“هو نبي عظيم، وإنسان كريم، لم يبعثه الله تعالى ليخنق معاني الإنسان في قلوب الناس، فلا يغضبون ولا يحبون، ولا يضحكون ولا يبكون؛ بل جاء ليعلمهم كيف يبكون، ولكن بتجلد، وكيف يضحكون، ولكن بوقار، وكيف يحبون، ولكن برقي، وكيف يغضبون، ولكن بعقل. علمهم كيف يمزجون طبائعهم الأرضية بقيمهم السماوية؛ فينتج عن ذلك أعظم مزيج”. علي الفيفي(1)

خلق الله العباد ووهبهم ضرورات عقلية فطرية -وإن اختلفوا في القدرات العقلية-، وكذلك نفوسًا وطباعًا مختلفة؛ منها ما جُبل عليه الإنسان ومنها ما يتعلق ببيئته ونشأته. ولولا اختلاف النفوس وأهوائها وميولاتها لما قام دين الله وعمرت الأرض، فكل وما خلق له.

جاءت الشريعة لتهذّب ما يحتاج إلى التهذيب من الطباع لا إلغاءها، جاءت وجعلت دائرة كبيرة للمباح حتى تراعي النفس التي تفتر بطبعها وتحتاج إلى الترويح عن نفسها والنفس التي تحتاج لقدر من المتعة، جاءت لتصرّف الأطباع والطاقات إلى جهاتها الشرعية الصحيحة لا أن تكبتها، جاءت تراعي كل ذي طبع وتتعامل معه بما يحسن وبما يفهم.

يكفيك أن تتأمل مدرسة نبيك -عليه الصلاة والسلام- مع صحابته، ومع الناس من حوله باختلاف بيئاتهم وأعمارهم وميولاتهم وأطباعهم؛ لتعرف أن الشريعة لم تأت لإلغاء بشرية البشر، أو جعلهم نسخة واحدة ممّا هو شاق على الأنفس، بل يستحيل.

نحن في تعاملنا مع النّاس وتوقعاتنا منهم -خصيصًا من يسلك طريق الاستقامة- نبالغ في نظرتنا المثالية التي قد تكون أحيانًا كثيرة فتنة لهم؛ فنتوقع منهم أن يصبحوا شيوخًا في شهرين. وأعجب من هذا تضييق دائرة المباح عليهم، والتوقع أن يتورعوا عن كل شيء بكل سهولة. والأدهى هي محاولة سلخهم من نفوسهم وإلباسهم نفوسًا جديدة نظن أن هذا ما يجب أن يكون عليه الإنسان السائر إلى ربه؛ وكل هذا خطأ.

في هذا المقال أتحدث -ما يقدّر الله لي- عن هذه المدرسة النبوية، وعن القرآن وكيف تعامل مع اختلاف النفوس البشرية. والله الموفق.

منهج التدرج

عن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: “إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ، نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا”(2)

إن ممّا أُرسل به نبينا -عليه الصلاة والسلام- هي التزكية ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة:151]. والتزكية هي تخلية القلب ممّا يشوبه ويملأه من الشرك بأنواعه، ومن المعاصي وحب الدنيا، وتحلية القلب بمعرفة الله ولذة عبادته. ومن يصل لأعلى مراحل التزكية بفضل الله وتوفيقه يذق حلاوة الإيمان التي ذكرها نبينا. ولربما وفقه الله لوصوله لمرحلة الإحسان لصعوده في منازل معرفة الله وحبه. وهذا لا يأتي في يوم وليلة؛ فالصحابة -رضوان الله عليهم- من قادوا الأمة وكانوا مثلًا للرجال الصالحين الذين إن اطلعت على سيرتهم عجبت كيف لبشر غير نبي أن يصل لهذه المنزلة من الإخبات والخشية والمحبة لله؛ كيف لهم أن يرموا الحياة بزينتها وراءهم ويركضوا إلى الموت ركضًا؟ كما قال خالد بن الوليد -رضي الله عنه-: “جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة”.

الإجابة هي: اليقين. لكن هذا اليقين الذي أمدهم بالقوة لم يأت بيوم وليلة، بل قضى النبيّ ثلاث سنين في السر يربي هذه الثلة ويعلمهم الإيمان. ثم بعدها عشر سنين وما يزال يربيهم على ذلك وقد تعرضوا لمحن وإنكال حتى وصلوا إلى هذا الإيمان. وبعدها جاءت الهجرة إلى المدينة وجاءت الغزوات ورأيت بعين الحقيقة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207].

