هذا المقال ترجمة لمقالة بعنوان: Life after Guantanamo: ‘We are still in jail’ لكاتبه: Joel Gunter في موقع: bbc. الآراء الواردة أدناه تعبّر عن كاتب المقال الأصلي ولا تعبّر بالضرورة عن تبيان.

ترجمة/ ربى الخليل

تحرير/ عبد المنعم أديب

كانت[1] المذبحة التي ارتكبتها القوات الصربية بحق مسلمي البوسنة، في تسعينات القرن الماضي؛ جُلَّ ما يعرفه منصور الضيفي عن دولة صربيا، غداة زيارة وفد حكوميّ منها له في عام 2016؛ بينما كان يقضي العام الرابع عشر في غياهب سجن غوانتانامو. وكان هناك إجماع بالرفض التام بين السجناء المُزمَع تحريرُهم من هذا المعتقل على فكرة التوطين في هذه البلاد بسبب هذه التجربة على حد قوله.

اختطفت القوات الأمريكية الضيفي أثناء وجوده في أفغانستان، عن عُمر يناهز الـ19، وزجَّت به في السجن بلا تهمة؛ ليقضي بين أروقته سنوات بلوغه حتى بلغ عتبة الثانية والثلاثين حيث أقرَّت الولايات المتحدة رسميًا عدم ثبوت صلته بمنظمة القاعدة وإطلاق سراحه بموجب منظومة معقدة من الاتفاقيات السريّة لإعادة توطين المعتقلين في دول أخرى.

كان الضيفي يتطلع لإعادة التوطين في دولة قطر حيث تعيش عائلته، أو في سلطنة عُمان ذات السُّمعة الطيبة في غوانتانامو؛ جرَّاء حسن معاملتها للمعتقلين السابقين. وهو ما دفعه -لدى لقائه بالوفد الصربي في الغرفة المخصصة- لرفض عرضهم بكل دماثة، قائلًا: “قلت لهم الشكر الجزيل لكم، بيد أني على اطلاع بالتاريخ (تاريخ صربيا)”.

وروى الضيفي كيف سارع رئيس الوفد لطمأنته وأن صربيا ترحِّب بالمسلمين، وحكومتُها عازمةٌ على معاملتهم كمواطنيها ومساعدتهم على إكمال دراستهم وتقديم الدعم المالي وتأمين جوازات السفر والأوراق الشخصية اللازمة ليتسنى لهم بدء حياة جديدة.

إلا أن الضيفي أطلع المسؤولين الأمريكيين في غوانتانامو في أعقاب الاجتماع على قرار رفض السفر. وهُم –بدورهم- أوضحوا صراحةً حجم رأيه في سير العملية قال عن هذا: “بعد انتهاء الاجتماع مع الوفد (الصربي)، جاءت مبعوثة وزارة الخارجية الأمريكية. وقالت لي: منصور، لا خيار لديك. أنت ذاهب إلى صربيا”.

يتمتع الضيفي، الذي يناهز من العمر التاسعة والثلاثين، بشخصية آسرة ووجه ضحوك وخصال طفولية كرَّستها جدران السجن التي لازمت رحلة بلوغه.

منصور الضيفي

استهلّ الضيفي رحلته الطويلة إلى بلغراد من دولة اليمن؛ حيث ترعرع في قرية ريفية تفتقر منازلها لخدمات المياه والكهرباء. وخلال سنوات المراهقة، انتقل للعاصمة صنعاء لإكمال تعليمه في المدرسة، والتخصص بعلوم الحاسوب. وقد روى عن رحلته إلى أفغانستان في عام 2001، حيث كانت في بعثة نظَّمها معهد ثقافي في صنعاء بصفته باحثًا مساعدًا.

ما أن انقضت أربعة أشهر على وصول الضيفي إلى أفغانستان؛ حتى انطلق الغزو الأمريكي لأفغانستان، وشرعت القوات الأمريكية بملاحقة عناصر تنظيم القاعدة؛ فيما ألقت طائراتها منشورات حول مكافآت مالية لقاء تسليمهم. وتحدث الضيفي عن الكمين الذي تعرَّض له على طريق السفر في شمالي أفغانستان، وذلك قبل أيام من موعد عودته إلى اليمن؛ حيث أقدمت مجموعة من المسلحين على أسره وتسليمه إلى القوات الأمريكية.

كانت المحطة الأولى في رحلة اعتقال الضيفي موقعًا أسود تابعًا لأمريكا؛ حيث جُرّد من ملابسه تمامًا، وتعرض للضرب والاستجواب بشبهة كونه قياديًا في القاعدة من أصول مصرية. ومن ثَمَّ نُقل جوًّا بعد تصفيده وتغطية رأسه إلى سجن غوانتانامو.

وكان الضيفي قد تحدث عن أعوامه الأربعة عشرة التي قضاها في السجن سيء السمعة في مذكراته “لا تنسونا هنا” (Don’t Forget Us Here)؛ التي نُشرت في أواخر العام المنصرم، والتي تطرَّقت إلى عمليات التعذيب والانتهاك النفسي التي تعرض لها، وموت شقيقه وشقيقته أثناء تواجده في السجن. كما تحدث عن تعلمه اللغة الإنجليزية من الصفر في معسكر الاعتقال فضلًا عن بعض علوم الحاسوب والنظريات الاقتصادية.

