سعى العديد من القادة بنشاط إلى إقامة علاقات مع الولايات المتحدة (أو في حالة منافسيهم، الاتحاد السوفياتي) لتعزيز نمو بلدانهم الاقتصادي والحصول على ضمانات أمنية ضد الخصوم، في الداخل وفي الخارج، الذين عارضوا ذلك لأسبابهم الخاصة. هذا ينطبق بشكل خاص على أوروبا وشرق آسيا وينطبق أيضًا على العديد من (وليس كل) البلدان في العالم النامي. يستشهد ويليامز بفضول بالمملكة العربية السعودية كواحدة من ضحايا الاستغلال الاقتصادي الأمريكي، متجاهلًا كيف تشارك المملكة والشركاء الآخرون في الشرق الأوسط مع واشنطن رغبة مشتركة في الحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة. حتى الدول “غير المنحازة” التي عارضت بشدة النظام الدولي الثنائي القطب وجدت في النهاية أنه من غير المستدام تحقيق أهدافها الإقليمية أو المحلية دون إشراك واشنطن أو موسكو. في حين أنه من الصحيح أن صانعي السياسة الأمريكيين سعوا إلى تغيير بعض الأنظمة واستجلاب قادة معينين أكثر ملاءمة لمصالح الحرب الباردة الغربية، إلا أن النقاد يفشلون عمومًا في ذكر الأدوار الرئيسية، إن لم تكن الحاسمة، التي كانت للقوات المحلية في تلك العمليات.

وهكذا، فبدلًا من أن تكون الحرب الباردة فرضًا أمريكيًا (أو سوفييتيًا)، يجب أن تُفهم على أنها جزء من صراع عالمي أطول بين الرأسمالية والشيوعية.

خاتمة

الإمبريالية

على الرغم من أن كتاب “المأساة” والأعمال التنقيحية الأخرى التي تلته قد فقدت مصداقيتها الآن إلى حد كبير؛ إثر بروز روايات جديدة ومعاصرة وشاملة عن الحرب الباردة، إلا أن التفسير التنقيحي مستمر في الوجود. يمكن العثور عليه في مؤلفات نعوم تشومسكي. وجلين غرينوالد، وفي مؤلفات العديد من “المناهضين للإمبريالية” اليساريين الآخرين، وقد ظهرت في ردودهم على عدوانية بوتين، إلى جانب سجلهم الحافل من تبرير العنف الشيوعي والإسلامي، وما يُلاحظ أن الدافع وراء موقفهم من عدم الاعتداء ليس نفورًا مبدئيًا من الظلم والاعتداء، ولكن معارضة انعكاسية للهيمنة الأمريكية، مثل معارضة ماركس ولينين وويليامز، فهم يفسرون الإمبريالية على أنها نتيجة مباشرة للرأسمالية، لا نتيجة مباشرة لقوة وسلطة الدولة.

إن عدوان الدول غير الرأسمالية مثل الاتحاد السوفييتي يُظهر عكس ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاعل القوى التي تؤثر على التدخل في الدول ذات التوجه السوقيّ مثل الولايات المتحدة. يبدو أن أحد الدروس المستفادة من الحرب الباردة والعقود السابقة هو أنه على الرغم من أهمية المصالح الاقتصادية، إلا أنه من المضلل تصويرها على أنها الدافع الرئيسي وراء الدبلوماسية الأمريكية أو إخراجها من السابق. اليوم، كما في الماضي، قد تؤثر مجموعات المصالح الخاصة ونخب الأعمال والشركات (بما في ذلك شركات المرتزقة أو كما قد يعرفون بـ: مُقاولي الدفاع) على بعض قرارات السياسة الخارجية، ولكن يبدو أن الدوافع الأيديولوجية والأمنية الأخرى لها صلة أكثر ثباتًا وأشد تأثيرًا في الموضوع.

في حين أنه لا يوجد شك في أن السياسة الخارجية الأمريكية تستحق نصيبها العادل من النقد، فإن السخرية ستضر أكثر مما تنفع. سيكون التحدي الرئيسي للولايات المتحدة هو الاستمرار في لعب دور بناء في الخارج واحتواء المنافسين المُتتبعين لسلوكها بينما تتعلم الدروس المناسبة من إخفاقاتها في الماضي. وللأسف، فهذا الجهد لم تشارك فيه أعمال ويليامز ولا اليسار الجديد ولا تفرعاتهم المعاصرة في شيء تقريبًا.

1

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.