شكلت الحروب عبر التاريخ منعطفًا رئيسيًا في استمرار الجنس البشري وضبط شؤونه الداخلية والخارجية. هذه الحروب بالرغم من الموت الذي تجري به والذي لطالما كان سببًا في يتم الأطفال وترميل النساء؛ إلا أن فيها سننًا كونية لا تتحقق مصالح العباد والبلاد في بعض الأحيان إلا بها. فتكون بهذا إحدى الطرق التي تؤدي إلى استقرار وضع الدول، الاستقرار الأمني والمادي والفكري وغير ذلك. لكن بالرغم من أن هذه الحروب عندما يتم ذكرها يتبادر لذهن الإنسان القارئ صور “القتل وسفك الدماء”، إلا أنها مقارنة مع الحروب المعاصرة كانت رحيمة بأهلها وذويها.

ليس بالأمر الغريب أن تتطور الحروب على مر التاريخ الإنساني، لكن الغريب حينما تضفي هذه الحروب نوعًا من الشرعية على ارتكاب الجرائم الوحشية في سبيل تحقيق الأمن القومي للدول أو دولة معينة. يقول عالم المستقبليات “المهدي المنجرة”: “حين يجتاح الخوف تفكير الإنسان أو دولة ما، فكل الأشياء تتغير. خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإمبراطورية كانت تظن أن لا شيء يمكن أن يمسها. لقد نفدت الثقة بالنفس وصار رد الفعل وحشيًا بامتياز”.[1] هذا الخوف من فقدان المكانة -السيطرة- الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للدول العظمى أدى إلى كوارث -لا أسميها حروبًا- إنسانية أفقدت الإنسان -النخبة بالأساس- الثقة في إنسانيته.

إضافة إلى الخوف نجد أن من مسببات هذه الفوضى الإنسانية الوحشية غياب الوازع الديني في القرون المتأخرة؛ خصوصًا عصر ما يسمى -بالحداثة-. فالحُكم الذي تسير عليه البلدان الغربية المتحكمة في بلدان العالم والمنتهكة لحقوق شعوبها؛ اقتصادي استهلاكي يدعو الشعوب إلى الإلحاد وترك عبادة الله. كما أن محاربته للفطرة الإنسانية بمختلف أشكالها مهد الطريق وهيأها وعبَّدها للوصول إلى غاية اللامعنى لدى الإنسان بشكل عام. وهذا ما يفسر سبب الاستهانة بالروح الإنسانية واستباحتهم لها بهذا الشكل الفظيع.

وانتشرت عدة مفاهيم اصطلاحية رنانة تمجد القوى الحاكمة للنظام العالمي الجديد من قبيل، عصر العولمة، عصر العلم، عهد الديمقراطية، عهد الحرية، عصر الحروب الباردة -يعتقد أنها سلمية إذ على حد قولهم لا قتال فيها-. فهل هذه المصطلحات أو المفاهيم عادت على الإنسان بالنفع والفائدة أم لا، على اعتبار أن كل شيء من صنع هذا الإنسان عائد عليه وإليه؛ فكيف ساهمت هذه المصطلحات في خدمة الإنسانية، مجال الحروب أنموذج؟

حقائق عن الحروب تحت النظام الغربي

الحرب العالمية الثانية

الحرب العالمية الأولى: أو ما يسمى بالحرب العظمى في ذلك الزمان على الأقل، كانت أهوال هذه الحرب في الأراضي الأوروبية ابتدأت من 28 يوليو 1914، وانتهت في 11 نوفمبر 1918؛ مما يعني أنها دامت فقط أربع سنوات، شارك في هذه الحرب حوالي سبعين مليون عسكري، أصيب 20 مليون جندي عسكري، وتوفي 16 مليون. وحتى يتبين لك مدى قيمة هذا الرقم يجب أن تعلم أن عدد سكان ليبيا في سنة 2021 حوالي ستة مليون ليبي، وعدد سكان تونس احدى عشر مليون تونسي، يعني تخيل أن مجموع الشعبين حوالي 17 مليون هو نفس عدد القتلى في هذه الحرب تقريبًا، بمعنى إبادة شعبين في حدود أربع سنوات. “وهو ما يتجاوز عدد قتلى الجيوش في جميع أثناء المائة عام السابقة”[2]. هذه الإحصائية تؤكد قيمة الإنسان في الحضارة الغربية.