وسرعان ما أسدل الستار على القصة بعد فترة وجيزة من إطلاق سراح الضيفي، ووصوله في ليلة ظلماء إلى بلغراد في شهر يوليو/ تموز 2016، واقتياده على الفور من قبل المخابرات الصربيَّة إلى شقة صغيرة في مركز المدينة وهناك عثر على كاميرات مراقبة قد زُرعت داخلها؛ الأمر الذي أرَّقه في ليلته الأولى مطلقًا العنان لبنات أفكاره عن قادم الأيام.

سردت مذكراته تفاصيل إحدى الليالي التي قضاها في شقته في بلغراد في شهر فبراير/ شباط؛ حين قال: “كنت منهكًا لكن لم يغمض لي جفن، وفقدت شهيتي للطعام .. كانت الوحدة طاغية في غوانتانامو، إلا أن الوحدة هنا من نوع جديد”.

“غوانتانامو الثانية” هكذا وصف الضيفي الأحداث التالية التي شهدها في صربيا وما شابها، من عزلة وإقامة قسرية وحرمان من مغادرة الشقة. وإنْ حدث وخرج تعكف الشرطة على ملاحقته وتحذير الجميع من مصادقته.

ثمَّةَ مُقاربة دقيقة ما بين تجارب الضيفي وما رواه ستة من المعتقلين السابقين في غوانتانامو من دول مختلفة، بعد إطلاق سراحهم دون توجيه تهم بحقهم: حياة في طي النسيان، وتقييد الحركة جراء عدم حيازتهم للأوراق الثبوتية، وتدخل الشرطة الدائم في شؤونهم، وفرض قيود على السفر؛ بحيث تنحصر في دولة واحدة أو حتى مدينة واحدة مما يزيد من صعوبة إيجاد عمل أو زيارة العائلة أو حتى إقامة علاقات اجتماعية.

حياة لخَّصها الضيفي بالقول:

مرحبًا بكم في حياتنا، حياة ما بعد غوانتانامو.

قضت اتفاقيات إعادة التوطين توزيع المعتقلين السابقين في ربوع الأرض. وأُرسل بعضهم إلى صربيا وسلوفاكيا والسعودية وألبانيا وكازخستان وقطر، فضلًا عن أماكن أخرى. بعضهم من ابتسم لهم الحظ أُعيدوا إلى أوطانهم -على سبيل المثال بريطانيا-، فيما كان حظ البعض الآخر عاثرًا بترحيلهم إلى دول غريبة عنهم.

كان محظورًا على الضيفي العودة إلى اليمن -حيث تعيش عائلته- على ضوء قرار الكونغرس الأمريكي؛ ومفاده أن إعادة المعتقلين إلى بلدان غير مستقرة بنظرهم يعد بمثابة تهديد أمني، ناهيك عن رفض اليمن بالأساس إصدار جواز سفر للضيفي أسوةً بما قامت به صربيا، لينتهي به الحال وقد تقطعت به السبل في بلغراد من دون جنسية.

منصور الضيفي

وعلى غرار الكثير من الأمور المتعلقة بسجن غوانتانامو، أُبرمت اتفاقيات إعادة توطينه في صربيا دون الإفصاح عن مضمونها. وهو ما نوّهت عنه محامية الضيفي “بيث جاكوب” من ولاية نيويورك، والتي مثلت تسعة من معتقلي غوانتانامو دون أتعاب تُذكر؛ بالقول: “لا تتوفر لدي أية معلومات رسمية، باعتبار أن الولايات المتحدة تحجم عن إطلاع المحامين بأية معلومات”، وأردفت: “لا يسعني إطلاع موكلي على مجمل المعلومات المتوفرة لدي بسبب تصنيفها معلومات سرية، ناهيك عن أنها في الأصل قد خضعت للتنقيح الدقيق بحيث طغى اللون الأسود على الوثائق الخمس باستثناء بعض الكلمات المتناثرة هناك وهناك.

بدورها صرحت وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة البي بي سي عن حصولها على ضمانات من كافة الدول المتلقية للمعتقلين؛ تكفل بموجبها للمعتقلين السابقين معاملةً إنسانيةً، إلى جانب “تقديم ضمانات أمنية لتحييد أي تهديد قد يطرأ عقب توطين المعتقلين السابقين في تلك الدول، إضافةً إلى وضع إطار عمل لتيسير إعادة دمجهم في المجتمع على نحو ناجع”.

واسترسل الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية بذكر مساهمات وزارة الخارجية في التكفل بنفقات دعم معتقلين سابقين في مناسبات متفرقة، رغم الغموض الذي يكتنف حجم هذه النفقات أو الفترة الزمنية الناظمة لها. فيما امتنعت الحكومة الصربية عن الرد على أسئلة البي بي سي.

أما الضيفي فهو ينظر لاتفاق إعادة التوطين بوصفه شبكة خفيَّة يجهل بدايتها من نهايتها. فهو عاجز عن مغادرة صربيا لعدم حيازته جواز سفر، علاوةً على عدم قدرته على مغادرة بلغراد دون أخذ إذن سابق وملاحقة الشرطة له في كل مكان. كما نوَّهَ إلى عثوره على برامج تنصُّت مثبتة في هاتفه الذي زودته به الحكومة الصربية. ويحظر عليه قيادة سيارة، مما حال بينه وبين تأدية صلاة الجمعة لأن ذلك يتطلب رحلة طويلة بالحافلة إلى أقرب مسجد.

بمعزل عن ذلك، حصل الضيفي على الإقامة وإعانات مالية لتسديد إيجار شقته ونفقات دراسته، رغم المعاناة في تأمين متطلبات الحياة، مع تعذر العثور على عمل؛ كيف لا وعليه في كل مرة تبرير السنوات الـ15 التي قضاها في غوانتانامو!

