“كطريقة للدعاية السياسية، وكقناة لنقل الفكر والرأي، نجد أن الأفلام لا يجاريها أي شكل آخر من أشكال الاتصال.” هكذا تحدث “أدولف زوكور” عن الزاوية التي يستخدمها في النظر إلى السينما، وهي نفسها تلك الزاوية التي افتقدناها؛ فاستطاعوا تمرير ما شاءوا من الأفكار إلينا، فدائمًا ما نرى السينما وما يسمى الفن وسائلًا للترفيه فقط!

ولكن ماذا لو أضفنا الأيديولوجية والفكر إلى الصورة، هل ستبقى نظرتنا لتلك الأعمال كما هي؟ أم أن الصورة ستزداد وضوحًا؟ هل سيستمر ذلك الضحك إذا ما أبعدنا بعض المؤثرات وتصورنا المشهد كما لو كان واقعًا؟! أخرج نفسك من ذلك الإطار الدرامي الذي وضعتك فيه السينما وأسقط تلك الأمثلة على واقعك، وأجب عما إذا كنت ستقبل أن يحدث هذا في الواقع، وهل كانت ردة فعلك لتلك الأمور ستبقى كما هي؟!

نجحت المنظومة الإعلامية بفرعها السينمائي بالنيل منا على مدار السنين، كما استطاعت -وبحرفية عالية- أن تحدد مساراتنا وتلقننا أفكارًا ظننا أننا صانعيها، في حين أن إدراكنا لم يتخط كونه مستقبلًا لتلك الأفكار؛ ولما كان ذلك حاولنا هنا فك تلك الشفرات التي تحكمت بنا، وإفراغها من سحرها الدرامي مكتمل الحبكة، حتى نتمكن من رؤيتها بدون تلك المساحيق التجميلية التي أخفت معالمها.

السينما كأداة للتزييف الديني

ما يميز أي نظام عن آخر هو المنظومة الفكرية، فكيف إذا ما وصلت يد العابثين إلى ثوابت تلك الأنظمة وغيرت في جذور تلك الأفكار؟ فأصبح حاملو ذلك الفكر بين مغيب لا يعلم أساس نظامه الفكري، ومشوه الفكر اختلط عليه أصل فكره بالبديل، وآخر علم الأصل ولكنه أصبح منبوذًا من قومه لفكره الغريب عنهم والذي لا يشبه النمط الذي يسيرون عليه.

صورة الإسلاميين – أصحاب اللحى

السينما

لسنوات قريبة مضت ظلت فكرة “الشيخ” في أذهان المصريين مرتبطة بهذا الشخص الفوضوي المتطرف، مدعي الفضيلة في العلن، منتهك لمحارم الله في الستر، وفي الغالب يتحدث العربية الفصحى كتلك التي يجعلون أبا لهب يتحدث بها في أفلامهم القديمة، حتى أنك لا تستطيع التفريق بينهما إلا من خلال المظهر والذي يكون في معظم الأحيان جلبابًا أبيضًا قصيرًا يرتديه ذلك المتطرف.

تناولت السينما المصرية المجتمع الإسلامي بأكثر من طريقة اشتركت جميعها في تشويه تلك الصورة، فتجد الكاتب يتعمد إظهار مهمة الشباب في المجتمع الإسلامي لا تتعدَّ كونها اتباعًا أعمى لقادة الجماعات الإسلامية، والقادة في تلك المجتمعات الإسلامية لا بد أن تراهم منغلقي الفكر غارقين في الشهوات. أما الشباب الجامعي الملتحي الذي يُظهر غض البصر في الجامعة فهو يصاحب فتيات خارجها، كما أنه قابل لتغيير وجهة نظره في شخص مقابل “شاي بالياسمين”.

ما كل هذا الذي مَرَّ على عقلنا خلال نوبة الضحك التي انتابتنا؟! فبعد أن أنهى الكُتَّاب على صورة المسلم الملتحي ذي الجلباب اتجهوا إلى جزء آخر من الإسلاميين شهدت لهم مواقفهم داخل الجامعات في مقاومة الأنظمة، فبدأ الكُتَّاب بتغيير صورتهم لدى الجمهور.

أما صورة الداعية فحدث ولا حرج: ففي مشهد لا تربطه علاقة بأحداث الفيلم ظهر الداعية على أنه “متحرش” ففي رده على سؤال إحدى الحاضرات عن إهمال زوجها لها، كان رده: “انت تهملي! أمال ال عندي في البيت! أعدمها بقي” ثم تابع “هو في الحقيقة الإهمال نوعين: نوع عن عمد وفي حالتك أشك وإلا الزوج هنا يبقى معندوش نظر”.

