إيلي نعمة

ترجمة/ ربى الخليل

تحرير/ عبد المنعم أديب

تبرز[1] مشكلة بين “التيار اليساريّ” و”القوميَّة”، بل يعتقد الكثيرُ من أتباعِ “التيار اليَمِينِيّ” وعددٌ لا بأس به من التيار اليساريّ -على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكيَّة- أنَّ مصطلحاتٍ على غرار “الفخر القوميّ” -وغيرها من المشاعر القومية- لا تُلامِس شغاف اليساريين، بل قد يُكنُّونَ العداء لها لتضارُبها مع “التقدُّميَّة”. وقد يجد اليساريون أنفسهم خلال أوقات الحرب أو اندلاع أزمة وطنيَّة عُرضةً لشبهات الخيانة وانعدام الولاء! .. مِمَّا يستوجب تقديمهم لمحاكم التفتيش العامة!!

تنطوي “القوميَّة” على أشكال سلبيَّة وأخرى إيجابيَّة. وينظر الروائيُّ والناقد البريطانيُّ ذائع الصيت “جورج أورويل” إلى الوطنيَّة على أنَّها تجسيد للشكل الإيجابيّ للقوميَّة؛ قائلاً: “ولاءُ المَرءِ يتبلور في مكان معين وأسلوب حياة خاصّ؛ باعتبارهما الصورة الأمثل بالنسبة إليه. لكنْ من دون أنْ يفرضهما على الآخرين”. وبالمقابل تتبدَّى النزعة القوميَّة السلبيَّة في نظرتها العدائيَّة للدول الأخرى؛ حيث تُحاكِيْ “النزعة الإمبرياليَّة”. وتجاه الاثنيْنِ نجد صاحبَ الفكر اليساريَّ إما متأرجحًا بين سلبيَّات القوميَّة وإيجابيَّاتها، وإمَّا مُعاديًا للشكلَيْنِ معًا.

الانتقادات المبدئيَّة للقوميَّة

يُجادل بعضُ المنتقدين الأمريكيين -وعادةً هُم من التيار اليمينيّ- أنَّ اليساريِّيْنَ مُلزمون إيديولوجيًّا بمشاعر البغض تجاه أمريكا؛ مِمَّا يحولهم إلى أعداء لها بالطبيعة. كما يقولون: إنَّ سعي اليساريِّين نحو الجماعيَّة والحَوْكَمَة الكبرى ونُظُم الدعم الاجتماعيَّة الدائمة؛ لا يتوافق -بالمطلق- مع الثقافة الفرديَّة والرأسماليَّة الطاغية في أمريكا، وبالتالي يرون أنَّ ثَمَّةَ تناقضًا يشوب مفهوم “اليسار القوميّ” كمصطلح.

والواقع أنَّ الكثير من المفكرين (يساريين ويمينين) يعمدون -من خلال مناقشتهم لنظرة اليساريين المُريبة للقوميَّة الأمريكيَّة- إلى الخلط ما بين مفهومَيْ القوميَّة: شكلِها السلبيِّ والوطنيَّةِ الإيجابيَّة، كما أنَّهم يتعاطون مع المفهومَيْنِ من باب التحامُلِ اللَّاأخلاقيّ غير المحسوب بمعزل عن أيِّ أساس عقلانيّ.

وفي غالب الأحيان، كانت تنحو المنظمات والناشطون اليساريون إلى إقحام مشاعر النزعة القومية ضمن برامجهم السياسية وربط سياساتهم بمفهوم المصالح الوطنيَّة الكبرى؛ مُعوِّلين على المشاعر القومية لحشد الدعم الشعبيّ.

في الولايات المتحدة تركَّزَ اهتمامُ الحركات السياسيَّة التقدُّميَّة على التقاليد السياسيَّة الوطنيَّة. وهو ما تجلَّى لدى دعايَيْ القوميَّة المدنيَّة والتحرير من العبودية: “فريدريك دوغلاس” و”جون براون”، ومن خلال الاشتراكيَّة الديمقراطيَّة لدى “مارتن لوثر كينغ”، ونهج الجبهة الشعبيَّة للحزب الشيوعيّ الأمريكيّ في زمن الكساد الاقتصاديّ[2]. كما دأب اليساريُّون الأمريكيُّون على تقديم أنفسهم كسائِريْنَ على درب التقليد الثوريّ لمُؤسِّسِيْ البلاد، وأنهم حَمَلَة شُعلة الدفاع عن القيم القوميَّة الأساسيَّة في الحريَّة والعدالة والمساواة بين جميع الأمريكيين.

