تقف الحضارة الغربية -بجاهليتها المتعجرفة- اليوم على حافة الانهيار الحتمي؛ لا بسبب نقص في العدّة والعتاد، ولكن بسبب هشاشة جذرية تحتويها المنظومة الغربية العلمانية. منظومة فكّكت الإنسان وصيّرت حضارة الغرب (وفِراخَها) إلى إحداث إفلاس قيمي يُنذِرُ ببشارات خُفوت “أستاذية” الغرب على أمم العالم؛ وبالتالي إمكانية بزوغ فجر منظومة قيمية جديدة -قديمة- تَرِث الغرب العجوز في كرسي الأستاذية. حاملة معها نور الهداية للبشرية جمعاء مع أرضية إبستمولوجية صلبة ومنظومة قيمية قادرة على إشباع ظمأ الإنسان الوجودي.

ولا جدال بين العقلاء أن الغرب قد بلغ في علوّه المادي ذروته، وأنّ ما وصله الغربُ من ازدهارٍ مدنيّ لم تشهده البشريةُ من قبل. غير أن الحضارات مهما بلغت من رخاءٍ في بعض أوقاتها فإنها تظلّ محكومة -بالضرورة- بسُننٍ كونية موضوعية، إلزامية ومتجاوزة لذات الإنسان والجماعة. نواميس لا تحابي أحدًا ولا تفرّق بين مسلمٍ وكافر!

إنّها سنن كونية تحكم حركة التاريخ، قد خَلَت فيمن قبلنا من الأمم، وقد خلت فينا نحن -معشر المسلمين- لما انهارت حضارتنا الإسلامية العزيزة بعد حين من التمكين في الأرض، وبعد حين من القيادة والأستاذية للعالم. يقول تعالى في سورة الأحزاب: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}. وفي سورة فاطر: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}.

والصيغة اللغوية في النفي هنا صيغة قويّة جدًا، واستثنائية حتى في استعمالها في القرآن الكريم. فمن عادة القرآن الكريم ألا يثقل من أدوات اللغة، إذ يكفيه ثقل مصداقية كلام الله تعالى! إنّ استعمال المصدر المنفي نفياً مُطلَقًا، المجرّد من التعريف، المنصوب والمنون والمكرر، قد لا نجد له نظيرًا في القرآن الكريم بهذه الصورة. وليس كل ذلك إلا لتوكيد مُطلَقية السُنَن ورسوخ القوانين، واستحالة تغييرها أو تبديلها، إرضاء لهوى، أو حتى استجابة لدعاء.(1) ولعلّ ما يشهده الغرب اليوم من انهيارٍ متسارع في عالم القيم والمعنى سيكون سببًا في تنفيذ حركة التاريخ لسننها الجبرية رغمًا عن أنف الغرب. 

إحصائيات وصور عن إفلاس الغرب في عالمي القيم والمعنى

تشير التقديرات إلى أن 5.6% من الأمريكيين يعتبرون “مثليي” الجنس، أو “ثنائيي” الجنس، أو “متحولين” جنسيًا. وذلك تبعًا لبعض الدراسات التي قامت بها مؤسسة غالوب الأمريكية. وتعتبر هذه النسبة التي قدمتها الدراسة مرتفعة عما كانت عليه في عام 2017؛ والتي بلغت حينها ما يقارب 4.5%، بحسب ما ذكرت وكالة “nbcnews” الأمريكية. ويعزى ارتفاع هذه النسبة، بحسب ما ذكرته المؤسسة، إلى التحول الحقيقي الذي طرأ على الأجيال الجديدة، وحريتهم في اختيار توجههم الجنسي، ووجودهم في بيئة لا تعتبر الشذوذ الجنسي من المحرمات كما كان الأمر في الماضي، إضافة للدعم الذي يحصل عليه النشطاء الشواذ والترويج الإعلامي الضخم للشذوذ الجنسي (شبكة Netflix العالمية نموذجاً) الذي يقصف وعي ولاوعي الإنسان الغربي يوميًا.(2)

أحد أعلى معدلات حوادث الانتحار حول العالم تسجل في مناطق أوروبا الشرقية، بحسب خبراء “الجمعية الدولية لمكافحة الانتحار” و”منظمة الصحة العالمية”. وتتصدر لتوانيا قائمة الدول الأوروبية في عدد حالات الانتحار متبوعة بروسيا؛ حيث يتعدى معدل الانتحار 30 حالة بين كل 100 ألف نسمة.