أنفق على هذه الحرب خلال هذه الأربع سنوات مبالغ طائلة لا يتخيلها العقل البشري، ففيها أنفق حوالي 334 مليار دولار، هذا الرقم لن يشكل أي قيمة إلا إذا ارتبط بشيء معين يحدد قيمته، اعلم أن الناتج الداخلي الخام لدولة المغرب يقدر بـ 162 مليار دولار، ما يعني أن مدخول دولة المغرب في العام الواحد بأكمله أنفق تقريبًا ضعفه على هذه الحرب. وتم استخدام الأسلحة الكيماوية من جميع الأطراف المتحاربة فيما يسمى الآن جريمة حرب. وهذا طبعًا استخدم ويستخدم بكثرة على الشعوب المسلمة في فلسطين وسوريا والعراق وغيرهم اليوم.

الحرب الكورية: هذه الحرب في الظاهر كانت بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وفي الأصل كانت بين الحلف الغربي الإمبريالي والحلف الشيوعي الاشتراكي. حرب قوى استعمارية رأسمالية اشتراكية في أراضٍ كان الخاسر فيها شعبها. امتدت هذه الحرب ما بين سنة 1950-1953 أي كانت في حدود ثلاث سنوات، توفي خلال هذه الحرب 5 ملايين جندي عسكري، يعني تعداد سكان قطر على ضعفين ونصف، أنفق عليها خلال ثلاث سنوات فقط 341 مليار دولار.

حرب الفيتنام: “كانت نزاعًا بين جمهورية فيتنام الديموقراطية (فيتنام الشمالية)، متحالفة مع جبهة التحرير الوطنية، ضد جمهورية فيتنام (فيتنام الجنوبية) مع حلفائها (وكانت الولايات المتحدة الأمريكية إحداها بين 1965 و 1973). بدأت الحرب في 1961 وانتهت في 1975. وقد كانت جزءًا من الحرب الباردة”[3].

مات خلال هذه الحرب حوالي 3.8 مليون جندي ومدني فيتنامي في سبيل تحرير بلدهم من قبضة الأمريكان، أنفق عليها في مدة عشرين سنة 738 مليار دولار.

الحرب العراقية: “هي نزاع مسلح طويل الأمد بدأ مع غزو العراق عام 2003 من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. أطاح الغزو بحكومة صدام حسين. ومع ذلك، فقد استمر الصراع في الكثير من أوقات العقد المقبل على أنه تمرد وظهرت معارضة لقوات الاحتلال وحكومة ما بعد الغزو العراقية”.[4] كان هذا الغزو تحت ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، الشيء الذي هدد الأمن القومي للعالم.

خلفت هذه الحرب حوالي 600,000 قتيل من الشعب العراقي فقط، وأنفق عليها حوالي 1,01 ترليون دولار، وهذه التكلفة تقارب الناتج الداخلي الخام لبريطانيا ثامن أقوى اقتصاد في العالم.

الحرب العالمية الثانية: “هي حرب دولية بدأت في الأول من سبتمبر من عام 1939 في أوروبا وانتهت في الثاني من سبتمبر عام 1945، شاركت فيها أو تأثرت بها غالبية دول العالم، منها الدول العظمى في حلفين عسكريين متنازعين هما: قوات الحلفاء، ودول المحور، كما أنها الحرب الأوسع في التاريخ، وشارك فيها بصورة مباشرة أكثر من 100 مليون شخص من أكثر من 30 بلدًا، وقد وضعت الدول الرئيسية كافة قدراتها العسكرية والاقتصادية والصناعية والعلمية في خدمة المجهود الحربي”[5]

في هذه الحرب توفي حوالي 60 مليون قتيل، تقريبًا توفي عدد سكان فرنسا بأكملها، هذا الرقم المخيف لا يمت للإنسانية بصفة، أنفق عليها حوالي 4.69 ترليون دولار، هذا الرقم يشكل أربع أضعاف قيمة الناتج الداخلي الخام لثامن أقوى اقتصاد في العالم.

