عندما يكون المُهيمن عسكريًا مهيمنًا كذلك إعلاميًا وفكريًا؛ فإنه سيروي القصة -قصة الهيمنة- بأقلام وشاشات تعبر عن الوجهة التي يتبناها هو، ويريد لها أن تصل للعقول القابعة بوعي أو دون وعي تحت تأثير الهيمنة. ويكمن الخطر فيما سينبني على تلك الرواية للواقع من أثر على شعوب سُلبت حقوقها، ودم أبريائها سُفك، وأعراضها انتهكت.

لكن المهيمن في هذا الزمن يملك أدوات التوجيه الفكري والإعلامي التي لم تكتفِ بإخفاء آثار جرائمه الصريحة على مرأى ومسمع الجماهير؛ بل تعمل على تحويل المهيمن إلى المرشد والمعلم للشعوب في ميدان القيم. يقول الشيخ عبد العزيز الطريفي: أعظم صور هوان الأمة أن تكون مظلومة، ويُقنعها عدوها أنها هي سبب نزول الظلم عليها؛ فترى عدوها معلمًا مربيًا لا ظالمًا متربصًا”.

أما الأخطر فهو تبني نخب في البلدان تحت الهيمنة لخطاب وقيم ورسالة المهيمن؛ ما يؤدي لصناعة القابلية للاستعمار في الصفوف الداخلية للضحايا. كما تحاول الهيمنة الغربية دائمًا إسباغ خطاب إنساني على تحركاتها وسياساتها؛ بينما في الواقع لم يحدث في التاريخ البشري أن واجهت الإنسانية انتهاكات لحقوق الإنسان كما شهدته في زماننا المعاصر، غير أن راوي القصة هو منفذ الجريمة، وهو الموجه لأفكار الضحايا.

من بين تاريخ الإجرام الغربي الطويل، سنأخذ أحد الصفحات الحية التي ما زلت المعاناة تخط حروف قصتها إلى يومنا هذا؛ وهي مأساة سجن غوانتانامو. ونستحضر غوانتانامو كنموذج واقعي لصورة الإنسانية الغربية كما هي في الحقيقة، معتمدين على شهادات من خاضوا تجربة ذلك السجن؛ خاصة في هذا الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الهيئات الدولية والقيادات الغربية بالتحذير من الكوارث الإنسانية التي ستعقب اجتياح روسيا لأوكرانيا؛ فالإنسانية بالمعيار الغربي ليست لكل إنسان .. وسنحاول في هذا المقال تقديم صورة عن واقع الإنسانية تحت هيمنة الغرب.

أمة في غوانتانامو

غوانتانامو

أرادت أمريكا أن تجعل من ذلك السجن المعزول عن العالم في الجزيرة النائية مركزًا للتجارب المختلفة على نوع خاص من الجنس البشري؛ لا يتميز عن البقية بلون أو عرق أو لغة أو جنسية، لكن بعقيدة دفعت من يحملونها لمقاومة الآلة العملاقة للنظام العالمي. نوع لم تتمكن أجهزة التأثير السائلة والصلبة من احتوائهم وترويضهم، وإخماد شعلة الحرية والنور في قلوبهم. فهُم بالنسبة لأمريكا -وكل قوى الطغيان في العالم- لغز محير يستدعي الدراسة والتحليل.

وكان غوانتانامو هو الوحدة التي تم فيها تجربة أبشع طرق الإغواء والابتزاز والترهيب لتطويع الاستعلاء في تلك العقيدة واستهانة من يحملونها أمام الأهوال، وأمام أكبر قوة مادية في العالم .. لذلك يمكننا تسمية أحداث السجن بالصراع الدائر بين الأمريكان من جهة والمسلمين من جهة. وبما أن أمريكا قصدت من وراء غوانتانامو فك ذلك اللغز، إلا إن الغاية من ورائه كانت محاولة معرفة طرق السيطرة على الأمة الإسلامية كاملة؛ انطلاقًا من شريحة من هذه الأمة وقع تجميعها في غوانتانامو. فقد كان الصراع داخل غوانتانامو صورة مصغرة لصراع أمة في أسر الهيمنة مع السجان المستولي على مقدراتها، والمحتل لشعوبها بالفعل خارج غوانتانامو، وفي كل زاوية من أرض المسلمين.

لهذا وقع تجميع سجناء من مختلف البلدان، وترتيب السجن حسب معسكرات تختلف طرق المعاملة فيها وإخضاع السجناء لمختلف وسائل الترغيب والترهيب. فهل تمكنت أمريكا من كشف سر هذه العقيدة، وطرق تدجين حامليها؟

القتلة المحبوبون

كان المحققون في غوانتانامو يحرصون على أن يمر المساجين قبل التحقيق وأثناءه بصنوف من العذاب الجسدي والنفسي؛ الذي يجعل من المعتقل يدرك إلى أي مدى يمكن أن تصل بشاعة القوة عندما يحوزها الشر، ويسلب منها أهل الخير؛ والمَبلَغ الذي يمكن أن تبلغه قوى الشر عندما تتسلط على الأخيار مُتترِّسة بكل ما بلغت إليه إمكاناتهم المادية، لكن مع كل هذا الذي يعاينه السجين -قبل وأثناء وبعد التحقيق- إلا أن الأمريكان لا يستحيون من ترديد سؤالهم على مسمع الأسرى .. لماذا تكرهوننا؟

نعم، إنهم ينتظرون من ضحاياهم كما خضعوا لقواهم الصلبة؛ أن يخضعوا لأجهزتهم السائلة واللينة، والتي تكمل مشهد الهيمنة.

