بوصفه دينًا شاملًا لكل مناحي الحياة، تجلَّى الإسلام على مختلف مستويات الوجود الإنساني؛ على المستوى العقدي والمستوى الأخلاقي والمستوى السياسي والمستوى الاجتماعي .. تجلَّى بطريقة منسجمة مع فطرة الإنسان واستعداداته الخلقية، وما يحتاجه في حركته في هذا الكون من آليات لبلوغ أفضل ما يمكن أن يصل إليه الاجتماع البشري في طريق تحقيق الرسالة التي خلق لأجلها، وفي إطار طاقة هذا الاجتماع واستطاعته، مسترشدًا بمنظومة قِيَمية فريدة؛ ليرتقي به في كمالات الكرامة الانسانية.

وتعمل منظومة القيم في الإسلام لتُوجد في المجتمع مجموعةً من المهام الحيوية المتعلقة بحياة الناس ونشاطاتهم، لها حد أدنى لا يمكن أن تعمل دونه، وليس لها حد أقصى؛ باعتبار إمكان تجدد المهام حسب احتياجات هذا الاجتماع من المسلمين، في إطار منظومة القيم التي معيارها الوحيُ ومصادر التشريع.

ومع بداية انحسار حركة المسلمين وفق منظومتهم القيمية، ووقوعهم تحت نير الاستبداد، وحلول نموذج اجتماعي غريب عن طبيعة المجتمع المسلم؛ فقدتْ مكوناتُهم البشريةُ خصائصَها المركزية التي ميَّزتهم بها هويتُهم. ومنها خاصية “بأس الأهالي”؛ والتي لها علاقة مباشرة بقضيتَيْ: قبول الاستبداد الداخلي، والقابلية للاحتلال الخارجي. 

نحاول في هذا المقال تقديم صورة عن طبيعة الاجتماع في الإسلام، وعن المهام الحيوية التي تتولد عنه، والدافعية الذاتية التي تؤسسها منظومته القيمية.

منظومة المهام الحيوية في الإسلام وطبيعة نشاط المجتمع

للإسلام صبغة اجتماعية يصطبغ بها المجتمع الذي تجري عليه منظومته القيمية. فكما أنه يُرتِّب على كل فرد فروضًا عينيةً وعزائمَ لا تسقط عنه إلا لرُخصة؛ رتَّبَ كذلك على مجموع الأفراد مهامَّ وفروضًا لا تسقط عنهم إلا بوجود مَن يقوم على تحقيق هذه المهام، بطريقة تكفي وتسد الحاجة من كل مهمة.

وقد فصل العلماء في حديث أبي هُريرةَ -رضي الله عنه- عنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعونَ أو بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعبةً: فأفضلُها قولُ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأدْناها إماطةُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ، والحياءُ ،شُعْبةٌ مِنَ الإيمانِ» (متَّفقٌ عليه). فصَّلُوا في شعب الإيمان، التي كثير منها لا يقوم إلا بوجود عمل جماعي، بالتالي يُفترض لتحقيقها وجودُ جماعة من المسلمين؛ تؤدي هذه الشعبة بطريقة تكفي وتسد حاجة البقية.

ومثال على هذه المهام -التي هي من شعب الإيمان- “طلب العلم”. فهي شُعبة تستوجب وجود معلمين يقومون على تعليم المسلمين أمر دينهم وشرعهم، ومعلمين يقومون على تعليمهم العلوم في كل المجالات الطبيعية والتقنية، بطريقة تكفي المجتمع في حاجته لتغطي عدد كل الطلبة.

فلو أنه وُجد من يقوم على تعليم المسلمين لكن دون سد الحاجة، لما تحققت الكفاية المرجوة، أو إذا كانت الأمة تحتاج إلى علم من العلوم لكي تصنع صناعة تخرجها من الحاجة لاستيرادها من غيرها، فيصبح على الأمة واجب تحقيق الكفاية بإيجاد من يقوم على تعلم وتعليم العلوم التي تُبقي لها ريادتها وتحررها. مما يُنشِئ مناخًا من الحركية العلمية الحيوية والمتجددة داخل المجتمع، والتسابق المستمر إلى رصد واكتشاف كل ما هو جديد ومفيد للأمة في إطار منظومتها القيمية.