مع ذلك، دائمًا ما كانت تتضارب المبادئ الأساسيَّة للتيار اليساريّ مَعَ نزعته إلى إثبات تناغُم هذه المبادئ مع التقاليد السياسيَّة الأمريكيَّة. فالمواقف القوميَّة لا تنسجم مع القناعة بالتضامُن الدوليّ ومُناهضة الإمبرياليَّة[3]، وهما مَفهومانِ يرتكزانِ على القيم العالميَّة والحدّ من الانقسامات الوطنيَّة. بالمُقابل أشاح اليساريُّون الأمريكيُّون بنظرهم، في مناسبات عديدة، عن الرموز والمشاعر القوميَّة خشيةَ الصدام الاجتماعيّ.

والجدير بالإشارة إلى أنَّ هذا الخوف مشروعٌ ومنطقيٌّ إذا ما أمعنا النظر بحالات مُتعدِّدة لجأت فيها النُخب إلى توظيف المشاعر القوميَّة لصرف “انتباه العامَّة” عن المشكلات المحليَّة وتركيزه على الأعداء خارج البلاد.

تحدث الفيلسوف “ريتشارد رورتي” عن انسلاخ اليساريين المعاصرين عن إرثهم الوطنيّ بفعل تأثير “اليسار الجديد”[4] المُستمر، وانحراف أنصاره عن الثقافة الأمريكيَّة التي سادت في فترة الحرب الباردة. بينما قدَّمَ في الوقت ذاته صورةً مُبالغًا بها عن التزام اليساريين السابق بالنَّهجِ الإصلاحيّ لمواضع الخلل في هياكل المؤسسات السياسيَّة في أمريكا خلال الحقبة التي سبقت الحرب الباردة. وإنْ كان مُحقًّا في استشرافِ مَعالم الصراع الثقافيّ الذي انبثق عن “حرب فيتنام”[5]، وهو ما ينذر بانقسام ثقافيٍّ مُتنامٍ بين اليساريين الأمريكيين والأمة التي سعوا إلى إحداث تغيير فيها، ليجد اليسارُ نفسَه في مناسبات عديدة يسبح ضدَّ التيار خلال فترة الحرب. ويمكن أن نذكر في هذا السياق المعارضة الاشتراكيَّة للحرب العالميَّة الأولى ونشاط “اليسار الجديد” أثناء الحرب الباردة فضلًا عن الحركة الرافضة للحرب التي ظهرت ردًّا على “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

الانتقادات البراغماتية للقومية

يرفض العديدُ من اليساريين “القومية العمياء” (المتمثلة بشعار “أمريكا هي معيار الخطأ والصواب”)، مُستعيضِيْن عنها بهدف أسمى يتجلَّى بـ”تعزيز التضامُن الدوليّ”، و”مُناهضة الإمبرياليَّة”. وينبع جزء من هذا الموقف من الرغبة البراغماتية في التصدي لمُشكلتَيْنِ شائكتَيْنِ: ألا وهُما الهيمنة المُؤسَّساتيَّة والاستثنائيَّة الأمريكيَّة.

فيما يتعلق بالهيمنة المُؤسساتيَّة، وهي: تراجُع انتقاد اليساريين للمؤسسات الحكوميَّة التي يعملون فيها، والتي صارتْ تُهيمن عليهم. وهو ما نلاحظه في الجامعات على وجه التحديد. ففي ظلِّ انخفاض مُعدَّل العمالة المُنظَّمة، توجَّهَ العديد من اليساريين للعمل في الجامعات أو غيرها من المؤسسات غير الربحيَّة ضمن مساعيهم لإحداث التغيير الاجتماعيّ، وتأمين لقمة العيش. (رغم أن هذا التوجه ألقى الضوء ولو بشكل جزئيّ على أسباب ظهور حركات اليسار في الجامعات مؤخرًا، إلَّا أنَّ الجامعات تحوَّلت في العالم الغربيّ إلى بُؤَر لأنشطة مُتطرِّفة وتخريبيَّة منذ القرن السادسَ عشرَ على الأقل).