في هذه الحرب، تم قصف مدينة هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة الذرية، والتي استعملت لأول مرة في 1945 من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، كان هذا القصف بمثابة رفع راية الظلم الغربي في العالم. في ذلك اليوم تكونت في ذهن الإنسانية صورة نمطية عن الفكر الغربي والنظام العالمي الوحشي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، منذ ذلك الوقت لم تعد للقيم قيمة في تشكل الحضارات.

القاسم المشترك بين هذه الحروب

الولايات المتحدة الأمريكية

إن استقراء النتائج من هذه المعلومات التاريخية يقود إلى حقيقة مفادها أن الحضارة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد سببت الكثير من الكوارث البشرية؛ لأن هذه الحضارة الغربية تخلت عن القيم الإنسانية ولم يعد لديها اهتمام بهذا الجانب. وما دام هذا النظام الغربي قائمًا سوف تحدث الكثير من المجازر في صفوف الجنس البشري بأيدٍ بشرية، بل سيصل الأمر كذلك إلى الطبيعة الكونية بمختلف كائناتها ومخلوقاتها -وقد وقع ونحن نشاهد اليوم الآثار المناخية على العالم-. وما يقدم اليوم من فساد أكثر من الذي قدم البارحة؛ إذ إن الفطرة الإنسانية طالها التخريب حتى أصبح الفكر المادي الغربي يدعو إلى الشذوذ ويحرص عليه بل يفسح له الطريق ويعاقب من يستنكره. وهذا يعتبر أخطر بكثير من الحروب العسكرية، إن النظام العالمي بهذه القيادة الغربية المادية الأحادية التي تنهل من المذاهب الفكرية البشرية تكاد تصل بالإنسانية إلى الهاوية.

يقول المهدي المنجرة عن التردي الأخلاقي للولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل الغرب بأكمله قبيل غزو العراق:

لقد تعرضت بغداد للتدمير عام 1520 من طرف المغول، ومن المحتمل أن تتعرض مجددًا للتدمير عام 2003 م. فالمغول الجدد لا يحترمون حياة البشر فحسب، بل ويجهلون قيمة كنوز ثقافية لحضارة عمرت عدة ألفيات.[6]

انشغلت المادية الغربية في إنتاج كل ما يسهل الحياة البشرية، وسخرت إمكانياتها في المجال العسكري حتى وصلت إلى مستويات كبيرة من التقدم العسكري، لكنها عندما نالت ما تصبو إليه لم تفكر في كيفية استخدام هذا التطور العلمي الحضاري في مجال يخدم الإنسانية والنظام الاجتماعي والمعرفي والثقافي لها، بل وصلت إلى معرفة وقوى، خربت بها حضارتها وحضارة غيرها.

الحروب تحت نظام إسلامي

نهب ثروات وكنوز العراق إثر الغزو الأمريكية على العراق في 2003.

يكفي أن أقول إن هذه الحروب التي ذكرتها لك فوق هي أقوى خمسة حروب من ناحية التكلفة والخسائر البشرية. والملاحظ أن هذه الحروب لا يوجد فيها أي بلد مسلم. وهذا شيء كافٍ لإبراز مركزية الإسلام في تشكيل الحياة الإنسانية، هناك من سيقول بأن الحضارة الإسلامية لم تمتلك أسلحة فتاكة -أسلحة دمار شامل- متطورة لهذا سجلها التاريخي غير حافل بهذه الكوارث.

إن المقارنة كانت لتكون بين القوى العظمى في ذاك الزمان وتاريخ الفتوحات الإسلامية مقارنة مع تاريخ الحروب الصليبية لا يقارن، ولنأخذ مقارنة بسيطة توضح ذلك ونقارن بين فتح المسلمين لمدينة القدس مقارنة مع فتح الصليبيين لها.