وفي أوروبا الغربية تعتبر بلجيكا وفرنسا وإيرلندا الدول الأعلى في معدلات الانتحار، فيما تسجل أدنى المعدلات في اليونان وفنلندا. وشهدت بلجيكا عام 2016 نحو 2000 حالة انتحار، أي بمعدل 6 حالات يوميًا، أو 17 حالة لكل 100 ألف نسمة. وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي لحالات الانتحار. وغالبًا ما توجه أصابع الاتهام هناك إلى الاكتئاب والانعزالية وغياب الدفء العائلي، بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني لدى المنتحرين؛ مما يجعلهم يفقدون الأمل في المستقبل. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ليس الوضع أفضل حالًا، فجل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية أكدت أن معدلات الانتحار ارتفعت في كل الولايات الأمريكية تقريبًا بين عامي 1999 و2016، وأن المعدل زاد بأكثر من 30% في بعض الولايات.(3)

وقد يبدو الانتحار في ظاهره عملًا فرديًا لا علاقة له بالمنظومة القيمية الجامعة لأمّة من الأمم. وأنه (الانتحار) مجرد نتاج لحالة من أقصى درجات التعاسة الشخصية الفردية. غير أنّ عالم الاجتماع الفرنسي Emile Durkheim أظهر -في بحثٍ علمي أجراه- أنّ عوامل اجتماعية (بما له علاقة ببنية المجتمع وطبيعته) تترك تأثيرًا جوهريًا على سلوك الفرد المُنتحر (ومن أراد التعمّق في هذا الموضوع أكثر يمكنه الاطلاع على رسالة الانتحار لـDurkheim).

لقد أنتجت لنا الحضارة الغربية أجيالًا من “الإنسان الوظيفي” النفعي المفرغ من قيم التراحم والتجاوز للذات الفردية الضيّقة. ولنضرب مثلًا طريفًا ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- في كتابه “العالم من منظور غربي”:

كانت مصورة صحفية مع زوجها في سفر في إحدى حدائق الحيوان المفتوحة في إثيوبيا. وفجأة انفتحت السيارة وسقط الزوج منها واندفعت نحوه الأسود لالتهامه. حاولت زوجته -باعتبارها إنسانًا وباعتبارها زوجته- أن تفعل شيئًا ففشلت، فقامت -باعتبارها مصوّرة صحفية وحسب- بتسجيل المنظر بآلة التصوير التي معها. وفي إحدى المسابقات الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي حصلت الصور على الجائزة الأولى بسبب ندرة اللحظة وسرعة بديهة المصوّرة منقطعة النظير.

ولتلاحظ هنا أنّ اللجنة قد أسقطت قيمًا جوانية مثل التراحم والأسرة والتضامن الإنساني وأسى من أحب الآخر، وتحيّزَت لقيمٍ برّانية مادية مثل كفاءة الأداء (بالمعنى المادي) والمقدرة على توظيف الموقف بسرعة والنظر للواقع باعتباره مادة تُستَخدَم.

ولنضرب مثلاً، أكثر خطورة على هذه الرؤية المادية: صرّح أحد كِبار المسؤولين في البنك الدولي بأنه من الممكن استئجار مساحات شاسعة في إفريقيا لإلقاء العوادم الكيمياوية والنووية والنفايات الأخرى من بقايا المجتمعات الغربية؛ نظير مبالغ سَخِيّة تُدفَع للدول الأفريقية لتساعدها في عملية التنمية، أي أنّ الدول الأفريقية ستتحول إلى مقلب زبالة نظير مكافأة مالية لا بأس بها. وقد أحدثت التصريحات ضجّة كبيرة، وأنكر البنك الدولي صدور مثل هذه التصريحات عن أحد كبار موظفيه.

ولكن الموظف المسؤول صاحب التصريح أكّد أنه أدلى به فعلًا، وأنه يعبّر عن فلسفة البنك الأساسية. وبيّن أنّ المنظور الذي تبناه هو منظور اقتصادي محض (أي مادي محض) يرى العالم باعتباره مادة تُوظّف، وأن القيمة الوحيدة المقبولة هي القيمة المحسوسة ماديًا. كما رأينا في المِثالين السابقين؛ فإنّ الحضارة الغربية قد أنتجت لنا نموذجًا من البشر ينظر إلى الإنسان بوصفه مجرّد مادة استعمالية.

حرب جاهلية الغرب على الفطرة

خلق الله -عز وجل- الرجل والمرأة على فطرة نقية، وجعل من بديهيات دورة الحياة على الأرض وسنة الكون انجذاب المختلفَين وتنافر المتشابهَين؛ فينجذب كل منهما للآخر حتى تكتمل دائرة الحياة، وتتحقق غاية تعمير الأرض والاستخلاف فيها. {وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. غير أنّ هذه البدهيات تعرَّضت لتشوهات على أصعدة كثيرة بسبب إرهاصات الجاهلية الغربية القائدة للبشرية.