ذلك التشويه لم ينل فقط الأشخاص العاديين أصحاب اللحى، ولكن أثره الأكبر يكمن في تشويه من يقومون بتعليم الناس دينهم، كيف ستأخذ دينك بعد الآن من ذلك الذي ارتبطت صورته لديك بكل ما هو سيء؟!

السينما

الحجاب

وعن ادعاء نقل الواقع: فقليل فقط من المسلمات غير محجبات -وهذا حرام بالطبع- ومع ذلك لا توجد سوى حالات فردية من الأفلام التي تظهر بها شخصية محجبة، وغالبًا تكون هذه الحالات نتيجة وجودها في منطقة شعبية، أو انتمائها لجماعة إسلامية وإظهارها بصورة متطرفة. وفي هذا الموضع لا أجد نفسي بحاجة إلى ذكر مشاهد أو أفلام للتأكيد على كلامي، سأكتفي بذكر آراء بعض النقاد والمخرجين: رأي الكاتب السينمائي “وحيد حامد” عن الحجاب: “إنها مسألة تركيبة درامية، فلا بد أن يتوافق المظهر مع الخط الدرامي للشخصية، يعني مش معقول اكتب عن مهندسة ومحجبة”.

لست بحاجة أيضًا للرد على جملة وحيد حامد التي يرى فيها كل المهندسات غير محجبات. غير أنني أود التأكيد على أن هذا هو فكر من يقدمون إلينا ما يُدعى بالفن.

علاقات الشباب والفتيات

لم تتوسع السينما في شيء مثلما توسعت في نشر الانحراف والزنا، ولكن لمعرفة المخرجين بأن الثقافة المصرية والعربية ترفض الإعلان الصريح عن تلك الأشياء؛ قاموا بتغليف تلك المشاهد بطابع كوميدي؛ حتى يمر علينا الأمر وكأنه جزء من التركيبة الدرامية، ولا أدل على ذلك من الحملة التي قام بها كثير من الشباب ضد إحدى مقدمات البرامج الحوارية عندما رأت مشاهدة الأفلام الإباحية ما هي إلا وسيلة للشباب “عشان يصبروا نفسهم”، الغريب في هذه الحملة أن المشاهدين رفضوا وهاجموا ما لم يعترضوا عليه من قبل، بل ما زالوا لا يعترضون عليه، فصاحبة هذا التصريح كثيرًا ما نشرت نفس الفكرة -بل وأسوأ منها- في أفلامها السينمائية ولم يعترض أحد، كل ما في الأمر أن المشهد الحواري كان واضحًا وصريحًا، رغم كونه لم يختلف في مضمونه عن السينمائي.

كم مرت علينا مشاهد من الكوميديا يقوم فيها شاب باصطحاب فتاة لمنزله؟ بل كيف أصبح الأمر عاديًا لمجرد أننا لم نرَ إلا أنهما توجها للمنزل!

فأي فكر سيترسخ في عقلك الباطن بعد مشهد يقوم فيه شخص بتغيير الموعد الذي تأتي له فيه صديقته للمنزل لأن ذلك البطل يقوم برعاية ابنة صديقه المسجون وهو لا يريد للطفلة أن ترى هذا!

خرج الأمر عن كونه دعوة للإسفاف والعري لزيادة عدد المشاهدين، بل أصبح استهدافًا لقيمنا الإسلامية التي تستوجب إقامة حدود.

السينما كأداة للانحراف الأخلاقي

تظل دائمًا المنظومة الأخلاقية الصحيحة ركنًا أساسيًا في بناء المجتمعات؛ لذلك فالتقصير أو التسامح مع من يتعمد المساس بهذا الركن أمر غير مقبول، ولقد تسامحنا كثيرًا مع من تعمدوا هدم تلك القيم الأخلاقية، ظنًا منا أن ما يفعلوه هو طرح للواقع وليس اختزال مخل وتغيير للحقائق، فلقد ساعدت السينما على انحراف المعايير الأخلاقية من خلال تناولها لـ:

الخمور والتدخين والمخدرات

السينما

اعتدنا في الأفلام قديمًا على رؤية الكأس وزجاجات الخمور في منازل كل شخصيات الفيلم تقريبًا، أما الآن فازداد الوضع سوءًا؛ فأدوار البطولة أصبحت مرتبطة بالخمور والتدخين؛ وكأنهم يريدون بنا أن نصل إلى الفصل بين تلك الانحرافات والمبادئ النزيهة والثبات عليها، فلسان حالهم يقول: “لا تشغل نفسك كثيرًا إذا كنت مدمنًا أو شارب خمر، فأنت برغم تلك المصائب قادر على أن تكون بطلًا”.

