هل يمكن لعقوق الآباء لأبنائهم أن تجعل منهم في حكم الأموات معنىً، وتجعل أبنائهم في حكم الأيتام قصدًا ومضمونًا؟!

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في إحدى أشهر قصائده:

ليـسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ من *** هـمِّ الحـياةِ، وخلّفاهُ ذليـلًا

فأصـابَ بالدنيـا الحكيمـة منهما *** وبحُسْنِ تربيـةِ الزمـانِ بديـلًا

إنَّ اليتيمَ هـوَ الذي تلقـى لَـهُ *** أمّاً تخلّـتْ أو أبَاً مشغـولًا

إنَّ ظاهرة عقوق الآباء للأبناء، من أكثر الظواهر ضررًا على المجتمع، وخطورةً عليه، وإفسادًا لقيمه، وهدمًا لأركانه، وهو ما يغفل عنه الكثيرون من الدعاة والواعظين والتربويين، على عكس تركيزهم الشديد على جانب عقوق الأبناء لآبائهم، مع أنها مسألة واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، والنصوص القرآنية فيها لا تحتاج إلى كثير من الجُهد للفهم والتفسير، ووعيد الله وتحذيره لمن يرتكب تلك الكبيرة، بَيّن لا يحتاج لاجتهاد أو برهان.

وحتى نضع الأمور في نصابها، دعنا أولًا نُعرّف ماذا نعني بمصطلح عقوق الآباء للأبناء؟

إنَّ لفظ العقوق لغةً مشتق من العق، وهو القطع أو الشق، يُقال: عق الولد أباه أو رحمه، أي قطعهما، وعقَّ الرجل ثوبه، أي شقّهُ. أمّا في الاصطلاح فقد عرّف العلماء العقوق تعريفات عدة، جميعها اقترنت بعقوق الوالدين لارتباطه بهما، ويُفيد كل ما ورد من تعريفات، بأنَّ عقوق الوالدين يعني إيذائهما، وعدم الرحمة بهما، والإحسان إليهما، ومعصيتهما، وكل ما كان على نقيض البر بهما.

وعلى نحوٍ متوازي فإنه يمكننا تعريف عقوق الآباء للأبناء على أنّها: “كل تقصير في حقٍ من حقوقهم المقررة شرعًا، بإهمال رعايتهم وتربيتهم، أو إيذائهم، أو القسوة عليهم، وعدم إبداء الرحمة لهم، وكل ما كان على نقيض البر بهم، والإحسان إليهم”.

أسباب تفشي ظاهرة عقوق الآباء للأبناء

عقوق الآباء بين عقوق الآباء وعقوق الأبناء.. تأملات تربوية في واقعنا المعاصر 1

عند ذكرنا كلمة آباء فإننا نقصد بها كلا الوالدين، فهما أساس وجوهر حدوث تلك الظاهرة وانتشارها، وعندهما مربط الفرس للحد منها وعلاجها أو زيادة تفاقمها، إذ أنهما هما الطرف الأول والأساسي المعني بمشكلة العقوق، وقد تتباين الأسباب التي تؤول بهما إلى تلك العقوق، والتي من بينها:

انتقاص الوعي بحقوق الأبناء الشرعية

إنَّ للأبناء حقوق واجبة، أقرّها الشرع الحنيف، فإذا كان ولي الأمر أبًا أو أمًّا على غير بصيرة بها، وعلم بتفاصيلها، وإدراك حدودها، فكيف يمكن له أن يبر بها ويوفيها؟!

سوء فهم وخلل في التطبيق

لا يقتصر بر الآباء لأبنائهم، وتأدية واجبات الأبوة والأمومة نحوهم، على معرفة حقوق الأبناء الشرعية الواجبة لهم فحسب، بل تقتضي الفهم الجيد لها، والخبرة بآليات وطرق تنفيذها الصحيحة المنضبطة، إذ أنَّ سوء الفهم لتلك الحقوق والواجبات، يؤدي بالضرورة إلى خلل في التطبيق، مما ينتج عنه تحقيق واقع مخالفًا لما أراده الشارع، وقطعًا لما أراده أن يصل، فيصبح بذلك عقوقًا.

التخلي عن الدور التربوي

إنَّ تربية الأبناء هي الهدف الأسمى لقرار إنجابهم، وتأتي على رأس الحقوق الواجبة لهم، وهي مقصد أساسي من مقاصد الزواج، وإنشاء أسرة مسلمة، بل بها يُعمّر المجتمع، وينصلح حال الأمة، فتؤدي وظيفتها من خيرية على أحسن وجه كما أرادها الله لها.