يتوقعون من الشعوب المحتلة أن تستقبلهم دائمًا بالورود، وأن تسلم مقاليد حضاراتها وتاريخها ليقع استبدال حضارة أمريكا بها، وأن يحمل الضحية في ضميره الحلم الأمريكي ليبدد به أحلام أمته ورسالة دينه؛ وبهذا تنعدم مبررات المقاومة للاحتلال الأمريكي، وتتحول هذه الرؤية لسياساتٍ في البلدان المحتلة، يصبح حب المحتل دليل اعتدال، يمتحن عليه الناس لإثبات وسطيتهم، بينما رفضه والتمرد عليه تهمة تستوجب المساءلة، أما المساءلة في غوانتانامو فقد كانت أكثر وقاحة.

دين الإنسانية الغربية

رغم أن الحضارة الغربية ترفع شعاراتها العلمانية، إلا أن الأمريكان لا يتورعون من استخدام الدين كأحد الوسائل لإخضاع أعدائهم؛ فإضافة للصليب الذي ينصب على مرأى المساجين المسلمين كهوية لأصحاب السجن، فإن إدارة غوانتانامو كانت تستخدم غيرة المساجين على القرآن لابتزازهم أو تهديدهم أو محاولة إذلالهم، بحملات تفتيش القرآن الذي يقصدون من ورائها تدنيس كتاب الله. الأمر الذي كان يُواجه من مسلمي غوانتانامو بالرفض والتصعيد الذي يبلع في أوقات كثيرة مواجهة السجين المسلوب السلاح مع قوى مدججة في معارك تستخدم فيها الغازات الحارقة في أثناء عمليات اقتحام الزنازين، ثم الاعتداءات الجسدية.

ورغم عدم إمكان المقارنة المادية بين فرقة الشغب المسلحة والسجين الأعزل، إلا أن أصحاب العقيدة رسموا مشاهد بديعة من الصبر والتحمل والشجاعة واستصغار كيد الجنود في سبيل كتابهم، كما دخل العديد منهم في إضرابات جوع طويلة لم تستطع إدارة السجن إلا محاولة إجهاضها باستعمال طريقة تغذية قسرية بإدخال أنبوب تغذية بطريقة وحشية، وسكب المغذي في معدة السجين.

إن غوانتانامو هو النموذج الحقيقي لمنطق حوار الأديان وقبول اخر الذي تروج له أمريكا ومن تبعها في بلادنا. وإنسانية الغرب تعني سجود الأمم لتمثال الحرية الأمريكي، ما يقابله التخلي عن المعتقدات التي يمكن أن تهدد الشعوب المخدرة لتستفيق على واقع النفاق الغربي.

معركة الشهوات والشبهات

خلف حُجُب مخيمات وغرف التحقيق، ووراء قضبان غوانتانامو استعملت الكوادر الأمريكية أسلحة ناعمة لتفتيت عزم القلوب المؤمنة بالله. من أهمها تقديم الشبهة في قالب وجهة النظر، لتحويل المعركة مع المستعمر، إلى معركة داخلية؛ فتفعل الشبهات ما لا تفعله الأسلحة. لكن مع تقديم جرعات من الإغواء الجنسي بتغنج الجنديات الأمريكيات على السجناء.

إنها أمريكا التي تنفق الأموال الطائلة على مراكز البحوث الاستراتيجية لاحتواء الإسلام فكريًا، وتفعيل أجهزة نشر الشبهات ودعم أصحاب الأفكار المنحرفة. وهي هي أمريكا التي توجه هوليوود، ونتفليكس وغيرها كمنصات لاستثارة العواطف والغرائز. لكنها في غوانتانامو اصطدمت بنماذج غير قابلة للتفسير بالمنطق المادي، نماذج كانت صدورهم قد حصنت بالقرآن من الشبهات، وبرباط التقوى واليقين بما عند الله من الشهوات، ما رد كيد الأمريكان إلى الهوان.

الإنسانية الغربية ومبدأ الكراهية

غوانتانامو

حاولت إدارة السجن تفريق المساجين حسب بلدانهم، مع الإبقاء على سجين في كل مجموعة من غير بلد البقية. وهو نموذج مصغر لقوميات سايكس بيكو، وما يحدث بين بعض إخوة الدين الذين فرقت بينهم الحدود الاستعمارية. لكن في غوانتانامو لم يكن للجنسية الاستعمارية تأثير لجانب رابطة الدين التي أبطلت سحر العصبية القومية المتغذية من منابع التفرقة برعاية وحراسة غربية، وفشلت التفرقة العنصرية.

