إن دراسة الشخصيات تثمر فهم النفوس البشرية وما انطوت عليه من فضائل يحسن التعرف عليها ومحاكاتها، وما تميزت به سيرهم العطرة من مواقف جريئة ينبغي لنا الاقتداء بهم فيها.

إن الدراس المتفحص لشخصية أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ليجد أنها نموذج جامع لأنماط شخصية مختلفة، فالصديق أمة في رجل، ورجل في أمة.

الشخصية الفريدة

أبو بكر الصديق

إن أبا بكر الصديق نموذج راق للشخصية الفريدة من نوعها، فهي بحق تستأهل البحث والتمحيص لأجل تواصل الأجيال مع بعضهم البعض من جهة، والإفادة من التراكمات المعرفية والخبراتية التي عند هذه الشخصية من جهة أخرى.

إن من أعظم مناقب الصديق هو شخصيته المتوازنة في جميع الجوانب، وقَلّ هذا أن يتكرر في التاريخ لأحد من الناس!

لقد تمتع أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بسلامة المعتقد، وهذه من أهم سمات شخصيته الفذة، وكذا أكرمه ربه بالعلم الشرعي والرسوخ المنهجي بما يفضله على جميع الصحابة الكرام، وعلمائهم الأعلام، ثم تحليه بمكارم الأخلاق كالصدق والشجاعة والمروءة، ثم علو همته التي طارت لطلب المعالي، واسترخصت في سبيلها كل غال.

إن سيرة أبي بكر الصديق نموذج يقتدى، ومثال يحتذى للشخصية القيادية وذلك من خلال حُسن تقديره -رضي الله عنه- للأمور، وكفاءته المتناهية في اتخاذ القرارات المناسبة بين منطقة العقل ورقة الشعور، وتواضعه الجم على علو منزلته، وما كان له من وفور!

إن الصديق قد رسم معالم الشخصية المؤثرة من خلال فضائله ومواقفه، ولذا سأحاول -مستعينًا بالله- تحليل شخصية الصديق صاحب رسول الله من خلال هاتين النقطتين سالفتي الذكر: فالفضائل هي صفات وخصائص تميز الأشخاص عن بعضهم البعض، والمواقف هي أقوال وأفعال وأحوال على مدارها تحلل شخصيات النساء والرجال، والفضائل والمواقف هما عنوان أي شخصية بشرية.

إننا إذا أردنا التعرف على أبعاد شخصية الصحابي الجليل أبي بكر الصديق – رضي الله عنه –، فلا بد من طرح سؤالين اثنين:

ما هي أهم فضائل أبي بكر الصديق؟

لقد تميز أبو بكر الصديق بخمسة فضائل أساسية وهي:

  • العلم الدقيق.
  • الإيمان الوثيق.
  • الحب العميق.
  • القلب الشفيق.
  • العهد العتيق.

فالصديق أعلم الأمة كما ذكر شيخ الإسلام بن تيمية، والأدلة كثيرة على أنه عالم الصحابة وشيخهم الوقور، ولعل منها: أن النبي –صلى الله عليه وسلم– استخلفه في الحج سنة تسع من الهجرة، وقدَّمه أيضًا في الصلاة على كل الصحابة، وكان الصديق مستشار النبي –صلى الله عليه وسلم- ويفتي بحضرته -صلى الله عليه وسلم- ويقره على ذلك.

والصديق أعظم الأمة إيمانًا بالله، فقد تغلغلت كلمة التوحيد في سويداء قلبه، وانعكست آثارها في حياته، يقول أبو بكر بن عياش:

«لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح»

ثم إن حب الصديق للنبي فاق كل حب لمحبوب على وجه الأرض، بل هو الحب الخالد، بخلود النبي-صلى الله عليه وسلم-.

وأيمُ الله لقد أحب أبو بكر الصديق محبوبه بكل جوارحه، بل ليس هناك على ظهر الأرض من يحب رسول الله كالصديق-رضي الله عنه-! ومن أوضح الأدلة على ذلك جهد الصديق وآله في الهجرة إلى المدينة، ولعلي لا أكون مُبالِغًا إن قلت: إن من طرق تحصيل محبة النبي –صلى الله عليه وسلم- هو محبة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه-.

لقد كان الصديق آخذًا بطرف لسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وكان الصديق –رضي الله عنه- شديد التضرّع والمناجاة لله، ففي الصحيحين أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».

ولقد أخذ أبو بكر الصديق العهد على نفسه لإعلاء كلمة الله ونصرة رسول الله، فجاهد مع حبيبه ورسوله –صلى الله عليه وسلم- وحضر المشاهد كلها معه.

ألم يثبت الصديق مع الرسول يوم أحد! ألم يدفع أبو بكر الصديق إلى النبي راية يوم تبوك السوداء!

ما هي أهم مواقف أبي بكر الصديق في حياته؟

في الحقيقة، يستحيل إحصاء كل مواقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بالمرة، لكن حسبنا أن نتعرض لبعضها فقط، ومنها:

ما رواه مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله: ‹ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة›.

ولله در القائل:

يعد بألف من رجال زمانه *** لكنه في الألمعية واحد

إن هذا موقف رائع يدل على علو همة الصديق وتميزه عن باقي الصحابة فقد ضرب بسهم في كل معروف، وهو يعكس مسابقة الصديق في الخيرات.

روى البخاري في صحيحه أن أبا بكر يعول مسطح بن أثاثة، فلما قال في عائشة ما قال من حادثة الإفك، أقسم أبو بكر على ألا ينفعه أبدًا، فلما أنزل الله قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

فقال الصديق: بلى أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

والصديق كان ممن ثبت مع النبي –صلى الله عليه وسلم- في جميع الأحوال، وإليك ما كان من الصديق وآية الجمعة، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله: بينما النبي يخطب يوم الجمعة إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت الآية: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

وموقف الصديق عند وفاة النبي من أعظم المواقف على الإطلاق، فقد بين للعالم ثقل وزن الصديق وعلو كعبه ورباطة جأشه حين قال قولته الخالدة:

«من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت» ثم تلا قوله تعالى:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).

وموقف الصديق مع المرتدين يوضح حزمه -رضي الله عنه- مع المفسدين، وصرامته مع المارقين، فقد قال بشأنهم: ‹والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها›.

ختامًا

لقد عاش أبو بكر الصديق الإسلام بكل ذرة في كيانه، وأحب رسول الله حبًا ملأ عليه جوانحه، فعاش بهديه: «فأنا متبع ولست بمتدع» وحمى غرسه، ومات وقد طلب أن يدفن بجانبه.

رضي الله عن الصديق وأرضاه، وجزى الله شيخ الإسلام الوقور خيرًا على ما بذله من جهد لنصرة الرسول وما قدمه من دعوة لهذا الدين العظيم. وصلِّ الله وسلم على محمد النبي الكريم.

5793

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.