وعند التخلي، عن هذا الدور التربوي عمدًا أو جهلًا، سواء من أحد الوالدين أو كلاهما، يؤدي حتمًا إلى العقوق بأبنائهما، وتعرضهم جميعًا لمورد الهلاك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).

العولمة والانفتاح غير المنضبط

لقد حققت العولمة والرأسمالية فينا كثيرًا من مبتغاها، فالانفتاح الواسع على العالم الذي نشهده اليوم، حتى بتنا نحقق بالفعل مقولة: “إنَّ العالم أصبح قرية صغيرة”، كان له العديد من الآثار السلبية التي انعكست على العديد من جوانب الحياة، أبرزها جانب التربية والّلحمة الاجتماعية، فأصبح الأبناء يغردون في اتجاه، والآباء في اتجاه آخر، على ذات الوسائل التكنولوجية الحديثة، من أجهزة إلكترونية، جميعها ترتبط بتلك الشبكة العنكبوتية التي دعمت ذلك الانفتاح، مما نتج عنه بما يُعرف بظاهرة (التفكك الأسري).

حقوق الأبناء على الآباء

عقوق الآباء بين عقوق الآباء وعقوق الأبناء.. تأملات تربوية في واقعنا المعاصر 3

ينبغي على الآباء أولًا، معرفة حقوق أبنائهم التي أقرها الله عز وجل في كتابه الحكيم، وفي سنة نبيه المطهرة، وهي كثيرة متباينة، سوف نذكرها إجمالًا، لأننا لسنا بصدد شرحها أو تفصيلها، فما نريد أن نضع عليه عين الترّكيز هو الإهمال في تلك الحقوق؛ ومنها:

اختيار الأم المناسبة: وهو على رأس تلك الحقوق وأوجبها، إذ أنّه يترتب عليه الوفاء بما يليه من حقوق أو ضياعها، ولذا كانت نصيحة النبي -صلى الله عليه وسلّم- لنا أن نظفر بذات الدين، فبها الفوز والفلاح.

اختيار اسم حسن لهم: مثل عبد الله وعبد الرحمن، كما رُوي عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ”، لئّلا تكون كالرجل الذي جاء يشكوا عقوق ابنه له إلى سيدنا عمر -رضي الله عنه-، فلمَّا خاطب عمر الأبن قائلًا: أم تخاف الله في عقوق والدك؟ أجابه الابن: أليس للابن حق على أباه؟! قال: بلى؛ فحقه أن يختار أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه القرآن، قال: لم يفعل يا أمير المؤمنين، فقد اختار لي أمًا زنجية كانت لرجلٍ مجوسي، وسماني جعرانًا “أي: حشرة”، ولم يعلمني آية من كتاب الله، فالتفت سيدنا عمر للرجل وقال: لقد عققت ابنك قبل أن يعقك!

وجوب النفقة عليهم: لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وأن يتقي الله فيهم فلا يطعمهم حرامًا، لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي: “لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ”.

حُسن تربيتهم وتنشئتهم دينيًا: وتعليمهم القرآن، والسنة، وغرس حب الله تعالى وحب نبيه في قلوبهم، وحب الصحابة والتابعين، وتعويدهم على العبادات والطاعات، وعلى رأسها الصلاة، قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، وكذا فضائل الأعمال، وترك الرذائل والمنكرات، وحسن التأدب مع الآخرين، وما إلى ذلك مما هو من حسن التربية.

العدل بينهم: في المعاملة، والعطاء والعطّية، والعطف، والحنان، فهذا ما تملكه، أما ما يملكه قلبك من حب فأن تعدل بينهم ما استطعت، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

اتَّقوا اللهَ، واعْدِلُوا بينَ أولادِكمْ، كما تحبونَ أن يَبَرُّوكُم.

النصح والتوجيه الحسن: بأن تكون لهم ناصحٌ أمين، موجهٌ برفق ولين، تنظر إلى أصحابهم فتعزز ممن هم على خُلق ودين، وتُنّفر ممن هم على سلوك مشين.

التغاضي عن زلاتهم وعثراتهم: فلا تقعد لهم كل مرصد، ولا تتشبث بأشياء كان من الممكن تجاوزها والتغافل عنها، ولكن زن الأمور بموازينها الصحيحة، وقدر لكل موقف حجمه الطبيعي، الذي لا إفراط فيه أو تفريط.