ومثال آخر من شعب الإيمان وهو “الجهاد”، وهي مهمة تصان بها دماء المسلمين، ويَأمنون عدوان المعتدين وذلك بدفع الاعتداء في حالة الدفع، وتحرر بها الشعوب من تسلط من يمنع بلوغ دعوة الإسلام للناس في حالة الطلب. هذه الشعبة تستوجب وجود من يقوم عليها من المسلمين حتى تتحقَّقَ كفاية الأمة بأنْ يكفَّ العدوان عليها، ويأمن أهلها من غزو أعدائها من الخارج أو يمنع مكوثهم بين ظهرانيهم، وتمتلكَ القدرة والاستطاعة على تبليغِ رسالتها، والرحمةِ التي جاء بها هذا الدين ولنشرها في العالم.

شبكات الجماعات الوسيطة

وكل المهام الحيوية للمجتمع المسلم، تستوجب وجود من يكفي الناس حاجتهم. مثلًا في الطب يُستوجب وجودُ جماعة أطباء منتظمين في عمل جماعي لسد حاجة المجتمع في ميدان الصحة، وفي النقل وجود جماعة مهمتها سد حاجة المجتمع في التنقل الداخلي أو الخارجي، وفي التجارة وجود من يكفي الأمة من السلع الحيوية التي يحتاجها المجتمع إلى غير ذلك من الكفايات.

تتكوَّن من مجموع المهام الحيوية هذه “شبكة جماعات وسيطة” ينتجها المجتمع تلقائيًّا، انطلاقًا من الواجب الكفائي لكل مهمة، وتعمل الشبكة بطريقة مترابطة فيما بينها؛ إذْ يَربِط كلَّ مهمة بالضرورة تشاركٌ مع مهمة أو مهام أخرى. ما يُحدِثُ بين مجموعهم خيطًا ناظِمًا، قوامُه المنظومةُ القيمية في الإسلام.

ومن جهة ثانية يتميز نشاط الجماعات الوسيطة بإدارتها الذاتية وباستقلاليتها عن الحُكم؛ إذ تتمثل مهمة “الحُكَّام” في المجتمع الإسلامي في مراقبة حسن عمل “الجماعات الوسيطة”، وطريق تأديتها لمهامها مع بقاء استقلالها.

بالتالي يبرز أمامنا ثلاثة مستويات: مستوى “السُّلطة الحاكمة”؛ ودورها مراقبة حسن عمل الجماعات الوسيطة، ومستوى “الجماعات الوسيطة”؛ ودورها تحقيق كفايات المجتمع الأساسية والمتجددة، ومستوى “المجتمع”؛ الذي ينتج كفاءات جديدة يستديم بها الرصيد البشري في الجماعات الوسيطة.

فإذا أضفنا عنصر “الوَقْف”، وهو أبرز مقومات الحركة الأهلية في المجتمع المسلم؛ باعتباره ركيزة استدامة عمل المهام الحيوية. فهو تمويل لصالح الأمة والمجتمع لا يملكه الحاكم، ولا يملكه أفراد المجتمع؛ إنما هي أموال محبوسٌ ريعُها على فائدة خدمة تعود بنفعها للمجتمع. بالتالي يُحرِّر الوَقفُ حركيةَ ونشاط المجتمع، ويمنع استبداد رأس المال أو استغلال أي طرف لحاجة المجتمع لفرض قيود على نمط حياته.

الدافعية الذاتية للمجتمع أو بأس الأهالي

كما قدمنا في العنصر السابق، أنشأتْ الحياة -وفقَ المنظومة الاجتماعية للإسلام، وفي إطار التمركز حول منظومته القيمية-؛ أنشأتْ حركيةً ونشاطًا اجتماعيًّا فائقًا، ونموذجًا فريدًا للاجتماع البشري. تتحرر فيه مبادرة الفرد والمجتمع والجماعات الوسطية في تفاعلها مع مختلف القضايا التي تطرأ عليهم وفق المعيار العام.