كما أمَّنت الحكومة له شقة في إحدى ضواحي المدينة التي يقطنها قلة من المسلمين، وتخلو من أماكن بيع اللحم الحلال؛ لهذا تجده يتناول طعامه وحيدًا في شقته، وحينما تطبق عليه أشباح الوحدة يهرع إلى مركز تسوق في الجوار للتجول في أرجائه. وإن صادف هناك عائلات شابة يطيل التحديق فيها محدثًا نفسه: “الأمر خارج عن إرادتي، حيث يخالجني شعور أنني صدفة خاوية”.

في عام 2016 أجرى الضيفي أولى مقابلاته الصحفية مع الإعلام الأمريكي بعد فترة وجيزة من وصوله بلغراد. أعرب خلالها عن امتعاضه من حياته الجديدة. وهو ما دفع إحدى الصحف الصربية الشهيرة إلى تخصيص صفحة كاملة في صحيفتها لتقرير يحمل العنوان “جهادي في تنظيم القاعدة” و”إرهابي مُدان” جاحد بالبلد الذي استضافه!

وتحدث الضيفي عن سلوك الشرطة معه التي ما فتأت تنذر الناس بوجوب النأي عن مصادقته. حتى أن في جعبته صورًا لمحادثات أجراها عبر تطبيق “الواتس آب” مع أشخاص تحدثوا فيها عن سلوك الشرطة معهم بسبب صلتهم به؛ بدءًا من زيارته الأولى بمفرده لأحد المقاهي بعد أسابيع قليلة من وصوله حيث استجوبت الشرطة ثُلَّة من الليبيين كانوا يجلسون على طاولة مجاورة، وصولًا إلى آخر حادثة وقعت في العام الماضي احتسى خلالها فنجان قهوة مع شاب مسلم التقاه في المسجد.

وتحدث الضيفي عن هذه الواقعة قائلًا: “أوقفوه لتوجيه سؤال له “هل تعرف منصور المنتمي لتنظيم القاعدة؟” ومضى بالقول: “في نهاية المطاف، طلبت منه مسح رقم هاتفي فأنا لا أريد لأحد أن يلحقه الضرر بسببي”.

وروى الضيفي كيف اعتقلته الشرطة وتعرض للضرب المبرح جراء مقابلة أجراها مع برنامج “Frontline” لصالح شبكة “بي بي أس” في عام 2018. وألقي القبض على اثنين من زملائه في دورة تعليم اللغة. كما تعرضت امرأة تشاركه دورة تعليم صيانة الهواتف إلى استجواب من قبل الشرطة بعد أن تجاذبت معه أطراف الحديث في المكتبة. وما زال يحتفظ بمحادثتها معه على الهاتف تستفسر منه عن سبب تحذيرها من رجال الشرطة بثياب مدنية بعدم الحديث معه.

في العام الماضي اندفعت الشرطة لاقتياده خارج منشأة بعد أن شوهد يصلي فيها! ومنذ ذلك الحين يقضي الضيفي جُلَّ وقته وحيدًا في شقته، ونادرًا ما يختلط مع جيرانه، بينما قلّت زياراته لمركز التسوق.

قال الضيفي: “مع الوقت رضخت للأمر الواقع وانكفأت .. بَيْدَ أن هذا التوجه يعكس غرقك في مستنقع العزلة. لهذا تجدني أحيا غالب الأحيان داخل قوقعة النفس”.

استعاض الضيفي عن الأصدقاء ببديل أقرب إلى قلبه، والمتمثل بشبكة تواصل دولية تضم المعتقلين السابقين في غوانتانامو؛ كان قد أشرف على جمعهم مُطلِقًا عليهم اسم “الأخوة”، حيث يتواصلون معًا عبر مجموعات متنوعة على تطبيق الواتس آب أو من خلال الهاتف.

وحرصت الأخوة على أن تبتعد كل البعد عن السياسة في محادثاتها؛ درءًا لأي تهديد قد يواجه أحدهم في البلد المضيف له. قال الضيفي: “ننشد الأغاني ونسرد النكات ونتشارك الصور ومعلومات عن حالتنا الصحية وأحاديث عن الطعام والملابس فضلًا عن استرجاع ذكرياتنا في غوانتانامو .. أحاديث تمدنا بالقوة للمضي قدمًا”.

أحد المعتقلين السابقين الذي كان الضيفي يسترسل في الحديث معهم كان صبري القرشي، مواطن يمني قضى ما يقرب من 13 عامًا في سجن غوانتانامو قبل إعادة توطينه قسرًا في سيمي، وهي بلدة صغيرة تقبع فوق موقع سابق للتجارب النووية في أقصى شرقي كازاخستان، ويحظر عليه مغادرتها.

جرى ترحيل القرشي إلى كازاخستان في عام 2014 مع أربعة معتقلين سابقين، منهم عاصم ثابت عبد الله الخلاقي -الذي توفي بعد وصوله بأربعة أشهر جراء فشل كلوي-، ولطفي بن علي؛ الذي فارق الحياة العام الماضي بعد سفره إلى موريتانيا بسبب اعتلال بالقلب وعدم توفر الرعاية الطبية اللازمة لهذا المرض في سيمي.