تعليمهم، وتشجيعهم، والثناء عليه: كما كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- مع أطفال الصحابة فضلًا عن آبائهم، فلا تكن مُثبطًا لهممهم، مُقلّلًا من إنجازاتهم، واهتم بتعليمهم كل ما ينفعهم من علوم، وكل ما من شأنه أن يرتقي بعقولهم، ويُصحح فكرهم، وكذا العناية بلياقتهم البدنية، وتعويدهم الرياضة منذ الصغر.

الرفق بهم والإحسان إليهم: ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-: أَن النبيَّ ﷺ قَالَ:

إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ.

وقد رُوي عنها أيضًا: أنَّ أعرابيٌّ جاء إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فقال: أتُقَبِّلونَ صِّبْيانَكُمْ فوَاللهِ ما نُقَبِّلُهُمْ فقال النبِيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: “أَوَ أَمْلِكُ لكَ أنْ نزعَ اللهُ من قلبِكَ الرَّحْمَةَ؟!”

وقد كان هذا دأبه عليه الصلاة والسلام، فقد روى أبو هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قبَّل الحسَنَ بنَ عليٍّ والأقرعُ بنُ حابسٍ التَّميميُّ جالسٌ فقال الأقرعُ: إنَّ لي عشَرةً مِن الولدِ ما قبَّلْتُ منهم أحَدًا قطُّ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: “مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ”!

صور من عقوق الآباء للأبناء

عقوق الأبناء

الضرب من عقوق الآباء بأبنائهم.

انعدام القدوة: فترى بعض الآباء يكذبون أمام أبنائهم، أو يهينون زوجاتهم أمامهم، ويأتون من الذنوب صغارها وكبارها، دون أن يبالون بذلك أو يستحون، فتنهدم منظومة القيم لدى الأبناء، وتتلاشي صورة المُثل العليا للآباء في أذهانهم، وإنَّ ذلك لمن أعق العقوق!

الرعاية دون التربية: وبينهما اختلاف كبير فالأولى منهما يقدر عليها الحيوان ويُقيمها، أمّا الثانية فلا تكون إلّا لذي عقل، فالكثير من الآباء لا يهتم بتربية أبنائهم بقدر ما يهتم بمأكلهم ومشربهم وملبسهم ومنامهم.

أمٌ مهملة أو مستهترة: فتراها لا تهتم إلا بنفسها، وزينتها، وجمالها، وتحصيل متطلباتها، دون اهتمام بتعليم أبنائها أو تقويم سلوكهم، أو مساعدتهم في حل مشكلاتهم، وتجاوز عقباتهم في تلك الحياة.

اختيار السيء من الأسماء: مما يجعل الابن يعاني طيلة حياته، ولا سيما إزاء التنمر الذي يلاقيه من بعض مرضى القلوب في المجتمع، حتى يكره اسمه ونفسه، ويكره أبويه، ويكره حياته برمتها!

البخل: وهو آفة من آفات القلوب، تُهلك صاحبها أولًا ثم تتجاوزه لإهلاك من حوله، ولا عجب أن يقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ) فإن كانت الآية قد نزلت في أصحاب الجاهلية الأولى، إلَّا أنَّ من آباء اليوم أشدّ جهلًا، فهو يقتل أولاده شُحًا وبخلًا وتفتيرًا، ماديًا في المال ومعنويًا في المشاعر ونحوها، ويجعلهم عُرضة للحاجة والذلة والمسكنة، والله يخبرنا (نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)!

المعاملة القاسية: والقسوة لا تُولد إلا قسوة، والجفاء لا يُولد إلَّا جفاءً، وكذا البر والرحمة واللين، لا يُولّد إلَّا برًا ورحمةً ولينًا، فتجد الكثير من الآباء فظ اللّسان، غليظ القول، لا يستطيع أبنائه الحديث في حضرته، أو التعبير عن مشاعرهم والتنفيس عن رغباتهم، فتكن النتيجة الحتمية أن ينفضوا من حوله، قال تعالى لنبيه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، ومن الآباء من يحسب جهلًا، أن تلك المعاملة هي أقوم للخلق، وأدعى للالتزام، والاستقامة، والبر، وإنما هي على النقيض من ذلك كله، ولا تنتج لنا سوى أبناء عاقين بامتياز، عَجّت دور المسنين بآبائهم!