أنتج هذا التحرر دافعيةً ذاتيةً من داخل المجتمع، وشعورًا بالمسؤولية لتلبية هتاف القيم الدينية -المحرك الأساسي لهذا المجتمع-، خاصة في حال الاعتداء الخارجي الذي قد يتعين على كل فرد من أفراد المجتمع المشاركةُ في دفعه. وحفَّزَ هذا النشاط الحركة الجماعية للمسلمين وكوَّنَ عندهم عزةً وبأسًا أهليًّا؛ وقف عقبةً أمام الاجتياحات الخارجية لعصورٍ. ولم يهنأ معها أي احتلال بالاستقرار بين ظهراني المسلمين دون تكبُّده الخسائر، بدفعه واستدامة هذا الدفع حتى تحقق المهمة؛ وهي إخراجه نهائيًّا.

سطوة النموذج العلماني على المهام الحيوية في الإسلام

عُرف عن العلمانية أنها فصل الدين عن الدولة، أو فصل السياسة عن الدين، وحصر الممارسة الدينية بالشعائر الفردية. لكنها في الأمة الإسلامية -وفي المستوى الاجتماعي لـ”لا إله إلا الله”- فصلت المسلمين عن نموذجهم الاجتماعي، وأحلت محله نموذجًا علمانيًّا غربيًّا أنتجته سلسلة من الصراعات بين مختلف المكونات الدينية والاجتماعية في أوروبا، لا تجمعها بالطبيعة الاجتماعية للإسلام أيَّة صلة.

أما النموذج العلماني الحالي فهو يعتمد على بنية “الدولة القومية الحديثة”؛ التي أسسها الاحتلال في كل بلادنا العربية بعد أن أصبح هذا النموذج هو المعمول به والمُعمَّمَ في الغرب. وهو لا يتمركز حول قيمة مطلقة، بل يعتبر “الدولة” هي القيمة المطلقة، وهي الإله الذي يتمركز حوله كل شيء، حتى المؤسسات الدينية للمجتمع.

وشبَّهَ عالم الاجتماع الألماني “زيجمونت باومان” الدولة الحديثة “بالبُستاني الذي يميز بين النباتات الضارة والنافعة، والطبيب الجراح الذي يحدد مقاييس المرض والصحة ، والمهندس الذي يدير الفضاء الذي يتحرك فيه المواطن”.[1]

ويقول “محمد جلال كشك”: “نحن نعيش في دولة شمولية تعتمد نظام الحكم المطلق الذي يعتمد على كون الدولة هي الأكبر في كل مجال، وبالذات في الميدان الاقتصادي؛ لأنه هو المتحكم في مواقف الناس وحساباتهم وقراراتهم أو كما كان عبد الناصر يقول: إن أفضل طريقة لحكم مصر هي جعل كل مصري يأكل من “تحت يد الحكومة”.[2]

ويقول صاحب كتاب “الزحف المقدس تأميم الدولة للدين” ما نصُّه: “وبدت الدولة في نصها المركزي والاستبدادي تمارس أقصى درجات الرقابة، جاعلةً عناصر الرقابة عليها محض خيال، أو مساءلتها محض استحالة، والسؤال عن حُسن حكمها أو سوئه من اللامفكر فيه ولا في الخيال. ووقع كل ذلك في دائرة الممنوع، وسياق المكبوت.”[3]

لكن يبدو أن من أهم آثار الدولة القومية على الاجتماع المسلم، هو تحريفها لـ”الأدوار الرِّساليَّة” التي كانت صلب الأمة. ويتضح أكثرَ في مجال تكوين الجنود النظاميين، وقد أدرك أعداؤنا هذا جيدًا.