مع رحيل بن علي، بقي القرشي وحيدًا في سيمي واصفًا حياته بأنها “الأسوأ حالًا من السجن”. الأمر الذي دفعه لتوجيه كتاب إلى الرئيس الكازاخي ورئيس الوزراء والسفارة الأمريكية والصليب الأحمر؛ طالبًا منهم تحريره أو إعادته إلى غوانتانامو، دون أن يتلقى منهم جوابًا. كما تمنعت الحكومة الكازاخية على الرد على أسئلة وكالة بي بي سي.

قال القرشي:

كان الحال في غوانتانامو أفضل من هنا، على الأقل كنت أعيش على أمل بالرحيل يومًا ما إلى مكان أفضل.

ومضى بالقول: “عندما جاء وفد من الحكومة الكازاخية، أخبروني أني سأعامل كمواطن كازاخي. إلا أن هذا محض افتراء. لا أملك مكانة اجتماعية أو هوية شخصية أو عائلة أو حتى أصدقاء. أنا عالق هنا في نفق مظلم لا نهاية له”.

اعتاد القرشي على تعرض الشرطة له مرارًا عند مغادرته الشقة للطلب منه إبراز الهوية الشخصية التي لم تُعطَ له أصلًا. وفي غالب الأحيان يرافقه ضباط الشرطة إلى المركز ويُرغم على ملازمته لسبع أو ثماني ساعات إلى أن يصل مسؤول من الصليب الأحمر لإخراجه.

في إحدى المرات تعرَّض أحد الضباط بثياب مدنية للقرشي؛ طالبًا منه نزع سترته. وهو ما رفضه القرشي ليتلقى بعدها لكمات الضابط التي تسببت باعتلال في أعصاب وجهه، واستدعى ذلك توفير رعاية طبية متخصصة. وعلى غرار ما حدث مع صديقه القديم لطفي بن علي، لم يتلقَّ الإذن بالذهاب إلى العاصمة طلبًا للاستشفاء. وقال القرشي: “قصدت مركز الشرطة لأستفسر عما حدث للرجل الذي ضربني. وكان ردهم: أغلق فمك، أنت نكرة هنا، عد إلى منزلك”!

وأشار القرشي إلى أن هذه الحادثة كانت بمثابة موجز عن وجودي في مدينة سيمي؛ التي ترزح بالكامل تحت رحمة السلطات المحلية التي تنظر إليه بكونه إرهابيًا مدانًا. وأضاف:

كانت اللكمة هي الوجع الأول فيما كان افتقارك حق تحقيق العدالة وتجريدك من الحقوق بمثابة الوجع الثاني. 

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم توجه أية تهمة على الإطلاق بحق القرشي؛ فيما زعمت أنه أحد عناصر تنظيم القاعدة وخضع لدورات تدريبية في معسكر بأفغانستان؛ فيما أنكر القرشي بالمطلق أي علاقة له بالتنظيم. وبادرت القوات الأمنية الباكستانية إلى اعتقاله في مخبأ تابع لتنظيم القاعدة في كراتشي على حد زعمها.

قضى القرشي فترة اعتقاله في غوانتانامو بالرسم منتجًا كَمًّا هائلًا من اللوحات التي صُودرت تباعًا. وحاول استئناف موهبته في سيمي قائلًا: “الرسم هو الوحيد الذي يبقيني سليم العقل”. لكن كان ممنوعًا عليه شراء أي شيء عن طريق الانترنت، وهو ما صعّب عليه التزود بأقمشة الرسم والألوان.

كان قد تلقى عرضًا بالمشاركة في معرض فني يشارك فيه معتقلون سابقون. لكن عدم حيازته هوية شخصية كازاخية -وبالتالي عدم القدرة على الحصول على شهادة الأصالة للوحاته لإرسالها- حالَ دون ذلك. وروى القرشي ما حدث قائلًا: “سألت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: هل يتعين عليَّ إحراق لوحاتي الفنية؟ كان ردهم أن واجبهم ينحصر في تأمين المأوى والطعام فقط”.

قبل سبع سنوات خلت، اقترن القرشي بامرأة يمنية -بتدبير عائلته-، لكنه لم يلتقِ بها إلى الآن جراء الحظر المفروض عليه بمغادرة سيمي. وهي غير قادرة على السفر للعيش معه في كازاخستان. وناشَدَ عديد السلطات الكازاخستانية للسماح له بمغادرة سيمي إلا أن وضعه بقي على حاله قائلًا: “مضت سبع سنوات وأنا في حالة ترقب للحظة بداية حياتي.”

غوانتانامو

بلغ العدد الإجمالي للمعتقلين في معسكر الاعتقال في غوانتانامو 779 معتقلًا؛ من بينهم 12 معتقلًا وُجهت بحقهم التهم، لم يُدنْ منهم إلا اثنان فقط. وبهذا الشأن أجرت كلية القانون في جامعة سيتون هول في عام 2006 تحليلًا لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية، خلصت فيه إلى أن 5% فقط من المعتقلين القابعين خلف أسوار غوانتانامو ذلك العام تم اعتقالهم على يد القوات الأمريكية. فيما قامت السلطات الباكستانية أو من قبل التحالف العسكري الشمالي الأفغاني بإلقاء القبض على 86% منهم، “وسلموا للولايات المتحدة في وقت عرض فيه الأمريكيون مكافآت هائلة لاعتقال أعدائهم المشتبه بهم”.

وكما قال الضيفي؛ كان هذا قدره أن يكون في المكان الخطأ والزمن الخطأ. مضيفًا: “كنت أشبه بصفقة شاملة بيعت للولايات المتحدة التي بدورها باعتها لصربيا.”

