الإسلام دين عظيم، لا تتناول منه جزئيةً أو حُكمًا بالبحث والنظر إلا ظهرت لك عظمته واضحةً جليَّةً وبشكل باهر. فهو دين حوى من المحاسن والحِكم والمقاصد ما يدل على كمال منزله وتمام علمه وحكمته وتدبيره سبحانه، وبما يشهد للرسول -صلى الله عليه وسلَّم- على صدقه ويدل على نبوته دلالةً قاطعةً لا لبس فيها ولا شك.

وهو بهذا المضمون الذي يكتنفه في كل نواحيه؛ سواء العَقَدية أو التشريعية أو التزكوية شاهدٌ بنفسه كذلك على كونه منظومة لا تضاهيها منظومة من حيث الصلاحية للبشرية، والقدرة على حل مشاكل المجتمعات الإنسانية كلها، مهما اختلفت جغرافيًّا وثقافيًّا وعرفيًّا. كما قال الشيخ “السعدي”: “فإن دين الإسلام الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- أكمل الأديان وأفضلها، وأعلاها وأجلها. وقد حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة ما يشهد لله تعالى بالكمال المطلق، وسعة العلم والحكمة، ويشهد لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه رسول الله حقا، وأنه الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى: {إن هو إلا وحي يوحى} فهذا الدين الإسلامي أعظم برهان، وأجل شاهد لله بالتفرد والكمال المطلق كله، ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة والصدق)[1].

قيمة البحث في “محاسن الإسلام”

ومَن يفهم هذا ويعيه سيدرك حتما سبب اختيار الله لهذا الدين وارتضائه للناس منهجًا، ووصفه له بأنه نعمة للبشرية، كما هو الحال في قول ربنا: {إن الدين عند الله الإسلام}[2]. وقوله سبحانه: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم}[3]. وقوله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[4].

وموضوع محاسن الإسلام الحاجة إلى العلم به ماسَّة؛ للمسلمين لتقوية إيمانهم والثبات على دينهم أمام الشبهات والتشكيكات، وقد ذكر الشيخ “السعدي” من بين الفوائد المتعددة في معرفة هذا العلم ما نصه:

الناس يتفاوتون في الإيمان وكماله تفاوتًا عظيمًا، وكلما كان العبد أعرف بهذا الدين وأشد تعظيمًا له وسرورًا به وابتهاجًا كان أكمل إيمانًا، وأصح يقينًا، فإنه برهان على جميع أصول الإيمان[5].

فهو دين مناسب للفطرة والنفس والعقل، ولم يترك فضيلة إلا أكد عليها ودعا إليها، ولا رذيلة إلا حذر منها ونهى عنها.

ولا تقل مخاطبة غير المسلمين بمحاسن الإسلام أهميةً عن مخاطبة المسلمين بها؛ فإن غير المسلمين إذا عرفوا محاسن هذا الدين الذي يدعون إليه، ورأوا عظمته وأدركوا بهاءه وتميزه وخصائصه العظيمة، فإنهم يدخلون فيه محبين مقتنعين مسارعين، إلا من منعه هواه[6]. والقاعدة المعلومة أن (الحكم على الشيء فرع عن تصوره). فغير المسلمين عند إحاطتهم بالإسلام بمعرفة محاسنه وإدراك حقائقه في هذا الجانب، مؤثر لا شك في تصوراتهم عن هذا الدين، وبالتبع مؤثر في استجابتهم للدعوة إليه ودرجة هذه الاستجابة.

قيمة “محاسن الإسلام” تزداد في عصر الأفكار

محاسن الإسلام

ونحن اليوم نعيش صراعًا في الأفكار والثقافات والأديان، وانفتاحًا في سوق الأفكار؛ فالبضائع الفكرية تقدم وتعرض ويدعى لها بكل وسائل الدعوة والتسويق. حتى صار بعض المسلمين يقع في نفسه شيء من الحرج أو الشك أو الحيرة تجاه بعض الأحكام الشرعية؛ لذا، كانت الحاجة الآن ماسَّة إلى الحديث عن محاسن الإسلام[7]، فلو تصدى للدعوة إلى هذا الدين رجال يشرحون حقائقه، ويبينون للخلق مصالحه، لكان كافيًا كفايةً تامةً في جذب الخلق إليه … فإنه في نفسه يدفع كل شبهة تعارضه … فإذا كشف عن بعض حقائق هذا الدين صار أكبر داع إلى قبوله ورجحانه على غيره[8].

