اسرق عشر دقائق من زمنك، ومُرَّ خلالھا على أكبر قنوات الیوتیوب وأكبر حسابات “التيك توك” وعلى اھتمامات مؤسسات إعلامیة كبرى في عالمنا العربي، وما تعرضه من برامج تدعو لتكوین ناشئة لا ھمّ لھم سوى الغناء والتمثیل والرقص والمقالب والخُدع.

ستعلم حينها حجم الأثر وعُمق تغلغل التفاھة في المجتمع، وإن سلّمنا بأن جیل الشباب الحالي ھو الجیل الذي تربّى على أفلام الكرتون وأفلام ھولیوود، فقف للحظةٍ وتخیل كیف سیكون وعي الجیل الجدید الذي ینشأ تحت أحضان نتفلیكس!

ما ھي نتفلیكس؟

نتفلیكس

تُعدُّ شركة نتفلیكس الیوم من أكبر الشركات الإعلامیة الأمریكیة، یقع مقرھا في مدینة لوس آنجلوس، تأسّست عام 1997م وتطوّرت من شركة صغیرة حتى بلوغھا 200 ملیون مشترك الیوم -حسب بیانات نتفلیكس- تبُث الشبكة البرامج التلفزیونیة والأفلام والوثائقیات والمسلسلات بأكثر من 30 لغة في 190 دولة حول العالم.

لكن ھذه الشركة تُخفي وراء ھذه الضخامة والشعار الأحمر البرّاق والإنتاج الكثیف للمحتوى تحت حُجّة الترفیه، العدید من العقائد والأجندة والقیم التي تبُثُّها بصورة ممنھجة في عقول المجتمعات حول العالم، وقد اتّخذت نتفلیكس أخبث طریق وأكثره رسوخًا في لا وعي الإنسان؛ ألا وھو طریقُ تكرار الأفكار عبر الأفلام والمسلسلات بكثافة إنتاج ودعایة وتسویق كبیرین لمحتوھا.

مجرد ترفیه

قبل أن تھاجمني بالجملة المعھودة التي تحفظھا “ھذا مجرد ترفیه” سأصدِمك بمقابلة أجرتھا صحیفة نیویورك تایمز مع مؤسس شبكة نتفلیكس “رید ھاستنغز” إذ ذكر أن ھدف نتفلیكس ھو نشر أسلوب الحیاة الغربي، ثم سأله المذیع عن ماذا لو طُلبِ من نتفلیكس حذف المحتوى الذي یتعلق بالشذوذ والإباحیة؟ فصرّح قائلًا أنھم لن یقوموا بحذف ھكذا محتوى لو طُلب منھم ذلك.

إذًا فقد بات واضحًا لنا ھدف ھذه الشبكة العملاقة كما ذكره مؤسسھا بصراحة كبیرة؛ وھو نشر أسلوب الحیاة الشّاذ والمُنحرف، فبالكاد یخلو مسلسل أو فیلم لنتفليكس من شخصیة شاذة في سیاق درامي مؤثر، لترسخ في وعي المُشاھد وتحوّله من إنكار مثل ھذه الأفعال القبیحة إلى تقبّلها.

كما تتوزع مشاھد السخریة من الأدیان والترویج للمخدرات والتطبیع مع كُل ما ھو قبیح ھنا وھناك بین طیات قصصھا الدرامیة، حتّى لا یعود ھناك فرق بین الأمریكي الذي یعیش في مجتمع إباحي ومنحلّ أخلاقیًا، وبین من یعیش في مجتمع محافظ له قیمه السمحة وأخلاقه القویمة.

فالجمیع استطاعت نتفلیكس أن تصل إلیھم عبر خدمة الإنترنت وسھولة الوصول للمحتوى بضغطة زر، ولن تُفوت ھذه الفرصة في تغییر وعي المجتمعات وخصوصًا المجتمعات المسلمة؛ فھي من أكثر المجتمعات محافظةً وتمسّكًا بتعالیمھا.