التسلط والاستبداد: وله صور وأشكال شتى، منها: أن تفرض على أبنائك دخول كلّية بعينها، أو امتهان مهنة دون غيرها، أن تزوج ابنتك من لا ترغب به، أن تتخذ قرارات حياتهم وشؤونهم الخاصة بدلًا عنهم، تراقب حركاتهم وسكناتهم حتى لا تخرج عن الإطار الذي فرضته عليهم مسبقًا، تُشعرهم دائمًا بأنهم مخطئون، لا رأي في البيت بعد رأيك، ولا قرار أصوب من قرارك، والأعجب من ذلك كله أن بعض الآباء من يظل يمارس ذلك على أبناءه الراشدين، الذين هم على مشارف الزواج وتكوين بيت وأسرة، أو متزوجون بالفعل ولديهم أبناء، ثم يتساءلون في بلاهة، لماذا يُعقنا أبنائنا؟!

التفرقة في المعاملة: وهو ما يولد بُغضًا من الأبناء تجاه آبائهم وحقدًا على إخوتهم محل العناية والاهتمام الزائد، فبعض الآباء يتجاوز في حبه لبعض أبنائه ما لا يملك إلى ما يملك، فتراه يخص أحدهم بالسؤال والاهتمام، والقبلات، والأحضان، والحديث، بل منهم من يخصه بعطية أو هبة دون غيره من اخوته، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فرفض أن يشهد على هبة والد لأحد أبنائه، وقال له: “فإنِّي لا أشهَدُ على هذا، هذا جَوْرٌ، أشهِدْ على هذا غيري، اعدِلوا بيْنَ أولادِكم في النُّحْلِ كما تُحِبُّون أنْ يعدِلوا بينَكم في البِرِّ واللُّطْفِ”!

الإهانة والإيذاء النفسي: مثل نعته بأوصاف مشينة، وألفاظ سيئة نابية، أو اقتحام خصوصياتهم، أو معايرتهم بنقصٍ أو عجز، أو سلب حريتهم، وجرح كرامتهم، وتهميشهم، والحطّ منهم، وغيره الكثير، وإنّه في كثير من الأحيان يكون ذلك أشدّ إيلامًا وقسوة من الإيذاء البدني، بل إن مداه يظل معهم طيلة العمر ما لم يسعوا جاهدين في التخلص من ندوبه وجراحاته، فأي ظلم بعد هذا ظلم للأبناء، وأيُ برٍ يطمحون لنيله بعد تلك العقوق؟!

الإيذاء البدني المبرح: الذي يترك آثاره على نفوس الأبناء قبل أجسادهم، ونحن نرى ونسمع اليوم قصصًا يشيب لها الولدان من جرائم وانتهاكات بشعة اُرتكبت من قِبل بعض الآباء في حق أبنائهم! هذا العنف الأسري، لا يُولّد لنا في المجتمع إلّا عنفًا وعدوانًا، وجرائم حمقاء يتضرر منها المجتمع بأسره، فضلًا عن التشويه النفسي لأولئك الأبناء.

إشكاليات متعلقة بحقوق الآباء وحقوق الأبناء

عقوق الآباء بين عقوق الآباء وعقوق الأبناء.. تأملات تربوية في واقعنا المعاصر 6

عقوق الآباء لا يُسوغ مبررًا لعقوق الأبناء

أيًا ما كانت مظلمتك مع أحد والديك، أو كلاهما، وأيًا ما كان ابتلائك في تفريطهم في جنبك، أو إيذاءك، أو معاداتك، فلا يُبرّر لك عقوقهما البتة، فكلٌ منكم محاسب يوم القيامة فردًا على ما فعل واكتسب، وعلى ما أدّى أو فرط، وقدم أو أخر (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)، و (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، ولو كان لك في ذلك شيء، لما أوجب عليك الله أن تصاحبهما بالمعروف وتحسن إليهما مع شركهما به سبحانه وتعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً).

طاعة الوالدين مقيدة وليست مطلقة

إنَّ كثيرًا من الآباء ليتخذ الدين وسيلة للتسلط على الأبناء، فيبتز أبنائه بالنصوص القرآنية الموجبة لبرهم وطاعتهم، والإحسان إليهم، وهم في ذلك قد ارتكبوا إثمين، إثم الظلم لأبنائهم تارة، وإثم الافتراء على الله تارةً أخرى (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، فطاعة الوالدين مقيدة بطاعة الله، وما يقتضيه التشريع الحنيف من عدلٍ وإنصاف، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، فلا تتخذ حق من حقوقك ذريعة للإفساد، وإرضاءً لهوى نفسك، فتتجاوز به حدك، وتتعامل وكأنك قد مَلكت ابنك!

التربية ليست وراثية، ولا تنتقل بالعدوى!