في عام 2007، بعد مضي سبع سنوات على اعتقاله اعترف الضيفي أمام مجلس المراجعة الإدارية لدى معتقل غوانتانامو أنه كان “جهاديًّا” و”نجل” أسامة بن لادن، وكان “شرفًا له أن يكون عدوًا للولايات المتحدة”. أما الآن يزعم أن هذه الفورة كانت بمثابة احتجاج. يجدر التنويه أن جلسات مجالس المراجعة الإدارية كانت تتخذ صبغة قانونية زائفة ولا يسمح لمحامي المعتقلين حضورها.

لكن الضيفي قال: “كنا نجهل ماهية مجلس المراجعة، وخطر لنا أنه استجواب آخر”. وأردف: “بالنسبة لنا كان كل شيء عبارة عن استجواب. وجالَ في ذهني عندها أنني سأوجه لهم صفعة اليوم، وسأخبرهم بأنني عدوكم”.

في ذلك الوقت تنامت مكانة الضيفي بين رفاقه المعتقلين، حتى بات قائدًا غير رسمي لهم، وشرع بتنظيم الإضرابات عن الطعام واحتجاجات أخرى، حتى استحق لقب “المشاغب الضاحك” بين الحراس. كما كرَّسَ نفسه للتعليم والكتابة وأتقن اللغة الإنجليزية من الصفر، وانكبَّ على كتابة مذكراته في غوانتانامو مرتين؛ بعد أن صودرت النسخة الأولى منها المدونة على ورق مهرب ليكون مصيرها الإتلاف. عندما أدرك حصانة الأوراق القانونية، كان يجلس ساعات طويلة في الفصل الدراسي للمعتقل وأقدامه مكبلة بأغلال مثبتة على الأرض، يكتب رسائل عديدة تحولت فيما بعد أساس كتابه.

غوانتانامو منصور الضيفي

ويعكف الضيفي حاليًا على إعداد كتاب جديد يفند فيه الصعوبات التي واجهته في حياته في صربيا بعد خروجه من المعتقل. وقد غُصّ أحد جدران شقته في بلغراد بلاصقات ورقية تفصّل الأحداث التي ستشكل مضمون كتابه؛ بدءًا من جلسات الاستجواب من قبل الشرطة، مرورًا بالمحاولات الفاشلة لتكوين أصدقاء والعثور على زوجة له، وصولًا إلى الجهود المضنية للفت نظر الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى محنته.

وكان يواظب على التواصل اليومي مع آخرين من المعتقلين السابقين الذين تجاوز عددهم عتبة المئة. والعديد منهم رزحوا تحت نير القيود نفسها التي تعرض لها الضيفي. وكان التواصل يتم عبر الانترنت ومجموعات المحادثة على الواتس آب.

من جهتها قالت دافني إيفياتار، مديرة الأمن لبرنامج حقوق الإنسان والأمن في منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة: “لقد خلقت الولايات المتحدة وضعًا مزريًا لا مثيل له لهؤلاء الرجال”. وأردفت: “تعرض العديد منهم للتعذيب مع غياب التعويض أو الاعتراف بوضعهم أو حتى التأهيل الفعلي لهم”. وخلصت إلى أن “نقلهم إلى وضع آخر يواجهون فيه التقييد وحظر السفر وعدم القدرة على تأمين رزقهم أو حتى التمتع بحرية الحركة، هو بمثابة تصرف مجرد من الأخلاق والمنطق”.

يرى الضيفي أن العثور على زوجة وتكوين أسرة هو السبيل الوحيد للشروع بحياة جديدة بعد مرحلة غوانتانامو، وهو ما يطغى على تفكيره ليلًا مع انعدام الشواغل الأخرى. بيد أن كافة مساعيه للقاء إحداهن في صربيا لم تؤتِ ثمارها. فعقيدته تملي عليه الزواج من امرأة مسلمة واتباع الطرق التقليدية للقائها من خلال عائلتها. ناهيك عن أن الخوف السائد في المجتمع الإسلامي في بلغراد من وصمه بالإرهاب حال دون نجاح مساعيه للاندماج فيه.

وروى كيف نجح في العثور على الفتاة المناسبة في عام 2019، وكانت تعيش في دولة أخرى وتنحدر من عائلة محترمة. استمر تواصلهما عامًا كاملًا قضاه في مناشدة السلطات الصربية للسماح له بالسفر إليها، بعد أن أيقن أنها حبه الأول. وواظب على توسلاته للسلطات لكنهم أبوا حتى نفد صبر عائلتها في نهاية المطاف وعقدوا قرانها على رجل آخر.

وقال الضيفي: “لم يكن أسوأ أوجاعي في الموقع الأسود ولا حتى السنوات الـ15 التي قضيتها في غوانتانامو، بل تجسد في فقدان من أهوى”. ومضى بالقول: “في غوانتانامو تتعرض للتعذيب الجسدي لكنهم عاجزون عن إلحاق الأذى بروحك. الحب هو بمثابة ألم يمس الروح مُطلِقًا العنان لآلام جمَّة”.

مضى ما ينيف عن العامين على وصول الدفعة الأولى من السجناء إلى غوانتانامو. وفي يوليو/ تموز 2004 أصدر البنتاغون مراجعته الرسمية الأولى لوضع المعتقلين أفضت إلى تقييم 38 رجلًا “كمقاتلين غير أعداء”؛ مما استلزم إطلاق سراحهم. وجاء هذا التقييم ليقرّ بعدم انتماء الرجال إلى تنظيم القاعدة أو حركة طالبان، وعدم استهداف الولايات المتحدة بأي أعمال عدائية.