وقد قال خبيب -رضي الله عنه-:

وقد خَيَّرُوني الكُفرَ والموتَ دُونَه … وقدْ هَمَلَتْ عَيْنايَ من غَيرِ مَجزَعِ

وما بي حَذارُ الموتِ، إني لميّتٌ … ولكنْ حَذاري جُحْمُ نارٍ مُلَفَّعِ

فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِمًا .. على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي

ولستُ بمُبدٍ للعدو تخشُّعًا … ولا جزَعًا، إنّي إلى الله مَرجِعي

ولا يخفى عليكم كيف أن الأحكام جاءت بالتدريج، حتى الصلاة قبل المعراج لم تكن 5 صلوات، حتى الصيام أول ما فرض كان اختياريًا إما الصيام وإمّا فدية. والخمر والميسر وغيرهما كثير ممّا حرم بالتدريج. فقد ذكر الله أضرارها أولًا لتنفر النفوس منه، ثم يأتي التحريم القاطع؛ فلا يجدون في صدورهم حاجة ويقولون “سمعنا وأطعنا”!

فمنهج التدرج منهج إسلامي أصيل. فما أعجب إلّا لمن يرى أخاه يمشي عرجًا في طريق الله فينهره ويزجره، ويقول له: لمَ لا تسير صحيحًا؟ وينسى أن أخاه يحاول ويخوض جهاده في الحياة، وهو تزكية وإصلاح نفسه. ما يجب علينا هو أن نأخذ بأيدي الناس وننير لهم السبيل، ونترك القرآن يزكّي نفوسهم ويزيدهم إيمانًا. وبقدر زيادتهم سترى بنفسك كيف سيتركون أشياء كثيرة لله، كيف سيفعلون أشياء كانوا يخشون الإقدام عليها لله.

ما أود إيصاله ليس ألا ننصح ونبين، أو نداهن في دين الله قطعًا لا! إنّما نبين وندل وننصح، لكن نراعي النفوس البشرية. نراعي التدرج وننظر إليهم كبشر لا ملائكة، بشر معرضين للنقص والتقصير مهما وصلوا. أما النظرة الملائكية فتزيد هم الشخص وربما رأى نفسه منافقًا وانتكس. فالشيطان يدخل من كل هذه المداخل.

{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:102].

تعظيم العظيم وتحقير الحقير في النفوس

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ. [وفي رواية]: وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقالَ: ألَا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ”.(3)

قال الطريفي: “النفس قد تفعل خطأ جسيمًا وعظيمًا، ثم تعاقب عليه ولا تجد في نفسها من الأعراض القوية ما يحرّف طبعها. ولكنها لو أنها فعلت شيئًا تراه حقيرًا ثم عوقبت عليه، نزل بها من الأعراض ما تضطرب به، وربما يغلب طبعها فيحرفه، فليست مجرد العقوبة هي التي حرفت النفس؛ وإنما كان الانحراف لاعتبارين: …

الثاني: مقدار العقوبة، ومناسبتها لما ارتكبه الإنسان من خطأ؛ فإن النفس إن وقعت في خطأ هو عندها كبير يستحق العقوبة، فإن أعراض العقوبة لا تؤثر في طبع النفس غالبًا، لقناعة النفس بعظم جرمها، فإن ذلك يخفف شدة العرض على النفس، ويحول بينه وبين تأثيره فيها.

والتعريف بمقادير المحرمات والأخطاء، وتعظيم العظيم، وتصغير الصغير، وتحقير الحقير دافع لتوطين النفوس على تهيب الكبائر والموبقات وجلالة خطرها، بحيث لو فعلها لكان في نفسه داعٍ إلى استحقاق العقوبة عليها، مما يخفف أثر ذلك العرض”.(4)

وكما وضح في كتابه، فهذا ممّا راعته الشريعة في النفوس البشرية بأن تقر في نفوسهم عظم الشيء سواء كان مما له عقوبة في الدنيا أو ممّا كان لا يُعلم في الدنيا، ولكن عقوبته في الآخرة شديدة.

وفي القرآن كثير من المثال الثاني، فمن تتبع آيات الله وجد أنها تخاطب الإيمان والنفوس بالترغيب والترهيب، كمثال واحد آية الطلاق في سورة البقرة: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].

“حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: “ولا تمسكوهن ضرارًا”، هو الرجل يطلق امرأته واحدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ليضارها بذلك، لتختلع منه.”(5)

فانظر كيف نهاهم الله عن ظلمهم النساء بتركهن معلقات اعتداءً وظلمًا، ثم ذكرهم بألا يأخذوا آيات الله هزوًا؛ أي يمروا عليها كأن لم يسمعوها ويظلموا، ثم يمن عليهم ويذكرهم بنعمته عليهم بهدايتهم وإنزال الكتاب والحكمة، وأن شكرهم لهذه النعمة هو باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ثم تختم بأن الله عليم بكل شيء لا يخفى عليه مثقال ذرة.

وكذلك في حجة الوداع نرى خطبة النبي تتبع هذا الأسلوب:

“أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقالَ: ألَا تَدْرُونَ أيُّ يَومٍ هذا قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: حتَّى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيهِ بغيرِ اسْمِهِ، فَقالَ: أليسَ بيَومِ النَّحْرِ قُلْنَا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أيُّ بَلَدٍ هذا، أليسَتْ بالبَلْدَةِ الحَرَامِ قُلْنَا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فإنَّ دِمَاءَكُمْ، وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، وأَبْشَارَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألَا هلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّه رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَن هو أوْعَى له فَكانَ كَذلكَ”.(6)

فقد ذكرهم النبيّ -عليه الصلاة والسلام- بحرمة هذا اليوم والشهر والبلد، وأردف بأن أموالهم ودماءهم لا تقل حرمة عن ذلك كله. وهذا ممّا يثبت في النفس أكثر مما لو اكتفى بقول إن دماءكم وأموالكم حرام، وأيضًا من استغلال المكان والوقت، وهذا منهج نبوي أصيل.

وفي تحقير الحقير، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك مع من حوله، في كل وقت وبكل الطرق التي تجعله يؤثر فيهم. فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: “إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّ بالسوقِ داخلًا من بعضِ العاليةِ فمرَّ بجَديٍ أَسَكٍّ ميتٍ فتناوله فأخذ بأُذُنِه. ثم قال: أيكم يحبُّ هذا له بدرهمٍ؟ فقالوا ما نحبُّ أنه لنا بشيءٍ وما نصنعُ به قال أتحبّون أنه لكم قالوا لا قال ذلك لهم ثلاثًا فقالوا لا واللهِ لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه أنه أَسَكٌّ (والأسَكُّ الذي ليس له أُذُنانِ) فكيف وهو ميتٌ قال فواللهِ، لَلدُّنيا أهونُ على اللهِ من هذا عليكم”.(7)

وعن المستورد بن شداد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “واللَّهِ ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هذِه -وأَشارَ يَحْيَى بالسَّبَّابَةِ- في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟”(8)

بهذا كله تبنى نفوس سوية تسمو إلى الآخرة، نفوس ترى كل شيء بميزان الشريعة.

ثم إن الشريعة راعت ضعف الإنسان وغلبة نفسه عليه؛ ذلك الإنسان الذي حتى إن حاز العلم والإيمان فلن يكون معصومًا. لذلك تجد الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:32].

ولم يقل “لا تزنوا”؛ ففرض الحجاب وغض البصر للجنسين، وشدد على حرمة الاختلاط لغير حاجة حتى في أطهر البقاع وهي المسجد، ومنع التعطر والخلوة ليحفظ الإنسان من هذا الطريق وليحفظ المجتمع من الفساد.

ومن مراعاته لضعف الإنسان وغلبة عاطفته عليه منع شهادة ذوي القربى للإنسان، ولو كان عدلًا، لكيلا تميل نفسه وتضعف فيشهد زورًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ وَشَهَادَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ لَا تُقْبَلُ”.(9) ومرة أخرى كل التشريعات لتحفظ الإنسان عن ظلمه لنفسه ولتحفظ المجتمع حوله.