قيمة كتاب “محاسن الإسلام، نظرات منهجيَّة”

وقد ألفت كتب كثيرة متنوعة في هذا الباب المتعلق بمحاسن الإسلام. ومن بين ما كتب فيه حديثًا كتاب “محاسن الإسلام نظرات منهجية” للأستاذ/ أحمد بن يوسف السيد. وهو كتاب صغير الحجم كبيرة الفائدة، يطرح فيه موضوع محاسن الإسلام في ثوب جديد يؤسس فيه لنظرة منهجية كلية شاملة غير مسبوقة، تضبط موضوع محاسن الإسلام وتجليه، كما قال المؤلف في كتابه: “فإنني لم أجد من تناول هذا الباب بصورة تأصيلية تعين على تكوين نظرة منهجية شمولية يتوصل بها إلى حجاج المخالفين على وجه متين. ولذلك فإني سأركز على الأصول والكليات التي ينطلق منها إلى الحديث عن محاسن الإسلام … فالعرض في هذا الكتاب ليس استقصائيًّا للمحاسن، وإنما هو نظرات وقضايا منهجية يتوصل بها إلى إحكام الحديث عن محاسن الإسلام”[9].

وفي تلخيصي لهذا الكتاب سأسير تراتبيا وفق ما رسمه لنا مؤلفه في خطة كتابته. يقتصر عملي على استخلاص الأفكار الرئيسية لكل قضية ذكرها الأستاذ في كتابه. وقد تناول فيه الأستاذ أحمد ثمانيَ قضايا منهجية متعلقة بمحاسن الإسلام. وقبل بدئي بعرض هذه القضايا المنهجية التي هي موضوع الكتاب والمعنية في هذا التلخيص، سأحاول بيان ما ذكره الأستاذ من مناهج المؤلفين في هذا الموضوع باختصار حتى أتسق في تلخيصي مع خطة الكاتب.

مناهج المؤلفين في تناول موضوع محاسن الإسلام:

من أهم المناهج في تناول موضوع محاسن الإسلام والتي ذكرها الكاتب، ما يلي:

  • المسلك الأول: تناول الموضوع على طريقة أبواب الفقه. ومن هؤلاء الإمام أبو بكر محمد بن علي القفال -رحمه الله- في كتابه “محاسن الشريعة”، والإمام عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري -رحمه الله- في كتابه “محاسن الإسلام وشرائع الإسلام”.
  • المسلك الثاني: العرض الشمولي لمحاسن الإسلام. وممن كتب فيه من المعاصرين الشيخ عبد الرحمان بن سعدي -رحمه الله- في كتابه “الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي”.
  • المسلك الثالث: إبراز محاسن الإسلام في جانب معين من جوانبه التشريعية أو الأخلاقية أو الاعتقادية. ومن ذلك في الجانب الأخلاقي كتاب “دستور الأخلاق في القرآن” لمحمد عبد الله دراز -رحمه الله-، ومن الجانب الاعتقادي كتاب “جمالية الدين” للشيخ فريد الأنصاري -رحمه الله-، ومن جانبه التشريعي كتابا القفال والبخاري السابقين.
  • المسلك الرابع: الكتابة عن محاسن الإسلام مقارنةً بغيره من الديانات والأفكار أو الأفكار المعاصرة. ومن ذلك كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” لمؤلفه علي عزت بيجوفيتش -رحمه الله-، وكتاب أبي الحسن الندوي -رحمه الله-ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين“.

بعد هذا العرض لمناهج المؤلفين، أشرع بإذن الله في تناول القضايا الثماني التي ذكرها الأستاذ أحمد في كتابه، على ترتيبها المعروض:

القضية المنهجية الأولى: (النظرة الكلية للإنسان والكون والوجود).