وكان من بين هؤلاء الـ38 خمسة رجال من الإيغور، كانت قد ألقت القوات الأمريكية القبض عليهم في أفغانستان بشبهة انتمائهم إلى حركة استقلال تركستان الشرقية -وهي جماعة مسلحة صغيرة تقاتل في سبيل استقلال إقليم صيني يعرف باسم زينجيانغ. بيد أن إعادتهم إلى وطنهم الصين محفوفة بالمخاطر مع الأخذ بالاعتبار قمع السلطات الصينية للأقلية الإيغورية-؛ وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إبرام صفقة مع ألبانيا لاستقبالهم.

وأطلق سراح الإيغور الخمسة في 2006 ووصلت طائرتهم في وقت متأخر من الليل إلى العاصمة الألبانية تيرانا. وسرعان ما اختطفوا بهجتهم عندما اقتادهم الألبان مباشرة إلى معسكر للاجئين بحالة مزرية يقبع في أطراف العاصمة وكان مركز إقامتهم لعام ونيف.

ووصف أبو بكر قاسم -الذي ينحدر من الإيغور، ويناهز من العمر 52 عامًا، ويعيش حاليًا مع أسرته في ضاحية فقيرة وبائسة في أطراف تيرانا-؛ الوضعَ قائلًا: “كان أشبه بعالم آخر”. ومضى بالقول: “قضينا خمس سنوات في غوانتانامو في أجواء لاهبة. والآن -وعلى حين غرة- نقيم في أجواء البرد القارس في ألبانيا حيث نثقل اللباس ونأكل طعامًا بلا نكهة ناهيك عن غرائب أخرى نشهدها في المعسكر”.

وينكر قاسم إنكارًا قاطعًا مزاعم انتمائه لحركة استقلال تركستان الشرقية. وبينما كان متجهًا إلى تركيا عبر باكستان ألقى مسلحون القبض عليه وسلموه إلى القوات الأمريكية. وعلى غرار الوعود التي انهالت على الضيفي، تحدث قاسم وغيره من المعتقلين السابقين عن تعهدات الحكومة الألبانية بتأمين الإعانات المالية وجوازات السفر وحقوق المواطنة وتخصيص شقق لهم ليُزاح الستار لاحقًا عن واقع مغاير تمامًا.

وصف أحد المقيمين في المخيم يدعى ذاكر حسام، أزبكي[2] من معتقلي غوانتانامو ما بين  2002 حتى 2006، الوضع قائلًا: “في ذلك الوقت كان معتقل غونتانامو يضم ستة معسكرات، بينما ضم مخيم اللاجئين في ألبانيا سبعة معسكرات”. واسترسل بالقول: “كان يعيش في الغرفة الواحدة أربعة أو خمسة أشخاص، وسُيًج المخيم بأسلاك شائكة. وكنا نعاني من عوز مادي وغذائي .. كانت السلطات تقول لنا إن مهمتها تنحصر في ضمان سلامتنا سياسيًا وبدنيًا فقط”.

انقضى عام على وجود المعتقلين السابقين في مخيم اللاجئين في تيرانا، تخلله نشوب سلسلة من الاحتجاجات؛ ليعاد نقلهم إلى شقق سكنية وبدء حياة ما بعد غوانتانامو التي كانت أفضل حالًا مما شهده كل من الضيفي وقاسم، وأوفر حظًا في بعض الأوجه. والعديد منهم تزوج، ورُزق قاسم وحسام أطفالًا واستفادوا من الإعانات المالية الشهرية اللازمة للإيجار والفواتير واندمجوا في المجتمعات المحلية. فمن حسن الحظ أن إعادة توطينهم جاء في دولية ذات غالبية مسلمة.

كل هذا لا يلغي أنهم كانوا يقبعون تحت نير القيود نفسها في أوجه أخرى التي أثقلت كاهل معتقلين سابقين في صربيا وسلوفاكيا وكازاخستان. فقد حُظر عليهم الحصول على جوازات سفر أو أذونات عمل؛ مما تعذر عليهم السفر أو تأمين رزقهم على نحو قانوني ويكون رادفًا للإعانات المالية المتواضعة. وهو ما وصفه قاسم بالقول:

هذه ليست حرية .. الشكر لله أننا خرجنا من السجن .. لكننا لسنا أحرارًا!.

وروى قاسم كيف تعمد زوجته إلى “شراء أرخص الخضار والفواكه سعرًا، وشبه التالفة”. واسترسل بالقول “سرعان ما ينفد مالنا خلال 15 يومًا وبالتالي لا يسعنا ارتياد السوق. وكوننا وحيدين هنا وأجانبيين لا عائلة تسندنا نلجأ للتوفير قدر المستطاع”.

وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت التي تساعدهم الإعانات المالية على الوقوف على أقدامهم إلا أنها لا تضمن ثباتها على الأرض. ويعزى ذلك إلى أنها مرتبطة فقط بالمعتقلين السابقين لا عائلاتهم. وهو ما ألمَّ بخديجة زوجة صديق قاسم، ومعتقل سابق يدعى علاء عبد المقصود مزروح عندما وافته المنية قبل خمسة أشهر متأثرًا بالكوفيد. وعلى الفور تلقت خطابًا من الحكومة الألبانية تخطرها فيه بوقف فوري للإعانة المالية ناهيك عن استرداد الشقة التي وفرتها الحكومة لهم في سبتمبر/ أيلول القادم!