ثم إنّ الله -تبارك وتعالى- لم يضع عقوبات دنيوية لكل شيء مراعاة لنقص الإنسان وطبعه الخطاء؛ فإن عوقب على كل شيء سيحدث تأثيرًا عكسيًا. وكما قال الطريفي: “أعظم ما يظهر النفاق: العقوبة على كل خطأ، والثواب على كل صواب”.(10)

بين العفو والقصاص

الشريعة

تتبين ملامح مراعاة الشريعة لفرق النفوس في مسألة العفو والقصاص؛ فقد حثت الشريعة على العفو وجعلت أجر العافي على الله وهو أجر غير ممنون. وهو أكبر من قصاص المظلوم ممن ظلمه. ومع ذلك فقد راعت أنّه شيء لا يقدر عليه كل النّاس لأسباب كثيرة، فلم تجرّم أو تشنع على المقتص ممن ظلمه، بل جعلته حقًا محفوظًا على عكس ما يفعله بعض النّاس في جعل المظلوم وكأنه ظالم إن اقتص لحقه.

قال الله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء 148]. وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:40-43].

فانظر في جمال الخطاب القرآني، وكيف راعى كل النفوس دون أن يشنع على أحد إلا الظالم! فقد أقر بالاقتصاص وحق الإنسان له، ولكنه ذكر أجر العفو ترغيبًا به للمحسنين ثم ختم بأن أولي العزم هم من يصبرون ويغفرون.

تأملت كثيرًا في هذا الموضوع، لم العفو عند المقدرة من أعالي الأمور؟ ولم صعب على الإنسان أن يعفو وإن كان يعلم أن رصيد حسناته سيزيد إن عفا عكس إن اقتص؟ فإن اقتص في الدنيا لم يزده في الآخرة شيئًا، وإن اقتص في الآخرة سيأخذ من حسنات الظالم. ولربما عذب هذا الظالم في النار لنقصان حسناته، وفي كلتا الحالتين سيحصل المظلوم أجرًا، ولكن أجر العفو أكبر ودون أن يدخل الظالم النار. وبكل يسر ذلك لأن طبع الإنسان إن احترق قلبه بظلم فسيودّ رؤية ظالمه يذوق ثمن أفعاله حتى يشفي غليل صدره، أما العافون عن النّاس فهم أناس زهدوا بنفسهم ويرون كل شيء بعين الآخرة فلا يهمهم ماذا يصيبهم في الدنيا إن نظروا إلى جزيل أجرهم في الآخرة. ولذلك أفهم كلمة الإمام أحمد بن حنبل حين قال:

وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم بسببك.

ومن يعرف الإمام يعلم أن فحوى كلامه ليس جعل المظلوم ظالمًا أو التشنيع عليه إن أخذ حقه؛ بل هي نظرة شخص قد ترقى في سلالم الإيمان وزهد في نفسه فأصبح يعز عليه أن يعذب موحدٌ وهو قادر على العفو عنه، وسيكسب كذلك إن عفا. ألم يقل الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:34-35].

الحدود وحفظ كرامة الإنسان

الشريعة

شرعت الحدود الشرعية لحفظ المجتمع من الفساد بأنواعه. وإن تأملنا بما فرضت عليه الحدود وجدنا أغلبها تتعلق بتعدٍ على الآخرين. ومعلوم بالضرورة صعوبة تطبيقها ودرء الحدود بالشبهات؛ فلا تطبق إلا على مجاهر. ومع ذلك يعود الإنسان لعيشه بطبيعية في المجتمع بعد إقامة الحد وتوبته ويجرّم من يتعدى عليه. وقد ربى النبي -عليه الصلاة والسلام- أصحابه على هذا المعنى؛ فهذا شاعر النبي حسّان بن ثابت -رضي الله عنه-، كان من المؤمنين الذين غروا بكلام المنافقين في حادثة الإفك، وتكلّم بالإفك فأقيم عليه الحد، ثم عاد بين المجتمع المسلم وكأن شيئًا لم يكن. والنبيّ -عليه الصلاة والسلام- من أوذي في زوجته بالإفك لم يغير تعامله. وفي فتح مكة بعد سنوات دخل النبي مكة من المكان الذي ذكره حسّان في شعره إكراماً له.

عن ابن عمر قال: “لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر وقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان؟”. فأنشده أبو بكر رضي الله عنه:

عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء

ينازعن الأعنة مسرجات * تلطمهن بالخمر النساء

فقال رسول الله ﷺ: «ادخلوها من حيث قال حسان»”.(11)

وفي هذه التصرفات العملية من قائد الأمة تقر في النفوس تلك المعاني أكثر من مجرد الحديث.