ففي قالب فكاهي تقدَّم لنا قصة الرجل الكفيف الذي باع منزل والده ليحصل على المخدرات، وفي المساء يقوم بعرض موهبته الفنية في الغناء على أهل الحي في جلسات لتدخين المخدرات وشرب الخمور، حيث يقوم بوصف حاله مع حال رفاقه بأغنية “الصهبجية” نسبة للـ “الصهباء” أي الخمر، ولم تشر القصة ولو إشارة هامشية إلى أن ذلك الوضع خاطئ، بل أوصلته إلينا على أن تلك الطريقة في العيش هي التي تضمن السعادة والسرور حتى لو كنت فقيرًا واضطُررت لبيع منزلك.

وفي حبكة درامية كاملة ترى شابين قررا الخروج على المنظومة الرأسمالية المسيطرة على السوق المتمثلة في شركة تجارة تحدد كل أسعار السوق بلا منافس، وأثناء مقاومتهما لتلك المنظومة يقتل أحد الشابين ويأخذ صديقه بثأره، ذلك البطل الذي قاوم الفساد والشركات الرأسمالية التي تنهب أموال الشعوب ظهر طوال الفيلم مدمنًا للخمور ومنحلًا أخلاقيًا، فهذه هي نظرة السينما للبطولة.

لم تقف السينما عند هذا الحد من جعل ما هو محرم أمرًا عاديًا، بل قامت بربط مناسبات خاصة بالخمور كاحتفالات أعياد الميلاد، والأفراح، والأعياد. كما أنها قامت بربط طبقة الأغنياء دائمًا بالخمور والمخدرات.

الاستهزاء بشكل الجسم “السمين والقزم” ولون البشرة

السينما

اعتمدت أفلام الكوميديا المصرية بشكل كبير على الاستهزاء بشخص سواء من خلال مظهره أو لون بشرته أو لغته، ويكفينا ما قالته “نورا السباعي” تعليقًا منها على حياتها بعد فقدان كبير في وزنها حيث قالت:

بعد أن قدمت أدوارًا جعلتني معروفة للجمهور… إلا أنه بعد إنقاص وزني لم يهتم بي أحد من الفنانين، وأصبح ظهوري يكاد يكون معدومًا داخل الوسط الفني، خاصة بعد أن أدركت أن وزني كان سببًا في شهرتي ونجاحي.

أما بالنسبة للون البشرة: فلا يكاد يظهر شخص ذو بشرة سمراء إلا بدور خادم أو مهرج للسخرية منه، فأثناء مشهد كوميدي يصف الممثل ابنة الخادمة بـ “صباع العجوة” ويحدثها قائلًا: “حبيبة بابا مضلمة الدنيا” نظرًا لبشرتها السمراء، ولنفس السبب يسخر من الخادم ويقول: “إيه الليل اللي هجم ده”. وكذلك القزم: فالمخرج يعمل على إدخال فيلمه في تصنيف الكوميديا من خلال اعتماده على سخرية البطل من شقيق خطيبته، فلم يكن هناك أدنى داعٍ لإظهار شقيق خطيبته بدور القزم؛ إلا لإظهار بعض الكوميديا السوداء في الفيلم.

الطبقات الاجتماعية “الصعيدي والسيناوي”

الصعيدي-الفلاح-السيناوي

وإكمالًا لإظهار عنصرية السينما المصرية كان لا بد من الحديث عن استهجان طبقات اجتماعية أو بيئات مصرية معينة كالصعيدي والبدوي. والذي يعكس كم الطبقية التي تعاني أثرها بعض الطبقات المصرية نتيجة لرغبة المنتجين في إكساب أعمالهم نوعًا من الفكاهة والذي يجذب شريحة أكبر من الجمهور وبالتالي زيادة الإيرادات، دون أدنى تفكير في هؤلاء الذين اكتسبوا نظرة دونية اجتماعية بدون أي ذنب.