كان قد أطلق سراح علاء بلا تهمة من معتقل غوانتانامو في 2005 على غرار قاسم بوصفه مقاتلًا وليس عدوًا. راجعت خديجة شخصيًا وزارة الداخلية لعرض حالتها، إلا أنهم لم يسمحوا لها بذلك كما أنها لم تتلقَّ أجوبة على رسائلها، فضلًا عن حالتها المادية تحول دون توكيل محامي لمتابعة القضية.

كان على خديجة العثور على عمل حتى يتسنى لها رعاية أطفالها الثلاثة. فقد كان تتوجس بالدرجة الأولى من عدم القدرة على العثور على مأوى أو تأمين الطعام لأطفالها، تليها مخاوف تعرض أطفالها مستقبلًا للاضطهاد لكون والدهم أحد نزلاء غوانتانامو. وقالت: “أخشى على أطفالي في الغد وقادم الأيام، أخشى أن تلاحقهم وصمة غوانتانامو”. هذا ولم تستجب الحكومة الألبانية للتعليق على القصة!

قال قاسم: “المشكلة الأكبر تتمثل بعدم حيازة هوية شخصية”. ومضى بالقول: “إنها ترتبط بكل ركن من أركان الحياة وتقضي على كل خياراتك، حيث يتعذر عليك انتقاء مكان الإقامة أو طبيعة العمل أو حتى السفر خارجًا لرؤية عائلتك. الجميع يطلب بطاقة الهوية والأوراق الشخصية وسيرتك المهنية”.

اعتاد حسام على ارتياد سوق الخردة الواسع؛ أملًا بالعثور على قطع إلكترونية وميكانيكية، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب المحمولة وأجهزة الراديو وأجهزة الثقب، وكل ما يمكن تفكيكه وصيانته وتناسب ميزانيته لشرائها وصيانتها وبيعها. إلا أن توفر القطع وهوامش الربح تبقى ضئيلة؛ فعلى مدار ساعتين قضاهما في السوق في عطلة نهاية الأسبوع في فبراير/ شباط لم يقنص إلا مجموعة واحدة من مكبرات صوت تالفة.

جلّ ما يريده العثور على عمل جيد يحاكي مهاراته الميكانيكية، وتوفير حياة أفضل لطفليه المصابين بمرض التوحد اللذين يفتقران حاليًا للرعاية الطبية اللازمة.

في عام 2020 اكتشف أن اسمه مدرج في قائمة “وورلد تشيك World Check” وهي قاعدة بيانات دولية لم تمثل له شيئًا آنذاك؛ إلا أنها معمول بها في المصارف في كل مكان لاستبيان الخلفيات الجنائية لعملائها. والاسم المدرج في القائمة كفيل بتقويض حرية صاحبه على نحو يعجز عن استشرافه، ناهيك عن أن الشركة المعنية “رفينيتيف Refinitiv ” بهذا الشأن لا تخطر أحد بإدراج اسمه في القائمة.

وتبين ذلك العام أن العديد من المعتقلين السابقين قد تم إدراج اسمهم في قاعدة البيانات، ومعظمهم ضمن فئة “الإرهاب” حتى رغم عدم إدانتهم بأية جناية.

أما في الوقت الراهن تمكنت شركة محاماة بريطانية من استحصال بعض المبالغ الصغيرة للمتضررين؛ فقد حصل ذاكر وأبو بكر قاسم على ثلاثة آلاف دولار لكل منهما، على خلاف منصور الضيفي الذي لم يحصل على أي مبلغ بسبب رفض العرض المقدم له. وعلل ذلك بالقول: “عندما تكتشف النسبة التي يتقاضاها المحامون والمتمثلة بـ30 في المئة من المبلغ، عندها لن يبقى لك إلا الفتات”.

في الشهر الماضي بادرت شركة ويستيرن يونيون للتحويلات المالية إلى فرض الحظر على الضيفي دون أن تبلغه بالسبب. مع العلم أن الضيفي يمد عائلته في اليمن بمبالغ صغيرة عن طريق هذه الشركة لتسديد النفقات الشهرية لعلاج والدته، كما يستعين بالشركة لاستلام تبرعات أو أتعاب عمل من الخارج.

من جهتها لم تكشف شركة ويستيرن يونيون للضيفي أو للبي بي سي سبب وقف التعامل مع الضيفي، مستندةً في ذلك على سياسة الشركة. وأوضح الناطق الرسمي باسم الشركة أن “الشركة تنظر إلى التزاماتها المتعلقة بالأنظمة والامتثال لها بجدية فائقة”، وتواصل مع الضيفي في هذا الشأن.

لكن الضيفي كان على يقين بأن الأمر متعلق بغوانتانامو. فظل اعتقاله خارج إطار القانون قد أطبق على عديد من أركان حياته ويصادفه أينما ذهب. “إنه يلاحقني أينما ذهبت” عبارة أفصح عنها بألم بالغ وأردف:

أمريكا تنزل العقاب بك لـ15 عامًا، ويأتي دور العالم ليجازيك بقية حياتك.

منصور الضيفي

في إحدى ليالي فبراير/ شباط التي تلت الذكرى العشرين للزجّ به في غوانتانامو ببضعة أيام، كان الضيفي منهمكًا في إعداد شقته لإجراء مكالمة بالفيديو مع مجموعة من الطلاب في ولاية فرجينيا الأمريكية حول لوحاته الفنية التي رسمها في غوانتانامو. حرك مكتبه الصغير بحيث يكون أمام خلفيته المفضلة المتمثلة بجدار تكسوه ملصقات تضم هيكل كتابه الجديد، واستلَّ وشاحًا أرجوانيًا من الحرير ولفَّه حول رقبته. فاللون الأرجواني كان أول ما تكحلت به عيناه بعد إزالة العصابة عنهما لحظة وصوله إلى غوانتانامو، ولون بذلات السجن التي أُرغم المعتقلين على ارتدائها لتتحول إلى رمز للانتهاكات في مجال حقوق الإنسان التي ارتكبتها أمريكا في المعتقل.