وها هو صحابي ابتلي بحب الخمر فأصابه، وأقيم عليه الحد أكثر من مرة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “إنَّ رَجُلًا علَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وكانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وكانَ يُضْحِكُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ جَلَدَهُ في الشَّرَابِ، فَأُتِيَ به يَوْمًا فأمَرَ به فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العنْه، ما أكْثَرَ ما يُؤْتَى بهِ؟ فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ إنَّه يُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ”.(12)

“ما علمت إنه يحب الله ورسوله” وجب أن تكون شعارًا في تعاملنا مع إخواننا المسلمين المخطئين! فها هو النبي لم يداهن في حدود الله، بل كان حازمًا. ولكنه يزرع في نفوسهم أن بني آدم خطّاء، وأنه قد تغلبه نفسه فيعاود الذنب لكن قلبه ما يزال ممتلئًا بحب الله ورسوله. إنه يجاهد وكلنا مجاهد في هذه الحياة، يعلمّهم ويعلمنا أن التائب كمن لا ذنب له، أقيم عليه حد الله ثم انتهى! إنه أخوكم، لا لعن، ولا سباب، ولا تعيير، ولا لمز. يعلم أن لا أحد منكم خال من الذنوب، لذلك لنترفق ببعضنا ولا نكن أعوان الشياطين على إخواننا!

بربك أخبرني الآن.. إن رأيت رجلًا قد أصاب كبيرة وكشف الله ستره، ثم رأيته يقول إنه يحب الله ورسوله، يعمل للإسلام ويغار عليه، ألن يكون أول ما تفكر به عبارات مثل: استشراف، الله يقوي إيمانه باستهزاء، ونظرة احتقار؟! وكأن من أذنب يجب عليه أن ينسلخ من دينه ويذهب لعبادة هواه. هذه نظرة البشر لكن الله تعالى يخبرنا: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:102]. نعم إن عامل الكبيرة فاسق، لكنه ليس عديم الإيمان. ثم إنه إن تاب وحسنت توبته فهو كمن لا ذنب له ولا يسمى فاسقًا. هذه هي رحمة الشريعة، وهذه هي مراعاتها للنفس البشرية وحفظ كرامتها في المجتمع.

ساعة وساعة

الشريعة

“إن حَنْظَلةَ الأُسَيْديَّ -وكان مِن كُتَّابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قال: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقالَ: كيفَ أَنْتَ يا حَنْظَلَةُ؟ قالَ: قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قالَ: سُبْحَانَ اللهِ! ما تَقُولُ؟ قالَ: قُلتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هذا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حتَّى دَخَلْنَا علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَما ذَاكَ؟ قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، إنْ لَوْ تَدُومُوا علَى ما تَكُونُونَ عِندِي وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ”.(13)

للإنسان طبيعة أرضية كخلقه من طين، ليس مخلوقًا من نور كالملائكة الذين لا يفترون عن عبادة ربهم ولا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون إلخ. فالإنسان بطبعه تجده ساعة نشيطًا ومتوقد الهمّة، ثم تجده خاملًا فاترًا قد أصابه الملل؛ لذلك كانت دائرة المباح واسعة ونُهي عن التشدد في العبادة لئلا يمل الإنسان وينقطع بالمرة. في الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت:

إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ.(14)

ومن يسر الشريعة أنها راعت هذا النقص وطمع الإنسان في بلوغ جبال العبادة، فجعلت له المقدرة على أن يحول عاداته الضرورية كالنوم والأكل والشرب إلى عبادات، فقط إن نوى بها وجه الله والتقوّي على عبادته! وقس عليها كل مباح، فالمقياس هو القلب.

أما الرهبانية ابتدعها النصارى ابتغاء مرضات الله. فما رعوها حق رعايتها لأنها مخالفة لفطرة الإنسان، ولا رهبانية في الإسلام، فالنبي يتزوج النساء ويفطر ويصوم. وقد قال: “من رغب عن سنتي فليس منّي”.(15)

ومن المراعاة في هذا الجانب أن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يتخوّل أصحابه بالموعظة، أي يذكرهم بين الفينة والفينة خشية أن يملّوا فلا يكون للموعظة وقع في قلوبهم. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ في الأيَّامِ، كَراهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنا”.(16)

أوبعد هذا كله نرى أناسًا ينكرون على الناس المباحات وكأنهم قد اقترفوا حدودًا؟ ما أعجب إلا أنّي أرى أقوامًا يظنون أن الاستمساك بالدين يعني أن تكون طوال يومك لا تتحدث إلا به، ولا تقرأ سوى الكتب الدينية، ولا تمارس هواياتك ولا حتّى تعبر عن خلجات صدرك! .. هم جرّدوا الإنسان من إنسانيته، ولكن الله سبحانه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28].