ففي حوار حدث في حرب 1948 بين ضابط عربي كان أسيرًا لدى جيش اليهود وبين قائد إسرائيلي؛ عبَّرَ خلاله هذا الأخيرُ عن إعجابه بالمتطوعين المسلمين الذين واجهوهم في ساحة المعركة بعكس الجنود النظاميين. ما أثار دهشة الضابط، وسأل فورًا: وماذا في ذلك؟! لقد هجمتم على مواقع أخرى فيها قوات أكثر، وفي ظروف أصعب؟

أجاب القائد الإسرائيلي: إن ما تقوله صحيح. لكننا وجدنا أن هؤلاء المتطوعين من المسلمين المتعصبين يختلفون عن غيرهم من المقاتلين النظاميين، يختلفون تمامًا؛ فالقتال عندهم ليس وظيفةً يمارسونها وفق الأوامر الصادرة إليهم، بل هو هواية يندفعون إليها بحماس وشغف جنوني، وهم في ذلك يُشبهون جنودنا الذين يقاتلون عن عقيدة راسخة لحماية إسرائيل”. 

ويواصل الإسرائيلي حديثه:

“لكنْ هناك فارق عظيم بين جنودنا وهؤلاء المتطوعين المسلمين. إن جنودنا يقاتلون لتأسيس وطن يعيشون فيه، أما المتطوعون من المسلمين فهم يقاتلون ليموتوا. إنهم يطلبون الموت بشغف أقرب إلى الجنون، ويندفعون إليه كأنهم الشياطين. إن الهجوم على أمثال هؤلاء مخاطرة كبيرة، يشبه الهجوم على غابة مملوءة بالوحوش. ونحن لا نحب مثل هذه المغامرات المخيفة. ثم إن الهجوم عليهم قد يثير علينا المناطق الأخرى، فيعملون مثل عملهم، فيفسدون علينا كل شيء، ويتحقق لهم ما يريدون”.[4]

وفي هذه التلميحات نفهم سبب تأميم الدولة القومية لكل المهام الاجتماعية للأهالي، واستئثارها بها. بالتالي إلغاء المكونات الأهلية الوسيطة ومهامها الحيوية، وإيقاف نشاطاتها وتحويل الحياة إلى ثُنائية (سلطة – مجتمع)، وتضييق هامش العمل الأهلي إلى حد أدنى لا يمكن معه تحقيق كفايات المجتمع. وبالتالي تخريب شبكة المهام الحيوية التي تمثل المستوى الاجتماعي للإسلام.

أثر النموذج العلماني على الدافعية الذاتية للمجتمع، وكيف تمَّ كسر بأس الأهالي؟

عاشتْ الأمةُ الإسلاميةُ -على طول تاريخها وفق نموذجها الاجتماعي- فتراتٍ اتَّسمتْ بصلاح الحكام، وأخرى بفسادهم. والملحوظ في كل الأحداث -خاصةً في حالة عدوان خارجي على الأمة، حتى في حالاتٍ تخلَّفَ فيها الملوك عن دورهم في مشاركة الأمة في دفع عدوها-؛ الملحوظ أنه -وبرغم هذا- كان للمجتمعات المسلمة “دافعية ذاتية” تحركها رغم قعود الساسة.

فطبيعة النموذج الاجتماعي في الإسلام يقتضي حركة المجتمع وفق منظومته القيمية، وتحقيق كفاياته؛ لسد الحاجة التي من أجلها تأسست شبكة المهام الحيوية. وكما أنه في كل العصور أنتجت الأمة النبوغ العلمي، وظهر علماء أفذاذ -حتى في أحلك الفترات التاريخية التي تقهقرت فيها القيادة السياسية-؛ فإن حركة مقاومة المُعتدين على دين ودماء ومقدسات المسلمين لم تتوقف بتوقف الحكام على ذلك.

بقي “بأس الأهالي” قائمًا بين أفراد وجماعات المجتمعات المسلمة، وبقيتْ عزَّتُهُم بدينهم وإباؤُهُم وعدمُ قبولهم الاحتلالَ سمةً بارزة تغذيها “شبكة الكفايات” التي تؤسس المناعة الداخلية للمجتمع، وإنْ فسدت السلطة.