ويُعدُّ الأساتذة المعتمدون في الجامعات من ذوِيْ الميول السياسيَّة اليساريَّة المُتطرفة أمثلةً على ظاهرة الهيمنة المؤسساتيَّة. ففي الوقت الذي يكتبون فيه نصوصهم ويطلقون شعارات هدَّامة (رغم الغموض الذي يكتنفها) للتنديد بالرأسماليَّة والسلطة الأبويَّة؛ تجدهم يَغفلون -رُبَّما عن غير علم- أنَّ إنجازهم في المقام الأول هو تثقيفُ الجيل القادم من النخب، والتمهيدُ لإطالة أمد البنية الاجتماعيَّة الهَرَميَّة -التي هي نفسها عرضةٌ لانتقاداتهم اللاذعة-!. ويندر أنْ يُوجِّهَ هؤلاء الأساتذةُ أقلامَهم لانتقاد أرباب عملهم أو الجامعات بوصفها مؤسسات، بل تُنقَل هذه المهمة للأساتذة المُساعدين، والعاملين من طلبة التخرج، وغيرهم من الموظفين غير الدائمين.

الشركات وغيرها من المؤسسات قِيلَ إنها باتت تخضع لهيمنة اليساريين من أصحاب النزعات الهدامة. بيْدَ أنَّ ما حدث يُغاير تمامًا الأمل المُعلَّق عليهم. وهو ما يتبدَّى جليًّا عند انضمام هؤلاء اليساريين إلى أيَّة مؤسسة؛ حيث ينأون بأنفسهم -على الأرجح- عن معارضة رؤسائهم، غاضِّينَ الطرف عن نهج أرباب عملهم تجاه ترسيخ الظلم أو تقويض قيمة منتجهم.

وبالنظر إلى ظاهرة الهيمنة المؤسساتيَّة وتغلغل “المذهب التقدُّميّ” في أروقة أكبر المؤسسات في المجتمع الأمريكيّ، يَلُوح تساؤلٌ مفاده: ما الذي يدفعهم لتبنِّي مفهوم مُناوئ للقوميَّة؟![6] كُشِفَ الستار عن العجز التامّ لدى اليساريين المُتطرفين في أغلب المؤسسات الاجتماعيَّة (ومنها الحكومة ووسائل الإعلام والاقتصاد و…). بغضِّ النظر عن معتقداتهم في أن استهلاك السلع والخدمات في إطار البنية الاقتصاديَّة للرأسماليَّة المتأخرة لا يمكن أنْ يتمَّ بطرق أخلاقيَّة[7].

ومن دون أدنى شك باتت التقدُّميَّة مَسلَكًا لهذه المؤسسات حتى عارضت بشدة الأفرادَ والآراءَ ذات الميول اليمينيَّة. على الرغم من أنَّ العاملين ذوِيْ الاختصاص من الطبقة المُتوسطة العُليا وبعضُ المحافظين ينبذون التغييرات الماديَّة الجذريَّة التي يُنادي بها اليسار.

يعزى ذلك إلى أن الكثير من اليساريين، ينظرون إلى خصومهم على أنهم كتلة مُوحَّدة مُتراصَّة، لا بوصفهم مجموعة من المُنظَّمات المنفصلة ذاتِ المصالح المُتضاربة. بغضِّ النظر عن ذلك لا يمتلك معظم اليساريين مصلحةً ماديَّةً كبيرةً في المجتمع الأمريكيّ بالنظر إلى هامشيَّة وضعهم السياسيّ والاجتماعيّ. مِمَّا حدا بهم إلى توجيه الانتقادات للأعراف والمؤسسات الأمريكيَّة بدرجة لن ترقى إلى هذا المستوى، لو كانوا مُنخرطين على نحو أعمق في المجتمع.

تبرز مشكلة عمليَّة أخرى أمام اليساريين الأمريكيين تتمثل في “الاستثنائيَّة الأمريكيَّة” (التي تتمحور حول الاعتقاد السائد أنَّ أمريكا هي “المدينة المُتَلألئة على سفح تلَّة”، والتي تنشر الحرية والرأسمالية بين الناس حول العالم -أرادوا ذلك أم أبوا-). وفي سبيل تحقيق ذلك، يلجأ أنصار هذا الاعتقاد إلى التدخل الأرعن في شؤون الآخريْنَ؛ إمَّا من خلال الغزو العسكريّ والاحتلال المباشر (على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان)، وإمَّا عن طريق الضغوط الدبلوماسيَّة والعقوبات الاقتصاديَّة (كالتي فرضتها على فنزويلا وكوبا وإيران).

وهذا ما دفع التيارَ اليساريَّ إلى وصم مُعظم -أو كلّ- السياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة المُضرَّجة بالدماء والانتهاكات بـ”السياسة الإمبرياليَّة”. صحيحٌ أنَّ المهمةَ التي انبرى لها اليساريون الأمريكيون بانتقاد الإمبرياليَّة مهمةٌ لا يُحسدون عليها؛ إلَّا أنَّ المُفارَقةَ أنَّهم -في سياق هذا النضال- ما يزالون مُواطنين في ذات الدولة التي يَصفونها بالإمبريالية! وهو ما يُرسِّخ حالة الارتباك الملحوظ، ويدفع بالعديد من المُراقبين إلى الاستنتاج بأنَّ اليسار يُولي اهتمامًا بالغًا بالأجانب أكثر من مصالح أبناء بلده. 