كما أن الفكرة الثانیة “الخدّاعة” ھي فكرة أن نتفلیكس تُنتج ھذا المحتوى المثیر للجدل لتزید عدد متابعیھا وتُحقق أرباحًا أكثر، ولو توقف قائل ھذا القول قلیلًا وفكر وسأل نفسه؛ ألا تجِد نتفلیكس غیر المحتوى الإباحي والشاذ لإثارة الجدل؟ إذ بإمكانها تحقیق الأرباح عبر العدید من القضایا، ولكن آخر الأحداث التي تؤكد أن ھدف نتفلیكس لیس الربح فقط لمن يزال مُنكرًا لهذه الحقيقة؛ هو نشرھا لفيلم “كیوتیز”.

فعندما نشرت نتفلیكس الملصق الدعائي للفیلم أول مرة، اتُهمت بالترویج للبیدوفیلیا -اشتھاء الأطفال- وانطلقت من بعد ذلك حملة “قاطعوا نتفلیكس” التي اجتاحت العالم وبلغت خسائر الشركة 9 ملیارات دولار، ورغم تلك الحملة الكبيرة، لم تقلق نتفلیكس على إیرادتھا وأربحاھا، وكُلُّ ما قامت به هو الاعتذار وحذف المُلصق الإعلاني، لكنھا أصدرت الفیلم.

كیف تؤثر نتفلیكس في وعي الأجیال الجدیدة؟

نتفلیكس

یُعدُّ الإعلام الترفیھي أشد أثرًا في النفوس وذلك لأنه يُخاطب العقل اللاواعي، فمواد الترفیة والتسلیة واللعب معدودة في علم النفس بأنّھا من أكثر المواضع التي تضعف فیھا دفاعاتك النفسیة، وقد ثبت علمیًا أن وسائل الإعلام تعمل على غسل الدماغ وتساھم في صناعة عقلیة الأفراد والمجتمعات، فالعقل اللاواعي یتفاعل ویستجیب بطریقة تلقائية بناءً على ما خُزِّن فیه من قبل، خصوصًا في مرحلة الطفولة.

كما أن تكرار المُدخلات على العقل اللاواعي یجعلھا راسخة فیه، یقول الدكتور “عبد الرحمن ذاكر الھاشمي”؛ الطبیب النفسي واستشاري علم النفس التربوي والعلاج النفسي: “أن المدخلات ھي كُل ما تتلقاه النفس عبر حواسها المختلفة”، وتؤثر ھذه المدخلات في النفس الإنسانیة.

لذلك فإن التأثُّر الذي قد لا تتخيله وتدركه، واقع لا محالة ویترك أثرًا في نفسك، فماذا لو كانت ھذه المدخلات ھي أفلام ومسلسلات نتفلیكس! وما بالك حین تُغرس قیمُ نتفلیكس في الشباب والمراھقین والأطفال.

أجرت مؤسسة غالوب مسحًا على نسبة تقبُّل الشذوذ في المجتمع الأمریكي، فكانت النتيجة 27% في عام 1996م، ثم في عام 2015م ارتفعت النسبة إلى 60%، إذ ستجد أن للإعلام ومنتجاته ولنتفلیكس تحدیدًا دورٌ كبیرٌ في ذلك، فبعد عام 2010م بدأ الترویج لمحتوى الشذوذ یظھر بكثافة عبر المؤسسات الإعلامیة الأمریكیة وعبر نتفلیكس، ما أدّى إلى تحویل الوعي الجمعي للمجتمع الأمریكي.

كما تُركِّز نتفلیكس على فئة الیافعین والشباب فنظرتھا المستقبلیة تقضي بإیجاد أجیال بوعي جدید مشوّهٍ ونمط حياة یتقبل كُل ما یُخالف الفِطرة، في عام 2015م كانت نسبة المراھقین الذین یتابعون نتفلیكس تبلغ حوالي 34%، ومن ثم ركّزت نتفلیكس على ھذه الفئة عبر محتواها فارتفعت النسبة إلى 55%، وبحسب الإحصائيات فإن أغلب المراھقین ینتمون للطبقات الفقیرة والمتوسطة.