محاسن الإسلام

ومضمونها قائم على فهم محاسن الإسلام انطلاقًا من إدراك نظرته الكلية للكون والوجود، والدنيا والآخرة، وللإنسان وما وراء وجوده على الأرض. إذ كثير من الاستشكالات والاعتراضات على أحكام الشرع مردُّها إلى النظرة التجزيئية للإنسان والحياة والوجود، وعدم إدراك نظام الشريعة الشمولي المتكامل، ذي المقاصد والغايات، والمتجاوز لما وراء المادة في حياة الإنسان بمختلف مجالاتها.

فالله حين أمر بالصلوات وفرض الزكاة والصوم وكتب الحج وشرع الجهاد والقضاء، وفتح باب الصدقة والبر، وأباح البيع والشراء وغيرهما من عقود المعاوضات والتبرعات، وحثَّ على مكارم الأخلاق والآداب والفضائل، وضبط باب النكاح وقنَّنَه؛ لم يجعل هذه التشريعات في مجموعها مجرد واجبات تثقل كاهل الإنسان الذي يمتثلها دون إدراك المقصد، بل جعلها نظامًا كليًّا شاملًا للحياة الإنسانية يراعي في غاياته علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بذاته ونفسه، وعلاقته بأسرته ومجتمعه، وعلاقته بالأمم الأخرى، وعلاقته بالنبات والحيوان وكل موارد الطبيعة.

ويمتد هذا النظام ليربط الإنسان بعالم الملائكة وعالم الشياطين وعالم ما بعد الموت؛ فمَن يصلي مثلًا فهو يقيم الصلاة ليذكر ربه -جل وعلا- ويزكي نفسه، ومن يترك الزنا ويسلك طريق الزواج المشروع فهو يحقق مقصد حفظ النسل، ومن يعطِ الزكاة والصدقة يحقق التكافل الاجتماعي ويقضي على الطبقية ويحارب الفقر. الأمر الذي يقلل الجريمة والفساد أو يحدها، ومَن يجاهد فهو يحفظ دينه وماله وعرضه وأرضه…. إلى غير ذلك من الأمثلة. فتصوُّر الإسلام عن الكون والحياة والإنسان كلي متكامل مترابط، وإدراك هذا التصور يُلتمس في أصوله الصحيحة من كتاب وسنة {ولا ينبئك مثل خبير} -فاطر 14-.

القضية المنهجية الثانية: (فهم حقيقة التعبد في الإسلام).

ويدور الحديث في هذه الفقرة عن ضرورة الفهم العميق لحقيقة العملية التعبدية في الإسلام؛ فالعبودية في الإسلام لها انعكاس جمالي يظهر أثره على المسلم، بوقوفه على ما يستشفه من حقائق من خلال تعبده وخضوعه لله -جل وعلا-. فالإسلام إنما يفهم من طريق الوقوف على حقيقة التعبد فيه، وإدراك ما يصحب الإنسان من حالة شعورية تجاه ربه حال العبادة. وانطلاقًا من هذا الفهم لصحيح التعبد، واستيعاب معانيه الوجدانية يتحصل الإنسان على صورة معرفية لمحاسن الإسلام.

ويحكي لنا الأستاذ أحمد تجربة الشيخ “فريد الأنصاري” في فهمه للتعبد ومراحل وصوله إلى تذوق اللذة والحلاوة الإيمانية. حيث نقل عنه الأستاذ أحمد من كتابه “جمالية الدين” قوله: “بدأت المراجعة في حياتي كليةً، واكتشفت حقيقة أن هناك شيئًا اسمه “حلاوة الإيمان”، ذوقًا لا تصورًا، وحقيقةً لا تخيلًا، ثم بدأت أعود إلى القرآن، فوجدت أني كنت بعيدًا عن بشاشته وجماله. وبدأت أعود إلى السنة، فوجدت أني كنت أجهل الناس بأخلاق محمد -عليه الصلاة والسلام-، وبدأت أعود إلى العقيدة، فوجدت صفحات مشرقة مما كتب السلف الصالح قد مررت عليها مرور الأعمى -لا مرور الكرام-. بسبب ما غطى بصري من فهوم سابقة، حتى كأني لم أقرأ قط! قلت: لم تكن مفاجأتي علمية بقدر ما كانت وجدانية، لقد كنت أقرأ عبارات {المحبة والشوق والخوف والرجاء} ولكن دون أن أجد لها شيئًا من نبض الحياة في قلبي”.