وانبرى بعضُ المُحلِّلين إلى تلميع الإمبرياليَّة الأمريكيَّة بوصفها أفضلَ من سابقاتها في أوروبا أو مُنافسيها في الوقت الآنيّ. وعلى الرغم من صحة حجتهم، إلَّا أنَّها تُحاكي الادعاء الكاذب القديم المُتمثِّل في “عبء الرجل الأبيض”[8]، غافلين عن ادعاءات أمريكا التقليديَّة حيال دفاعها المُستميت عن مبادئ الاستقلال الذاتيّ الوطنيّ والسيادة الشعبيَّة (وهي المبادئ نفسها التي بجوهرها تنبذ أمريكا السياسة الخارجيَّة العدوانيَّة والمهيمنة).

هذا يُضيِّق الخناق على الكثير من اليساريين الأمريكيين جرَّاء انخراط بلادِهِم في الفضائح الجِيُوسياسيَّة (والأشدّ نكايةً أنَّ هذه الفضائح لمْ تقضَّ مَضجع شعبها). مِمَّا حدا باليساريين إلى نبذ كلِّ ما له صلةٌ بالأمريكيين، وباتتْ مُصطلحات مثل “القوميَّة” و”الفخر الوطنيّ” بالنسبة لهم مدعاةً للسُّخرية والازدراء، وجاهدوا في سبيل النأيِ بأنفسهم عن سياسات بلدهم الداخليَّة منها والخارجيَّة.

هذه المعضلة حيال القوميَّة لا تجدها بارزةً في دول أخرى: الدول التي لا تمتلك تاريخًا من الإمبرياليَّةٍ سيِّئة السُّمعة، والدول التي لا ترقى إلى قوة أمريكا الجيوسياسيَّة -مثل أيرلندا والهند-، والدول التي عانتْ تاريخيًّا من براثن الإمبرياليَّة الأوروبيَّة؛ فاليساريون في هذه الدول لا يجدون صعوبةً في إقحام المواضيع القوميَّة ضمن حملاتهم السياسية.

اعتراضات شخصية على القوميَّة

لم تنبثق الانتقادات اليسارية للقوميَّة عن المبادئ والبراغماتية فقط، بل كانت أيضًا وليدة اعتبارات شخصية. قد يكون ما قالته الفيلسوفة الأمريكيَّة “جوديث بتلر” بأن “كل ما هو شخصيّ هو سياسيّ بالضرورة” ينطوي على بعض المبالغة، إلَّا أنَّه يَشِيْ بنهج الناشطين اليساريين. حيث تغصّ صفوف المنظمات السياسيَّة اليساريَّة والجماعات الناشطة بالأفراد الساخطين والمحبطين، وتنبع معارضتهم للمجتمع السائد من مظالمهم الشخصيَّة. وهي سمة تمتاز بها كلُّ الثقافات المُهمَّشة، حتى تلك الثقافات التي تميل إلى اليمين. وينجذب الأفراد المعزولون بسليقتِهم إلى المُجتمعات الإيديولوجيَّة؛ بما توفِّره من هُوِّيَّة ومُؤازَرَة. وهذه السمة تميز بشدَّة المنظمات اليساريَّة، ومردُّ ذلك إلى ترجيح اليسار للثقافة المضادة[9].

وهو ما يمكن أن يفسِّر سبب اكتظاظ المنظمات اليساريَّة بموظفين ينحدرون من المجتمعات المُهمَّشة، وانضمامهم لهذه المنظمات قد يكون بمثابة ردٍّ شخصيٍّ على الشعور العامّ بالاضطهاد الاجتماعيّ. رُبَّما كان هذا صحيحًا بالنسبة للناشطين من أعراق مُختلفة أو أفراد “مجتمع الشواذ“، ومَن شابَهَ؛ الذين يشعرون بالسخط إزاء التباين في المُثُل الأمريكيَّة العُليا المُعلَنَة من جهة، وإحجامها الصريح (أو عجزها) عن التعامُل الحَسَن معهم.