من دخل دار أبي سفيان فهو آمن

الشريعة

ها نحن ذا في الفتح العظيم، فتح مكة ومن منّا لا يعرف فتح مكة؟ هنا النبي -صلوات الله وسلامه عليه- يعلنها ويقول:

من دخلَ دارَ أبي سفيانَ فَهوَ آمِنٌ، ومن أغلقَ علَيهِ دارَهُ فَهوَ آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فَهوَ آمنٌ.

حسنًا لحظة .. إن فكرنا بالأمر فما الذي يتسع له بيت أبي سفيان -رضي الله عنه-؟ وكل من دخل بيته وأغلق بابه سيكون آمنًا، مع ذلك خصّ النبي بيته بالذكر؟ نعم إنه فقه النفوس مرة أخرى؛ فأبو سفيان هو سيد قريش، وأكابر القوم لا بد من تأليف قلوبهم وإعطائهم مكانتهم. فالجواب في نص الحديث: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: “إن رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عامَ الفتحِ جاءَهُ العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلبِ بأبي سفيانَ بنِ حربٍ فأسلمَ بمرِّ الظَّهرانِ فقالَ لَهُ العبَّاسُ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يُحبُّ هذا الفخرِ، فلو جعلتَ لَهُ شيئًا قالَ: نعَم مَن دخلَ دارَ أبي سفيانَ فَهوَ آمنٌ، ومَن أغلقَ علَيهِ بابَهُ فَهوَ آمنٌ”.(17)

ولم يكن هذا قاصرًا على أبي سفيان، بل من قبله ضمن إكرام مكانة سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وأسيد الخضري فكان يكرمهم لمكانتهم. قد جاء الإسلام وجعل الناس سواسية في التكليف ولا يتفاضلون إلا بالتقوى، لكنه أعطى الشريف مكانته وهذبه أيما تهذيب.

وقد وزع النبّي غنائم حنين على حديثي الإسلام بعد فتح مكة، خصوصًا كبارهم. حتى قيل “محمد يعطي عطاء من لا يخشى الفقر”. وهذا من تأليف القلوب، ومن المعلوم أن من مصارف الزكاة أيضًا المؤلفة قلوبهم؛ ومنهم كبار القوم الذين يرجى إسلامهم أو كف شرهم أو الحفاظ على إيمانهم، وليس شرطًا أن يكونوا كبار القوم فقط. وحتى هذا التشريع يخاطب شيئًا في النفس؛ فطبع الإنسان يستحي ويميل لمن يغدقه بالعطاء ماديًا كان أم معنويًا. ومن العطاء المقابلة بالحسنى كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:34].

ويا سبحان الله! الآن إذا كنت تريد أن تحدث شخصًا وتريد مثلًا أن يقتنع بكلامك وأن يعطيك فرصة؛ كثير من البشر لن يعطيك هذه الفرصة إلا إذا أحبك أولًا ومال قلبه إليك ثم يجلس ليسمع؛ وهذا هو تأليف القلوب. فنحن مأمورون بمعاملة الكفار غير المحاربين بالحسنى، لأنهم إذا رأوا هذه الأخلاق سيجذبون لما وراءها وسيلقون جوارحهم لسماع ما تريد أن توصله لهم. وقد يكون سبب إسلامهم وبهذا تكون سببًا في إنقاذهم من النار وهذا منتهى الرحمة! فنبينا -عليه الصلاة والسلام- يعلم التنوع في أساليب الدعوة؛ فكما السيف أسلوب لمنع الطغاة من منع الناس للهداية، كذلك العطاء غير الممنون أسلوب مطلوب. ومن عطائه في فتح مكة أيضًا هو عفوه عنهم وقولهم “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. كل هذه الأفعال تودع في سليم القلب الخجل من نفسه وترك استكباره إن كان فيه.