فتح المسلمين مدينة القدس في عهد عمر -رضي الله عنه- بعد أن حوصرت المدينة واستسلم أهلها، ولم تذكر مصادر التاريخ أي خسائر بشرية وقعت. أما في فتح الصليبين للقدس كانت هناك معركة بين الجيش الفاطمي والجيش الصليبي، انتصر الصليبيون ودخلوا المدينة. وتم قتل أغلب سكان القدس الذين يتم تقدير عددهم بـ 70 ألف حسب المصادر التاريخية.

فتح المسلمين للأندلس، قبل أن يلتقي الجيشان كان هذا خطاب طارق بن زياد لملك القوط:

إما أن تدخلوا في الإسلام ولكم ما لنا وعليكم ما علينا ونترك كل أملاككم في أيديكم على أن تدينوا بدين الله سبحانه وتعالى؛ أو تدفعوا الجزية للمسلمين ونترك لكم أيضًا كل ما في أيديكم، أو أن تدخلوا معنا في قتال ولا نؤخركم إلا ثلاثة أيام، هكذا كانت دعوة المسلمين.[7]

وهذا أهم ما يجب أن يذكر عن الفتوحات الإسلامية؛ إذ إن الضابط الذي جعلها تبتعد عن الدموية التي تلطخت أيدي الغير بها؛ ديني محض، جعلها تفتح الدول لأسباب معينة وفق شروط مضبوطة حدها الإسلام للمسلمين في تعاملهم مع غيرهم حتى في الحروب. كل هذا جعل المسلمين عندما يفتحون البلاد يسلم أغلب أهلها، وهذا بسبب السمو الديني الذي جاء به الإسلام للإنسانية جمعاء. أما عن وحشية مذابح النصارى في مسلمي الأندلس بعد سقوط غرناطة وغيرها، فكتب التاريخ زاخرة بهذه المذابح الوحشية الحيوانية.

رؤية نحو المستقبل

الحضارة الإسلامية

لا يجب أن ننسى، ونحن نتحدث عن هذه الأحداث التاريخية وهذه المذابح التي تسبب فيها النظام الغربي المادي الذي يقدم الشهوة الحسية على القيم الفطرية الإنسانية؛ المستقبل. وبما أننا نتحدث عن المستقبل، يجب أن نبحث عن سبل تحصيل القوة من الثقافة الحضارية الإسلامية ومن الهوية الإسلامية والإرث الإسلامي، يجب أن نعرف أن القوة هي السبيل الوحيد. وللحصول على هذه القوة تجب العودة إلى الأصل مع تجديد ما يمكن تجديده، فهذا بوش الأب كان يقول في خطابه “لا يمكن أن نسمح لأي كان أن يمس بقيمنا ونوعية حياتنا”.[8] يجب أن نعتز بهذا الدين الذي بعثنا الله به وأمرنا أن نبلغه لغيرنا كما يعتز غيرنا بثقافته وحضارته، فالإسلام هو الحل الوحيد للإنسانية إذا أرادت أن تحافظ على فطرتها ودينها ودنياها.

يقول سيد قطب “إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال. لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية. ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدًا من “القيم” يسمح له بالقيادة. لا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة -بالقياس إلى ما عرفته البشرية- وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والإسلام -وحده- هو الذي يملك تلك القيم، وهذا المنهج.

141

المصادر
الكاتب

محسن ديدوش

يسعدني ويشرفني أن أتواجد بينكم وذلك لعدة اعتبارات من بينها أنني أجد نفسي في حالة الإنسان الذي يريد أن يعطي الكثير لهذه الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء حيث أن إسلامنا يحثنا على نشر هذا الدين وتبليغ تعاليمه، درست في العلوم الشرعية وأخذت الباكلوريا فيه، من تم تخصصت في المدرسة العليا للتربية والتكوين دراسات إسلامية وأخدت فيها إجازة بميزة ممتازة. لدي تجربة في ميدان التعليم في وزارة التربية والتعليم، حضرت العديد من الدورات وأخدت الشهادة فيها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.