ويتبادر إلى الذهن حجم الازدراء والاشمئزاز التي برز في مقال “فريدريك دوغلاس”، قائلًا: “ما الذي يعنيه عيد الرابع من يوليو/ تموز بالنسبة للعبد؟”[10]. مُوجِّهًا نقدًا لاذعًا للطريقة التي تُجاهِرُ بها أمريكا بالحُرِّيَّة، بينما ترتكز في مَسيرتها على الاسترقاق. في السياق نفسه، يتنامى شعور اليأس لدى “مارتن لوثر كينغ” إزاء التدخُّل الأمريكيّ في “فيتنام” ومدى التناقض الصارخ بين تلكُّؤ الحكومة الأميركيَّة في إلغاء التفرقة العُنصريَّة وبين مُشاركتها الحثيثة في المذابح الجماعيَّة في الهند الصينيَّة.

وبغض النظر عن يقينهم بالتضارُب بين المُثُل الأمريكيَّة والمُمارسات الأمريكيَّة، تمحوَرَ نشاطا “دوغلاس” و”كينغ” على التقاليد السياسيَّة الأمريكيَّة خلافًا للناشطين الأكثر تشدُّدًا مثل “ويليام لويد غاريسون” و”مالكوم إكس“. فقد نظر دوغلاس وكينغ إلى سياسات التحرُّر من العُبوديَّة وطلب الحقوق المدنيَّة بوصفَيْهِما امتدادًا منطقيًّا للخطاب التحرُّري المُتضمَّن في الدستور ووثيقة الاستقلال. بينما في الحقيقة لم يُراود الشخصيتَيْنِ أيُّ شعور بالتهكُّم الشديد تجاه التجربة الأمريكيَّة، بينما كان يتنامى هذا الشعور لدى عدد أكبر من الناشطين المعاصرين.

من الصعب لوم اليساريين المعاصرين على حالة التشاؤم البالغ التي وصلوا إليها، بينما لمْ تتبنَّ أمريكا -إلا مؤخرًا- التدابير العمليَّة للتعويض الكُلِّيّ عن تاريخها الحافل بإبادة الشعوب الأصليَّة واستغلال ذوِيْ البشرة السمراء، ومواجهة ردود فعل هائلة.

وبالعودة إلى “دوغلاس” فقد أمضى جلّ حياته في سجالٍ عقيمٍ. وعوضًا عن أنْ يُكلَّل بتحقيق التحرُّر السلميّ من العبوديَّة عصفت بالبلاد حرب أهليَّة مزَّقت أوصالها. فيما طغت مشاعر التشاؤم على “لوثر كينغ” حيال مفهوم الإصلاح السلميّ رغم ما عرف عنه بالشخصية المتفائلة والمُلهمة؛ بسبب استمرار عناد خصوم مَنْحِ الحقوق المدنيَّة، وحالة الإحباط وخيبة الأمل التي ألمَّتْ بمُناصِريْهِ (الذي يحاكي خيبة أمل نشطاء حركة “حياة السود مهمة” في الوقت الآنيّ).

والسمة الأسوأ للثقافة السائدة تتجسد في بُعدها عن التأمُّل المتواضع في التاريخ الأمريكيّ. كيف لهذا أن يتحقق، وهَوَسُها طاغٍ بأسطورة الاستثنائيَّة الأمريكيَّة؟! بعد كل هذا كيف يمكن لمَن ارتقى بمعاييره عاليًا (بوصفه من سكان المدينة المتلألئة على سفح تلَّة) أنْ تعتريَه الدهشةُ للشعور بالمرارة والإحباط المتنامي لدى بعض أفراد مجتمعه؟! .. ناهيك عن إحساسهم بالتعرُّض للخيانة على الصعيد الشخصيّ لحظة استنارتهم بالحقيقة المُخيِّبة للآمال. كيف يمكن أنْ تكنَّ المحبَّة لبلد يأبى شعبُه أنْ يكونَ صادقًا تجاه إخفاقات بلاده؟!

إنَّ التعاطي الساخر من اليسار للقوميَّة الأمريكيَّة منبعث من المَظالم العميقة، بَيْدَ أنَّه لمْ يتمخَّضْ عن الوعي بهذه المظالم إلا المزيدُ من الانغماس في الذاتيَّة والنُّخبويَّة. يبقى أنْ نقول: إنْ كان اليسارُ جادًّا في بلوغ القوة وتوظيفها في سبيل إحداث التغيير الاجتماعيّ، فقد لزم أنْ نعيد النظر في عدائنا -ذي النتائج العكسيَّة- للثقافة الأمريكيَّة، وأنْ نُشارك فيها من الألف إلى الياء.

181

المصادر
الكاتب

ربى الخليل

مترجمة محترفة، عملت في مراكز بحثيَّة، وأعمل الآن في شبكة رابتلي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.