ومن جهةٍ أخرى يُمثِّلُ تعطيل حركة المسلمين في وجهتهم ورسالتهم التي كُلِّفوا بها وتحويل البأس -الذي إنْ توفر فيهم نهضوا لحماية بيضتهم وأمنوا أعداءهم-؛ يُمثِّلُ هذا التعطيل أحد أسباب تصاعد الخلاف بينهم وتحويل بأسهم إلى الداخل.  عن عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ. حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً:

سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا،

وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا،

وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا“.[5]

كسر بأس الأهالي كمقدمة للاحتلال الخارجي

مع بداية الحملة الفرنسية على مصر، بدأ التأثر بالنموذج الغربي المُمثَّل في الدولة القومية الحديثة، وحملت شخصيات من العالم الإسلاميّ على عاتقها مهمة التحديث؛ باستنساخهم النموذج الجديد مقابل إلغاء النموذج المحلي. وكان “محمد علي” -المُلقَّب بـ”أبي الدولة القومية العربية”- صاحب أول تجربة لتحويل بلد من بلدان المسلمين إلى دولة علمانية. فعمل على مصادرة مهام المجتمع، وتأميم النشاطات الأهلية لصالح الدولة، وشيَّدَ المصانع، وبنى المدارس العسكرية وأسس الجيش النظامي؛ الذي لم تكن مهمته الأساسية جهاد أعداء الأمة في سبيل الله، بل أصبح اضطهاد المجتمع وإطاعة الأوامر في سبيل الحاكم، وحراسة النظام بلا اعتبار لتوجهاته.

ولم تكن تجربة “محمد علي” الوحيدة في محاكاة الدولة العلمانية الحديثة، بل كانت محاولتا “داوود باشا” و”مدحت باشا” في العراق، وقبلها محاولة الخليفة العثماني “محمود الثاني” الذي عمل على التخلص من الجيش الانكشاري ثم الإتيان بخبراء غربيين لتأسيس جيش حديث، ومحاولة نظام “البايات” في تونس خاصة في عهد “مصطفى الصادق باي” باستحداث مدارس للعسكر النظامي يشرف عليها أجانب. وكان أثر هذا التغيير عميقًا، خاصةً بإخراج الجانب الرِّسالي-القيمي الكامن في عبادة الجهاد، وتحويلها الى جندية تتمركز حول النظام وسياساته.

رافقت تجاربَ التحديث التي جرت في العالم الإسلامي صورٌ من البطش والاستبداد تجاه الأهالي؛ في عملية السطو على مهامهم الحيوية التي كانت تمثل نبض الأمة، وتأميمها لصالح الدولة، وإلغاء الجماعات الوسيطة، وفي عملية ترسيخ فكرة التجنيد الإجباري في الجيش النظامي؛ والتي كانت غير مقبولة شعبيًّا في البدايات، وقابلها الأهالي بالتوجس ومحاولات الهروب من التجنيد. ثم وُجِّهت هذه المكونات العسكرية الجديدة نحو قمع الاحتجاجات والثورات الشعبية، والتوجه لبناء صروح مادية على أنقاض من البشر. ما كسر جزءًا كبيرًا من بأس الأهالي.

نماذج من مآلات كسر بأس الأهالي

كان لتنحية النموذج الاجتماعي عن حياة المسلمين، واستبداله الدولة القومية الحديثة، آثارُهُ العميقة في طريقة تفاعل الاجتماع البشري على امتداد الأمة مع القضايا والمُلِمَّات التي عايشوها بعد تأسيس هذا النموذج الجديد. ومن ذلك انحسار الحركية الداخلية المتحررة، وتضييق مجال الإبداع والنبوغ الشعبي…

لكنْ كان من أكبر آثار كسر بأس الأهالي هو صناعة “القابلية للاستعمار” في شعوب هذه الأمة، ما مهَّد الطريق لموجة الاحتلال اللاحقة. سنحاول التعرض إلى بعض النماذج التي وقعت فيها عملية كسر بأس الأهالي التي تزامنت مع تأسيس الدولة العلمانية الحديثة في بلدان عربية، ونقارن تفاعل الشعوب قبل تأسيسها وبعده.