من المفاهيم المغلوطة لدى بعض الآباء، أنّه بتربية الابن الأكبر تربية جيدة، فهذا كفيل بحسن تربية إخوته من بعده، وهذا بالتأكيد غير منطقي، فابنك الأكبر لن يقوم بتربية إخوته الأصغر منه بدلًا عنك، أو أنَّ تربيته تنتقل لهم بالعدوى، نعم حُسن تربية الابن الأكبر يعزز من تربية أخيه الأصغر منه سنًا، ولكن هذا من باب القدوة والاقتداء به في القول والفعل.

كما أنَّ التربية لا تنتقل عبر الجينات، فيُولد الابن ذو تربية حسنة إن كان أبوه صالحًا، أو تربية سيئة إن كان أبوه فاسدًا، وإنما هي طريق طويل من الصبر والجهد والبذل والعطاء.

أبناؤك ليسوا ملكًا لك!

من الأخطاء الشائعة لدى الكثير من الآباء في التربية، هو تعاملهم مع أبنائهم على أنّهم مِلْكٌ لهم يتصرفون فيهم كيفما شاءوا أو أرادوا، وهذا في الحقيقة تصور خاطئ يتأتى معه العديد من الأضرار في الأسرة والمجتمع، فنرى الآباء يمارسون التسلّط على أبنائهم بجميع أنواعه، ماديًا ومعنويًا، مما ينتج عنه كراهية وبغض أولئك الأبناء لهم، مما يوقعهم في شباك العقوق لا غرو.

الضرب وسيلة عقاب لا تعذيب

نعم الضرب مشروع في الإسلام، ولكن له ضوابطه التي تضبطه، فهو ليس مطلقًا كيفما تريد أو يحلو لك، كما أنه يعتبر وسيلة عقاب استثنائية في حال فشل جميع الوسائل الأخرى في العقاب، ومع ذلك عليك أن تتذكر بأنك تعاقب ابنك من أجل إصلاحه وتقويمه، لا من أجل تعذيبه، أو الانتقام منه، أو الانتقام لشخصك، أو ما شابه من الدوافع غير المشروعة، والتي حتمًا تؤدي إلى المفسدة والعقوق.

التغيير سنة كونية، تجري على الأجيال كذلك!

عقوق الآباء

لا يمكن لك بحال من الأحوال أن تطبق نفس الأساليب التربوية بحذافيرها، التي استخدمها والداك في تربية أبنائك، فالزمن غير الزمن، والمجتمع غير المجتمع، والجيل غير الجيل، فرياح التغيير تجري تاركة آثارها في نفوسهم وحياتهم.

الحوار والإقناع لا الإجبار والتسلط!

من الممكن أن تتخذ صيغة الأوامر غير القابلة للتنكيص أو الرجعة، في تربية أبنائك، وقد يفلح ذلك في الحصول على استجابة فورية منهم لتنفيذها، ولكن كن على يقين تام بأنَّ ما لم يتم حَله بالحوار والإقناع فهو لم ولن يُحل غالبًا، وسوف يقبع بداخلهم يمزق روحهم ويشتت فكرهم، حتى يجدوا له حلًا مقنعًا ومرضيًا!

لا تكابر في الخطأ وتأخذك العزة بالإثم!

جميعنا بشر، ولقد اقترنت النقيصة والخطأ بطبيعتنا البشرية، فمن المحتمل بكل تأكيد أن تقع في أخطاء أثناء تربيتك لأبنائك، لا تكابر وتأخذك العزة بالإثم، بل اجعل من الاعتراف بالخطأ والاعتذار لصاحب الحق ديدنك، فحينها ستعزز مفهوم القدوة لدى أبنائك، وستغرس فيهم ذلك الأمر، فيصبحون قائمين بالعدل منصفين ولو من أنفسهم.

وختامًا فاعلموا أيها الآباء أنكم راعٍ، وأنكم مسؤولون أمام الله عن رعيتكم (وقفوهم إنهم مسؤولون)، وإنما العقوق لا تُولد إلّا عقوقًا، والبر لا يُولّد إلّا برًا، وهل جزاء الإحسان إلّا الإحسان، أقيموا منهج الله في تربية أبنائكم، ووفوا حقوقهم، فلا تضيعوها لئلّا تأثموا، مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:

كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يَقُوتُ.

واستعينوا بالصبر والصلاة، والمثابرة، والدعاء لهم في كل وقتٍ وآن.

748

الكاتب

معتصم علي

كاتب ومنشئ محتوى إبداعي، طالب علم مهتم بشأن الأمة، وقضايا المسلمين

التعليقات

  • حفصة على مدنى منذ 3 أشهر

    موضوع ممتاز موفق ان شاء الله

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.