وفي المقابل وبعد توزيع غنائم حنين -وفي غزوة حنين لم يثبت مع النبي إلا المهاجرون والأنصار- لم يعطِ النبي الأنصار شيئًا! فما الذي دار في خلدهم وكيف تعامل نبينا مع الموقف؟

وكلتكم إلى إيمانكم

الشريعة

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: “لمَّا أصابَ رسولُ اللهِ الغنائمَ يَومَ حُنَينٍ، وقسمَ للمُتألَّفينَ مِن قُرَيشٍ وسائرِ العربِ ما قسمَ، ولَم يكُن في الأنصارِ شيءٌ مِنها، قليلٌ ولا كثيرٌ، وجدَ هذا الحَيُّ مِن الأنصارِ في أنفسِهِم حتَّى قال قائلُهُم: لَقيَ -واللهِ- رسولُ اللهِ قَومَهُ. فمشَى سعدُ بنُ عُبادةَ إلى رسولِ اللهِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا الحَيَّ مِن الأنصارِ وَجدوا علَيكَ في أنفسِهِم؟ قالَ: فيمَ؟ قالَ: فيما كانَ مِن قَسمِكَ هذهِ الغنائمِ في قَومِكَ وفي سائرِ العربِ، ولَم يكُن فيهِم مِن ذلكَ شيءٌ… فخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقامَ فيهِم خطيبًا فحمِدَ اللهَ وأثنَى علَيهِ بما هوَ أهلُهُ، ثمَّ قالَ: يا معشرَ الأنصارِ ألَم آتِكُم ضُلَّالًا فهداكُم اللهُ، وعالةً فأغناكُم اللهُ، وأعداءً فألَّفَ اللهُ بينَ قلوبِكُم؟ قالوا: بلَى! قالَ رسولُ اللهِ: ألا تجيبونَ يا معشرَ الأنصارِ؟ قالوا: وما نقولُ يا رسولَ اللهِ وبماذا نُجيبُكَ؟ المَنُّ للهِ ورسولِهِ. قالَ: واللهِ لَو شِئتُم لقُلتُم فصدَقتُم وصُدِّقتُم: جئتَنا طريدًا فآوَيناكَ، وعائلًا فآسَيناكَ، وخائفًا فأمَّنَّاكَ، ومَخذولًا فنصَرناكَ .. فقالوا: المَّنُ للهِ ورسولِهِ. فقال: أوَجَدتُم في نُفوسِكُم يا مَعشرَ الأنصارِ في لُعاعَةٍ مِن الدُّنيا تألَّفتُ بِها قَومًا أسلَموا، ووَكَلتُكُم إلى ما قسمَ اللهُ لكُم مِن الإسلامِ! أفَلا تَرضَونَ يا مَعشرَ الأنصارِ أن يذهبَ النَّاسُ إلى رِحالِهِم بالشَّاءِ والبَعيرِ وتذهَبونَ برسولِ اللهِ إلى رِحالِكُم؟ فَوَالَّذي نَفسي بيدِهِ، لَو أنَّ النَّاسَ سَلَكوا شِعبًا وسَلَكتِ الأنصارُ شِعبًا، لسَلَكتُ شِعبَ الأنصارِ، ولَولا الهجرةُ لكُنتُ امْرَأً مِن الأنصارِ. اللَّهمَّ ارحَمْ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنصارِ. فبكَى القَومُ حتَّى أخضَلوا لِحاهُم. وقالوا: رَضينا باللهِ رَبًّا، ورسولِهِ قسمًا، ثمَّ انصرفَ وتفرَقوا”.(18)

فانظر وتأمل الحديث مرة ومرتين وثلاث .. كان إيمان الأنصار قويًا، وكان حبهم لله وللنبي يفوق كل حب للدنيا -وهذا ممّا أثبته القرآن له فقد وصفهم بأنه يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة!-؛ غير أن هذا كله لا ينفي الطباع البشرية التي ستشعر بشيء في نفسها إن رأت أنها هي التي ثبتت مع النبي ثم يجزل العطاء لغيرهم، ناهيك أنهم كانوا خائفين منذ فتح مكة ألا يعود معهم للمدينة! كل تلك المشاعر كانت تحتاج من يحتويها ويبيّن لها حقيقة الأمر. وهذه كلمات النبي تأملوها وانظروا كيف أزاحت كل ما شاب نفوسهم! كيف ذكرّهم بفضلهم عليه، كيف وضح لهم أنه واثق بإيمانهم وأولئك قوم حديثو الإيمان، كيف عظّم من شأنهم وأخرج ما في قلبه من مشاعر لهم، وكيف ذكر لهم بلطف أنه سيعود معهم وهو يعلم أنّه أثمن ما يريدون!