دور تجربة محمد علي في مصر في صناعة القابلية للاحتلال الإنجليزي

تعرضت مصر ما بين سنة 1798م و 1801م إلى حملة احتلال فرنسية، غزت خلالها جيوش الجنرال “نابليون بونابرت” البلاد مستعينةً بالتفوق العسكري والتقني للجيش الفرنسي. لكن الحملة الفرنسية لم تكن ذات أهداف توسعية بالأساس، بل حمل معها “نابليون” التبشير بالنموذج الاجتماعي الغربي. لكن برغم الفارق العسكري شهدت مصر مقاومة شعبية كبيرة للوجود الفرنسي على مختلف المستويات، أدت في النهاية إلى الثورة الشعبية التي طردت “نابليون” -وعساكره- الذي عجز أن يبقى في مصر أكثر من عامين ونصف.

ثم جاء “محمد علي” باشا بعد الحملة الفرنسية، وحكم مصر بين سنتي 1805م و1848م. ليدفعه الانبهار فيحاول تأسيس نموذج غربي في الشعب المصري. وبدأ في نزع السلاح من الأهالي، وأوقف التعليم الأهلي وأنشأ تعليمه، وألغى الوقف، واحتكر الزراعة والصناعة، وصنع جيشًا نظاميًّا؛ وذلك بدايةً بإرسال ابنه “إبراهيم” باشا للسودان لجلب مجندين إجباريين -الذين مات أغلبهم في الطريق والأوبئة-، فقرر جلب مجندين من الصعيد المصري قسريًّا، وجاء بخبراء أجانب غربيين لتدريب الجيش الذي تميز بقوته عسكريًّا. لكن وقع إلغاء الرِّسالية والقيم الدينية ونزعها من بنيته.

وقد وقع أنْ رفع “محمد علي” الضرائب على الشعب، ما أثار ثورة الناس في الصعيد، فأرسل الجيش لقمع أهلهم وذويهم. والمفاجئ أن الجنود ضربوا أقاربهم بالنيران، وبلغ الأمر أن أحد الجنود وجد أباه في الاحتجاجات فأمره بالاستسلام فرفض فقتله! فقام بعدها “محمد علي” بترقية هذا الجندي الذي قتل أباه إلى رقيب، مكافأةً له على ما فعله.

ثم جاء الإنجليز لاحتلال مصر، وهي دولة فيها أسطول حربي كبير ومؤسسات نظامية ضخمة. لكن في هذه المرة وللمفارقة استطاع الإنجليز احتلال مصر والبقاء فيها سبعين سنةً. رغم كل ما بناه “محمد علي”، إلا أنه قد صنع الأشياء وهدم الإنسان. لقد كسر محمد علي بأس الأهالي، وأنهى دافعيتهم الذاتية كمجتمع؛ ما سهَّل على المحتل الخارجي الاستيلاء على البلاد والمكوث طيلة هذه العقود بين الناس.

دور حملة الزجر في تونس في عهد “محمد الصادق باي” وصناعة القابلية للاحتلال الفرنسي

محمد الصادق باي

كان النموذج العلماني الحديث قد بدأ يستبدل بالنموذج الاجتماعي في تونس، وكانت الإحداثات الجديدة التي أحدثها “بايات الإيالة” التونسية معبرًا عن هذا الاستبدال؛ فقد أرسى الباي …. أول مدرسة عسكرية نظامية ليشرف عليها مدرسون أجانب خاصة من فرنسا، كخطوة لصناعة عسكر نظامي يدين بولائه للباي.

وفي عهد “مصطفى الصادق باي” (حكم بين 1859 و1882م) -وفي سنة تحديدًا- صدر دستور عهد الأمان؛ الذي كان ترجمةً للضغوط الغربية في صورة قوانين تفرض على الشعب، وتسلب منه أحقيته في بلاده. وذلك لمساواة الدستور بين مسلمي بلاد الزيتونة وعقبة وبين الأجانب أصحاب الديانات الأخرى. ليُلغى الدين لأول مرة في تونس كعنصر معتبر في الحقوق والواجبات؛ بالتالي فتح الباب لاستباحة الغرب للبلاد ومقدراتها.

