وفي حديث الإمام النووي عن الحب نجد رقَّة سائلة تُلين القلب من آيات وأحاديث صاغهما في بابَيْن باب باسم “باب فضل الحب في الله والحثّ عليه، وإعلام الرجُل مَن يحبُّه أنَّه يُحبُّه، وماذا يقول له إذا أعلمه”. ثمَّ ألحقه ببابٍ آخر يرتبط به بنوع ارتباط النتيجة بالسبب؛ هو “باب علامات حبّ الله تعالى العبدَ، والحثّ على التخلُّق بها والسعي في تحصيلها”. وسأضمُّهما معًا في حديث واحد لتكتمل رؤية المحبَّة في الإسلام.

ما هو الحب؟

الحب

الحب هو شعور في النفس، ينشأ عن انسجام واتفاق نفس الإنسان مع مَن يحبّ أو ما يحبُّ، ويكون من جانب طرف واحد دون مُبادلة، أو بين طرفَيْن فأكثر. وهذا الشعور يدعو هذا الإنسان إلى قبول الآخر المَحبوب والارتباط به والتعلُّق بصُحبته وبذل الجهد من أجله. إلى هنا نجد كفايتنا في تعريف الحب من نظري.

ويبدو هُنا ضروريًّا أنْ ننبه إلى خطأ هذا الارتباط في نظر العموم من الناس بين الحب وعلاقة الرجُل بالمرأة؛ فالإنسان -الذي هو محلّ الشعور- يبذل شعور الحب لأشياء عديدة ولأشخاص عديدين حتى من حيث لا ينتبه. بل الإنسان في أوقات كثيرة يألف الشيء ويحبُّه حتى لو كان كارهًا له ويصنع هذا الشعورَ في الغالب عنصرُ “الاعتياد”، فاعتياد الإنسان على ثبات الصورة يدعوه إلى شعور الانزعاج إذا تغيَّرتْ. ولهذا مثلاً نجد أناسًا كُثُرًا لمْ يكونوا راضين عن تغيير بعض المُستبدِّين رغم تضرُّرهم منهم، وهذا العُنصر يعتمد عليه المُستبدُّون كثيرًا في تثبيت سلطانهم.

ماذا تعني كلمة “الحب في الله”؟

الحب في الإسلام نوعان: نوع مطلوب مُقرَّب، وآخر مُبعَد. والأوَّل هو الحب في الله، والآخر هو حبّ الذوات دون تقدير لله في هذا الحب. وإذا كان المطلوب من المُسلم الحب في الله؛ فما هو الحب في الله؟ وكيف تحبُّ أحدًا حبًّا في الله؟ .. المقصود بالحبّ في الله هو:

  1. أنْ تتحلَّى بالنيَّة -أيْ بالتوجُّه لله في فعلك- في محبَّتك لغيرك كأساس مبدئيّ.
  2. وأنْ تجعل سياق المحبَّة مرتبطًا بالأغراض التي فرضها الله -والتي منها إشاعة محبَّة المُؤمنين بينهم-.
  3. وأنْ تلتزم بما يُمليه عليك الإسلام من ضوابط وتوجيهات عموميَّة في سلوكيَّات المحبَّة تلك.

ولعلَّك ترى أنَّ كلَّ هذه الأوصاف تُخصِّص المحبَّة، أيْ تخرجها من “محبَّة في المُطلَق” إلى “محبَّة في الله”.

ولأنَّ المحبَّة التي هذه صفاتها هي المحبَّة المطلوبة لذلك نجد النصوص الشرعيَّة تذكرها وتوجِّهنا إليه. ومنها الحديث الشهير الذي ذكره النووي في الباب الأوَّل، يقول فيه الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-:

سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله -عزَّ وجلَّ-، ورجُلٌ قلبُه مُعلَّق بالمساجد، ورجُلانِ تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجُلٌ دعتْه امرأة ذات حُسن وجمال فقال: إنِّي أخاف الله، ورجُلٌ تصدَّق بصدَقَة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما أنفقت يمينه، ورجُلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.

ولا تتعلَّق المحبَّة بالرَّجُلين اللَّذَيْنِ تحابَّا -كما يشيع عند كثير من الدعاة-، بل كلُّ السبعة أنواع في حبّ الله. فطاعة الله محبَّة، ومخافة الله محبَّة، بل ليس أصدق في باب المحبَّة يا عبد الله من أنْ تستشعر الله في كلّ أمرك، وترقبه في كلّ فعلك، وتحسب حسابه في كلّ قولك.

لماذا يجب أنْ تكون محبَّتي محبَّةً في الله؟

وهنا قد يطرأ لك سؤال: لماذا أفعل كلّ شيء تحت مظلَّة “محبَّة الله”؟ ولماذا يجب أنْ يكون حُبِّي للآخرين حبًّا في الله؟ .. والسبب أنَّ الحب هو مُسبِّب للتعلُّق والشَّغَف، وهو من أنواع “الولاء” الرُّوحيّ والشعوريّ، بل هو تعبير عن ولاء عظيم للشيء أو الشخص. ولهذا تجد الأمّ تهلك نفسها لأبنائها الذين تحبُّهم، ولهذا تجد الشخص يفعل الحرام لشيء أو لشخص يحبُّه لأنَّ هذا الشخص أو الشيء قد امتلك ولاءه.