وأضاء إحدى زوايا الشقة بمصباح زهيد الثمن كان قد ابتاعه عن طريق الانترنت خصيصًا لأجل هذه اللقاءات. فمن النادر أن يرفض الضيفي طلب لقاء أو حديث؛ فلا ننس أن لديه كتابًا لتسويقه، فضلًا عن تنوير الأجيال الشابة بما يحدث في غوانتانامو، وهي مسؤولية يرغب بالاضطلاع بها، كما أن مثل هذه اللقاءات فرصة للتفاعل مع الناس ولو لفترة وجيزة.

استهلّ الضيفي اللقاء بمقدمة عن مجمل الأعمال الفنية للمعتقلين في غوانتانامو، وتطرق إلى صراعهم المضني لاصطحاب لوحاتهم معهم لحظة الافراج عنهم. ومن ثم حثَّ الطلاب على طرح ما بجعبتهم من أسئلة. يجدر التنويه هنا إلى شحّ معلومات المشاركين في الحلقات المدرسية والجامعية التي يخاطبها الضيفي حول ما يدور في أروقة غونتانامو وبدايته بالنظر إلى صغر أعمارهم. لهذا يرى الضيفي أن من الضروري أن يقدح ذهنه دومًا بفكرة أن غالبية مستمعيه لم يأتوا إلى الدنيا بعد حينما زُجّ به هناك.

يرجح أن وابلًا من الأسئلة المتعلقة بتفاصيل غوانتانامو قد انهمرت على الضيفي في ذلك الاتصال، لكن هذا لم يمنعه من الإجابة عنها جميعها بكل سرور.

ردًّا على سؤال أحد الطلبة له التالي: “متى استسلمت للأمر الواقع؟”. أجاب الضيفي: “لم يكن هناك استسلام، ففي اللحظة التي تستلم بها تخسر كل شيء”. ومضى بالقول: “عندما نرسم يجردوننا من لوحاتنا، عندما نكتب يحطمون كلماتنا. عندما نضرب عن الطعام يسارعون إلى فضّه، لنعاود الإضراب مجددًا. دونت كتابي مرتين؛ ففي المرة الأولى أخذوه مني وهذا ما أدمى قلبي إلا أنني عكفت على كتابته مرة أخرى”.

أنهى الضيفي مُسوَّدَة كتابه في بلغراد بمساعدة كاتب أمريكي، ونُشر في أواخر العام الماضي. وحاز على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال، وكان موضوع أطروحته تحليل نجاحات وإخفاقات المعتقلين السابقين في الاندماج في الحياة الاجتماعية وسوق العمل في الدول المستضيفة.

ومع هذا ما يزال عالم الضيفي مكبلًا بأغلال غوانتانامو، وباتت تداعيات اعتقاله مرتبطة بكل نشاطاته ومحور صراعاته.

بلغ اللقاء خواتيمه وأطفأ الضيفي مصباحه وشرع بتوضيب شقته. كان يتوق لمواصلة الحديث رغم أن الوقت قد تأخر. وتحول مجرى الحديث إلى شؤون العائلة وبدأ يتقمص دور الأب في تهذيب تصرفات أبنائه. وبعدها انجرف قليلًا، وسرح في أفق الخيال ووثب على قدميه ملاحقًا ما رسمه له خياله على أنهما ابنه وابنته، والابتسامة العريضة تنير وجهه وهو يناديهما باسميهما. عندها تمالك نفسه وأوقف خياله، وجلس صامتًا لبعض الوقت.

وجال في ذهنه أن الملاذ الوحيد من أهوال غوانتانامو يكون بتحقيق هذا الحلم. وإلى أن يأتي ذلك اليوم، سيبقى مكبلًا بأغلال مرحلة من حياته لا يفتأ شبح اعتقاله الطويل المجحف يطبق عليها.

قال بنبرة يائسة: “مهما حاولت ستبقى مشاعر الريبة تلاحقني”، “لا يمكن أن يصدق الناس أن من الممكن أن ترتكب أمريكا خطأ”.

في أبريل/ نيسان الماضي تلقت محامية الضيفي بريدًا إلكترونيًا مشفرًا من الموظف الحكومي المسؤول عنه، يخطرها أن الحكومة “لم تعد مسؤولة عن منصور”، وأن “البرنامج قد انتهى”. بادرته بالسؤال هل هذا يستدعي رفع القيود المفروضة على الضيفي المتعلقة بحرية العمل والقيادة والسفر. أجاب المسؤول الحكومي بأن هذه المسائل سيجري مناقشتها في اجتماع المسؤولين القادم.

مضى ما يقرب الست سنوات منذ وصول الضيفي إلى صربيا ليكشف الستار أخيرًا عن أول إقرار رسمي -وإن كان كامنًا- بوجود قيود على حياته في الأساس. ولا يزال الضيفي ومحاميته يترقبان ما خلص عنه الاجتماع!

212

المصادر
الكاتب

ربى الخليل

مترجمة محترفة، عملت في مراكز بحثيَّة، وأعمل الآن في شبكة رابتلي.

التعليقات

  • مريم منذ شهرين

    يدمي القلب
    لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.