سعت نتفلیكس كذلك إلى نشر ثقافة الإدمان بین مشتركیھا، إذ قامت بتكرار وترویج عبارة “إدمان المشاھدة” أي بمعنى مشاھدة حلقات العرض التلفزیوني دون توقف، في بدایة عام 2013م شجع “رید ھاستنغز” رئیسھا التنفیذي على إدمان المشاھدة قائلًا إنها “هروب من الواقع”.

ذُكرت كلمة “إدمان” أكثر من 15 مرة في بیانات الشركة الصحفیة عام 2017م، وبالطبع كُلّما أدمنت أكثر تطبعت أكثر مع قیمھا وأفكارھا، فما تكرر على النفس تقرر فیھا.

كُل ھذا یدفعنا للقول بأن نتفلیكس تعملُ عبر خُطة مدروسة لنشر ثقافة الحیاة الفاسقة، وتطبیع الناس علیھا -ولیس هذا فحسب- بل تطبیعھم مع الغنوصیة والباطنیة وعبادة الشیطان والاستخفاف بالأدیان وإنكار الغیبیات، وغيرها من الأمور التي لا تعدو إلا كونھا فتنًا تأخذ الناس وتھیئھم نحو الفتنة الكُبرى؛ ألا وھي خروج المسیح الدجال.

فعن أبي وائل عن حذیفة قال: ذكر الدجال عند رسول ﷲ صلى ﷲ علیه وسلم فقال:

لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، ولن ینجو أحد مما قبلھا إلا نجا منھا، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنیا صغیرة ولا كبیرة إلا لفتنة الدجال.

خلاصةُ التطبیع مع شذوذ الفطرة

إن لم تحصل نتفلیكس على جیل مُسلم یُغیر دینه، فیكفیھا ويُغنيها أن تحصُل على مسلمٍ بشخصیة شفّافة يتسمّى بالإسلام ويخالفه في شرعه ومنهاجه وسماحته، فتجده یُسمّي موافقته على الإباحیة وأفعال قوم لوط “تقبّلًا”، ومشاهد الاستخفاف بالأنبیاء والأدیان “حریة”، وھكذا تكون قد حققت مُرادھا بعولمة المجتمعات المختلفة على نمطھا المُنحلّ أخلاقیًا.

الابتعاد عن الوحي له دور كبیر في انحراف الإنسان عن الصراط المستقیم، وتقبله لما یخالف فطرة ﷲ سواء كان صغيرًا أو كبیرًا، والأجیال الجدیدة المنغمسة في الملذات والمُلھیات الكثیرة -والتي لا تأخذ من منھل الشریعة إلا القليل- في بحر مطلاطم من أمواج الثقافة الغربیة الغالبة، تزید قابلیة تشربھم لفتنة نتفلیكس وتأثرھم بما فیھا من عقائد شِركیة وانحلالٍ أخلاقي.

لا تتعجب كذلك من ھشاشة الأجیال الشابة والیافعة وضعف تحصینھم العقدي، فمع انشغال الأھل وتركهم للأطفال والمراھقین جالسین بالساعات أمام الھواتِف وشاشات التلفزة، دون أدنى اكتراث لما یشاھدونه على اعتبار أنه ترفيه فقط! يصل بنا لتلك النتائج.

الأضرار كثيرة لا تُحصى ولا تُعد، والفتنة عظيمة لا يُستهانُ بِها، وربما نرى أثرها في مقبل الأيام في مجتمعاتنا المسلمة كما رأينا أثر موجة الإلحاد، فحركة العصر الجديد تهدُف إلى الوصول بالناس لعبادة الشیطان وإظھاره على أنه المُنقذ والمُخلِّص، وقد عرضت نتفلیكس مسلسلًا بعنوان “لوسیفر” وھو اسم للشیطان، كشخصیة طیبة ووسیمة تُساعِد إحدى المحققات في الكشف عن جرائم القتل.