ومن هنا نتعلم جبر الخواطر، ونتعلم أنّه مهما كنا واثقين من أناس إلا أنهم أحيانًا بحاجة إلى أن نذكرهم بما نحمله لهم، وبما نراه فيهم؛ ونبيّن لهم ما قد يلوك في قلوبهم حتّى لا يكون مدخلًا للشيطان.

التنوع يعني التكامل

اختلاف النفوس من سنن الله في الحياة، وتبعًا لذلك اختلفت ميولاتهم وقدراتهم. والإسلام استفاد من هذا التنوع لبناء أمة سليمة قوية، فكل شخص يصرف في مصارفه التي يليق بها. إن تأملنا في أصحاب النبي رضوان الله عليهم؛ وجدنا من هم رقيقو القلوب ومن هم أشداؤه، وجدنا من برزوا في القيادة وشدة البأس في القتال، ومن برزوا في العلم والقرآن. ولم ينكر النبيّ على أحدهم مع تنوع طباعهم.

حتى إن هنالك من هم ضعاف الطبع لا يقدرون على تحمل مسؤولية الإمارة؛ كما في حديث النبي لأبي ذر -رضي الله عنه- لمّا قال له: “يا أبا ذرٍّ إنِّي أراكَ ضعيفًا، وإنِّي أحبُّ لَكَ ما أحبُّ لنَفسي فلا تأَمَّرنَّ على اثنينِ ولا تَولَّينَّ مالَ يتيمٍ”. إنها ليست إساءة بالطبع ولا إنكارًا عليه إنما من فقه النبي -صلوات الله وسلامه عليه- ونصحه. فلم يأت الإسلام ليجعل الكل على صورة واحدة يجب أن يكون جميع المسلمين على شاكلتها؛ بل جاء يراعي كل نفس ويستثمر ميزاتها في مكانها الصحيح.

الختام

قال ابن حزم -رحمه الله-: إنّ من عيوبه كثرة مزاحه وحبّه للدعابة. ثم أردف أنّه هذّب هذه الصفة بأن صار يجتنب ما يعلم أنّه يغضب من يُمازحه، ولم يتخلّ عن طبعه هذا بالكلية فقد كان يرى أن تركه انغلاق. وأنّا أتذكر نبينا الحبيب -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، حوله أصحابه باختلاف طبائعهم؛ فمنهم من هو كثير الدعابة مرح الروح، ومنهم الهادئ ومنهم القيادي، منهم من هو رقيق الطبع، ومنهم من هو شديده. وعلى ذلك إن أنت تأملت كيف عاملهم النبّي علمت أنّه لم يغير طبع أحدٍ، إنمّا كان يهذبه لا يقتلعه ويميته! وشتان بينهما. وكان يجيد تصريفها لمصارفها الحقّة، لا كبتها.

فهذا جليبيب -رضي الله عنه- كان رجلًا مَزُوحًا كثير الدعابة. وهذا أبو بكر -رضي الله عنه- تغلبه طبيعته الرؤوفة في أسارى بدر، وهذا عمر -رضي الله عنه- تغلبه شدته؛ ولم ينكر على أحدهما مع أنّه مال لرأي أبي بكر! وعجبي كل العجب أنّي أرى قومنا يرسمون صورة ويودّون لو شُكّل الناس جميعًا على شاكلتها!

ما يزال هنالك العشرات من المواقف التي لم أذكرها، وودت لو فعلت؛ لكن أرجو أنّي استطعت بمحاولتي اليسيرة هذه إيصال الفكرة، فكرة رحمة الله بنا، وألا نطلب من البشر أن يخلعوا طباعهم ويستبدلوها بجديدة لأنه شاق ويكاد يستحيل، فكرة أن يكون لدينا فقه للنفوس ونعلم أين نستطيع خدمة الإسلام وكيف دون أن نرسم طريقًا واحدًا. إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

572

المصادر
الكاتب

أمجاد عوده

خريجة إدارة، قارئة ومُهتمة بالعلوم الشرعية والفكرية، تسعى لأن تكون ذات أثرٍ لأمّتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.