وكمْ سمعنا عن شخص أضاع كلّ ما يملك لمُخدرات تعلَّق بها، أو لامرأة شُغف بها حبًّا، وعلى النقيض نعرف جميعًا أنَّ كثيرًا من الصحابة الكرام تركوا كلَّ ما يملكون وراءهم وهاجروا إلى المدينة، وأنفقوا كلَّ ما في جعبتهم حتى آخر درهم. فلماذا بذل كلُّ واحد من هذه النماذج ما لديه؟ لشغفه بالشيء أو الفكرة أو الشخص، ولتعلُّقه بها الذي صنع علاقة “ولاء” بينه وبينها سهَّلتْ له أنْ يفعل أيّ شيء في سبيلها.

فالحبُّ هو إقرار بالولاء. والولاء لازم من لوازم العبادة، ولا عبادة لأحد في الإسلام إلا لله وحده لا شريك له. وعليه لا ولاء لأحد في الإسلام إلا لله وحده لا شريك له، وعليه يجب أن تكون محبَّتك محبَّة في الله وهي بذلك من كمال إيمانك به. وأرجو أنْ يكون هذا الأمر واضحًا؛ فكما ترى الأمور منطقيَّة تمامًا ومتسلسلة في رباط فكريّ وليست متاهات كما في غير الإسلام.

كما بجوار السبب الأوَّل -وهو السبب الرئيس والحقيقيّ- أسباب أخرى. أهمُّها أنَّ محبَّة الآخرين -أو الأشياء- في الله تضع لك ضوابط في تعامُلك مع هؤلاء الآخرين؛ فأوَّلاً هذه المحبَّة في الله سترشِّد محبَّتك للباطل والحرام، وهو أمر ممكن أنْ يُصاب به أيّ شخص لكنَّ هذا الضابط سيعمل على منع ذلك. وثانيًا سيُحدِّد هذا الإطارُ الإلهيُّ للمحبَّة سلوكيَّاتِنا في محبَّتنا للغير. هذه بعض الحِكَم من فكرة “الحب في الله”.

لا أستطيع أنْ أحبَّ الله ورسوله فماذا أفعل؟

هذا السؤال من أشدّ الأسئلة ظهورًا في الجانب الدَّعويّ، فالمؤمن الصالح يسمع عن حبّ الله ورسوله، وضرورة هذا الحب. وفي الوقت نفسه لا يعرف كيف يحبّ الله أو يجد نفسه خاليةً من هذا الحب الذي يدعوه إليه الداعي. وهنا نتذكَّر أنَّنا بحاجة لفكّ الارتباط السابق بين مفهوم “الحب” ومفهوم “العِشق” -الذي في الغالب صبَّتْه لنا الأفلام والروايات في قالب علاقة الرجل والمرأة-. فالمعنى الحقيقيّ وراء الحب هو استشعار الله، أيْ بذل الشعور له، ومُراقبته في كلّ فعلك، والمودَّة الصادقة من أجله، وتقديم الخير في سبيله، وبذل الجُهد فيه.

فهذا يا عبد الله هو حبُّك لله. ومن هُنا أدرج النووي حديثًا أتى فيه: “وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِمَّا افترضتُه عليه” أيْ جعلتُه فريضةً عليه ورسمتُه له طريقًا. ومن هنا أيضًا أتى بحديث فيه: قال تعالى:

وجبتْ محبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، والمُجالِسِين فيَّ، والمُتزاوِرِين فيَّ، والمُتباذِلِين فيَّ.

يقصد في سبيلي وفي طريقي ومن أجلي، فهذا هو الطريق للمحبَّة.

فأنْ تتصدَّق لله حبٌّ له، وأنْ تقوم للصلاة حبٌّ له، وأنْ تُطيعه بأيّ وجه من الوجوه التي دلَّك عليها حبٌّ له، وأنْ تغار على دين الله حبٌّ له، وأنْ تدافع عن مُعتقدك حبٌّ له (ألا تسمعهم يقولون حبُّ الأوطان يدفع للجهاد في سبيلها، بغضّ النظر عن صحَّة الأمر أتيت به للتدليل لا أكثر)، وأنْ تُنصر دينك حبٌّ له، وأنْ تُنصر نبيَّك حبٌّ له، وأنْ تتبع أمر الرسول وتنصره حبٌّ له.

فيا عبد الله تفعل كلَّ هذا ثمَّ تقول: كيف أحبُّه؟ .. إذا كنت تفعل هذا فأبشر فأنت تحبُّه فعلاً. فقط استشعر ما تفعل وتفهَّم بعقلك، وردَّد بلسانك، وداوِمْ على ذلك، وستجد الحياة وتجاربها تُورثك شعور حبّ الله الذي كان خافيًا في قلبك. ولعلَّنا هُنا ندرك حِكمةَ الحياةِ والتجاربِ التي صِيغتْ في الحِكمة الشهيرة “إنْ لمْ تعمل ما تحبّ فأحبَّ ما تعمل”.