فدعوات التيار النسوي بدأت تنخر في هذا الرباط، وتحاول جاهدة مسخ الأنثى وطمس الهوية بينها وبين الذكر، وتشويه فطرتها الأنثوية التي تنتعش في نسيج هذا الرباط الفِطري النقي. فبدأت المتأثرات بالنسوية يتمردن على حياتهن، ودورهن الطبيعي في تنشئة أجيال صالحة وسوية. وبدأن يتعاملن مع منظومة الزواج على أنها تقليل وتنقيص منهن. يقول المجاهد والمفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش -رحمه الله-: “سيظل غير واضح كيف استطاع أولئك الذين دعوا إلى تحرير المرأة بأي ثمن الحفاظ على تلك الأكذوبة الكبرى؛ بأن عمل المرأة في المصانع أكثر إبداعًا وأقل مللًا من عملها في البيت. لذلك كان يصدق بعضهم بأن تربية أطفال أناس آخرين مجال إبداع المرأة مثل عمل المدرسات والمربيات، بينما تربيتها لأطفالها هي عمل دنيء وهامشي ضمن أعمال البيت المملة وغير المناسبة”.

الغرب قائد مجرم

لم تعد دموية الغرب خفية عن الناس. ولقد انكشف عنها الحجاب بوضوح خلال حربي العراق وأفغانستان. وفي هذا الصدد أدعوكم إلى مزيد من التتبع لمجازر الغرب في حق الأمم المستضعفة؛ وهذا ما قام به منير العكش ‎أستاذ الإنسانيات مدير الدراسات العربية في جامعة سفك/ بوسطن. وقد صدر ‎له بالإنجليزية والعربية 22 كتابًا ألفه أو ترجمه أو حرره.

ويعتبر العكش من أبرز الباحثين العرب في الدراسات الأميركية عندما أنفق سنين من عمره بين آلاف الوثائق في مصادرها الرسمية ليخرج علينا بثلاثية الإبادات، بدأها بكتاب (أميركا والإبادات الجماعية.. حق إبادة الآخر)، ثم كتاب (أميركا والإبادات الثقافية)، وثالثًا (أميركا والإبادات الجنسية). وكانت كتبه دراسة نقدية وقراءة متأنية لنحو 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض.

فرصة تاريخية للإسلام

توحي لنا سنن حركة التاريخ -بعد هذه العلل والتشوهات التي ولّدتها لنا جاهليةُ الغرب- بأنه إما الهدى، وإما الانهيار. يقول الأستاذ محمّد قطب -رحمه الله-: “إنّ الجاهليات تظلّ تعيش، بمقدار ما فيها من خير متناثر، حتى يغلب ما فيها من شر طاغ، فيختنق الخير ولا يكاد يستطيع أن يتنفس. وحين تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء، تتدخل إرادةُ الله، فتُحدِث التغيير، ولكنها تُحدِثُه مِن خلال سَعي البشر وحركتهم”.(٢)

ولكن قولنا بأن الغرب مقبل على انهيار حتمي؛ لا يترتب عليه بالضرورة: أن يرث الإسلامُ قيادة البشرية بدلًا من الغرب! وإنما المراد من إشارتنا إلى دنو أجل الغرب، أن ننبّه إلى ضرورة انتهاز جند الله لهذه الفرصة التي قد لا تتيحها لنا حركة التاريخ مرة ثانية إلا بعد قرون!

فالواجب على جند الله انتهاز هذه الفرصة التاريخية وأن يعدّوا أنفسهم {وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}؛ لأجل قيادة العالم من جديد وفق منهج الله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. ولأجل إخراج البشرية مِن وحل الجاهلية بحبل الله المتين الوحي.

قيادة الإسلام للعالم قيادة رشد ورحمة

{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ}. لا مخلّص للناس من جاهِليتهم وضلالهم، وشقائهم وحيرتهم، وقلقهم واضطرابهم، وتمزّق حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم؛ إلا الإسلام!

ولم يكن للناس مخلص من الجاهلية في تاريخهم كله إلا الإسلام بمعناه الواسع الشامِل، الإسلام الذي جاء به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد -صلى الله عليهم وسلم-.

وقد اكتمل “الإسلام” في دين الله الأخير {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكم وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}. وهذا الإسلام في نسخته الأخيرة المكتملة: هو العلاج الوحيد لكل العلل والتشوّهات الواقعة في الفطرة الإنسانية التي ولّدتها لنا جاهلية الغرب.

233

المصادر

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.