طریق الصراط المستقیم لا طریق نتفلیكس

نتفلیكس

حين تتعامل مع ھذه الشبكة ومع كُل وسائل الإعلام الترفیھي، ضع هذه الجملة حلقة في أذنك “ما تراه ليس ترفیهًا” فالترفيه لیس سوى كلمة رنّانة، تُخفي خلفھا كُل أنواع الفسوق والشذوذ عن الفطرة والشرك باللَّه في عالم قائم على اللذة فقط.

سمِّ الأسماء بمسمیاتھا، ولا تدع الإعلام یُنبت فيك وفيمن ترعاهم بذرة لا تنتمي لفطرة الإسلام، وما أصعب الحِفاظ على دین أطفالك وفطرتھم السلیمة في ظل المُدخلات الكثیرة من حولھم، فینبغي علیك أولًا أن تزكي نفسك وتشحذ همّتك، وتعرف سُبل الوحي في درء الفِتن عن نفسك أولًا ثم عن أھلك ومجتمعك وأمّتك، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعیته.

ومن بعدھا ابحث عن سبل العارفین وأھل الاختصاص في تقدیم ما ینفع الأجیال الجدیدة ویغنیھم عن نتفلیكس وغیرھا من الوسائل الإعلامیة والألعاب الإلكترونیة وكُل ما یحید بالإنسان عن الصراط المستقیم.

465

الكاتب

د. إيلاف بدر الدين عثمان

إيلاف بدر الدين عثمان، خريجة صيدلة، باحثة في الدراسات الإسلامية والتاريخ وعلم الاجتماع.

التعليقات

  • عبد الحكيم الشهابي منذ أسبوعين

    نشكركم جزيل الشكر على هذا الاداء الاكثر من رائع والمشاركة الفعاله في صناعه الوعي لدى الشباب التائه المحبط في ضل هذا الكم الهائل من الفوضى و التناقض على مستوى الشعوب الاسلاميه والتي تجعل الحليم فيها حيران ونشد على ايديكم بمواصلة هذا المشوار الجهادي في رسم المعالم وتحديد الطريق ورفع مستوى الادراك بما يتناسب مع الوقائع والمستجدات في هذ الوقت .
    ولنا منكم رجاء نريد منكم ان تمدونا بدراسات تشمل معلومات عن الطبيعه المجتمعيه والوضع السياسي والاقتصادي والإجتماعي لمجتمع ما بحيث تساعدنا على تشكيل رؤيه واضحه لهذا المجتمع وتوجهاته فمثلا نريد نبذه مختصره عن افغانستان ومايدور فيها وعن الاعبين الاساسيين فيها وتوجهاتهم ومدى تأثيرهم على المجتمع او عن غزه وغيرها من الاقطار الاسلاميه في شتى البقاع .
    والله المستعان

    رد
  • معتز منذ أسبوعين

    جزاك الله كل خير.
    أتفق معك بشكل كبير وهو موضوع يشغلني كثيراً , فمجتمعاتنا نواجه موجة كبيرة من الدعوة للشذوذ عن الفطرة والعبثية والالحاد والمادية, وهذه المجتمعات لديها تحصيل ضعيف من العلم الشرعي غير كافي لرد أو الصمود أمام هذه الموجة.
    فنحن بحاجة الى محتوى مماثل للمساعدة لتنبيه وتحصين المسلمين.

    رد
  • ماجد أسعد شرف المجاب منذ أسبوعين

    موضوع مهم و معالجة قيمة نحتاجه في مثل هذا الانتشار الهائل لمثل هذه الشبكات في عالمنا العربي والإسلامي

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.