وقد نقل عنه أيضا دراسته كلمةَ “إله” والوقوف على أصلها ودلالة لفظها حيث يقول: “كلمة إله في أصل استعمالها اللغوي كلمة قلبية وجدانية، أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب والبغض والفرح والحزن والأسى والشوق والرغبة… أصلها “ألِه الفصيل يأله ألها” -والفصيل ابن الناقة- إذا ناح شوقا إلى أمه، ومنه قول الشاعر: ألِهتُ إليها والرّكائِبُ وُقَّفٌ.. وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين “ألِهَ” و”وَلِهَ” هو على معانٍ قلبية ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب. فيكون قول المؤمن: لا إله إلا الله تعبيرًا عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله… إن المسلم إذ يشهد ألَّا إله إلا الله يقر شاهدًا على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله، رغبةً ورهبةً وشوقًا ومحبةً. وتلك لَعَمْرِيْ شهادة عظيمة وخطيرة؛ لأنها إقرار واعتراف بشعور، لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه… ومن هنا كانت شهادة ألَّا إله إلا الله من اللطافة بمكان، بحيث كانت لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقا”[10].

القضية المنهجية الثالثة: (محاسن الإسلام في براهينه).

محاسن الإسلام

وهنا يوجه الأستاذ نظره إلى البراهين المثبتة لصحة الدين؛ حيث إن الإسلام جاء مُبرهَنًا على صحته ببراهين قوية متعددة. ومن نظر في غير الإسلام من التيارات والمذاهب والأديان، يرى الفرق شاسعًا بينًا واضحًا؛ من حيث اتساق براهين الإسلام في إثبات أصوله. الشيء الذي تجده مفقودًا في غيره من التيارات الأخرى.

فجعل المؤلف النظر في براهين الدين المثبتة لصحته طريقًا يُوقف المتأمل على محاسن الإسلام وجماله. وقد بين ذلك بمثال إثبات صحة الكتب السماوية ومثال إثبات اللادينيين لأصولهم. فقد ذكر أن ما كتب في باب إعجاز القرآن وحده من الأدلة القاطعة كثير ومتنوع، من ذلك ما ألفه الخطابي والجرجاني والباقلاني ومحمد عبد الله دراز -الذي نبه الأستاذ أحمد إلى أن كتابه المسمى “النبأ العظيم” وحده كافٍ للاستدلال في هذا الباب- وغيرهم كثير. علمًا أن الإعجاز باب واحد فقط من أبواب الاستدلال على صحة القرآن، ونفس الأمر في ما كتب فيه من مؤلفات في حفظه وجمعه وتواتره وقرائه ونقلته؛ تجد فيها أن البراهين التي يثبت بها علماء المسلمين صحة القرآن تفوق الحصر وتعيي العادِّين.

القضية المنهجية الرابعة: (وضوح عقيدة الإسلام في الخالق).

يحدثنا المؤلف هنا عن تميز الإسلام على غيره من الديانات بوضوح العقيدة في الإله. بكونه دينًا معظمًا للخالق -سبحانه-، واصفًا إياه بكل كمال، منزهًا له عن كل نقص. فنصوص الوحي كلها تمجيد وتعظيم له -جل جلاله-، وهذا الوضوح والإجلال والتعظيم يزداد جمالًا باقتضائه التعبد لهذا الإله، فصار من أهم ما يستدل به ردًا على المشركين الاستدلال بتوحيد الربوبية وبصفات الله تعالى وكماله على استحقاق الله للألوهية.