أهو نقل للحقيقة أن تقوم قصة فيلم على الإساءة لأهالي سيناء والبدو؟! حيث يُظهر الفيلم مواطن سيناوي يقوم بدور تاجر مخدرات ويعاونه عدد كبير من البدو، في حين أغفل الفيلم تمامًا إظهار أي بدوي بصورة بيضاء غير مشوهة باستثناء شيخ القبيلة الهرِم الذي لم يتجاوز ظهوره دقيقة، مقابل ساعة أو أكثر من أفعال البدو والتي تنوعت ما بين مخدرات، وتقديم شخص حي كطعام للأسود لأنه ساعد الشرطة في تطبيق العدالة!

وعن صورة الفتاة البدوية؛ فقد ظهرت في علاقة غير مشروعة مع سالم وأخيه، ليس هذا وحسب؛ فأحداث الفيلم تبدأ بالضابط الشريف الذي يتم قتله بعد زفافه بشهر على أيدي هؤلاء المجرمين عديمي الرحمة. بالطبع هذا اضطهاد متعمد من قبل صناع الأفلام، فلقد رأينا الصورة البدوية من قبل وهي ترتدي ثوب الخيانة والعمل لصالح إسرائيل. ننتقل لصورة الصعيدي والفلاح حيث استمدت كثير من الأعمال شهرتها، فلقد أظهرتهم بثوب البلهاء الذين يسهل خداعهم.

وتحت تصنيف كوميديا قام قاهري باستغلال ذلك الوافد إلى المدينة وإقناعه بإمكانية شراء ميدان العتبة الخضراء، وعلى إثر ذلك يقوم ذلك الساذج -على حد وصف الفيلم- ببيع كل أملاكه لشراء الميدان. الفيلم ترك انطباعًا لدى المشاهدين بأن كل من يرتدي هذا النوع من الملابس -العمامة والجلباب- ما هو إلا فرصة لك لاستغلاله أو السخرية منه، وبوجه آخر نالت السينما المصرية من الصعيد حيث جعلته موطنًا للمخدرات في كثير من الأعمال.

السينما كأداة للسيطرة على الوعي الجماهيري

السينما

وكما يقول “مالكوم إكس”:

إذا لم تطوروا لديكم المقدرة التحليلية لقراءة ما بين السطور فيما يبثونه؛ فإنني أحذركم مجددًا: إنهم سوف يبنون أفران غاز، وقبل أن تستيقظوا، سوف يضعونكم فيها.

لا يجب أن يفهم من حديثنا هنا أننا نقصد أن السينما هي الآلية الوحيدة لكسب العقول؛ ولكنها الآلية الأكثر تأثيرًا وانتشارًا في واقعنا، فلو أمعنا النظر سنجد أن جذور المواد الإعلامية بمختلف وسائلها ما هي إلا منبع واحد كثرت فروعه، فما يلقى إلينا في البرامج الحوارية على شاشة التلفاز لا يختلف في أصله ونشأته عما نسمعه من المحطات الإذاعية، لا تكاد تخطئه عندما تقرأه في الصحف، وهكذا.

فالآلة الإعلامية هي منظومة مكتملة الأركان تطاردك أينما ذهبت، ويكمن ذكاء صانعيها في طريقة مخاطبتك، فلا تظن أن تلك الصحف والمجلات التي حددوا لها أسعارًا أعلى من الصحف اليومية التي تراها مع الباعة تختلف في المحتوى، لا أبدًا، كل ما في الأمر أن هذه الصحف وتلك المجلات موجهة لفئة أخرى من المجتمع لا تفهم تلك اللغة التي تتحدثها أنت، وهنا تظهر احترافية صناع القرار في أنهم لم يتركوا فئة من المجتمع إلا وحدَّثوها بما تفهم، فتمكنوا من الهيمنة على عقول الجميع.

فخطورة تلك الممارسات التي تتبناها السينما تظهر في الثقافة الجماهيرية؛ حيث تنتج هذه الممارسات أجيالًا جديدة لديها نفس الانحرافات الفكرية، ثم يخرج علينا من تلك الأجيال من يكمل المسيرة السينمائية، ولكن هذه المرة يحدث الخداع السينمائي نتيجة جذور عميقة أُصلت لدى تلك الأجيال، فلم تعد تلك الجماهير بحاجة إلى التوجيه، فلقد أصبحت هي بأنفسها داعيةً له.

هناك فرق بين إلقاء الضوء على العيوب في المجتمع والظواهر الغريبة، وبين إيصال المخالفات للناس حتى يدمنوها، وهو نفسه الفارق بين الإعلام والدعاية، حيث يقوم الإعلام بمناقشة المُنتَج كما هو، في حين تقوم الدعاية على أساس إقناعك بالمنتج.

610

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

التعليقات

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.