كما شهد حكم “مصطفى الصادق باي” فسادًا ماديًّا وبذخًا في القصر وإطلاق أيدي الحاشية في النهب مقابل فقر مدقع بين الأهالي في بقية ربوع البلاد. ومكنت الوصاية الخارجية أكثر فأكثر عبر سياسة الاستقراض. وكانت القطرات التي أفاضت الكأسَ حين وقع تغيير نظام التقاضي من محلي قريب إلى السكان إلى مركزي يستوجب التنقل والمعاناة، ومضاعفة الجباية؛ التي أثقلت كاهل الشعب وصاعدت من غضبه.

فقامت ثورة قادها علي بن غذاهم سنة 1864 ليلتف حوله الشعب، ولقَّبوه بـ”باي الشعب”. ومع انتهاء الثورة بسجن “علي بن غذاهم”، قاد البايُ وعُمَّالُه ما سمِّي بحملة الزجر، والتي تم خلالها كسر بأس الأهالي وإذلال الرعية بأنواع شتى من الممارسات؛ من تعذيب ﻷعيان وأفراد السكان، إلى سجن واعتداء على الشرف، إلى ابتزاز مالي لكبار التجار والميسورين، إلى إرغام أهل البلاد على الاقتراض من اليهود المرابين بفوائض مجحفة، وغيره من العقوبات.

لقد بدأ جليًّا أثر الاستبداد الذي مارسه الباي وعمَّالُه في كسر بأس أهالي تونس؛ خاصة بتمكن الاحتلال الفرنسي من الاستيلاء على البلاد، وإبرام معاهدة الاحتلال التي سميت بالحماية. فقد حدثت هبَّةُ مقاومة شعبية منذ وطأت أقدام الفرنسيين تونس، لكن الاحتلال استطاع أن يبقى بجنوده وإداريِّيْه حتى سنة 1956م، ثم سلم البلاد في مرحلة جديدة من الاحتلال غير مباشر لـ”بورقيبة”، ولا تزال تونس تحت الاحتلال إلى يومنا هذا.

خاتمة

لقد هيمن الغرب على حياة المسلمين بفصلهم كمجتمعات عن دينهم؛ لا في المستوى السياسي فقط (وذلك بإقرار نظم تعتمد النموذج السياسي الغربي كمُسلَّمة من المُسلَّمات)، بل تسلل هذا التطبيع حتى لبعض الجماعات المحسوبة على الإسلام؛ والتي أعطت الشرعية لهذا النموذج عبر أسلمته وشرعنته.

لكن الهيمنة امتدت لفصل المسلمين عن نموذجهم وأسلوبهم في الحياة الاجتماعية؛ ذلك المحور الحيوي الذي تنبع منه الدافعية النشطة لطاقات أفراد وجماعات المجتمع، والذي بقي طيلة وجوده كمنظومة اجتماعية محركة للمسلمين ومانعة من الضعف الاجتماعي حتى في أصعب الفترات التاريخية.

وإن العالم اليوم يعج بالنظريات الاجتماعية التي أنتجها الغرب والشرق، والتي يراد لنا أن نكون عبيدًا داخلها، بينما نحن نملك نموذجنا الاجتماعي الفريد، المنبثق عن المنظومة القيمية الفريدة، والذي على المسلمين إعادة اكتشافه وتفعيله في واقع الحياة؛ ليس كشعارات اجتماعية داخل المنظومة العلمانية، بل كعمل رِسالي منطلق من ثوابت الإسلام الأصيلة، التي لا تلتقي مع منظومة الاحتلال الاجتماعية التي تقيد طاقات الأمة.

إننا بحاجة لنقلة جديدة في التفكير خارج الأطر المحددة، نقلة حضارية نابعة من وعينا بذواتنا التاريخية تعبيرًا كاملًا عن أمة لها رسالتها للعالمين.

313

المصادر
الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.