ونتيجةً لما سبق من جمال هذه العقيدة الإسلامية؛ فإن هذا الأمر ولد عند المسلمين ارتياحًا كبيرًا في تصورهم عن الله -سبحانه وتعالى-. فهم لا يواجهون التحديات في أصل اعتقادهم، ولذلك أيضًا نجد أن مثيري الشبهات والإشكالات في الغالب يوجهون سهامهم إلى أحكام عملية فرعية في الشريعة الإسلامية، ولا يتوجهون إلى أصل تصور المسلمين واعتقادهم في الله -تعالى-، لأنه تصور لا مدخل للطعن ولا للتشكيك فيه، وهو تصور موافق للعقل ولمقتضيات الفطرة والنفس الإنسانية. وإذا اتضحت العقيدة في الله -سبحانه وتعالى- فإن ما وراء ذلك من أمور الاعتقاد سهل واضح بين يسير، بخلاف ما لو كان الأصل غير واضح، فإن تفاصيل الاعتقاد الأخرى سيكون فيها إشكال[11]. وببيان ووضوح محاسن الأصل العقدي -الذي له المركزية في الإسلام-؛ فإن كل ما تحته من المحاسن سهل البيان.

القضية المنهجية الخامسة: (وجود النموذج العملي المطبق للحقائق النظرية).

محاسن الإسلام

يسلط المؤلف الضوء هنا على شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- باعتباره نموذجًا ممتثلًا وملتزمًا، ومثالًا عمليًّا ومطبقًا لكل الشرائع والفرائض التي أمر الله بها في كتابه. وبين أن وجود هذا النموذج العملي المطبق للشرع، من أهم ما يسهل تطبيقه على النفوس، ويبعد عنها النظرة الأفلاطونية -كما ذكر الأستاذ- غير القابلة للاتباع من ناحية الامتثال والالتزام؛ إذ يضع هذه النفوس من حيث قابليتها لتطبيق الشرع في مقابلة ومقارنة مع نفس بشرية مبعوثة إليهم لا تختلف عنهم بشيء وهي نفس النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ولهذا اقتضت حكمة الله أن يكون رسوله من جنس البشر ولم يجعله مَلَكًا معصومًا، وأن يبتلى ويمتحن ويمرض ويتعب كما البشر. كل هذا جاء تسهيلًا للامتثال، وتأسيًا في التعبد والتقوى لله، وتفعيلًا للدين وإعماله في الحياة بشكل يوصل الناس للوقوف على معنى محاسن الإسلام.

القضية المنهجية السادسة: (مقارنة الإسلام بالجاهلية).

يتناول المؤلف هنا محاسن الإسلام بشكل منهجي من خلال مقارنتها بما يسمى بالجاهلية، الشيء الذي يجليها ويرسخها في النفس. فالحالة الإصلاحية التي أحدثها الإسلام في المجتمع العربي الجاهلي هي حالة فريدة متميزة، لا نظير لها في التاريخ؛ لا من ناحية شموليتها لجوانب الحياة والنفس الإنسانية، ولا من ناحية الوقت المستغرق في الإصلاح.

يقول المؤرخ “وول ديورانت” في كتابه “قصة الحضارة”: “وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس لقلنا: إن محمدًا كان أعظم عظماء التاريخ؛ فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانِه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلَّ أن نجد إنسانًا غيره حقق كل ما كان يحلم به. وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه”[12].

بل حتى في عصرنا الحديث لا تجد في أي نموذج إصلاحي أدنى مقارنة بالنموذج الإسلامي. وعلى رأسها النموذج العلمي الطبيعي، فإن تلك النهضة العلمية التي ينبهر الناس بها ويغالون في تقديسها، هي أولا نهضة مادية محضة لا تتجاوز الإطار المادي الحسي للإنسان؛ ثم هي أصلًا كانت السبب في التردي الأخلاقي والقيمي، وأثرت على حياة الإنسان سلبًا بما جلبته من كوارث ومصائب على الجنس البشري، وقد استشهد المؤلف بنصوص وأمثلة عدة توضح هذا المعنى.

من ذلك ما قاله مؤلف كتاب “انتحار الغرب”: “وتضاعف الشك في العلم على نحو ضخم، وتعمق نتيجة لفظائع هيروشيما… وقد أعطى تبريرًا كافيًا في أزمة صواريخ كوبا في عام 1962م، من أن الترسانات النووية كانت تستطيع أن تدمر الحضارة الإنسانية. وقد عبر العلماء البارزون بصوت عال عن شكوكهم، وقال آينشتاين بعد هيروشيما: لو كنت أعرف أنهم كانوا سيعملون هذا لكنت صانع أحذية، وقام برتراند راسل الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني المرموق بقيادة مسيرات احتجاج رفعت شعار: “امنعوا القنبلة” في الخمسينيات من 1950، وفي الستينيات من 1960، وبعد العام 1969″[13].