حبُّ الله في القرآن

أتى النووي بآيات تدلُّ على سُبُل حبّ الله. منها وصف المؤمنين المُحبِّين لله وكيف أنَّ محبَّتهم هي طاعة الله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) -الفتح 29- فتأمَّلْ كيف وصف الحب بالرحمة فيما بينهم مِمَّا يدلُّنا على اتساع نطاق الحب في الإسلام وضمُّه مشاعر كثيرة تحته.

ومنها آية محبَّة المؤمنين لإخوانهم بسبب الطاعة في وصف استقبال الأنصار للمُهاجرين (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) -الحشر 9- وتأمَّل أيضًا كيف أنَّ محبَّتهم في الله كانت في إيثار المؤمن أخاه على نفسه، وبذل الجهد والمال له، والتخلُّص من الشعور السيِّء تجاه الآخرين. يفعلون كلّ هذا في الله أيْ مُتوجِّهين في فعلهم لله -تعالى-.

وانظر كيف صدَّر النووي الباب الثاني بسرّ الحب في الله بآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) -آل عمران 31- فاتباع ما أتى به النبيّ من منهج واضح للحياة يُحقِّق لك المُعايشة التي تؤهِّلك لمحبَّة الله.

بل في آية أخرى أدرجها دلَّتْ على أنَّ مقصود العلاقة بين الله والعبد هي محبَّته لله، الآية تقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) -المائدة 54- وفيها سبب زوال الأمم وإبدالهم هو عدم محبَّة الله؛ مِمَّا يدلُّ على جوهريَّة علاقة الحب بين الله والعبد. وتُكمل الآية لتدلَّنا على طريق الحب في الجهاد في سبيل الله والدفع عن دين الله. وهكذا ترسم لنا الآيات ملامح الحب فتأمَّل معي وامتثلْ.

من أسرار وانتشارها في المجتمع

الحب

يسوق النووي حديثًا رقيقًا يقول: “والذي نفسي بيده (هذا أسلوب قَسَم) لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم”. وتأمَّل دعوة الإسلام إلى التحابُب بين الناس -وليس الحب بالنصّ- والتحابُب هو فعل ما يجعل الآخر يحبُّك -وهذا ما عليك، فليس مطلوبًا منك أنْ تفتح صدر مَن أمامك لتُدخل حبَّك في قلبه-، وإذا أردتَ آلةً تفتح لك صدر الآخرين فداوِمْ على السلام بين الناس. والسلام هُنا يحمل معنيَيْن: قول “السلام عليكم” وهي التحيَّة المعروفة للإسلام، وإفشاء روح السلام والسكينة في مُحيط مَن تتعامل معهم.

وهناك سرّ آخر دلَّنا عليه الباب من أحاديثه وهو إعلان المحبَّة للغير. يقول الحديث: “إذا أحبَّ الرجلُ أخاه فليُخبره أنَّه يحبُّه”. وفي آخر نجد رجُلاً كان عند النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فمرَّ رجلٌ من أمامهما فأخبر الجالسُ عند الرسول محبَّته الرجلَ المارَّ. فيسأله الرسول: أأعلمتَه؟ فيقول الرجل: لا. فقال له: أعلِمْه. فلحق به وقال: إنِّي أحبُّك في الله. فردّ الآخر: أحبَّك الله الذي أحببتَني له”. فهذه هي الصيغة الواردة في إعلان المحبة.

يوم يحبُّك الله

وفي الباب الآخر القصير تذوب القلوب حينما تقرأ حديثًا؛ مرَّةً تذوب من الاطمئنان، مرَّةً تذوب من الخوف. يقول الحديث الذي لا يحتاج إلى كلمة شرح:

إنَّ الله -تعالى- إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبَبْه، فيحبُّه جبريل. ثمَّ يُنادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبُّوه فيُحبُّه أهل السماء. ثمَّ يوضَع له القَبولُ في الأرض.

وهذه حال تسعى إليها. أمَّا الأخرى التي تفرُّ منها فيُكمل: “وإذا أبغضَ عبدًا دعا جبريل فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغِضْه، فيُبغضه جبريل. ثُمَّ يُنادي في أهل السماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغِضُوه. ثمَّ تُوضَع له البَغضاءُ في الأرض”. أعاذنا الله وإيَّاكم يا عباد الله.

وبعد، فهذه أُنغومة حبٍّ في الإيمان نقلها لنا الإمام النووي ليُذكِّرنا بحبّ الله، وكيف يكون يوم تحبُّه، وكيف يكون يوم أنْ يحبَّك. ولهذا فلتعمَل عمل الصالحين، لتكون في رياض الصالحين يوم الدين.

337

الكاتب

عبد المنعم أديب

كاتب مصريّ، درس اللغة العربيَّة وتخصص في الفلسفة. صدرت له كتب أدبيَّة، وأكثر من مائة وثلاثين مقالاً، وله مئات من القصائد، وما يقرب من عشرين بحثًا علميًّا.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.