وقد استعمل الأمريكان وسائل تفرقة أخرى كإنشاء السجن على معسكرات متفاوتة من ناحية المعاملة، والحقوق التي تتوفر في معسكر عن الذي يليه؛ بحيث تنمي هذه التفرقة رغبة مساجين المعسكر الأكثر أريحية الحفاظ على تلك الامتيازات مقابل شروط تريد إدارة السجن تحقيقها. أدناها الفصل الشعوري بين كل معسكر ومعسكر؛ ما يكون مقدمة لفصل التفاعل في القضايا المطروحة وإخماد مقاومة البعض مقابل الامتيازات، كما يحدث تمامًا في حالة الغنى الطاغي والفقر المنسي الذي تعيشه شعوب متجاورة، لينشغل كل منهم فيما هو فيه مغيبًا عما  يجري وراء الحدود.

إن الإنسانية من منظور غربي تعمل على إشاعة الكراهية بين شعوب يجمعها الدين واللغة والتاريخ والواقع؛ فالغرب هو مَن أسس نظم سايكس بيكو، وهو الذي يعمل على حراستها. وحراستها تتضمن العمل على إثارة القوميات والعصبيات الوطنية والعرقية، والعنصرية التي ينتج تأجيجها افتراق الإخوة وتشتت شملهم، ما يتيح للغرب حالة آمنة من نهب الثروات الباطنية التي تعج بها الأمة.

تنوع كاذب

تدعو الانسانية الغربية لمبدأ التنوع وقبول الآخر؛ هذا المبدأ الواهي في حقيقة الواقع، يتجسد زيفه بطريقة سافرة في سجن غوانتانامو. فالتنوع الذي يريده الغرب هو بين غربي ومُنسحق أمام الحضارة الغربية، بالتالي تنوع داخل ثنائية سادة-عبيد، لكن ما إن تتسلل شعلة حرية في زاوية من زوايا ذلك التنوع، ويخرج أحرار النفوس من مقررات الانسانية الغربية وبنود رقها، وتفلت الأفكار والسواعد خارج الصندوق الغربي، حتى ينقلب مبدأ التنوع إلى مبدأ الرفض والإقصاء.

فالإنسانية الغربية لا ترى في شعوب العالم إلا عبيدًا تحت سطوتها، يقبل بالتنوع تحت ظل العبودية. لكن التنوع في الحقيقة مجرد وهم خاصة مع دين الإسلام الذي جاء ليهدم كل عبودية وخضوع لغير الله وشرعته.

الإسلام ونموذج الإنسانية الغربية

غوانتانامو

لقد كان غوانتانامو -ولا زال- أحد المحطات التي تهاوت فيها حصون المادية الغربية المتترسة بأسلحتها العسكرية والنفسية أمام الإسلام؛ الذي صحت قلوب معتنقيه على نداء الحرية، لترفض بعدها الخضوع وإن كان المهيمن قد انتفش في عالم المادة لحد مكَّنه من ترويض شعوب العالم.

لقد أثبت غوانتانامو ما هو مثبت من قبل؛ وهو أن ما يواجهه الأمريكيون -وقبلهم الروس، وقبلهم الفرنسيون والإنجليز، وكل الغزاة على مر التاريخ- ليس مجرد تراتيل قابعة في زاوية من الزوايا لا تبرحها -وإن كان هذا مما يُراد لهذا الدين-، وليس فكرًا مرتبطًا بالأسباب حتى تقدست الأسباب -وإن كان هذا مما يُراد لهذا الدين-، وليس ارتقاءً روحيًا وإشراقات تخدر الناس عن واقعهم -وإن كان هذا مما يُراد لهذا الدين-.

لقد أدرك الأمريكيون أن على قمم هذا الدين القرآن؛ الذي يُنشئ في قلوب المسلمين طاقات متحركة ونابضة لا تهدأ ولا تستكين. فمجالها كل المكان وزمانها كل الزمان، وأنه فكر تتهاوى أمام ترابطه كل النظريات المادية والتفسيرات الغربية للنشأة والتطور. ما يجعله الوحيد الذي لا يمكن أن تتماسك أمام حججه الموجات الإلحادية والنسوية والمثلية المعاصرة، وأنه روحانية مجاهدة تتزود من تبر الدين ما يثبت الأقدام ويسدد الرماح في ساحات الوغى.

إن الإسلام هو البديل الحضاري الذي تنتظره البشرية لينتشلها من تيه الغرب المدبج بشعارات زائفة عن الإنسانية، وإن ما ينتظره العالم من المسلمين اليوم هو إعلاء للمنظومة القيمية الفريدة، التي تحقق غاية النشاط البشري في رفق ورحمة بعيدة عن التسليع الغربي للبشر.

ولتعود البشرية إلى رشدها وجب أن يعود هذا الدين للريادة.

241

المصادر
الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.