وعمومًا فإن النظر في حال هذه الجاهليات، والحالة التي صارت عليها بعد العملية الإصلاحية الشمولية التي قام بها الإسلام، والتي غطت كل جوانب البشرية وسدت كل حاجياتها المادية والروحية، يجلي لك محاسن هذا الدين ويقربها.

القضية المنهجية السابعة: (التجديد المتزن).

يشرح المؤلف هنا المنهج التجديدي المتزن الذي جاء به الإسلام وهدم به أصول الجاهلية، واضعًا بدلها نظامه الشمولي. فقد اعتنى الإسلام باعتدال أتباعه وتوجيههم للوسطية، مبعدًا إياهم عن كل مظاهر الزيادة والغلو، وشدد ونبه على كل مخالف لهذا المبدأ الإصلاحي. ويظهر ذلك جليًّا من أحاديث الرسول في هذا الباب وردِّه على من خالفه في نهجه وسنته، فذم المبالغة والغلو وتبرَّأَ من أصحابهما، ووجه للإصلاح المنهجي المتزن المبني على الوسطية والاعتدال في ردود الأفعال تجاه الجاهلية القديمة.

ومن أظهر الأمثلة على ذلك حادثة الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟! قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني[14].

فهؤلاء إنما حرّكهم دافع حماسي للعقيدة التي انتشلتهم من ظلام الجاهلية، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كبح جماحهم، وبين فساد منهج الغلو لديهم -وإنْ كان بقصد حسن-، وذكرهم بالاعتدال والاتزان والسير على منهجه الوسطي.

القضية المنهجية الثامنة: (محاسن الإسلام في الأبواب التي يلج منها المشككون فيه).

يرى المؤلف هنا أن الأبواب التي يلج منها المشككون للطعن في الإسلام -وهي ثلاثة غالبًا: الجهاد والمرأة والحدود-، هي في حد ذاتها بيان للمحاسن والحكم والمقاصد، وفيها من الحسن والجمال ما يجعل الإنسان يعتز بمرجعيته الدينية ويفاخر بها إن تمعن فيها وتفحصها بالنظر.

وقد تناول المؤلف باب الجهاد والقتال كمثال، وذكر أن أبرز تهمة تلصق به هي الوحشية وسفك الدماء، وانعدام الرحمة والعدل، وأنه لا قوانين وضوابط وأخلاقيات يقف عندها المحاربون في هذا الباب. وهذا محض كذب وافتراء، ولا علاقة لهذا القول بما عليه نظام الحروب و القتال في الإسلام، ولا حتى بما مارسه النبي -صلى الله عليه وسلم- عمليًّا.

والطاعنون هنا لا يجعلون نصوص الكتاب والسنة والممارسة العملية للنبي -صلى الله عليه وسلم- معيارًا لتقييم قضية الجهاد. هذه النصوص التي تجد فيها احترام العهد مع الكفار، والتغليظ الشديد في منع قتل المعاهد والمنع من قتل النساء والأطفال والشيوخ، والنهي عن هدم الأديرة وقطع الأشجار.

ولكن الطاعنين هنا يبنون نظرتهم غالبًا على بعض الممارسات المشينة التي يدعي أصحابها الانتساب للإسلام، ولو قابلتهم بمنطقهم وحاكمتهم إلى ممارسات قتالية تتعلق بجانب الإلحاد والعلمانية وغيرها فلا تراهم يقبلون، وحجتهم عدم تمثيل النموذج المتحاكم إليه لتلك الثقافة أو المرجعية، ومثله في الإسلام؛ إذ ليس كل من قاتل باسمه فهو منتسب له ويمثله بحق. وقد حصر الأستاذ ما يقع فيه المشككون عند الطعن في إشكالين أساسيين هما: تحميل الإسلام وزر بعض المنتسبين إليه، والاختزال والانتقاء غير الموضوعي من نصوص الوحيين ومن وقائع السيرة.

192

المصادر

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.